كنيسة القديس جاورجيوس في ازرع تعود الى مطلع القرن الخامس

هندسة الكنائس القديمة في سورية/ الجزء الاول

هندسة الكنائس القديمة في سورية

الجزء الاول

مقدمة عامة في عمارة الكنيسة

نعني بعمارة الكنيسة  عمارة مباني الكنائس المسيحية. وقد تطورت عمارة مباني الكنائس على مدى ألفي سنة مسيحية، جزئياً عن طريق الابتكار وجزئياً عن طريق محاكاة الأساليب المعمارية الأخرى، فضلاً عن الاستجابة لتغير المعتقدات والممارسات والتقاليد المحلية.

 منذ نشأة المسيحية وحتى الوقت الحاضر، كانت أهم عناصر التحول للهندسة المعمارية والتصميم المسيحي الكنائس العظيمة للرومية البيزنطية ، وكنائس الدير الرومانيكية، والكاتدرائيات القوطية، وبازيليكات النهضة مع تأكيدها على التناغم بين اكثر من هندسة وطراز.

كانت لهذه المباني الكبيرة، المزخرفة في كثير من الأحيان والمرموقة ذات الهندسة المعمارية سمات مسيطرة في البلدات والريف التي كانت موجودة فيها. ومع ذلك ، كانت الكنائس الأبرشية في العالم المسيحي، وعددها أكثر بكثير، مركز اللقاء المسيحي في كل مدينة وقرية. في حين أن العدد القليل من الأعمال الفنية المعمول بها هو مساواة الكنائس الصغيرة بالكاتدرائيات والكنائس الكبرى، ونشير الى ان الأغلبية تطورت على طول الخطوط الأبسط، مبينة تنوعاً إقليمياً كبيراً بين كل مكان وآخر، وكثيراً ما تظهر التكنولوجيا المحلية والديكور في عمارة الكنيسة المحلية.

في بناء الكنائس تم  في البداية تعديل المباني  من تلك المخصصة أصلاً لأغراض أخرى كالاجتماعات العامة مثلاً، ولكن مع ظهور الهندسة الكنسية المميزة، جاءت مباني الكنيسة وكانت هي صاحبة التأثير الكبير على المباني المدنية فصار مهندسوها يقلدون هندسة العمارات الكنسية.

 في القرن العشرين، كان لاستخدام المواد الجديدة، مثل الصلب والخرسانة ، تأثير على تصميم الكنائس.

يقسم تاريخ العمارة الكنسية نفسها إلى فترات، وإلى البلدان أو المناطق ،والى الانتماء الطائفي او العقيدي. ونشير الى أن التغييرات في الممارسة الليتورجية بين فرع كنسي وآخر، قد تؤدي إلى تغيير المباني الكنسية القائمة،  وقد يتم  تغييراستخدام مبنى تم بناؤه بواسطة مجموعة دينية من قبل مجموعة اخرى لها أغراض مختلفة. ( كما هو حاصل اليوم في اوربة ببيع الكنائس)

أصول وتطور بناء الكنيسة
يتألف أبسط مبنى للكنيسة من مساحة واحدة للاجتماعات والصلوات، مبنية من مواد متاحة محلياً وتستخدم نفس مهارات البناء مثل المباني المحلية. مثل هذه الكنائس كانت مستطيلة بشكل عام، لكن في الدول الأفريقية مثلاً حيث المساكن الدائرية هي القاعدة، يمكن أن تكون الكنائس الدارجة دائرية. كذلك يمكن بناء كنيسة بسيطة من الطوب الطيني، والقطع المنقسمة أو الركام. قد يكون مسقوفًا باستخدام القش والقوباء المنطقية والحديد المموج أو أوراق الموز. ومع ذلك،  وكذلك الكنائس في اليابان والصين تأخذ شكل الابنية التراثية السائدة لجهة الشكل العام والسقوف.

لكن جماعات المؤمنين المسيحيين المتزايدة بدءاً من القرن الرابع فصاعداً،  سعت إلى تشييد مبانٍ للكنائس كانت دائمة ومذهلة من الناحية الجمالية. وقد أدى هذا إلى تقاليد استثمر فيها المسيحيون ورئاساتهم والقادة المحليون الوقت والمال والهيبة الشخصية في بناء الكنائس وتزيينها لمجد الله كما في روسيا القيصرية.

في أي أبرشية، غالباً ما تكون الكنيسة المحلية هي أقدم مبنى وهي الاجمل، وهي أكبر من أي مبنى يعود إلى ما قبل القرن التاسع عشر باستثناء ربما حظيرة رهبانية او دير. غالباً ما تكون الكنيسة مبنية من أكثر المواد المعمارية المتاحة ، وغالباً ما تكون مكشوفة من الحجر أو الطوب. لقد طالبت متطلبات الليتورجيا  الكنسية عموماً أن تمتد الكنيسة من قاعة واحدة إلى قاعتين رئيسيتين، أحداهما للرعية والآخرىالتي فيها يؤدي  الكاهن طقوس القداس الالهي، اي في هيكل الكنيسة وفيه المذبح والمائدة المقدسين، ولكن في حالة وجود عدد كبير من الكنائس القديمة، فقد تم تمديد المبنى جزئياً، وأجزائه المختلفة التي تشهد على تاريخه المعماري الطويل وعدد مؤمنيه الكبير.

البدايات
في القرون الثلاثة الأولى للكنيسة المسيحية المبكرة ، كانت ممارسة المسيحية كما هو معروف غير قانونية وممنوعة وان كان قد تم بناء القليل من الكنائس سراً وبالتورية.

في البداية وفي بعض المناطق صلى  اليهود المتنصرين مع الوثنيين السابقين في الكنس اليهودية وفي بيوت خاصة. وبعد انفصال اليهود والمسيحيين استمر الأخيرون في العبادة في البيوت، المعروفة باسم كنائس المنازل. كانت هذه في كثير من الأحيان منازل للأثرياء أعضاء الإيمان. يكتب القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: “إن كنائس آسيا ترسل تحياتها. يرحب بك أكويلا وبريسكلا، مع الكنيسة في منزلهما…” والمقصود هنا جمهرة المؤمنين بالرب يسوع التي كانت تجتمع في هذا البيت للصلاة بحرارة الى الرب يسوع.

و بيت القديس حنانيا الرسول في دمشق مثلاً.

لاحقاً تم تكييف بعض المباني المحلية لتصبح كنائس مسيحية. واحدة من أقدم المساكن التي بنيت بعد فترة وجيزة السنة 200مسيحية في دورا اوربوس في الرقة السورية حيث تم إنشاء غرفتين في البناء  الواحد، عن طريق إزالة الجدار، وتم إنشاء منصة، وعلى يمين المدخل خصصت غرفة صغيرة للمعمودية المقدسة.

من كنيسة البيت إلى الكنيسة
منذ أوائل  المسيحية ونظراً للحظر والاضطهادات العنيفة وحتى براءة ميلان السنة 313 م كانت معظم الكنائس المسيحية (جماعة المؤمنين) تتعبد في الدياميس حيث قبور الشهداء المسيحيين، وفي الكهوف  كمغارة القديسين بطرس وبولس في انطاكية، وقبو بيت حنانيا الرسول اول اسقف لدمشق، وفي القبو الذي كان على اسم مريم في دمشق (كنيسة مريم- المريمية) بعيدا عن اعين اليهود المتعصبين والسلطات الرومانية الوثنية، ويتزامن مع بيت حنانيا بدمشقفي اواخر العقد الرابع من القرن المسيحي الاول.

الكاتدرائية المريمية بدمشق اقدم كنيسة في العالم وتعود الى عام 38 مسيحية
الكاتدرائية المريمية بدمشق اقدم كنيسة في العالم وتعود الى عام 38 مسيحية

كانت العبادة كما اسلفنا تمارس سراً حيث يجتمع الاخوة في عشاء المحبة في كل ليلة يكسرون الخبز كما فعل الرب يسوع في العشاء الأخير. بعض الكنائس الرومانية ، مثل بازيليك سان كليمنتي في روما ، بنيت مباشرة على البيوت حيث يعبد المسيحيون الأوائل.

اذن في الامبراطورية الرومانية بنيت  لاحقاً  الكنائس مكان بعض الكنائس الرومانية المبكرة الأخرى المبنية خلال القرون الثلاثة الدامية  على مواقع الاستشهاد المسيحي أو عند مدخل سراديب الموتى حيث تم دفن المسيحيين.

مع انتصار الإمبراطور الروماني قسطنطين في معركة ميلفيان بريدج عام 312 ميلادية ومرسومه الشهير من ميلانو السنة 313مسيحية ، أصبحت المسيحية ديانة شرعية ومن ثم ديانة الإمبراطورية الرومانية المميزة بقرار الامبراطور ثيوذوسيوس الكبير 387م ، وقد امر بالمسيحية ديناً بديلاً عن الوثنية وحول ممتلكات الوثن والمعابد الوثنية واوقافها الى كنائس لتمجيد اسم الله الحي...

إن الإيمان، المنتشر بالفعل حول حوض البحر الأبيض المتوسط ​​، يعبر الآن عن نفسه في المباني التي يمارس فيها هذا الايمان ونقصد بذلك الكنائس. تم تصميم العمارة المسيحية لتتوافق مع الأشكال المجتمعية، وهكذا أصبحت الكنيسة، وهي قاعة كبيرة مستطيلة للاجتماعات، تصميماً عاماً في الشرق والغرب، كنموذج للكنائس، مع صحن الكنيسة والممرات… وكانت البازيليكا المدنية  مختلفة عن بازيليكا الكنيسة المسيحية  فهذه كان فيها  عادة حنية واحدة حيث يجلس الأسقف والكهنة في المنصة خلف المذبح. في حين كان للكنائس الوثنية تمثالًا للإمبراطور، ركزت العبادة المسيحية على اقامة العبادة للاله الحي واجراء الذبيحة الالهية على القربان المقدس كرمز للإله الأبدي والمحب والغفوروتذكاراً لسر الفداء بالذبيحة الالهية على القربان الخبز والخمر رمزاً لجسد ودم الرب يسوع، فبالمسيح تحولت ذبيحته الدموية على الصليب الى ذبيحة غير دموية بحلول الروح القدس على المائدة المقدسة بعد ذبح القربان او الخبز المقدس الذي يرمز الى جسد الرب على المذبح المقدس في الهيكل المقدس.

كنيسة حنانيا الرسول وتعود الى اواخر العقد الرابع في القرن المسيحي الاول
كنيسة حنانيا الرسول وتعود الى اواخر العقد الرابع في القرن المسيحي الاول

هندسة الكنائس في سورية

لاشك ابداً ان سورية بلد المسيحية حتى اعماق البادية والصحراء، وفي ذرى الجبال الوعرة، وفي البراري والبساتين والغابات. وبها تزخر البلاد السورية برقعتها الكبيرة بالأوابد المسيحية الموثقة لتجذر المسيحية منذ نشأتها وحتى حاضرنا المعاصر.

فبلادنا السورية تحوي أقدم وأغزر وأجمل الآثار المسيحية في العالم، ولايضاهيها في هذا المضمار، بلد آخر. فقد فاق عدد الكنائس في سورية في القرنين الخامس والسادس المسيحيين اي منطقة اخرى على الاطلاق، وكانت سورية ولاية من ولايات الامبراطورية الرومية البيزنطية التي كانت تدعى “المسكونة” وتمتد من بريطانيا غرباً حتى حدود فارس شرقاً، ومن الدانوب في قلب اوربة شمالاً حتى الصحراء في قلب افريقيا جنوباً.

ونظرة سريعة على اوابدنا المسيحية في سورية الطبيعية، وكانت عاصمتها انطاكية وتليها دمشق (بصفتها منطلق المسيحية بتنصير شاول المضطهد وانطلاقته رسولاً للايمان الى جنوب البلاد والعربية ثم شمال البلاد وانطاكية وآسية الصغرى وكل العالم المعمور)، يدرك عظم اهمية هذه الأماكن المسيحية التي بات معظمها مندرساً كالمدن المنسية…ومنها مابقي يقارع الزمن ويتجلى بقدسيته اكثر فأكثر كالأديرة العامرة واولها بلا منازع دير سيدة صيدنايا البطريركي بهندسته الفريدة كالحصون والكاتدرائية المريمية اقدم كنيسة في العالم…و…و…

كانت التجمعات المسيحية تتلو الاديرة فالرهبان كانوا يسبقون في قلاليهم المنفردة تجمعات السكان، كمنسك سمعان العمودي، ورهبان القورشية في قورش ومتزعمهم القديس مارون في الشمال السوري…

مغارة القديسين بطرس وبولس في انطاكية اقدم كنيسة وتعود الى سنة 42 مسيحية وكانت مقر  بطرس الرسول اول بطريرك على انطاكية العظمى
مغارة القديسين بطرس وبولس في انطاكية اقدم كنيسة وتعود الى سنة 42 مسيحية وكانت مقر بطرس الرسول اول بطريرك على انطاكية العظمى

كان المؤمنون بعد استقرار راهب او تجمع رهباني كدير او… يلتفون حول الرهبان فتنشأ التجمعات السكانية ويكون هذا الراهب او احد رهبان الدير الرهباني كاهنها وهاديها…وتنشأ بايدي هؤلاء الرهبان الاديرة كما فعل تلاميذ القديس سمعان العمودي ببناء ديره حول العمود الذي عاش عليه…على سبيل المثال…

هذه التجمعات الجميلة من المدن والقرى المسيحية في السهول والتلال والجبال ببياض حجارة مبانيها او سوادها (كما في جنوب سورية والعربية) تتوسطها الكنيسة او الكنائس وحتى الاديرة يهندستها المميزة واشكال صلبانها وسط طبيعة خلابة سواء كانت خضراء كما في وادي العمق من حمص وحتى انطاكية مروراً بحماة وادلب…

دير سيدة صيدنايا البطريركي ويعود الى عام 518م وبني بأمر الامبراطور يوستنيانوس بعد اعجوبة ظهور العذراء عليه وهي من امرته ببناء دير على اسمها للراهبات المتوحدات
دير سيدة صيدنايا البطريركي ويعود الى عام 518م وبني بأمر الامبراطور يوستنيانوس بعد اعجوبة ظهور العذراء عليه وهي من امرته ببناء دير على اسمها للراهبات المتوحدات

او طبيعة صحراوية جبلية جرداء كما في عدرا  والقلمون كمعلولا وفيها دير القديسة تقلا حيث اختارت التوحد والرقاد وكل المنطقة، مروراً بصيدنايا وديرها وبقية الاديار والكنائس التي كانت قد وصلت الى اربعين معبداً، الى ذرى بلودان ودير اليونان الى سوق وادي بردى…كنائس واديار تزهو بنواقيسها ورهبانها ومؤمنيها.

كانت الكنيسة تشكل في المواقع السكنية من مدن وقرى سورية القلب النابض بحياة المؤمنين، والقطب المحوري لأنشطتهم مجسدة ايمانهم ورجاءهم ومحبتهم ووحدتهم. يسهمون في بنائها بأيديهم قبل اموالهم وتبرعاتهم السخية لتكون بيوتاً تليق بأن تكون بيوتاً لله يرتفع فيها البخور مع الصلوات الى العرش السماوي لذلك فكانوا يودعون فيها اعظم مخيلاتهم الهندسية وبقالب فني مستنير بنور المسيح له المجد.

بذلك اشاد السوريون في الفترة الرومية البيزنطية مابين القرنين الرابع والسابع المسيحيين اعظم الاوابد الكنسية  من كنائس واديار وباسيليات ومستشفيات و…وهي ذروة فن مهندسيهم وعنوان فخارهم.

ولا عجب اذا ما اعتبر العلماء بالاجماع هذه الفترة الشاملة للعهد البيزنطي الرومي بين القرن الرابع والقرن السابع قبل دخول المسلمين ( لأنه كان محظوراً بناء الكنائس في العهود الاسلامية منذ  بدء الوجود الاسلامي وحتى حملة ابراهيم باشا المصري على بلاد الشام بين 1831-1840 وهو قد اذن بترميم وبناء الكنائس وكان الاول!!!)

في هذه الفترة البيزنطية البديعة  كانت ذروة ثورة الابداع الفني حيث انجب فيها المسيحيون السوريون حضارة انسانية هي قمة سلم القيم بكل شيء وبلغت هندستهم وخاصة بناء الكنائس منها آنذاك قيمة انسانية شاملة كانت من ملهمات الهندسات المعمارية الرومية البيزنطية وعصر النهضة الاوربية والحضارة العربية والارمنية والجورجية.

مرسوم ميلانو والثورة العمرانية في بناء الكنائس

بعد انتصاره على خصمه ليكيانوس اصدرالملك حسن العبادة المعادل للرسل قسطنطين الكبير براءته الشهيرة ومن ميلانو بايطاليا في العام 313مسيحية “مرسوم ميلان” اباح فيها للمسيحيين حرية العبادة في الامبراطورية الرومانية كبقية المواطنين واوقف حمامات الدم والاضطهادات العنيفة التي تعرضوا لها خلال القرون الثلاثة المنصرمة وهي الاولى من عمر المسيحية. فصارت المسيحية ديانة رسمية اسوة ببقية الديانات في الامبراطورية.

 عندها خرج المسيحيون من الكهوف والدياميس وقبور الشهداء المسيحيين  اي من التعبد السري كالمنظمات السرية المحظورةالى العبادة العلنية، هذه الاباحة للمسيحية وخروجها  الى عالم الضوء حدت بها الى اشادة الكنائس والى زخرفتها بالشكل الذي يليق بمؤسسها الرب يسوع وعلى انها بيت للرعية المسيحية التي تصلي للفادي.

وكان الكثير من المسيحيين قد حولوا دياميسهم وبيوتهم الى كنائس كما في مغارة القديسين بطرس وبولس في انطاكية، وكما في بيت القديس حنانيا الرسول في دمشق وهو الاول ويتساوى في القدم والاولوية على كل الكنائس المسحية في الكون مع كنيسة مريم بدمشق (المريمية) كما اسلفنا.

وسرعان ماظهرت الكنائس في كل مكان وصلته المسيحية، وكانت بذور الرهبنة قد بدأت تنبت شتلات رهبانية في مصر اولا مع انطونيوس الكبير وباخوميوس لتنتشر في بلاد الشام وآسية الصغرى واليونان وتبدأ معها قلايات الرهبان المنفردة والتجمعات الرهبانية والحظائر والأديرة الرهبانية المشتركة بكنائسها التي كانت في معظمها فخمة بهندستها وتزييناتها وانتدب لتزيينها وزخرفتها ارباب الفن الهندسي في البناء والفسيفساء والنحت والتصوير الكنسي كما في افامية ومنطقة العمق وسهول ادلب وباريشا…وصيدنايا ومعلولا والغوطة الدمشقية ووادي النصارى وعكار والقلمون اللبنانية وصنين والارز  والقلمون السورية  ومار سابا في فلسطين ودير القديسة كاترينا في سيناء…

دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي مطلع القرن الخامس
دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي مطلع القرن الخامس

في سورية حيث البوتقة الازلية للشعوب المستقرة والعابرة والحضارات ومجمل المدنيات الزاهرة، وتأثيرات مثيلاتها في البلدان المجاورة، في هذه البوتقة تم صهر كل ذلك فتجلى فن فريد واصيل بآن وهو الفن السوري الذي كانت ذروة ازدهاره في الحقبة المسيحية الرومية وحتى دخول المسلمين، عندها توقف هذا الفن بتوقف بناء الكنائس والاديرة والصروح المسيحية وفق الشريعة الاسلامية.

السوريون وهم المهندسون والمعماريون والنحاتون والرسامون وقد اظهروا براعتهم وابداعاتهم وما لاشك فيه ان الثقافة اليونانية القديمة الكلاسيكية مع الاسكندر المقدوني ومن ثم مع الهلنستيين ثم الحقبة الرومانية والسيادة اليونانية المطلقة فيها للفنون المعمارية اليونانية… لتعقبها فترة السيادة البيزنطية التي امتدت حوالي الف عام في منطقة بلاد الشام…

كنيسة سرجلة في سورية
كنيسة سرجلة في سورية

ويحلو لنا ان نستعرض تأثير الفنون في تلك المرحلة على الفن المعماري السوري 

– الفن المعماري اليوناني/الهلنستي- الوثني

خضع الشرق برمته عقب فتوحات الاسكندر لتأثير الفن اليوناني المتميز في القرون الثلاثة ماقبل المسيح وامتد التأثير اليوناني بعده ثلاثة قرون مسيحية. فسيطرت عليه العناصر اليونانية  سيطرة مطلقة.

– الفن المعماري الرومي

هو مزيج من بعض عناصر يونانية قديمة ضعيفة، وعناصر رومانية اكثر حداثة استُخدم فيها الآجر والحجر الصغير والطين، وعناصر شرقية فارسية ساسانية معتمداً القبة المرتكزة فوق بناء مربع. فتآلفت هذه العناصر العديدة وتكونت العمارة الرومية بفن راقٍ بلغ اوجه في القرن السادس المسيحي، ويعتبر عهد الملك يوستنيانوس (526-565) مسيحية  هوعصره الذهبي الاول. وقد استمر هذا الفن حتى احتلال القسطنطينية من قبل العثمانيين السنة 1453م. لقد كان  فناً مسيحياً متميزاً في وحيه واتجاهاته، مثلته الكاتدرائية آجيا صوفيا اروع تمثيل (الشهيدة لاحقاً وقت الاحتلال1453م و2020 حالياً بتحويل اردوغان لها من متحف الى جامع مجدداً وطمس وازالة تلك التصاوير الرائعة من قبابه في الداخل  ومن جدرانه وحنياته).

– الفن المعماري السوري

“انه فن قائم بذاته، أضاف الى اتقان وروعة العناصر اليونانية والاسلوب البازيليكي الروماني عناصر فنية سورية أصيلة، وهو فن مبتكر مسيحي في مجمله.”

امتد بامتداد العهد الرومي في سورية، اي من القرن الرابع الى القرن السابع، وقد بلغ ذروته في كنائس المدن المنسية ودير العمودي ورويحة في ادلب وسهول حلب.

لقد تفرد الفن السوري وهو اصيل بعناصره الزخرفية الرائعة التي نقلها المسلمون وتباهو بها، وحملها بالمقابل الحجاج المسيحيون الى اوطانهم لتصبح مقوِّمة للفن الرومَّني في اوربة الغربية، ونظرة واحدة الى كنائس الفن السوري الرومية في رويحة وقلب لوزه وسمعان العمودي تظهر لنا كم هو مدين فن العمارة الاموية الاسلامية للفن السوري- الرومي الاصيل، كجامع عمر في القدس وكاتدرائية القديس يوحنا المعمدان بدمشق(الجامع الاموي) وكاتدرائية حمص( جامع خالد) وكاتدرائية حلب( الجامع الاموي).

كاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان التي حولها الوليد سنة 705 الى الجامع الاموي
كاتدرائية دمشق كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان التي حولها الوليد سنة 705 الى الجامع الاموي

الهندسة الكنسية والطقوس

تؤلف هذه الهندسة كلاً لايتجزأ. فقد نظمت الطقوس لتقام في مبنى ديني بهندسة تلبي الحاجة الطقسية، حيث ان تصميم الكنيسة جاء تلبية لحاجات الطقس الروحي ومتطلباته، واجريت عليه بعض التعديلات والاضافات التي تستلزمها الرتب الدينية والمستجدات الطقسية.

ويظهر من انواع الكنائس القديمة في سورية ان كل واحدة منها كانت لسد حاجة معينة، فالكنيسة الرعوية مختلفة عن الكنيسة الديرية الرهبانية، وعن كنيسة الحج، وعن كنيسة دار الشهداء(مارتيريون) ككاتدرائية القديس جاورجيوس الارثوذكسية (حالياً) في ازرع ودار العماد…

سورية بلد الكنائس

ما ان اعلن قسطنطين مرسومه عام 313م بالسماح للمسيحيين بحرية العبادة حتى تحولت سورية الطبيعية كلها الى ورشة عمل لمدة 300 سنة لبناء الكنائس، وكان ذلك  هو الذي ادى الى انتشار الكنائس في كل مكان رداً على القرون الثلاثة الاولى التي حاول فيها الاباطرة الرومان خنق المسيحية في مهدها بالمذابح والاضطهادات المريعة وازهاق ارواح مئات الالوف من المسيحيين.

لم تتوقف حمى بناء الكنائس ولم تفتر همة المعماريين في ارجاء الشام الكبرى في اظهار كنائس الله وتجليات الايمان المسيحي وممارسته فيها، بالرغم من السلبيات بالمنازعات العقيدية بين الخلقيدونية واللاخلقيدونية والهرطقات العنيفة وغزوات الغزاة واجتياحات الاجانب المستمرة لسورية والحروب الدامية بين الفرس والروم والكوارث الطبيعية كالزلازل كزلزال انطاكية المدمر اواخر القرن السادس، وزلزال القسطنطينية المتزامن والاوبئة الضاربة كما حصل في وباء القسطنطينية اواخر القرن السادس وكاد ان يفرغ العاصمة ومحيطها من البشر.

كاتدرائية آجيا صوفيا وهي على هندسة كاتدرائية بصرى في سورية والصورة تعود الى القرن 12 في احد احتفالات الفصح وقد حول السلطان محمد الكاتدرائية الى جامع ايا صوفيا 1453 وحولها اردوغان من متحف 1934 الى جامع مجددا 2020
كاتدرائية آجيا صوفيا وهي على هندسة كاتدرائية بصرى في سورية والصورة تعود الى القرن 12 في احد احتفالات الفصح وقد حول السلطان محمد الكاتدرائية الى جامع ايا صوفيا 1453 وحولها اردوغان من متحف 1934 الى جامع مجددا 2020

وقد تعهدت مشاغل وورشات عمل البناء الكثيرة الجوالة تشييد الكنائس الكبيرة منها والصغيرة. وساهم في هذا العمل الجبار نخبة من المهندسين الأفذاذ وجمهرة من المعماريين الخبيرين ومجموعة من الفنانين العبقريين في النحت والنقش والزخرفة ورهط كبير جداً من العمال النشيطين الملتزمين. هؤلاء جميعاً كانوا من اهل البلاد مسيحيين من سورية ومنهم عدد من الكهنة والشمامسة والرهبان. هذا لم تَثنِ عزمَهم الصعابُ والأخطار والمحن التي المت بالبلاد. فكنت ترى سورية كلها وكأنها ورشة عمار كبيرة لدور عبادة مسيحية لايُحصى عددها. أضف الى ذلك ما ابداه المسيحيون من كرم وسخاء في التبرعات الوفيرة، مابذلوه من جهود جسمانية جبارة لرفع صروحٍ كنسية مجيدة، نرى حتى اليوم آثارها الخالدة شواهد على عمق إيمانهم وعظمة تضحياتهم…ولم تتوقف حركة البناء هذه الا بالحظر الذي فرضه الاحتلال  الاسلامي في القرن السابع بدءاً من دخول دمشق 635م على بناء كنائس جديدة…فتَّجَّمَّدَ، من جراء ذلك الحظر المشين السيل العمراني البديع للكنائس والاديرة، وخُنقَتْ المواهب العبقرية العمرانية الهندسية منها والفنية، في تطور شرنقتها الابداعي بما كان قائماً في مطلع القرن السابع المسيحي.

ويحق لنا ان نتساءل عما كانت قد تؤول اليه الحركة العمرانية المسيحية في زخمها وعبقريتها، نوعاً، في الجمال والكمال، وكما في عدد دور العبادة لولا هذا الحظر الشؤوم والتعدي، المجحف السافر، على ممارسة أسمى الحريات في الوجود! إضافة إلى الاستيلاء المنتظم على الكنائس، وعلى التتابع لتنتهي كنائس اي بلد.

 /فقد كان في دمشق وحدها حين اقتحمها المسلمون حرباً من الباب الشرقي وصلحاً من باب الجابية سنة 635مسيحية 35 كنيسة واقعة بين شطري المدينة المفتوحة حرباً  وبالدم بحق اهلها كونه لم يكن فيها اي جندي رومي بقسمها الشرقي من باب الشرقي بقيادة خالد  وحتى موقع كنيسة مريم في الشارع المستقيم وقد حولت كنائس هذا القسم الشرقي وعددها17 كنيسة فوراً الى مساجد ومعها كل كنائس واديار الغوطة وعددها 18…اما القسم الغربي من المدينة الممتد من كنيسة مريم الى الباب الغربي او باب الجابية الذي تم دخوله صلحاً وبدون دماء وشهداء فعدد كنائسه كان 17 كنيسة وابرزها كاتدرائية دمشق على اسم القديس يوحنا المعمدان شفيع المدينة وهي الواقعة في قلب المدينة، وكانت كنيسة اسقف المدينة وكنيسة والي دمشق الرومي وفيها رأس القديس يوحنا المعمدان، فهذه لأن الدخول منها  تم صلحاً بموجب الاتفاق بين الوجيه الدمشقي الرومي سرجون النصراني وابن الجراح ويقضي ببقاء الكنائس بأيدي مسيحيي دمشق، ومع ذلك بدأ القضم التدريجي وتحويلها الى مساجد وكانت ذروتها هي كاتدرائية دمشق.وبها انتهت الكنائس وقد تحولت كلها الى مساجد.

باب بولس احد ابواب دمشق السبعة وبداخله كنيسة القديس بولس
باب بولس احد ابواب دمشق السبعة وبداخله كنيسة القديس بولس

اما كنيسة مريم الواقعة على خط الفصل بين شطري الدخول حربا وصلحا فأغلقتْ، لأنهم اعتبروها من املاك الدولة حتى عام 705 عندما صادر الوليد كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان وانتزعها من ايدي المسيحيين، وحولها الى الجامع الاموي. ونتيجة لاحتجاج المسيحيين الذين فقدوا كل كنائسهم في الريف والمدينة وللحظر السائد على بناء كنائس جديدة، فقد اضطر الوليد الى اعادة كنيسة مريم المغلقة، وللعلم فان كنيسة مريم كان قد بناها “المسيحيون المريميون” السنة 38 مسيحية/.

( للمزيد راجع مدوناتنا “كاتدرائية دمشق” و” الكاتدرائية المريمية” و”سور دمشق وابوابها”و”دار البطريركية الارثوذكسية بدمشق”)

“ومما يُلاحظ ان المهندسين والبنائين المسيحيين في سورية ظلوا حتى القرن السابع يستنبطون نماذج وأساليب هندسية جديدة، ولم يصلوا بعد في اوائل القرن السابع الى مرحلة استنفذوا فيها كل ابتكاراتهم واصبحوا يعتمدون على الماضي كلياً.”

( الاب بطرس ضو: تاريخ الموارنة، 2/179)

وتجدر الاشارة الى ان الكنيسة الجنوبية في شيخ سليمان السنة 602م هي واحدة من بين كنيستين او ثلاث كنائس بُنيت في سورية بعد نهاية القرن السادس، اي قبل الفتح الاسلامي بفترة وجيزة.

تأثير الفن السوري

لاشك ان سورية غنية بالآثار المعمارية التي تعود الى عهد المسيحية الأول. انه غنى قلما نجد له مثيلاً ووفرة وجمالاً، في منطقة أخرى من بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط. فقد كتبت الباحثة كريستين شترويه” الفن المسيحي المبكر في سورية”: “يشغل فن العمارة مكانة بارزة في مجمع الفن السوري من القرن الرابع الى السابع مايطبعه بطابعه، ويفضل كثرة الأبنية الباقية، على نحو رائع صورة سورية الحديثة. صحيح أنه لم يبق الشيء الكثير في المدن الكبرى الا ان المناطق الجبلية وبادية الشام ومنطقة الفرات والسهول الساحلية تحتوي على المئات من ابنية السكن والمقابر والكنائس التي تولد انطباعاً عميقاً عن كفاءة المشاغل والمعماريين السوريين وخيالهم الخصب”. وعندما قُدّمت للمرة الأولى، أمام الرأي العام الواسع، صورة ابنية منطقة كبيرة من قبل المركيز دي فوغويه وكذلك الرسوم الرائعة للمهندس المعماري دوتوا وذلك من عام 1865 الى 1877، كان الانطباع كبيراً  الى حد جعل القول بتأثير فن العمارة السوري على سائر بلدان البحر الأبيض المتوسط  على انه حقيقة مؤكدة في الدراسة والبحث خلال فترة طويلة. 

دير سيدة البلمند البطريركي
دير سيدة البلمند البطريركي يعود الى القرن الخامس

لم يبقَ في منطقة البحر الأبيض المتوسط الا عدد قليل من الكنائس والابنية التي شُيدت في الفترة الواقعة بين القرن الرابع والسابع دون تغييرات أضيفت اليها في القرون اللاحقة.

وعلى ضوء ماتقدم ندرك كم هو هام ان نجد في منطقةٍ سوريةٍ واحدة، وهي الهضبة الكلسية-الجيرية في شمال سورية، حوالي 150 كنيسة ومئات البيوت التي لاتزال قائمة على حالة من الجودة يمكن معها اعادة إنشائها بكل جزئياتها. ان الصورة الاجمالية لفن العمارة السوري تتصف رغم ملامحها المشتركة بالغنى في البدائل المتنوعة والتباينات المتعارضة”. (الآثار السورية، مجموعة أبحاث أثرية تاريخية، ص 234)

أثر الفن السوري المسيحي تأثيراً كبيراً في الشرق والغرب منذ القرون الوسطى، فإذا ماتوقف عمران الكنائس ودور العبادة المسيحية في مطلع القرن السابع تقريباً لكن استمر بناء المساجد او تحويل الكنائس الى مساجد، وبناء قصور العرب الفاتحين والخلفاء الامويين على يد  المهندسين والفنانيين المعماريين المسيحيين السوريين وانعكس هذا  على دمشق وابنيتها القديمة وقصورها البديعة وهي كلها  بنيت بايدي المعماريين المسيحيين حتى في عصر الانحطاط العثماني وقبله في عهد القهر الديني الفاطمي والمملوكي.

لقد طبع هؤلاء الفطاحل السوريون المسيحيون تلك الابنية الاسلامية والقصور بالطابع الذي تميزت به كنائسهم وقصورهم ودورهم… وللمعلومة فان قصر الخضراء الذي كان قد اتخذه معاوية قصر ولاية دمشق ثم قصر الخلافة الاموية الذي  تحول في القرن 18 الى قصر اسعد باشا العظم  هذه الآبدة الدمشقية الاشهر، كان هو قصر والي دمشق الرومي ومنه يأتي صباح كل يوم الى كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان للصلاة ويدخله من الباب الجنوبي وهو ذاته اليوم الباب الجنوبي للجامع الاموي (في منطقة الصاغة القديمة بدمشق)، ثم يعود الى قصر الولاية لممارسة اعمال الادارة والسياسة. ومثله استقر كل القادة المسلمين بعد دخولهم دمشق في القصور الخاصة بأصحابها من علية القوم  الشاميين حول الكاتدرائية وقصر معاوية كونها قلب دمشق السياسي والتجاري والديني… ولذلك تم بداية اخذ جزء من الكاتدرائية وتحويله مسجداً ليصلي فيه المسلمون الرسميون المقيمون هناك كما اسلفنا ثم تم بعد عدة عقود تحويل الكاتدرائية قسراً الى مسجد.

توقفت هذه الهندسة السورية الفريدة في سورية ولكن بعض مهندسيها ومعمارييها الافذاذ انتقلوا الى خارج الحدود الى آسية الصغرى والقسطنطينية بعيداً عن حدود الخلافة الاسلامية، والى اوربة حيث ان كنائس الوطن الام سورية صار نظيرها على ايديهم في اوربة. وثمة امثلة كثيرة لاتحصى منها كنيسة كلوني التي تذكر بكنيسة قلب لوزة وهي وريثة لها، والبازيليك الأولى للقديس مارتان في مدينة تور بفرنسا، وكنيسة القديس بطرس في فيينا ايضاً على غرار قلب لوزة.

قلب لوزة" كنيسة سورية شكلت مصدر إلهام لكاتدرائية نوتردام
قلب لوزة” كنيسة سورية شكلت مصدر إلهام لكاتدرائية نوتردام

تعود كنيسة قلب لوزة في محافظة إدلب  الى القرن المسيحي الخامس وهي من ابرز الكنائس الرومية البيزنطية في سورية، وتعد الصرح الهندسي الذي استوحى منه معماريون كثر بناء كنائس وكاتدرائيات في أوربة.  وتعد تحديداً مصدر إلهام لبناء كاتدرائية نوتردام باريس التي تعرضت مؤخراً لحريق ضخم.

وتُزين الكنيسة، وهي بين الأقدم في سورية، من الداخل أقواس تحمل جدرانها المليئة بالزخارف النباتية، وأدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) في عام 2011 على لائحتها للتراث العالمي كجزء من القرى القديمة في شمال سورة التي بُنيت بين القرنين الأول والسابع والمدرجة أيضاً على قائمة التراث الإنساني المهدد بالخطر. 

وتقول المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية إن كنيسة قلب لوزة من الطراز البازليكي، ظلت تستخدم للصلاة والاحتفالات الدينية حتى القرن الثاني عشر الميلادي، إلا أنها أصبحت مهجورة.

 وأوضحت الخبيرة في التراث في الشرق الأوسط ديانا دارك أن كنيسة قلب لوزة تعد المثل الأقدم للهندسة المعمارية التي تقوم على واجهة مؤلفة من برجين يفصلهما مدخل مُقنطر، عرفت لاحقاً بالعمارة الرومانسية، بنى كنيسة قلب لوزة مسيحيون جمعوا ثرواتهم من إنتاج النبيذ وزيت الزيتون، وشكلت الكنيسة مقصداً للحجاج، كما لزوار دير مار سمعان العامودي القريب وكان التجار والرهبان والحجاج يتنقلون بكثرة بين هذه المنطقة وأوربة، لذا، ليس مفاجئاً أن تكون وجدت الهندسة المعمارية هذه طريقها تدريجياً إلى أوربة، حتى قبل حملة الفرنج في القرن الثاني عشر”.

ويقول الباحث في التاريخ فايز قوصرة إن “الفن المعماري في كنيسة قلب لوزة يفوق الكنائس الأخرى في المنطقة جمالاً”، وأضاف: “من يتعمق في تاريخ الفن القوطي وخصوصا القوطي الكنسي يجد أن هذا الطراز المعماري قد انتقل إلى أوربة من سوريا”، مضيفاً أن “أكبر إثبات على ذلك هو كاتدرائية نوتردام”.

ويشير إلى التشابه بين كنيسة قلب لوزة وكاتدرائية نوتردام من حيث الواجهة والبرجين والسقف الخشبي.

وعلى ذلك يعترف مؤرخو الفن الرومني بتأثير الفن السوري عليه. وفي هذا الصدد يصرح الاب ماتيرن:” ابتدأ الفن الرومني حيث توقف الفن السوري، قبل مائتي سنة”.

دير القديس سمعان العمودي
دير القديس سمعان العمودي

هذه التأثيرات امتدت وانتشرت بفضل العلاقات التجارية بين سورية وبلاد الغرب، وبخاصة فرنسا، فالجاليات السورية المزدهرة في فرنسا، وحركة التجار الغربيين الوافدين من الغرب الى الأراضي المقدسة- وسورية المسيحية رقعة منها بكنائسها الفخمة واديرتها الكثيرة واماكن الحج العديدة فيها ومن اهمها قلعة سمعان- اجتازوا سورية وزاروا محجاتها ومواقعها التاريخية الشهيرة. كما ان أزمة هجرة الأدمغة السورية المتمثلة بالسوريين من رهبان كانوا بنائين وذوي ذوق رفيع في الهندسة والفن الزخرفي ورجال الاكليروس الروميين المثقفين بالثقافة اللاهوتية الرفيعة والادبية والعلمية هجروا سورية الى كل مكان ومنها الغرب وطليعته فرنسا (التي كانت غارقة بالجهل)بعد الاحتلال الاسلامي لسورية والمشرق والتضييق الشديد عليهم بعد وقوع ثلاث بطريركيات رومية هي انطاكية واورشليم في آسية والاسكندرية في افريقيا تحت الاحتلال…

هؤلاء ساهموا مساهمة فعالة في حركة بناء الاديرة والكنائس وفي نشر الثقافة والعلم في بلاد الغرب، هذا كله قد جعل من التمازج والانصهار بين الشرق والغرب لمصلحة الاخير فقد توقف بناء الكنائس وانحسار فن هندسة الكنائس في سورية، لكنه انطلق على ايدي السوريين بعزيمة في الغرب بتأثير سوري فعال او بتخطيط سوري أصيل.

قباب الكنائس الرومية البيزنطية من الداخل
قباب الكنائس الرومية البيزنطية من الداخل

ضوء على المهندسين والفنانين والمعماريين السوريين

ورث المهندسون والفنانون والمعماريون السوريون عن اسلافهم، الذين نشأوا في كنف المدرسة اليونانية الكلاسيكية، الهندسة المعمارية وفنون الزخرفة والتزيين. فتميزوا بذوق رفيع واتزان فريد، فبنوا المدن والقرى ومراكز الحج والاديرة بكنائس قوية جداً تقف امام تحديات الطبيعة سداً منيعاً، وجميلة جداً تليق بالعبادة المسيحية، وطبقاً لمتطلبات الطقوس الكنسية ومستلزمات الاحتفالات الدينية، وبحسب أصول الهندسة المعمارية والفن الزخرفي. ولاشك في ان مهندسين كثر قد ساهموا في التصميم والتخطيط، بيد انهم لم يكونوا جميعاً على وتيرة واحدة في العبقرية. وقد تركوا بصماتهم في مآثرهم واسمائهم في كتابات حُفرتْ في زوايا المباني الكنسية.

استُعملت عبارات يونانية عديدة بجانب اسم كل منهم لتعني مهنته، اي في عملهم الهندسي المعماري الفني، وتعني كلها في سورية المهندس، منها باليونانية  “تيخنيتيس” اي مهندس، و”إيكوذوموس” و “إرغوذوتيس” اي بَّنَّاءْ بالمعنى الحصري، او “تيكتونيس”، و “أرخيتكتون”، و”ميخانيكوس”. واليك بعض أسمائهم ومهنتهم وموقع البناء وتاريخ البناء( راجع قاموس الآثار ، حوران،ع2074، جوزيف نصر الله: مهندسون…، بالفرنسية، والأب بطرس ضو: تاريخ الموارنة، ج1و2)

الاسم                    المهنة            موقع البناء        تاريخ البناء

الكسندروس            إيكونوموس      طفحة                  550م

أنيوس                  إرغوذوتيس      قنسرين               475م

أوسابيوس             تيخنيتيس         بابسقا                  475م

بارغوس وكيريوس  ——–          بتير                   378 م

داماس                 ——–         كوكنايا                 431م

دومنوس              ——–         كوكنايا                  389م

سيكوندينوس          تيخنيتيس         مُغر رمضان

سيميونيس            إيكوذوموس      دير سمعان

كوينتوس             تيخنيتيس         بتير                 414م

كيريلاس          ———         كسيجيه              414م

كيريوس/ كيريس  ——–       قصر البنات           418م

كيروس           ———       دارفيتا                 418م

ملخوس           ———       ريحا                   401م

مرقيانوس كيريس ——-        بابسقا                 401م

نيكاتور          إيكوذوموس     ج. شيخ بركات        470م

نونّوس                             سرجيله               386م

يوحنّان                            داحس/دار عمار

وهناك أسماء أخرى لمهندسين يذكرهم المونسنيور نصر الله: دانيال في كاتدرائية براد، وبطرس بن أنطونيوس مهندس وشماس في فدره، وقوزما في فدره السنة 489م وبراد السنة 491 و496م، وبرج القس السنة 493م، وكفر نبو السنة 504، وسرجيوس في كنيسة الشيخ سليمان، وابراهام وهيراقليطس وبلاديوس مهندسون وكهنة في قلعة سمعان، ويوحنا بن ماريون الكاهن في زرزيتا السنة 500م ومن المهندسين كهنة عملوا في بناء كنائس واديرة وآخرون عمروا في حمص وأفامية…

ومن اهم واشهر المهندسين السوريين المسيحيين الروميين في فني الهندسة المعمارية والزخرف التزييني الكنسيين: المهندس مارقيانوس كيريس.

كاتدرائية بصرى
كاتدرائية بصرى

 المهندس مارقيانوس كيروس/ كيريس توفي 420م

هو كاهن رومي خلقيدونيمن جهة، ومهندس من جهة اخرى، جمع مارقيانوس بين خدمة الكهنوت ومهنة الهندسة والبناء الكنسي، وجمع في تصميمه وتنفيذه العظمة الى الذوق الرفيع وقد اقتبس مثال العظمة عن ابنية الرومان التي كان يراها امثال عمود سرمدا وهيكل باقرحا الوثني والطريق الروماني المرصوف. كما انه اقتبس من ابنية اليونان  المنتشرة هنا وهناك في انطاكية واللاذقية وافامية وتدمر وبعلبك…عناصر الزينة والتوازن. فنتج عن هذا المزيج الهندسي الفن السوري الرائع الذي اتبعه هو ومن خلفه من المهندسين والمعماريين، وادخلوا عليه تحسينات كثيرة، كما ان صفته الكهنوتية اثَّرت في تصميم هندسته الرائعة، فابدع في الرسوم والرموز الدينية. هذا وقد صمم وشيد في منطقة باب الهوا في حدود ادلب مع لواء الاسكندرون اربع كنائس نقش اسمه على باب كل واحدة منها:

-كنيسة بابسقا السنة 390-401م يتكرر اسمه 3 مرات(مرتين كمهندس، ومرة ككاهن)، عمل على بنائها مدة 11سنة.

-الكنيسة الشرقية في كسيجبه السنة 414/415م

-كنيسة ماربولس وموسى في دارفينا السنة 418م

-كنيسة دير مار بيزا المسمى “قصر البنات” بجوار بابسقا. مات في ميدان عمله، فدُفن في كنيسة هذا الدير.

تمثل هذه الكنائس وغيرها سابقة لها ولاحقة الحضارة المسيحية في مرحلة عنفوانها وعصرها الذهبي وأوج ازدهارها. وتؤلف مجموعة فريدة في العالم بقيمتها الفنية الرفيعة ودورها في تاريخ الهندسة المعمارية العالمية واثرها البعيد في فروع الحضارة الشرقية والغربية وهي تراث  سوري عظيم ومنبع الهام…نفتخر به كسوريين…

ختاما

الكنائس في سورية من حيث الكبر:

اولاً كنيسة دير سمعان العمودي، ثانياً كركين شرقي معرة النعمان، ثالثاً الكنيسة الكاتدرائية في براد، رابعاً كنيسة بيزوس في رويحة.

الكنائس في سورية من حيث الأهمية من الناحية الهندسية والفنية:

اولاً كنيسة دير سمعان العمودي، ثم كنيسة قلب لوزه، ثالثاً بيزوس في رويحة، رابعاً كنيسة الرصافة/ سرجيوبوليس. وكنيسة بيزوس هي الكنيسة البازليكية الأولى في التاريخ المسيحي، والبناية البازليكية الأولى في تاريخ الهندسة بوجه عام التي ترتكز على الدعائم القائمة في صحنها قناطر باتجاهين اي باتجاه طول الكنيسة وعرضها.”

الكنائس في سورية ثلاثة انواع:

النوع البازليكي المثلث الأسواق، والنوع المصلب (كنيسة القوسية في انطاكية)، والنوع المستدير ذو التخطيط المركزي ( كنيسة سلوقية/ السويدية، وكنيسة مرعية، ومارتيريون الرصافة وغيرها). ويُذكر ان هذه الطرازات الثلاثة قد اندمجت في بناء واحد في كنيسة دير سمعان العمودي، يؤلف كلا عضوياً متناسقاً فريداً في نوعه في تاريخ الهندسة. 

(انتهى الجزء الاول) 

من المصادر

تاريخ كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى/ د. اسد رستم

تاريخ كنيسة انطاكية/ بابادوبولس تعريب الاسقف استفانوس حداد

تاريخ الكنيسة المسيحية/ سميرنوف، تعريب المطران الكسندروس جحى

سورية المسيحية في الالف الاول الميلادي  المجلد الاول/ الأب متري هاجي اثناسيو

الحقائق الوضية في تاريخ الكنيسة الانطاكية الارثوذكسية/ الخوري ميخائيل بريك

الآثار السورية، مجموعة ابحاث أثرية تاريخية/ د.عفيف بهنسي

الشارع المستقيم في دمشق / الاب ايوب سميا، مجلة النعمة البطريركية 1960

صور مقدسة على الفسيفساء المكتشفة في محافظة حماة في الحوليات الأثرية العربية السورية/ عبد الرزاق قزوق.

المسيحية والحضارة العربية/ الاب جورج قنواتي

تاريخ سوريا/جرجي يني

موقعنا هنا وتدويناتنا عن دمشق وسورية المسيحية.