التاريخ بريشة نيكولاوس جيزيس (1892)

كيف وجد التاريخ…

كيف وجد التاريخ…

مدخل في علم التاريخ

يبحث علم التاريخ في تتابع الحوادث التي أدت إلى نشوء وتطور الكائن البشري منذ بداية الخليقة إلى يومنا هذا. وهو يختلف بذلك عن  تاريخ العالم. فهو يُعني بالتاريخ الانساني وماقام به الانسان دون الطبيعة…

الوجود الانساني والتأريخ

اجمع رأي العلماء أن الانسان وُجد اولاً في قلب قارة آسيا ومنها انبث في اطراف المعمورة وصار بطوناً وقبائل كثيرة وشعوباً مختلفة في الشكل واللون، بالنسبة الى المكان والجغرافيا التي قطنها واقام فيها حضارات…والى زمانه من قديم ومتوسط وحديث، والى اللغة، والدين، والمذهب، والاخلاق والعادات والتقاليد، ودرجة حضارته، والى العصر الذي عاش فيه عبر التاريخ، والحكومة التي حكمته، الى غير ذلك مما يُعزى اليه.

فبعد ان انتظم شمل البشر كل في بقعة ومطرح، وسعوا الى تأمين حاجاتهم التي كانت تزداد بالنسبة الى ازدياد منزلتهم في التقدم أخذ حفظتهم بتدوين الذاكرة بما توالى عليهم من الشؤون مما طاب وقعه في نفوسهم فخزنوا معظم حوادثهم في تلافيف الذاكرة بصفته الحافظة لما مر وكانوا يرونها على علاتها ممتزجة بالخرافات والترهات.

 

وكثيرا ما صاغوها حكايا ومدونات ومعلقات شعرية وسردية، وترنموا بها اناشيد تحمساً واثارة للهمم مما يعد اصلاً للتاريخ واساساً لحوادثه في حينه.

ولما انتبهوا الى ضرورة تخليد تلك المرويات قرروا حفظها للأجيال اللاحقة على مبدأ

الخط يبقى زماناً بعد كاتبه………….وكاتب الخط تحت التراب مدفون

وخلدوها ايضاً بالمشيدات من النصب والنقوش تواريخ لاخبارهم  وصحفاً لآثارهم فنشأت الأبجدية الأوغاريتية(1) في رأس شمرا وارواد وجبيل في الساحل السوري، والخطوط الهيروغليفية(2) في مصر ووادي النيل والصينيين القدماء، وسكان اميركا الاوائل…وغيرهم. والخطوط الاسفينية او المسمارية(3) عند الآشوريين والبابليين والكلدانيين وغيرهم، مما لايزال العلم ساعياً الى كشف خباياه، ويبعث من بطون الارض تواريخ الأمم العريقة في القدم، فيعرف من هذه الآثار الصامتة شؤون تلك الامم الناطقة وماكانت عليه من الاخلاق والعادات والترقي والانحطاط والتمدن والتوحش…

لهذا كان مشرقنا مقر التاريخ القديم وكانت ارضه مبعث تلك الاوابد التي استنطقها الآثاريون وعلماء الفن فترجمت عن شؤون واضعيها، وأهم هذه الآثار الأحافير والمسكوكات والعاديات وهي على انواع مختلفة بين كثيرة ونادرة مما يعرِّف الفينيقيين وسكان بلاد الرافدين ووادي النيل والهند والسند والصين والاغريق واليونان والفرس والرومان والعرب في الجزيرة العربية…الخ.

الاسنادات

فهكذا تدرج التاريخ ولكن اسناد وقائعه كان في امره بسيطاً فكانت تسند اما الى زمن ولادة احد المشاهير، او الى تربع أحد الملوك العظام على عرشه، او الى موقعة حربية شهيرة او خراب مدينة وتأسيس اخرى، او الى العاب الاولمبياد في اليونان، او الى امور اخرى مثل الثلوج التي كان يؤرخ بها اهل روكسلان القدماء(روسيا) فيقولون عمر فلان ثلاث ثلجات مثلاً، ووضع الخرز في تيجان ملوك الجاهلية عند العرب القدماء فيعرفون سني تملك الملك من عددها اذ يضعون كل سنة خرزة في تاجه  وغير ذلك…

تغلغل الخرافة

ان المؤرخين وقتئذ سواء كانوا حفظة او نقاشين او نحو ذلك قد خلطوا الحقائق التاريخية والوقائع التاريخية بخرافات واساطير لاطائل لها، فمثلاً نسبوا الحروب الى حدوث الخسوف والكسوف والزلازل الأرضية وظهور المذنبات وسقوط النيازك وغير ذلك، فضلاً عن انهم بالغوا في مديح انفسهم كما فعل الرومان بقصة اللبوة التي زعموا انها ارضعت رومولوس باني عاصمة امبراطوريتهم روما سنة 753ق.م.  وحادثة نهر التيبر في روما معتقدين ان كاهنة قد رفعته في ذلك الزمن الى ان بلغ السفينة التي كانت تجرّها بمنطقتها الى غير ذلك مما ارادوا به اثبات افتخارهم بنسبهم السماوي وليس من طينة بشرية.

جازف الكثيرون بسرد الوقائع التاريخية وخلطوا الحقيقة بالمغالطة كالرومان الذين زعموا ايضاً على انه ليس غيرهم في المعمورة، وان كل ما اقترفوه ويقترفونه من المنكرات والسلب في الحروب  انما هو منهج صحيح وسراط مستقيم تماماً كعقيدة الولايات المتحدة اليوم وان قانونها يسري على كل الشعوب واعلى من شرعة الامم المتحدة وكل ماتقوم به من منكرات بحق الشعوب والحكومات مبرر…!

تدوين التاريخ

بعد ذلك عرفت التواريخ المكتوبة فكان اقدمها اسفار موسى الخمسة التي كتبت في القرن 15 ق.م، وفي شهرتها غنى عن وصفها. ثم اشعار هوميروس بطل الشعراء اليونانيين في القرن 10ق.م التي وصف بها حوادث قومه وحروبهم ولكنه خلطها بالخرافات وقد اعتنى الاسكندر المقدوني الفاتح العظيم بجمعها في اواخر القرن 4ق.م بعد ان وكل امر تهذيبها الى استاذه الفيلسوف ارسطو وكلف بمطالعتها ومراجعتها.

هيرودتس ابو التاريخ

 ثم نبغ المؤرخ هيرودوتس المشهور بأبي التاريخ وهو يوناني ولد بعد ان غزا اكزرسيس بن داريوس ملك الفرس بلاد اليونان سنة 485ق.م فاعتنى  هيرودوتس باستقراء احوال الامم وأصلهم بروية وتثبت على اسلوب استحق اسم التاريخ فضمن مؤلفه وصف حروب الفرس مع اليونانيين والمصريين ومما يؤاخذ فيه تملقه لليونان قومه وعدم تجريده من تخرّصات الاوهام واساطير الخرافات، ولكنه صدَق في روايته التاريخية وحققها. وكان قد سبقه الى مثل ذلك قدموس المليتي من بني جنسه اليوناني بقرن واحد على ان هيرودتس هذا هو اول من نقل كلمة هيستوريَّا من معناها الأصلي الذي هو البحث والمعرفة الى اسم التاريخ وخصصها به وتناقلتها لغات اوربة حتى عهدنا اسماً للتاريخ.

واشتهر هذا المؤرخ في اواخر القرن 5 واوائل القرن 4 ق.م. وقيل انه نسج على منوال مواطنه المؤرخ زنثيوس الذي” وُلد نحو سنة 503 ق.م ولم يبق من تاريخه الا قطع قليلة متفرقة على ان هيرودوتس اخذ لقب “ابي التاريخ واشتهر به فكان مؤسساً للتاريخ…

مؤرخون آخرون

واشتهر في العصور القديمة الكثير من المؤرخين امثال:

– سنكنياتون المؤرخ الفينيقي الذي يرجح انه بيروتي الاصل.

– المؤرخ فيلون الفينيقي الذي كان من مدينة جبيل الفينيقية.

– مانيثون الكاهن المصري في القرن 3 ق.م.

– كونفوشيوس (كنفزة) المشرع الصيني معاصر هيرودوتس، ولكنه امتاز عليه انه ترك لبني جنسه شرائع لاتزال الى اليوم اساساً لأعمالهم، اضافة الى وضعه تاريخاً لهم.

– بدروسوس الكاهن الآشوري الذي صّنّفَّ تاريخاً وقدمه لبطليموس ملك مصر سنة 283 ق.م.

– تياس المؤرخ الفارسي.

– اكسينوفون اليوناني الذي وصفه شيشرون بأن كتاباته احلى من العسل فلقب بالنحلة وتوفي سمة 355 ق.م.

– ديونيسيوس الهاليكرناسي اليوناني الذي الف كتاباً في آثار رومة القديمة في عشرين مجلداً لم يبق منها سوى احد عشر مجلداً… ونشر تاريخه في السنة السابعة قبل الميلاد.

– يوسيفوس المؤرخ اليهودي  المشهور المتوفي في رومة سنة 103م وكتب تاريخ شعبه اليهودي.

– ثيودور الصقلي اليوناني جاء مصر في السنة الثامنة قبل الميلاد وكتب عنها وكان معاصراً لاسترابون الجغرافي اليوناني الشهير، وله المكتبة التاريخية في اربعين كتاباً لم يبق منها الا خمسة عشر طبع بعضها في باريس وأمستردام.

– بروكوبيوس المؤرخ اليوناني من قيصرية الكبادوك المتوفي سنة 565م مؤلف كتاب”الحروب مع الغطط والفرس والبندالة”.

– اوسابيوس اسقف قيصرية فلسطين الذي ولد نحو سنة 270م وتسقف على قيصرية فلسطين سنة 315م وتوفي نحو سنة 338م وهو ابو التاريخ الديني ومؤلفه في عشرة مجلدات.

– ابو التاريخ عند الرومان هو سالسته الذي اشتهر بعد هيرودوتس بالاختصار والايضاح وحذا حذوه في الاسلوب التاريخي.

– رشيد الدين الطبيب الفارسي من اهل القرن 14م صاحب كتاب “جامع التواريخ”

انحطاط علم التاريخ

لما اضطرب حبل الامم القديمة وشغلتهم الحروب والفتوحعن العلوم انحط علم التاريخ مثل غيره من العلوم الانسانية الاخرى، وبقي طفلاً متوارياً الى حوالي القرن 16 وماتلاه حيث ظهر في ايطاليا المؤرخ المشهور غويتشرديني.

ثم بُوصُويهْ المؤرخ الفرنسي صاحب” الخطبة في التاريخ العام” التي عربت. ونشأ في القرن 17م وعاصره عند الألمان لبينسيوس، وعند الاتراك العثمانيين بلغيري الأدرناوي صاحب كتاب” انيس المسافرين”.

مع مطلع القرن 18م بلغ علم التاريخ سنَّ الكمال فنهج فيه منهجاً صحيحاً، وعُرفت فلسفة التاريخ التي هي من المبتكرات المفيدة فاختصرت التواريخ واعتُمِدَ فيها على التحقيق، ونُظِرَ في عادات الامم وأخلاقهم وعمرانهم وذرائع ترقيهم بالسياسة، لأن للتاريخ تأثيراً فيها اذ يمثل الشعوب على اختلاف شؤونها المتلونة واغراضها المتباينة، وما يدعو الى انحطاطها وترقيها مع ذكر اسبابها وانتقادها الى غير ذلك، فهذب التاريخ المدنية ونبغ عند الانكليز في هذا العصر ثلاثة هم: غبون وهيوم وروبرتسون. وتاريخ الأخير المعروف ب”تاريخ شارلكان الأمبراطور” مشهور ضَّمنه الأسباب التي اعترت حالة اوربة السياسية منذ انقراض الدولة الرومانية سنة 476م الى اوائل القرن16م، ومن كلامه فيه:”ان الزمن الذي كانت فيه العلوم مزهرة عند العرب كانت اوربة منغمسة في ظلمات الجهل حتى كانت الحروب الصليبية فيَّسرتْ نقل المعارف من الشرق الى الغرب”. وصَّنَفَ كتباً غير هذه ترجمت الى العربية وطبعت في مصر سنة 1842م وكان من معاصريه الالمانيين هردر وميلر وسكلكُل. فالأول كتب في “فلسفة العمران” والثاني الف “تاريخاً عمومياً” و”تاريخ سويسرا” والثالث كتب في “فلسفة التاريخ”.

نبغ عند الفرنسيين ثلاثة اشتهر منهم (مونتسكيو) الذي الف كتاب”عظم دولة الرومان وانقراضها” وكتاب”روح الشرائع” المترجم للعربية ويُعرف عند الاوربيين ب”ابن خلدون الافرنج”. كما انهم يسمون ابن خلدون المغربي ب”مونتسيكيو الشرق”. ومن اقواله في روح الشرائع:” ان حياة الدول اشبه بحياة الناس فكما يسوغ لهؤلاء القتل دفاعاً عن انفسهم يسوغ لتلك الدول  ان تضرم نار الحرب صيانة لحياتها”، ومن ابدع تمثيلاته قولُهُ: “ان المستبد  بأحكامه هو اشبه بمن يستأصل الشجرة ليجتني ثمرتها”

ولما ساح في اوربة قال:”ان بلاد المانيا للسياحة وايطاليا للاقامة وفرنسا للمسرة وطيب العيش.”

التأريخ عند العرب

اما العرب فكانوا يؤرخون بداية بطلوع النجم او النوء من ذلك سمي الوقت الذي يضرب موعداً لأداء الدين ونحوه نجماً (ونسميه ايضاً بالقسط)، وكانوا يخلطون الوقائع بعضها ببعض، فاذا ارادوا تمييزها اضافوها الى شيء مشهور من الشؤون الهامة. فقالوا مثلاً (عام الفيل) ويريدون به العام الذي ملك فيه النجاشي اليمن وهو سنة 529م. فأقام عليه ارياط ابا ابرهة الاشرم صاحب الفيل. فأضافوا الواقعة الى فيلهِ وقالوا عام الفيل. وكانوا قبلاً يؤرخون بمبعث نبي الى آخر. وربما اضافوها الى امكنة الوقائع مثل (يوم البيداء بين حِمْيَرْ وبني كلب). او اسندوها الى سبب آخر مثل (ايام الفجار). وهي اربعة سمتها قريش بذلك لأنها كانت في الأشهر الحرام. فلما قاتلوا قالوا لقد فجرنا فاطلق عليها اسم الفجار.

ومازالوا كذلك حتى ايام الخليفة عمر بن الخطاب سنة 632م فادخل التاريخ بينهم باشارة الهرمزان الفارسي لضبط الاموال. وعربوا اللفظة الفارسية(ماه روز) بكلمة (مؤَرخ) ثم تصرفوا فيها بالاشتقاق على عادتهم في الالفاظ الدخيلة.واتخذوا السنة التي هاجر نبيهم فيها مدينة مكة وسكن يثرب اعتباراً من يوم الجمعة في 16 تموز سنة 622م بدءاً لتاريخهم الهجري وارخّو بالليالي لاعتمادهم على الهلال الذي يظهر ليلاً.

فنشأ التاريخ عند العرب قصصاً وخرافات اشبه بأساطير وخرافات من تَقَدَمَهم من اليونان والرومان والفرس وغيرهم، ولكنهم فاقوا غيرهم بضبط الانساب وحفظ الرواة اياها وسردها باتقان فائق مما كان ينال السبق فيه ذو الحافظة القوية والذاكرة الجيدة فابتدأ التاريخ روايات وأقاصيص يتناشدونها في مجتمعاتهم وبقي مدة كذلك بعيداً عن دفات الكتب واوراق المصاحف فلهذا تجد اخبار جاهلية العرب غامضة وليس من مرجع لمعرفتها الا اشعارهم  وبعض نتف من نثرهم لاتروي غليلاً ولاتؤَبد رواية ثابتة.

لقد كان هم الاولين من العرب المسامرة وسرد أخبار أسلافهم حتى روى ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد(3:47) انه ” قيل لبعض الصحابة ماكنتم تتحدثون به اذا خلوتم في مجالسكم قال كنا نتناشد الشعر ونتحدث بأخبار جاهليتنا”

وقال ايضاً(العقد الفريد 15:1)”علم الملوك النسب والخبر وعلم اصحاب الحروب درس كتب الأيام والسير وعلم التجار الكتاب والحساب.”

وكان العرب يعتبرون من التواريخ اربعة فقط تاريخ العرب والروم والفرس والقبط.

ومن اول تواريخهم كتب المغازي والسير الف بعضها في القرن الاول للهجرة وفقدت ولاسيما ماصنفه محمد ابن اسحق لآبي جعفر المنصور وتوفي ابن اسحق هذا في بغداد سنة 151ه(768م) وقيل سبقه ببضع وعشرين سنة محمد بن مسلم الزهري بتأليف كتاب في المغازي كما ذكر الحاج خليفة في كشف الظنون وقيل غير ذلك ومهما يكن فإن هذه المؤلفات لعبت بها يد الضياع ولم يسلم منها إلا سيرة ابن هشام المتوفي سنة 213ه وهي منقولة عن كتاب ابن اسحق الآنف ذكره.

من اقدم التواريخ العامة عندهم (تاريخ اليعقوبي) ذكر فيه اخبار الامم القديمة من العبرانيين والهنود واليونان والروم والفرس وغيرهم واخبار المسلمين الى منتصف القرن 3 ه في عهد المعتمد العباسي. ثم جاء بعده الطبري في اواخر القرن3ه والمسعودي والاصفهاني والواقدي وابن الأثير والثعالبي وابن خلكان وابو الفداء وابن خلدون والمقريزي والادريسي والحاج خليفة وابن العبري والدويهي والسمعاني الى عهدنا من مؤرخي الأمم والدول ومترجمي المشاهير والجغرافيين وواصفي المؤلفين والمؤلفات ومن اشهر تواريخهم المنشورة (الاغاني لأبي الفرج الأصفهاني) من مؤرخي القرن العاشر للميلاد وهو في 21 مجلدا و(الكامل لابن الأثير) و(بروج الذهب للمسعودي) وكتاب (روضة المناظر في اخبار الأوائل والأواخر) لأبي الوليد محمد بن الشحنة الحنفي الذي انتهى من تأليفه سنة 1403م زمن تيمورلنك.

وابن خلدون في بضعة مجلدات ومقدمته في فلسفة التاريخ من نوادر الكتب اخذ فيها على من تقدمه من المؤرخين، ونسجها على طراز بديع ولكنه لم يخل من الانتقاد. مثل وضعه في ديباجة مقدمته نحو صفحة كاملة من الالقاب للملك الذي قدم له كتابه وهو عبد العزيز بن ابراهيم المريني وما ذلك الا شيء يسير بالنسبة الى منافعها الكثيرة ومافيها من النظر الدقيق في البحث عن فلسفة العمران والاجتماع والاخلاق والتاريخ. وكثيراً مايشك المطالع في ان ابن خلدون واضع المقدمة هو ليس بكاتب تاريخ (ديوان العبر) المشهور لما بين المقدمة والتاريخ من التباين في اساليب الانشاء وانسجام الالفاظ وصدق الرواية. ولعله صرف وقتاً على المقدمة أو اوقف عليها احد بلغاء عصره فجاءت درة فريدة في بابها فكانت طبقتها اعلى من التاريخ وديباجتها اصفى.

ومن اشهر كتب التراجم (وفيات الأعيان) لابن خلكان في مجلدين كبيرين طبع مصر وذيله المسمى ب(فوات الوفيات) لصلاح الدين الكتبي الحلبي طبع في مصر ايضاً.

ومن اشهر قوائم الكتب ومؤلفيها (كشف الظنون) للحاج خليفة وصف به اكثر من 15 الف مؤلف من مصنفات العرب والعجم وألمَّ بتراجم مؤلفيها وبوصف اكثر العلوم التي بحثت فيها، وقد طبع في اوربة ومصر واماكن متعددة، و(الفهرست) لابن النديم و(طبقات الاطباء) لابن ابي اصيبعة…

ومن اشهر الجغرافيات كتاب (الادريسي) و(معجم البلدان) ياقوت الرومي و(خريدة العجائب) لابن الوردي.

ومن اشهر الرحلات رحلة ابن بطوطة ورحلة ابن جبير وابن فضلان والنابلسي، ومن اشهر التواريخ الخاصة (تاريخ تيمورلنك) لابن عربشاه الدمشقي و(تاريخ صلاح الدين) لابن شداد و(تاريخ السودان) للسعدي…

مما يؤخذ على بعض مؤرخي العرب انهم يغفلون ذكر سني الولادة والوفاة والملك … ولايحسنون تبويب كتبهم ولايضعون لها فهارس ترشد الى مواضيعها ويكثرون من الاسجاع والتصورات الخيالية في معرض الأخبار ولاتخفي المنافاة بين الاساليب الشعرية والتاريخية في كثير من المواضيع اللهم الا في الاوصاف التي يراد بها تحريك العواطف  فإن اساليب الشعر تليق بها اكثر من غيرها.

والاسلوب التاريخي عموماً هو من النوع القصصي فلا يحتاج الى تنميق الفاظ وتسجيع فقرات وتصور خيال بل يجب ان يرسل الكلام فيه ارسالاً يسيل عذوبة ويشف عما وراءه بوضوح كما فعل ابن خلدون في مقدمته وبعض المؤرخين في كتبهم.

ومن المغالطات التي تُعزى الى البعض الآخر اختلاف الاسماء والأماكن والوقائع والسنين ونحوها، ولعل ذلك نتج من عدم اعجام الحروف وعدم ضبطها بالحركات في اول امرها فدخل فيها التصحيف والتحريف فضلاً عن تلاعب النساخ وعدم امانتهم في النقل.

حواشي البحث

1) اول ابجدية في التاريخ

2) كان الخط الهيروغليفي خط كهنة المصريين القدماء وقد اخفوه عن الشعب وهو تصويري وكانوا يعبرون به عن القوة مثلاً بجثة سبع لها رأس انسان، وعن الانتحار مثلاً برجل يضرب رأسه بفأس، وعن الامانة مثلاً بجثة انسان لها رأس كلب وعن الصدق بريشة طاووس، وعن الابدية بدائرة، وعن البر بالوالدين بصورة كركي، وعن العقوق بهما برسم سمك الحيات الخ.

اكتشف العالم الفرنسي شامبليون سنة 1822 الهيروغليفية وفك رموزها بعد العثور على حجر رشيد اوعلى هذا الحجر نقش يضم الى الهيروغليفية اليونانية القديمة واللاتينية، وحجر رشيد موجود في متحف باريس، وبمقابلة اللغات عليه شرع بوضع معجم للعيروغليفية ولكن المنية حالت دون اتمامه فأتمه ولده غوستاف.

3) القلم المسماري شقيق الهيروغليفي، لكن المسماري له علامة تدل على الفاظ كثيرة والهيروغليفي له علامة تدل على الفاظ كثيرة والهيروغليفي له علامة تدل على لفظة واحدة وحل رموز هذا القلم هنري لونصن الانكليزي سنة 1837م اذ قرأ كتابة صخرة بيهستون في الاناضول، واشتهر بعده اوستن ليرد وغيره…