مؤرخ اللاذقية المجهول الياس سمعان صالح

مؤرخ اللاذقية المجهول الياس سمعان صالح

 

مؤرخ اللاذقية المجهول الياس سمعان صالح

بقعة ضوء

عندما نسمع عن المخطوط الشهير ” آثار الحقب في لاذقية العرب” نستذكر هذا الكاتب والمؤرخ والشاعر الذي عاش في القرن 19

 البعض سلط عليه بعض الضوء كالعلامة خير الدين زركلي في موسوعة الاعلام السوريين

وهو ترك اضافة الى هذا المخطوط بأجزائه الثلاثة كتاب ترجمه عن الفرنسية بعنوان “مذابح سورية” وكتاب “نظم المزامير” وديوان شعر.

ومن سياق واجبنا بتسليط الضوء على اعلامنا الانطاكيين المغمورين والمنسيين ونشرهم في موقعنا جئنا هنا نسلط الضوء على هذا العالم الانطاكي الارثوذكسي العقيدة والسوري الجنسية ولعلنا نكون قد توفقنا…

في الاسرة

نشأ جد علمنا الأعلى صالح في في مدينة غزة من اسرة مسيحية ارثوذكسية وخدم الحكومة المحلية فيها باخلاص. فترعرع ولداه خليل وسمعان على مبادئه وخدما الحكومة، الاول  تولى رئاسة كتَّاب حكومة غزة وتوفي فيها في اوائل القرن الثامن عشرقبل قتل اخيه سمعان بقليل وترك ولداً اسمه سليمان ولقب بأبي داود وسلالته  هي من عائلات غزة الارثوذكسية.

اما سمعان  بن صالح الجد الأعلى فقد هجر موطنه غزة وانتقل الى يافا وسكن فيها اذ استقدمه اليها حاكمها محمد باشا ابو مرق واتخذه رئيساً لكتاب الولاية، وكان سمعان ارملاً وله ولد اسمه سالم. ثم حدثت خلافات بين ابو مرق واحمد باشا الجزار والي عكا، ففر ابو مرق الى اللاذقية خوفاً من بطش الجزار فأكرم مثواه في اللاذقية الخواجا حنا كبة الذي كان متسلم المدينة(1) وسعى له بأمر من الصدارة العظمى الى الجزار ان لايتعرض له بسوء فعاد الى يافا مقر ولايته، فأوغر ذلك صدر الجزار على حنا كبه فأثار عليه غيظ عذره آغا حاكم قلعة المرقب  وقد ارسل له من يقتله فقتله سنة 1803 ولم يطل العهد على الجزار حتى توفي بعد سنة.

وكانت ارملة حنا كبه بعد قتل زوجها قد استغاثت بمحمد باشا ابي مرق صديق زوجها، فاستقدمها اليه مع ولديها جرجس وديمتري وابنتها ايرين فلما خلف سليمان باشا الجزار في ولاية عكا. اتخذ سمعان صالح رئيس كتابه فسعى ابو مرق بتزويجه بابنة حنا كبه ايرين المذكورة وربى ولدي حميه.

وكان والي فلسطين ابو نبوت وولايته تابعة لدمشق، فقام عليه الفلسطينيون وأغلقوا باب يافا في وجهه بعد عودته من عكا لظلمه لهم، فاتهم سمعان صالح بالثورة واضمر له السوء. فسعى به لدى وكيل والي دمشق حسين باشا احد غلمان سليمان باشا وصديق ابي نبوت ورفيقه، فاستقدمه حسين باشا لمحاسبته فخاف من غدره وبعث بولده سالم عوضاً عنه، فسجنه وتهدد والده بقتله اذا لم يقابله في دمشق، فاضطر استبقاء لحياة ابنه ان يذهب الى دمشق فسجنه فيها، وبعد يومين  شاع قرب وصول والي دمشق الأصيل سليمان باشا الذي كان صديقه، فانتهز الوكيل حسين باشا الفرصة قبل وصول معلمه، وعجل بشنق سمعان صالح مع زوج ابنته (صهره) قسطنطين برهومه الذي رافقه الى يافا. وبعد انزالهما عن المشنقة كان برهومه لايزال حياً، فصودر وفرَّ الى الرملة فسكنها وعاش فيها سنوات. ثم ارسل حسين باشا وضبط جميع عقارات سمعان صالح ومقتنياته في يافا والقدس واطلق ولده سالماً فسكن القدس وسلالته بقيت فيها.

وكان سمعان صالح قد رزق من زوجته الثانية المذكورة ولدين، الياس الذي توفي فتى، وموسى، فذهبت به امه الى اللاذقية واقامت بها، وذلك بعد فتح ابراهيم باشا المصري لعكا، فتزوج موسى بن سمعان صالح وهو في التاسعة عشرة من عمره سنة 1837 ورزق خمسة ذكور بقي منهم ثلاثة أحياء وهم الياس علمنا الذي ولد في 26 كانون الثاني 1839، وسليم ولد في 29 كانون الاول 1844 ويوسف ولد في 23 ايلول 1847.

لم يصادف موسى نجاحاً في اللاذقية فترك اسرته فيها وسار الى اخيه سالم في القدس وتوفي فيها سنة 1867  وكان اخوه سالم قد توفي فيها قبله وذلك سنة 1862 وله ولدان سمعان وصالح وسلالتهما فيها.

نشأته

ترعرع الياس بن موسى بن سمعان  صالح الغزي في اللاذقية مسقط رأسه. ودرس اللغات العربية والايطالية والافرنسية، والم بالانكليزية والتركية، واتقن الخط العربي حتى جوَّده. واتقن العربية في مدرسة الاميركان فيها.

في سنة 1866 عُيِّنَ ترجماناً لقنصل اميركا، واشتغل بالتجارة وتزوج سنة 1871 وفي السنة التالية تولى وكالة القنصلية، وسافر الى مصر سنة 1874 وبقي فيها سنة، ثم استقال من خدمة القنصلية، وخدم الحكومة الى وفاته على اثر مرض عضال في 3شرقي و15 ايلول غربي سنة 1885.

كان علمنا موسيقياً وشاعراً ومؤلفاً وقانونياً واديباً.

مؤلفاته

أنشأ الياس صالح في السنة 1866 خطبة في “حقيقة التهذيب” طبعت في المطبعة العمومية في بيروت في 24 صفحة بقطع ثمن، ومن اقواله فيها:”ان شرف الجنس البشري انما هو بالعقل فكما يعتني الانسان بتغذية جسده بالمأكول والمشروب يجب ام يعتني بنوع اخص “بتغذية عقله بالعلوم والمعارف بواسطة البحث والمطالعة …” ومنها:” ومما ينبغي الحاقه في ماتقدم وجوب تعليم النساء فان المرأة اذا شغلت اوقاتها الفارغة بمطالعة الكتب المفيدة وتعليم اولادها الصغار تكون منفعتها لنفسها ولزوجها ولأولادها ولبيتها أكثر مما اذا جلست في زاوية الجهل  كالآلة الصامتة او المقلقة” وختمها بقصيدة في احد عشر بيتاً يقول العلامة عيسى المعلوف انه لم يجدها بديوانه المطبوع منها:

فجر العلوم على ارجائكم طلعا………فنبهوا منكم الطرف الذي هجعا

……

……

…..

…..

…..

…..

…..

ليس التهذيب في تقليد من نسبوا………اليه ان لم يكن بالعلم قد شفعا

مطبوعاته

في سنة 1869 اقترح عليه المرسلون الاميركان البروتستانت في اللاذقية ان ينظم لهم المزاميرفكان كتابه:

” بهجة الضمير في نظم المزامير” مع بقاء المعنى الاصلي واوقع توقيعه بجدارة على الحان الترنيم. فشرع به واتمه سنة 1874 وسافر حسب طلبهم الى مصر لمقابلته على الاصل وبقي سنة فيها.

و”بهجة الضمير في نظم المزامير” هو مطبوع اولا بالمطبعة الاميركية في الاسكندرية سنة 1875، ثم ثانية في بيروت فكانت هذه التحفة الروحية الأخيرة طبعت طبعاً متقناً مسبوكاً في قالب البلاغة والانسجام في بيروت ثانية في مجلد كبير.

مخطوطاته

في سنة 1873 باشر بوضع تاريخ مطول للاذقية سماه “آثار الحقب في لاذقية العرب”  بثلاثة مجلدات الاولى في 190 صفحة وفيه تاريخ اللاذقية القديم والحديث الى سنة 1832. والثاني في 234 صفحة وفيه تاريخ حوادثها الى سنة 1876. والثالث في 68 صفحة وفيه حوادثها الى سنة 1881، فمجموع صفحات هذا الكتاب 492 صفحة.

وهو مخطوطه الشهير وموجودة نسخة منه في دائرة المخطوطات والوثائق البطريركية في مكتبة بطريركية انطاكية وسائر المشرق بدمشق وفيه معلومات مفيدة عن اللاذقية وتسميتها وجغرافيتها وسكانها(حسب تقويم سنة 1866باحصاء الحكومة) اذ كان عددهم اذ ذاك 11200 نسمة منهم 8819 مسلمون و1845 مسيحيون ارثوذكسيون، والباقون من الارمن والموارنة واللاتين والبروتستانت.  وفي عام 1911 صوب ولده الصيدلي رفيق افندي صالح نزيل عطبرة في السودان  عدد السكان في اللاذقية بأنهم يقدرون بثلاثين الف نسمة (بكتابه الى المعلوف عن والده الياس صالح ).

في مخطوطه” آثار الحقب…” قوَّمَ علمنا الياس منازل اللاذقية  ومساجدها وكنائسها ومعاملها فعَّدَ فيها معملين بخاريين لحلج القطن وثلاثة مكابس لكبسه. وقال ان “اسكلة”(ميناء) اللاذقية لاسكان فيها ولكن مخازنها التجارية 60.

وصف آثارها كقلعة صهيون والمرقب وبانياس وجبلة وغيرها، وبحث في عادات سكانها واجتماعاتهم وصناعتها وزراعتها وتجارتها وحاصلاتها وكلها ابحاث مطولة دقيقة، ثم عقد فيه فصلاً للنصيرية (العلويون) وعاداتهم وعشائرهم ومذاهبهم والاسماعيلية ومايتعلق بهم. ثم اشار الى الوقائع القديمة وتنظيم الولاية ونحو ذلك من الابحاث المحققة. وذكر بعض أُسرها وأنسابهم مما يدل على سعة اطلاعه.

وسنة 1875 وضع يومية حياته مفصلة واصفاً مارافقها من الحوادث الى غير ذلك من آثار أقلامه.

كما وضع “تعريب قانون التجارة البحرية الهمايوني” عن التركية العثمانية (بالحرف العربي)، وتعريب مالم يُعَربْ من النظامات المتعلقة بالمحاكم النظامية واحكامها الواردة في “مجلة الاحكام العدلية”. وتعريب “نظامات وتعليمات الولايات في الحكومة العثمانية” عن اللغة العثمانية ايضاً. وتعريب”قانون الرسوم التي تُؤخَذْ في المحاكم العثمانية عنها. وتعريب “مذابح سوريا سنة 1860″ لفرانسوا لترمان الفرنسي عن الفرنسية، وتعريب”رسائل الموسيو بوجولا السائح الفرنسوي” عن سياحته في اللاذقية سنة 1831. و”مختصر تاريخ اللاذقية وملحقاتها في 40 صفحة وهذان المخطوطان معربان عن الفرنسية.

شعره

كان نظمه رشيقاً نحا في بعضه منحىً عصرياًمثل قوله في وصف الباخرة كما في ديوانه المطبوع صفحة 44 من قصيدة بعث بها الى ابن عمه سمعان سالم صالح في القدس:

ما غراب البين من طير السما ………انما فلك بظهر البحر لاح

قوته   نار      تشب      وله ………من بخار عوض الريح جناح

ومنظوماته مرتبة على سبعة ابواب باب الغزل، والنسيب، والمراسلات، والمدائح والتهاني، والمراثي والتعازي، وباب اغراض شتى، ومدائح العذراء. والتواريخ وقد اجاد في معظمها وله تخاميس وتشاطير رشيقة.

وقد راسل الكثير من شعراء وادباء عصره مثل فرنسيس مراش واسكندر كاتسفيلس واحمد وهبي ونقولا بك نوفل وسليم بسترس وسليم بك عنحوري وغيرهم ومدح الخديوي اسماعيل  والكثير من الولاة وارباب المقامات الدينية من عربواتراك وافرنج، ورثى بعض علماء عصره كفرنسيس مراش وسليم البستاني وغيرهما وقَّرَّظَ بعض الكتب وردَّ على احمد العمري الموصلي الذي تعرض للمراش عند نظمه قصيدة”بوق الحرية” الذي وصف فيه انشقاق الحلبيين وحضهم على الاتفاق…

ومن تواريخه الشعرية قوله في بندلي زخريا قنصل اليونان في اللاذقية المتوفي سنة 1865 من ابيات

نكس اليونان اعلاماً لهم………..اذ غدا قنصلهم في الترب

حل لما ارخوه نازلاً………….جنة الخلد بأزهى الرتب

وغير ذلك من قصائد التأبين…

منزلته

كانت منزلته بين الادباء رفيعة المقام وقد رد سليم عنحوري الدمشقي على تقريظه كتابه”كنز الناظم” بأبيات طبعها العنحوري في الكنز…

وكذلك مدحه فرنسيس مراش بقصيدة مطلعها

واذا غدا امل التخلص فاسداً……..فالقصد عندي صالح مستظرف

لما توفي رثاه كثير من الشعراء والادباء والعلماء كقول الشاعر اللبناني اسعد داغر:

لهفي على الياس صالح زائدُ………ومن المحال السعي في نقصانه

وأرخ ضريحه اسعد داغر بتاريخ بليغ منه

اتاه من المولى الملاك مبشرا…….للقاء   احضان    المسرة   فاتحاً

وناداه  اذ لله    ارخته    لجا…….لالياس اضحى موطن الخلد صالحاً

صفاته

كان طويل القامة اسمر اللون نحيل الجسم، كان كما قلنا موسيقياً وشاعراً ومؤلفاً وقانونياً واديباً.كان الياس صالح عاقلاً مفكراً وراوية حافظاً سريع الخاطر وافر الذكاء جامعاً لكثير من صفات الرجال المشهورين.

نأمل ان نكون قد سلطنا عليه الضوء بالحد الادنى، وجدير ذكره  انه في عام 1910 قام ولده الصيدلي رفيق صالح الموجود وقتئذ في السودان بطبع ديوان والده وهو في 168 صفحة مطبوعا بالمطبعة الوطنية في اللاذقية. ولكن بكل اسف ليس موجوداً وهو نادر الوجود، وعرفنا عنه، لأن  العلامة عيسى اسكندر المعلوف قد اشار اليه في مجلة النعمة عدد تشرين الاول 1910 وهو ليس موجوداً في مكتبة البطريركية ولم نعثر عليه في اية مكتبة اخرى.       

حواشي البحث

1) وكان من ارثوذكس اللاذقية يتجر بالدخان واشتهر  بحذقه واقدامه ومحاماته عن وطنه فنفذت كلمته لدى حكومتها فسعى بارسال مخائيل ديب من مسيحي حلب الى الاستانة ليرفع تكاليف الباشاوات عن اللاذقية بواسطة اخيه ثيودوراكي ديب كاخية امير الفلاخ والبغدان الذي كان نزيل  الاستانة نافذ الكلمة فيها فحصل فرماناً بسلخ اللاذقية عن طرابلس وجعلها محصلية مستقلة تفاوض الباب العالي رأساً وتعيين محصل مسلم بكفالة حنا كبه المتعهد بتوريد مال لواء اللاذقية الذي كانت قيمته نحو مائتين وعشرة آلاف غرش سنوياً فاستاء والي طرابلس وحاصر اللاذقية وارتد عنها خائباً فعين حنا كبه متسلماً للمدينة ورمم المساجد والكنائس التي خربها زلزال سنة 1796 وحسَّن المدينة فكان الجزار اذ ذاك متغيراً عليه فسعى بقتله سنة 1803 وقاتله رجل يقال له الهيطلي اما مصطفى الكلّ فقتل خزنه حنا كبه (والخزنه رجل يوناني مقيم في اللاذقية). اما ولده جرجس وديمتري فبعد ان أقاما مدة في يافا عند صهرهما سمعان صالح سافرا الى مصر فديمتري توفي فيها شاباً غريباً وجرجس اقام عند باسيلي يوسف فخر الطرابلسي في دمياط فثقفه لصداقة ابيه له وصار يتنقل بين فلسطين واللاذقية الى ان توفي باللاذقية غريباً سنة 1857م وانقطغت به سلالته من الذكور وكان جرجس ظريفاً حسن المعاشرة له مراسلات وتآليف هزلية منها كتاب (روضة العزبان) الفه سنة 1824 في القدس فضّلَ فيه العزوبية على الزواج وطبع في مصر وبيروت، وألف كتاب (كبه وكرنبه) في مدينة غزة سنة 1831 وهو يحتوي على الفرق بين عادات الملابس الافرنجية والعربية على نسق محاورة بينه وبين كرنبه وهو اسم مجهول لافرنجي متحزب للعادات والملابس الافرنجية والكتابان بالعامية ولهما طلاوة وحلاوة.