التطويبات

التطويبات… 

التطويبات… 

ينبغي لنا أن نجعل تفكيرنا وقلوبنا مشغولة باستمرار بشخص الرب  يسوع المسيح : شخصيته، وأقواله، وأسلوب حياته، وطريقة مماته، ومعنى قيامته. فيترتب علينا أن نستوعب المغزى الكامل لكلماته في الموعظة على الجبل. وأيضاً في الأمثال التي قالها، ويجب علينا أن نمثّل لكل العالم الأشياء نفسها التي مثّلها في حياته. .

لقد أوضح ربنا يسوع المسيح له المجد معنى ملكوت الله في الموعظة على الجبل، وفي الصلاة الربانية، وفي عبارة “ﭐُدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ!” وهذا يعني، عَامِلِ الناسَ بما تُحِبُّ أنْ يعامِلوكَ به. وهذا ما يتم تجاهله بشكل عام. فلا تعتبر نفسك سائراً في طريق التلمذة ما لم تفعل للجميع كل ما تسأل الله لنفسك، وهذا معناه وبعبارة أخرى، عدالة اجتماعية مطلقة وأجواء ملكوت الله المسالمة. نحن سفراء ملكوت الله الآتي؛ ونخدم قانوناً واحداً فقط، ألا وهو قانون روحه القدوس.

تخبرنا الموعظة على الجبل معنى ذلك عملياً. فالطريق واضح لكل من كان صادق معها. بالطبع لا يقدر أحد المضي بهذا الطريق بدون النعمة. ي. ويشير يسوع إلى ذلك عندما يتحدث عن الشجرة ودورها الحيوي عند تشبيهه لها بملكوت الله. ويتحدث أيضاً عن الملح، مشيراً بذلك إلى الطبيعة الجديدة الشاملة التي أنعم بها علينا المسيح والروح القدس. فيقول يسوع (بما معناه): “ما لم تكن عدالتكم أفضل من عدالة اللاهوتيين وعلماء الدين ومعلمي الأخلاق، لن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله”. ويقول أيضاً (بما معناه)، “أطلبوا أولاً ملكوت الله وعدله”.

إنً الحياة الجديدة هي حينما يَغْمُرُك ريح الروح القدس كليّاً. وسيشمل تأثيرها كل العالم. ونحن بحاجة إلى إيمان يجعلنا نٌبصر أننا نعيش في زمن النعمة؛ لأن المقصود من هذه الشجرة هو أن تنتشر على الأرض كلها. فيتجمّع كل البشر تحت هذه الشجرة، وفي حماية هذه الشجرة الحيّة.

ولا يكفي أن نعترف أن يسوع هو حبيب قلوبنا؛ يجب أن نثبت حبنا له. ويخبرنا يسوع عن كيفية القيام بذلك: “إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاِحْفَظُوا وَصَايَايَ!” (يوحنا 14: 15).

لا يعني الاستعداد لملكوت الله الانقطاع عن الأكل والشرب أو الامتناع عن الزواج؛ بل يعني تمييز علامات الأزمنة وأيضاً أن نعيش الآن مثلما سوف نعيش في ملكوت الله المستقبلي. ولكن ما هي العلامة التي نستدلّ بها أنّ ملكوت الله على وشك المجيء؟

نقرأ الجواب في إنجيل متى 24: 31 ومرقس 13: 27: “فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوقٍ عَظِيمِ الصَّوْتِ فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إلى أَقْصَائِهَا”.

فهذه هي علامة المجيء الثاني للمسيح. أنّ التجمّع معاً هو علامة المسيح – “كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا” (متى 23: 37).

يقول يسوع أن كلامك يجب أن يكون أعمالك، د. وإيمانك عن المستقبل يجب أن يكون حياتك الحالية. ويلزمك أن تجعل من الخلاص الذي يهبه يسوع المسيح حياتك. فبهذه الطريقة سوف تجد التصرف السليم مع جميع الناس وفي جميع الأمور. أنكم لن تدينوا الناس، ولكنكم ستفهمون أن حياة الناس قد دمرها الظلم الاجتماعي؛ وستلمسون أن كل الذنوب تمثل انحطاط الأخلاق لدى البشرية. لذلك سوف تَحرُصون على عدم عرض أقدس الأشياء أمام العيون والآذان التي لا تفهمها.

ستسعى لرؤية الآخرين أن يكون لديهم كل ما توده لنفسك. هل تحتاج منزلاً أو حساباً مصرفياً؟ إذنْ، أجعل ذلك ممكنا للجميع. فكل ما ترجوه أن يفعله الآخرون لك، أفعله لهم. أحبب قريبك كنفسك – ذلك هو الحق والواقع؛ إنه واقع يسوع المسيح. وبعد ذلك مباشرة تراه يوصينا للدخول من الباب الضيق، والسير في الطريق الضيق. حذارِ من طريق المساومة، الذي هو طريق الكثيرين، والطريق الواسع. اِحْذَرُوا من الأنبياء الكذبة. فإنهم يتكلمون عن السلام ويعملون من أجل السلام، ولكنهم ليسوا بأحرار من سطوة المال، ومن عبادة الماديّات، ومن الكذب، ومن النجاسة الجنسية. فيجب على كل من هو ليس متحرّر تماماً من عبادة الماديّات ألا يتكلم عن السلام، وإلا فهو نبي كاذب.

أنَّ عبادة المال هي سَفَّاحُة الدِّمَاءِ منذ البداية. فيجب على كل من لم يقطع صلته مع عبادة المال والماديّات ألا يتكلم عن السلام، لأنه يشرك في الحرب الدائمة التي تدمر المحرومين بقوة الغنى ومالكيها.

ويخرج يسوع باستنتاج يضعنا فيه أمام الرِهان الذي مفاده كالآتي: لا فائدة من سماع كلماتي هذه ما لم تعملوا بها أنتم أيضاً. وسوف ينهار أجمل قصر للسلام ما لم يمثل إرادة يسوع بكاملها. فدعوة يسوع تذهب للصميم، وإلى القلب بالذات: أترك كل شيء وأمض ِ في طريقي. “بـِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفـُقَرَاءَ … وَتـَعَالَ اتـْبَعْنِي!” (متى 19: 21 ولوقا 5: 27).

يتعيّن على تجربتنا الشخصية للخلاص أن تسير جنباً إلى جنب مع آمالنا للعالم كله. وإلا فنحن لسنا في وحدة تامة مع الله. وهذا لن يحدث إلى أن نصبح في وحدة مع الاهتمامات التي لدى الله الجبار والرَّؤوف. عندئذ سنكون مُوَحّدين حقاً.

من هم المباركون ..؟

إنهم أولئك الذين يقفون أمام الله كشحاذين يشحذون روحه القدوس؛ والذين قد أصبحوا شحاذين مادياً وأيضاً روحياً. أنهم من الفقراء الشحاذين في الماديّات وفي النعمة. فلا يعلم أحد أن الجوع والعطش يعنيان العذاب بسبب هذه الغريزة إلا الفقراء الشحاذين. إلا أنَّ هؤلاء هم المباركون الحقيقيون، الذين أُصِيبُوا بهذا الجوع والعطش إلى البِرّ والاستقامة، والذين يتحملون أوجاعاً بالغة، والذين يعانون أشدِّ ضيق، كما عانى يسوع أشدِّ الضيق. أنَّ المباركين الحقيقيين هم وحدهم الذين يعانون وإلى حدِّ الموت في سبيل العالم وضيقه تماماً مثلما عانى يسوع عندما أحسّ بأشدّ أوجاع الناس في العالم فضلاً عن معاناته من المشاعر المُرّة لتخلي الله عنه. فلديهم قلوباً طاهرة وصافية النيّة ومتوهجة، ومركّزين على قضية الله من كل قلوبهم، وهم في وحدة مع صميم الله ويعيشون ببساطة قلب مثلما يعيش الله ببساطة قلب. لذلك فإنهم مَنْ يزرع السلام في وسط عالم غير مسالم وفاسد.

يقول العهد الجديد أن الإيمان لا يعتمد على العجائب والآيات. ويقول يسوع أنها يجب أن تبقى سرّيّة. إذ يتعلق الناس بكل سهولة بالعجائب. لذلك يحذرنا يسوع من الحديث عنها أو نشرها، لأنه يريدنا أن يكون لدينا إيماناً لا يعتمد على العجائب. (لوقا 8: 56).
.
لا نجد في أي مكان لدى المسيحيين الأوائل أيّ توجّهٍ عقلاني فاتر لفهم الأمور ولا تحليلاً نطقيّاً لها نابع من التعطش للتنوير الفلسفي الذي من طبيعته أن يحلّل الأمور وأن يُفَاضِلَ بينها باستمرار. ولكن كان هناك بدلاً من ذلك الروح القدس الذي اِلتهب في صدورهم وأحْيَا نفوسهم. (كولوسي 2: 8-10).

لذلك لا نفع من النوح على خطايانا. فما يهم على الأكثر هو الإيمان بالمسيح ومحبة المسيح. فعندما نرى كل العالم التعيس هذا وهو يتجزّأ، وعندما ندرك وقع كلامنا على مسامع الناس من أنه يبدو جنوناً عندما نتحدث عن الإيمان أو الإنسانية أو الرحمة، عندئذ لا يوجد هناك أي شكٍ من أنّ: المسيح وحده يبقى الشخص الحقيقي، ذلك الذي أطلق على نفسه اسم ابن الإنسان وطفل الإنسان.

فليس عندي أي شيء آخر ارتكز عليه في حياتي أو مماتي، ولا أؤمن بأي شيء آخر يكون لصالح للآخرين، ولا حتى لأحباء قلبي، ولا شيء آخر يستحق الوثوق به لصالح مجتمعاتنا المسيحية، ولا شيء آخر نرتكز عليه لصالح عالم يتجزأ إلى أشلاء. ولا بد لي من الاعتراف: ليس عندي أي شيء أبداً غير المسيح وحده! (فيليبي 3: 8).