التوسع العربي الإسلامي تاريخياً غزو أم فتح أم احتلال؟

التوسع العربي الإسلامي تاريخياً غزو أم فتح أم احتلال؟

التوسع العربي الإسلامي تاريخياً غزو أم فتح أم احتلال؟

توطئة بسيطة…

هو مقال اعجبني لكاتبه أ. حمزة رستنوي منشور في موقع” لاعقيدة اسمى من الحقيقة”فهو موضوعي وجدير بالنشرويعطي الفكرة عن موضوعية كاتبه بعيداً عن انتماء كاتبه الديني، فنشرته بدوري مع ملاحظاتي المخالفة له او الموضحة… وقد اضفتها بين قوسين مع مدخل وقد أوقعتُ المدخل والملاحظات المضافة بين قوسين(…)لتمييزها عن متن نص الكاتب…

(مدخل

نستعمل في تاريخنا الاسلامي وفتح بلاد الشام ودمشق اولها…وبقية سورية وآسية الصغرى وبلاد الرافدين وفارس… وشمال افريقيا واسبانيا وجبال البيرينة الفاصلة بين فرنسا واسبانيا …ومصطلح الفتح يأخذ مداه الابعد عند احتلال العثمانيين القسطنطينية  حتى ان السلطان العثماني اطلقوا عليه لقب الفاتح مبررين انه اقتحم اكثر المدن تحصيناً في العالم… 

يستخدم المسلمون بالمقابل على اية محاولة لاسترجاع مافتحوه واحتلوه  مصطلح “الغزو  والعدوان”  ك”الغزو الرومي الذي اراد استرجاع دمشق وبقية الارجاء السورية وآسية الصغرى اي غزو كل المناطق …الرومية… والغزو الفارسي لبلاد الرافدين وحتى غزو  الاحباش وابرهة الاشرم قبل الاسلام لمكة فهو عدوان وغزو واحتلال،  ويستوي معه  الغزو الفرنجي الذي يتشدق البعض من كتاب التاريخ المتعصبين بتسميته “الصليبي” خلافاً للمؤرخين المسلمين المعاصرين وللواقع اللاديني  بل استعماري بدليل مارتكبه الفرنجة من مظالم بحق اغلبية السكان المسحيين /60% كانت نسبة الوجود المسيحي في بلاد الشام قبيل غزو الفرنجة/ وبحق الكنائس الشرقية واستلاب كراسيها الرسولية…! والمصيبة عند متسلقي كتابة التاريخ من اكاديميين ومقلدين وسواهم في وقتنا انهم يعرفون هذه الحقيقة الدامغة ولكنهم يصرون على استخدام تسمية الحروب الصليبية ربما بقصد جرح الضمير المسيحي العربي والمشرقي… وكذا غزو الاندلس الخ…

فلم التباين في بين منطق الفتح للمسلمين والغزو والعدوان بحق غير المسلمين فالموضوع واحد؟ ونشير الى ان كل المناطق التي دخلها المسلمون وضموها الى امبراطوريتهم اللاسلامية كانت في ارقى درجات الحضارة كدمشق وسورية والرافدين ومصر وان المسلمين في امبراطوريتهم بقوا يستخدمون كل اساليب الادارة والحكم وحتى النقود…واللغة اليونانية في الكتابات الرسمية…الى حين التعريب في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد…

ثم ماالقول في تحويل كنيسة القديس يوحنا المعمدان الدمشقية الى الجامع الاموي  وكل كنائس دمشق ال35 واديارها  الى مساجد ولم تبق الاكنيسة واحدة اغلقها الفاتح هي كنيسة مريم وتقع على الخط الفاصل بين دخول جناحي المسلمين مدينة دمشق صلحاً وحرباً (للاستزادة انظر في موقعنا هنا بحث “كاتدرائية دمشق” و”الكاتدرائية المريمية” و”سور دمشق وابوابها” و”دير خالد او جامع الشيخ ارسلان”واديار وكنائس الغوطة 18 الى مساجد  وكنائس حمص وفي اولها الكاتدرائية وتسمت باسم جامع خالد ومثلها في حلب واللاذقية وكيليكيا وديار بكر وارضروم وحوران…وكنيسة العذراء بطرطوس وآخرها تحويل محمد الفاتح كاتدرائية آجيا صوفيا ابنة القرون العشرة الى جامع ليأتي اتاتورك ويجعلها متحفاً ارضاء لخطه العلماني والسوفييت انصاره الحلفاء الذين اقروه على ماتوسع به بموجب معاهدة لوزان 1923ليأتي اردوغان ويحقق انتصاراً مدويا باعادتها جامعاً وماوراء الاكمة ماوراءها من التنسيق  المبطن مع اسرائيل لتحويل الحرمين الابراهيمي في الخليل والقدسي في القدس في قادم الايام…ماذا نسمي ذلك؟ ) 

وكان موقع وطن الدبور قد نشر في آذار 2016 مقالاً بعنوان:
“أنظمة عربية: الفتوحات الإسلامية عنف وكراهية وسنحذفها من المناهج

“كشف مصدر مطلع بنقابة المهن التعليمية، عن أن اتحاد المعلمين العرب في دورته التاسعة عشرة يجتمع الآن في جلسة سرية لمناقشة كيفية تطوير المناهج في الدول العربية، وحذف الموضوعات التي من شأنها حض الطلاب على العنف والكراهية.

وأكد المصدر، لصحيفة «الشروق»، أن هذه المناهج تشمل اللغة العربية والتربية الدينية ومناهج التاريخ المختلفة، موضحًا أن هذه المناهج تضم بعض المصطلحات الطائفية والموضوعات التي تحرض الطلاب ضد بعضهم البعض، مثل موضوعات الفتوحات الاسلامية في كتب التاريخ، حسب قوله.

وأشار إلى أن اتحاد المعلمين العرب، والذي يضم وفودًا من 13 دولة عربية سينتهي إلى كتابة تقرير يتضمن توصيات بشأن المناهج في الدول العربية، ويتم عرضه على وزارات التربية والتعليم المختلفة في دول الاتحاد لتطوير المناهج على ضوء هذه التوصيات.

يذكر أن اتحاد المعلمين العرب، يضم دول مصر وسورية واليمن وتونس والسودان والمغرب والإمارات العربية المتحدة والعراق وليبيا والجزائر وفلسطين وموريتانيا والبحرين.”

ولكن هل تتقيد بذلك وزارات الاوقاف المعاهد الاسلامية العليا في  الدول المذكور وفي المقدمة السعودية وتوقف حملات الشحن الطائفية والكراهية بحق ابناء الاديان الاخرى والمذاهب الاخرى لدرجة التكفير كما ظهر في سورية في الاقسام المحتلة بالارهاب  وفي مصر  والعراق… وفي مناهج  كليات الشريعة  كالازهر ومعاهد الفتح وسواها…؟

الدين لله والوطن للجميع والله لم يعط لدين آخر افضلية على بقية الاديان ليؤيدها ويكفرها…

سؤال المعيار

ما هو المعيار الذي نستخدمه للحكم على الغير، وتوصيف الظواهر التاريخية؟

أصحاب الأيديولوجيات الإسلامية والقومية العربية يعتبرونه فتحاً مباركاً بلا شكٍّ(بالعكس فان ارباب القومية العرب في بلاد الشام اواخر القرن 19 “المتنورون الشوام”  هم من اطلق فكرة القومية العربية ومعظمهم كانوا من المسيحيين، واظهروا ان المسيحيين اسهموا بشكل اساس ورئيس في الحضارة العربية بلبوسها الاموي والعباسي واخرجوها من الحضارة الاسلامية الى الحضارة العربية بدعوتهم للقومية العربية والتقوا بالمتنورين المصريين في الدعوة والكره لللاستعمار التركي والخضوع للدولة العثمانية التي تتخذ الدين والخلافة الاسلامية اداة لشد المتعصبين المسلمين العرب تحت الجامعة الاسلامية كما اردوغان اليوم وحزب الحرية والعدالة في تركيا اليوم وتحويله متحف ايا صوفيا جامعا من جديد والتهليل المريع المرافق من المتعصبين الذين عدوا فعله فتحاً اسلامياً مباركاً.)

 بينما من يعادون الأيديولوجيات الإسلامية والقومية العربية سوف يعتبرونه مجرَّد غزو عسكري همجي ليس أكثر! والمقاربة التالية تحاول البحث عن معيار للتوصيف والاصطلاح بعيداً عن الأدلجة والتصوُّرات العقائدية المُنحازة.

في الدلالة اللغوية

غَزَا العدوَّ: هاجمه، سار إلى قتاله في أرضه، الغَزْوةُ: المَرَّة من الغزو والجَّمع غَزَوات وغَزْوَات (معجم المعاني الجامع).

فتَحَ الْبِلاَدَ: دَخَلَهَا بَعْدَ أَنْ غَلَبَ أَهْلَهَا وَأَخْضَعَهَا لِسُلْطَتِه. الفتوحات: ما فُتح من البلدان في الحرب (معجم المعاني الجامع).

بمراجعة الدلالة اللغوية المعجمية لكلمتي الغزو والفتح لا نجد فرقاً كبيراً، كلاهما يشيران إلى منطق الغلبة والقتال، ولم تكن دلالة الغزو سلبية آنذاك، حيث لا يجد عموم المسلمين اليوم حرجًا من تسمية حروب دولة الرسول بغزوات، كغزوة بدر وغزوة الخندق ونحوها. مع ذلك تشير كلمة الغزو إلى الطارئ مقارنة بالفتح الذي يكون أطول زمنًا، كما تشير كلمة الغزو إلى حرب وقتال فقط، مقارنة بالفتح الذي يرتبط أكثر بدلالة سياسية حضارية ترافق الحرب والقتال.

محاكمة التاريخ بمفعول راجع!

إشكالية المصطلح بين الغزو والفتح، هي إشكالية حديثة ظهرت في بدايات القرن العشرين، مع انبعاث الحركات القومية المحلية كالقومية السورية والقومية الفرعونية ولبنان الفينيقي… الخ، كذلك مع انبعاث الهويَّات الفئويَّة ما قبل وطنية عرقيَّة كانت أم دينيَّة، كما في حالة الأقباط في مصر أو الموارنة في لبنان أو حالة الكرد والأشوريين في سورية العراق، أو الأمازيغ في المغرب العربي… الخ. ينبغي النظر إلى إشكالية المصطلح هنا في سياق الصراع الفئوي الهويَّاتي في العالم العربي الإسلامي (مع مارافقه من تحويل لأقدس واهم المقدسات في بلادهم التي انتصر عليهم فيها المسلمون)، وكيف تنظر الفئويات القومية والدينية إلى نفسها ومحيطها الذي هو في الغالب عربي إسلامي( وبشكل معاكس لما عاشوه من  ظلم يفوق الاحتمال في زمن الانحطاط والظلم الاسلامي في العهود الفاطمية والمملوكية والعثمانية من مصطلحات طورق وشمل ومنع ركوبهم الخيول ومنع ارتدائهم الوان محددة كالاخضر لون النبوة والاقتصار على لباس محدد ومنع خروجهم خارج المدن… والتسخير بالحمل والضرب والثورات الدموية المتلاحقة ضدهم كما في فتنة 1850 في حلب والقلمون و1860 في دمشق وجبل الدروز وجبل الشيخ وجبل لبنان والغوطة وحوران وزحلة والبقاع والجنوب اللبناني اليوم).

من الضروري تجنُّب محاكمة التاريخ بمفاعيل راجعة وبمقياس معاصر، لا ينبغي إعادة صوغ المصطلحات بما يلائم نزاعات أيديولوجية راهنة بحيث يتحوَّل التاريخ إلى استمرار بمفعول راجع للصراعات والأحوال الاجتماعية السياسية الحاضرة، وهو ما يُعرف في علم التاريخ Chrono-centrism. من هذا المنظور لا ينبغي تصوُّر وجود مبدأ المواطنة المتساوية تاريخيًّا في الدول العربية الإسلامية، هذا المبدأ وهذه الأفكار لم تكن شائعة ومطروحة للتداول في العالم القديم، وفي دول القرون الوسطى، ومبدأ المواطنة المتساوية ينافي الأيديولوجيا الدينية الإسلامية السائدة آنذاك، من جهة أن المسلمين لا يمكن مساواتهم بغير المسلمين من أهل الكتاب والكفَّار والمشركين! أو من جهة استثناء طبقة العبيد أيضًا! لم يكن هذا حكرًا على الدول العربية الإسلامية آنذاك، بل هو قاسم مشترك بين كلِّ الامبراطوريات والدول المجاورة والمُزامنة، وفي هذا يمكن المقارنة مع الامبراطورية الرومانية البيزنطية أو الامبراطورية الساسانية أو الصينيَّة حتَّى. إذًا لا يمكن الحديث آنذاك عن المواطنة المتساوية بل يمكن الحديث عن التعايش والتسامح المعروض على النسبية، مثلاً كيف كان المسلمون يُعامَلون في الامبراطورية البيزنطية؟ أو الامبراطورية الكارلينجية الفرنجية؟ حيث يغيب الوجود المُستوطن للمسلمين! كيف كان المسيحيون يُعاملون في الدول العربية الإسلامية آنذاك؟ ما هو وضع السكان اليهود مثلاً بالمقارنة بين الدول العربية الإسلامية وغيرها آنذاك! هذا على صعيد الفئويات العقائدية الدينية، بالإضافة إلى ذلك ينبغي النظر إلى البناء الطبقي للمجتمعات آنذاك وإمكانات الانتقال من طبقة إلى أخرى، ضمن مجتمعات المسلمين وغير المسلمين أنفسهم، والموقف الديني من ذلك! كلها عناصر ينبغي أخذها بعين الاعتبار.

حربٌ على النفوذ والسيطرة

من الواضح تاريخياً أن امتداد الامبراطوريات العربية الإسلامية والدولة العثمانية لاحقاً، لم يكن سلميّاً ولم يكن لغاية نشر الإسلام وهداية السكان المحليين إلا بشكل جزئي. كانت (حروباً توسعية) تستهدف امتداد النفوذ والسيطرة والبحث عن موارد اقتصادية جديدة إضافة إلى البعد الأيديولوجي العقائدي. لقد كانت الدولة الراشدية والأموية والعباسية ومن ثم العثمانية دولاً ذات أيديولوجيات إسلامية سنّية بلا شك، بينما كانت الدولة الفاطمية ذات أيديولوجيا شيعية اسماعيلية مثلاً، ولم تكن هذه الدول استثناء عن طبيعة الدول في تلك العصور، فالدول آنذاك كانت تقوم على عصبيَّة عائلية وذات صبغة دينية في غالب الحالات. الأيديولوجيا الدينية كانت عاملاً مُحفِّزًا على التوسع والحروب، بلا شك هي أحد العوامل المؤثرة في السياسات الداخلية والخارجية للدولة بالإضافة إلى عوامل سياسية اقتصادية اجتماعية (قبلية – عرقية) أخرى.

السياسة في مواجهة الدين!

لنتوقف عند سرد تاريخي منسوب إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، الذي يُلقَّب بخامس الخلفاء الراشدين (99 -101 للهجرة) ( الخليفة الورع والاغلب انه توفي مسيحياً ودفن في دير القديس سمعان العمودي في سهول حلب وكان يريد التقيد بعهد النبي بعدم اذية المسيحيين وتشير سيرته واتصالاته بالقديس يوحنا الدمشقي انه كان  يريد اعادة كل ماتمت مصادرته من كنائس وحولت الى مساجد ومنها كاتدرائية دمشق حيث توحي سيرته المكتوبة كما وصلت إلينا، بالاستقامة الدينية – الأخلاقية ولذلك اعتكف بمايشبه الرهبنة مع رهبان العمودي، للاستزادة عنه انظر سيرته هنا في موقعنا).

يورد الطبري في تاريخ الرسل والملوك في أحداث مئة للهجرة، في سبب عزل الجرَّاح بن عبدالله والي خرسان، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الجراح يشكو كثرة دخول الناس في الإسلام، وهذا ما سوف يتسبب في انقاص نسبة الضريبة من نصاب الجزية إلى نصاب الزكاة التي تُفرض فقط على المسلمين! “كتب عمر إلى الجراح: أنظر من صلَّى قبلك إلى القبلة، فضع عنه الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، فقِيل للجراح: إن الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفورًا من الجزية، فامتحنهم بالختان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمدًا ص داعيًا ولم يبعثه خاتنًا”[1]. وفي رواية أخرى يوردها ابن كثير “فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدًا ص داعيًا ولم يبعثه جابيًا. وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج”[2]. تطرح هذه السردية التاريخية صراعاً مُحتدماً بين مصالح المشروعية العقائدية للدولة ومصالح السلطة السياسية من جهة كونها سلطة مستبدة.

خارج معادلة الغزو والفتوحات!

استمر الحضور العربي الإسلامي ما يقارب أربعة عشر قرنًا في بلاد الشام والعراق ومصر وشمال افريقيا، ومازال البعد العربي الإسلامي حاضراً بقوة في ثقافة المجتمعات القاطنة في هذه الجغرافيا السياسية. المجتمعات المحلية في غالبها تفتخر بتاريخها العربي الإسلامي ولا ترى نفسها غريبة عن الفضاء العربي الإسلامي، لقد اعتنقت هذه المجتمعات في غالبيتها دين الفاتحين لأسباب عقائدية واجتماعية سياسية (ولمكاسب وللخلاص من نظام الذمة ودفع الجزية)، ولكن عندما أتيح لهذه المجتمعات حكم نفسها في التاريخ سواء عبر تشكيل دويلات على أرضها من أبناء جلدتها، أو إبان طور الاستقلال عن الاحتلالات الاوربية، لم نجدها تخرج عن الفضاء العربي الإسلامي، بالطبع هذا لا يلغي خصوصياتها ومشروعية قيام دول وطنية حديثة، قائمة على المواطنة المتساوية واحترام الخصوصيات الثقافية للفئويات الدينية والقومية المختلفة ضمن حدودها. ما قصدته أن الغزو عادة ما يكون طارئًا ذا طابع عسكري دونما تأثيرات ثقافية اجتماعية عميقة بعيدة المدى. من هنا لا يمكن تفسير ما حدث بكونه مجرد غزو عربي إسلامي. كذلك لا يمكن تزوير التاريخ وأسطرته وتقديم توسع الدول العربية الإسلامية (راشدية – أموية – عباسية) أو الدولة العثمانية بكونه فقط لنشر دعوة الإسلام، أو الادِّعاء بأنَّ هذا التوسع كان سلميًّا قليل العنف أو حتَّى قليل المجازر! لقد كانت الأهداف السياسية الاقتصادية حاضرة وبقوة منذ البداية. كان الإسلام ومنذ عهد دولة الرسول مشروعًا سياسيًا بامتياز. مشروع دولة توسعية بأيديولوجيا دينية، بما كان سائدًا في العالم ذلك الزمن. وفي هذا نلتقي مع ما يقوله حسام عيتاني في كتابه الفتوحات العربية في روايات المغلوبين في ضرورة تجاوز، أولاً- الرواية التقريظية التمجيدية ببطولات العرب في الفتوحات، ثانيًا- الرؤية التبخيسية التحقيرية لكل ما قام به العرب على امتداد تاريخهم[3].

دول متعددة الأقوام والعقائد الدينية

الدول العربية الإسلامية تاريخيًا كانت امبراطوريات متعددة الفئويات الدينية والعرقية، حيث عاش المسلمون فيها بجانب المسيحيين واليهود والصابئة، وضمن الإسلام نفسه نجد فئويات عقائدية سنية وشيعية مختلفة، ومن جهة ثانية عاش العرب بجانب الترك بجانب الفرس بجانب الكرد بجانب البربر بجانب الأقباط… الخ، ما قصدته هو التأكيد على سِمَات الحضور السياسي – الثقافي المتفاعل متعدد الثقافات والإثنيات، لم تكن الدول العربية الإسلامية السابقة أو الدولة العثمانية مجرد دول استبدادية فقط.. بل كانت وفي كثير من مراحلها تتحوَّى منظومة التعاون الصوري منطقيًا[4] بحيث يوجد مجال للتعايش والانخراط المشترك في الحياة الثقافية والسياسية أمام غالب هذه الفئويات، مع أولوية لصالح الفئويات المُسلمة على غيرها. لنتذكر على سبيل المثال لا الحصر بأن معظم علماء اللاهوت المسلمين لم يكونوا من أصول عربية، ولكنهم كانوا ينتمون للثقافة العربية الإسلامية، أصحاب الكتب الستة الأكثر شهرة في رواة الحديث النبوي عند السنَّة لم يولدوا في مدن عربية ولم يكونوا من أصول عربية، فالإمام مسلم من نيسابور في بلاد فارس، وأبو داوود من سجستان، والنسائي من خرسان، والترمذي والبخاري من أوزبكستان حاليًا، وابن ماجة من نواحي بحر قزوين كذلك. كثير من علماء اللغة العربية ومؤسسيها لم يكونوا من أصول عربية، سيبويه ولد في البيضاء من بلاد فارس ومعنى سيبويه في الفارسية “رائحة التفاح” حيث كانت أمُّه تلقِّبه تحبُّبًا بذلك. الكسائي مؤسس مدرسة الكوفيين في النحو كان من أصول فارسية كذلك. وما يقال عن هؤلاء يقال كذلك على معظم الفلاسفة العرب المسلمين من ابن سينا إلى الطبيب أبو بكر الرازي الذي ولد في مدينة الري قرب طهران حاليًا، بينما كان الفيلسوف يعقوب ابن اسحاق الكندي مسيحيًا من بني كنده. في العهد الأموي كان ابن آثال طبيب معاوية بن ابي سفيان ووزيره وواليه على حمص مسيحيًا، وكان الشاعر الأخطل مسيحيًا من بني تغلب، وكان يوحنا الدمشقي وزيرًا ومستشارًا في بلاط عبد الملك بن مروان والخلفاء الأمويين وكان مدافعًا متحمِّسًا عن المسيحية. قليلاً ما يُذكر صلاح الدين الأيوبي بصفته كرديًا! بل هو شخصية ما زالت تحظى بالتقدير والانتماء للثقافة العربية الإسلامية. قليلاً ما يُذكر طارق بن زياد بصفته أمازيغيًا على الأرجح! بل هو شخصية مازالت تحظى بالتقدير والانتماء للثقافة العربية الإسلامية. لستُ في وارد تقديم صورة وردية حالمة للتاريخ العربي الإسلامي فهو تاريخ حافل بالانقسامات والصراعات والتحالفات والبطولات والمجازر والاضطهادات فيه من الإيجابيات والسلبيات الكثير، ولكن صيرورة التاريخ العربي الإسلامي لا يمكن اختزالها تحت مُسمّى الغزو العربي والغزاة المسلمين. العثمانيون لم يكونوا عربًا! السلاجقة لم يكونوا عربًا! الزنكيون من أصول تركية، والأيوبيين لم يكونوا عربًا بل من أصول كردية! لنتذكر بأن تأسيس الدولة الفاطمية بزعامة عبيد الله المهدي 910 م. في المغرب العربي استند أساسًا على تبنِّي قبيلة كتامة الأمازيغية لهذه الدعوة (الشيعية) مثلاً! قامت دولة المرابطين ومن بعدها دولة الموحدين على أساس عصبية قبلية أمازيغية مع أيديولوجيا سنية، حيث كان (أمير المسلمين يوسف بن تاشفين) أمازيغيا من قبيلة صنهاجة على سبيل المثال لا الحصر. ولا ننسى في العصر الحديث ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي (ذو الأصول الأمازيغية) ضد الاستعمارين الفرنسي والاسباني. في الأندلس كان اليهودي حسداي بن شبروت مستشارًا ووزيرًا للخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث وقد انتعشت في هذه الفترة الثقافة اليهودية العبرية كما نجدها عند (مناحيم بن ساروق) الذي وضع معجمًا مفهرسًا للغة العبرية، وقد تميَّز شعراء عبريين من قبيل سولومون بن غابيرول ويهودا حلبي وصموئيل بن ناكريلا.. كل ذلك قبل أن يتم اضطهادهم على يد المرابطين والموحدين لاحقًا. لنتذكر بأن الدولة العباسية باستثناء المئة سنة الأولى من حكمها كانت فعليًا تحت القادة الترك السلاجقة والفرس البويهيون ومن ثمَّ المماليك (من أصول تركية قوقازية شركسية مغولية) ثمَّ إن اللهجات العربية المختلفة المُنتشرة ليست سوى نتاج تفاعل وتثاقف لغوي بين لهجات القبائل العربية ولغات السكان المحليين في الشام ومصر والعراق والمغرب العربي والسودان، اللغات الفارسية ولغة الأوردو في باكستان مازالت تُكتب بالخط العربي، كذلك اللغة التركية حتى بداية القرن العشرين كذلك.

الهاجريون أم السراسنة! في التاريخ المُبكر للصدام!

أطلق سكان بلاد الشام على العرب المسلمين – استمرت الأعمال الحربية ما بين 634-638 للميلاد – القادمين من جوار شبه الجزيرة العربية تسميات مختلفة، منها الاسماعيليون أي أبناء اسماعيل بن النبي ابراهيم وفقًا لما ذكره المؤرخ الأرمني سيبيوس، وهو المؤرخ الأكثر قرباً في التاريخ لهذه الأحداث، والذي بدأ بتدوين تاريخه 675 للميلاد. كذلك برزت تسميات أخرى منها الهاجريون، أي أبناء هاجر خادمة وزوجة النبي ابراهيم وفقًا للتراث اليهودي المسيحي، وثمَّة كتاب بعنوان الهاجرية: صناعة العالم الإسلامي للمستشرقة الدانماركية باتريسيا كرون والإنكليزي مايكل كوك يستفيض في شرح ذلك… ما قصدته أنَّ سكان بلاد الشام القاطنين في ذلك الوقت – أغلبهم من المسيحيين اليعاقبة، كانوا متمرِّدين على الكنيسة البيزنطية الملكانية الرسمية (للتوضيح ونقداً لرأي الكاتب ا.حمزة: هذا الرأي يصدق على اغلبية شرق الفرات والجزيرتين السوريتين العليا اي ديار بكر والجزيرة السورية السفلى الحالية بينما غرب سورية بمدنها الرئيسة والمدن الساحلية وشمالها ومنتصف آسية الصغرى ومناطق في ديار بكر وارضروم  كان رومي خلقيدوني وبه حصلت المقاومة من الجيوش الرومية للفاتحين المسلمين  ولم يتم التمكن من فتحها الا بصعوبة بالغة وفي مناطق اخرى كاليرموك كان بسبب انحياز القوى المقاتلة الغسانية وفي الاعلى الارمنية للمسلمين- لم ينظروا، في حدود معقولة، إلى القادمين الجدد كغرباء بل كأقرباء بعيدين لهم في النسب( الادق محررين من الحكم الرومي والعقيدة الكنسية الرومية الخلقيدونية الغالبة، ومن ضمن التراث التوحيدي للديانات الابراهيمية. وثَّق المؤرخون ورجال الدين المسيحيين في بلاد الشام أيضًا تسميات باكرة أخرى للقادمين الجدد منها من قبيل الطائيين، نسبة إلى قبيلة طي، ذات الانتشار الواسع في شمال الجزيرة العربية وجنوب بلاد الشام والعراق، كما تداولت كذلك تسمية السراسنة Saracens وهو اسم كان يطلق على عرب الصحراء قبل الإسلام، ويوجد نظريات مختلفة في أصل هذه التسمية، من كلمة الاتجاه “شَرْق” أي السراسنة = الشرقيون، أو قد يكون من فعل “سَرَقَ” أي السراسنة = السرَّاقون، أو قد يكون نسبة إلى مدينة Saraka في بلاد النبط وفقًا للمؤرخ البيزنطي ستيفينس في كتابه Ethnika، أو نسبة لمنطقة Sarakēnē في العربية الحجرية وفقًا لوصف بطليموس[5].

في نقد الحرب الدينية المقدَّسة في مسيرة التوسُّع العربي الإسلامي

  1. ناصر جزء من العرب المسيحيين الفاتحين المسلمين في حروبهم في العراق وبلاد الشام، حيث ناصر بنو تغلب المسيحيون الوليد بن عقبة عند فتحه الجزيرة الفراتية، وقاتل بنو تغلب كذلك إلى جانب المسلمين ضد الروم البيزنطيين، وقاتل الشاعر المسيحي أبو زيد الطائي الفرس في معركة الجسر عام 12 للهجرة، وساند العرب المسيحيون المسلمين في حصارهم لمدينة تكريت( وذلك لخلاف عقيدي مع كنيسة الدولة الرومية الرسمية كما فعل القس يونان بمساعدة خالد في فتح دمشق مقابل وعد منه بعدم اذية رعيته ومنحهم المكتسبات).
  2. بينما حارب جزء من العرب المسيحيين الفاتحين المسلمين حيث كان جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة على رأس جيش من المسيحيين العرب إلى جانب الروم البيزنطيين في معركة اليرموك( للسبب ذاته وهو الخلاف العقيدي. والحال ذاته في مصر وتعاطف الاقباط مع عمرو بن العاص في فتح مصر وان الفتح الاسلامي لم يجد المقاومة الحقيقية الا في الاسكندرية حيث العاصمة الهلينية البطلسية…)
  3. هذه السرديات التاريخية تزعزع الصورة النمطية عن الحرب الإسلامية المقدسة ضد الكفار (النصارى) كما تؤكد استحالة وجود فئوية قومية موحَّدة، كما تؤكد على ضرورة عدم تنميط قاطني بلاد الشام والعراق ضمن جسد قومي أو ديني أو جغرافي صلب ومتجانس، كل فئوية دينية أو قومية يوجد فيها اتجاهات وصراعات وتضامنات مختلفة، وبإمكانات تتراوح بين الانفتاح والانغلاق. في سياق مشابه يمكن ذكر ثورة عمر بن حفصون في الأندلس على الحكم الأموي، حيث استمر حكمه على الرعايا المسلمين والمسيحيين رغم اعتناقه المسيحية، واستمرت علاقته بالولاة المسلمين المنافسين للحكم الأموي من العباسيين والفاطميين في شمال أفريقيا، وفي هذه الحالة سوف تلعب الولاءات التقليدية الطبقية-الاقطاعية دورًا مشابهًا للولاء الديني في ترسيخ حكمه عمر ومن ثم أولاده. لم تكن علاقة العرب المسلمين بأهل البلاد المفتوحة علاقة بسيطة وفقًا لمبدأ الغالب والمغلوب، إذ كيف نفسِّر أن الجيش المسلم الذي غزا الاندلس كان في جزء كثير منه من البربر والمصريين! كيف نفسر أن استمرار الفتوحات ما بعد بلاد فارس، كان عبر استخدام الفُرس المسلمين أنفسهم وتحمُّسهم – جيوش من أخلاط عرقية – لهذا الغزو! كيف نفسر أن دولاً قوميَّة شكَّلها المغلوبون كانت بدورها تتبنى أيديولوجيا الفاتحين المسلمين، مثال الدولة السامانية في ايران وامارات السلاجقة والأراتقة والعثمانيين، حيث قدَّمت مفاهيمَ للإسلام تناسب خصوصياتها القومية والثقافية.

مقارنة بين الفتوحات العربية والاستعمار الأوربي!

هل من صفات مشتركة ما بين ظاهرة (الفتوحات العربية الإسلامية) وظاهرة (الاستعمار الغربي الأوربي) رغم اختلاف السياقات؟ نترك الإجابة اقتباسًا من المستشرق الأميركي جون تولان:

“يوجد مجموعة من المتشابهات والمتوازيات، منها أن الفتوحات الإسلامية والاستعمار الغربي حمل كل منهما رسالة خلاصية دينية في الحالة الأولى، وتحضيرية تنويرية في الحالة الثانية، وأن الظاهرتين جاءتا لحاجات الشعوب التي برزت فيها الرسالتان العرب والأوربيين، من دون الاهتمام بأوضاع الشعوب التي توجهت إليها الفتوحات والحملات الاستعمارية إليها، وإذا كان صحيحًا أن أحدًا لم يستدع الاستعمار – على الأقل موجته الأولى حيث ظهرت في بعض الانحاء دعوات حقيقية أو مصطنعة لمجيء المستعمر وعقد المعاهدات معه – لاحتلال بلاده، فإنَّ أحدًا لم يطلب من المسلمين المجيء إلى دياره ونشر رسالتهم فيها. نحتاج إلى الكثير من التدقيق في أخبار المصادر العربية والإسلامية عن طلب شعب بعينه ازاحة هذا الحاكم أو ذاك عن كاهله.”[6]

نحو فهم حيوي للعروبة والإسلام

تتجاوز العروبة كونها فقط عرقًا وقومية مخصوصة بل هي فضاء ثقافي حضاري غنيٌّ يشمل مجموعات عرقية وقومية مختلفة وُجدت تاريخيًا وتفاعلت مع بعضها البعض، هي فضاء ثقافي حضاري شَمَل ويشمل الأكراد والآشوريين والأقباط والأمازيغ والسريان وغيرهم إلى حدود كبيرة، بالطبع دونما تميز سياسي فئوي ضدَّهم أو معهم ودونما انكار لحقوقهم الثقافية. يتجاوز الإسلام كونه عقيدة دينية فقط، بل هو فضاء ثقافي حضاري مُشترك يشمل المسيحيين المشرقيين وغير المؤمنين بالخاصة، كما يشمل كل التعبيرات المُمكنة عن الإسلام من مذاهب وتيارات.. وضمن هذا الاعتبار يمكن قبول مصطلح (الفتوحات العربية الإسلامية) دونما تقديس أو تطهير لهذا الحدث التاريخي الهائل المؤسس لما بعده. كذلك لا يمكن نفي صفة الغزو العسكري عنه فقد جاء آنذاك في سياق صراعات وتوسع امبراطوري، ولم يكن خالصًا لوجه الله، بعيدًا عن المغانم الدنيوية كما يروِّج دعاة الإسلام السياسي وأسطورة دولة الخلافة الإسلامية!

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي (مينا)، 14 سبتمبر 2018 

(أ.حمزة رستناوي بتصرف وافر د.جوزيف زيتون بين قوسين(…))

 الحواشي والمراجع

[1] تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك، محمد بن جرير الطبري، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1967، ج 7، ص 556.

[2] البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي، دار عالم الكتب، الرياض، 2003، ج12، ص 664.

[3] الفتوحات العربية في روايات المغلوبين، حسام عيتاني، دار الساقي، ط1، 2011، ص 14.

[4] فقه المصالح، رائق النقري، دار الأمين، القاهرة 1999، انظر إلى فقرة ” لمحة عن التحوِّيات الفئوية والمعرفية وحيوية منظومتها المنطقية”، ص 58-59.

[5] للمزيد راجع كتاب: الفتوحات العربية في روايات المغلوبين، مرجع سابق، الفصل الأول: العرب السراسنة الطائيين الهاجريون، ص21-37. راجع كذلك مقال أسماء عُرف بها العرب والمسلمون في الغرب، بشار بكور، موقع معهد الفتح الإسلامي alfatihonline.

[6] الفتوحات العربية في روايات المغلوبين، مرجع سابق، ص 265.