الشاعر المهجري ميشيل مغربي الحمصي1901-1977

الشاعر المهجري ميشيل مغربي الحمصي 1901-1977

الشاعر المهجري ميشيل مغربي الحمصي1901-1977
مقدمة في الادب المهجري
 بداية يعد علمنا الشاعر المهجري “ميشيل مغربي” أحد مؤسسي العصبة الأندلسية…
حظي الأدب المهجري بعناية الدارسين ونقاد الأدب ومازال كذلك، ولهذا الأدب محبوه ومتذوقوه ، فقد كان فتحاً في أدبنا الحديث، فتح عيوننا على مباهج الحياة،وروعة المغامرة وإغراء الحرية ، بعد أن ظل أدبنا أحقابا طويلة نائما في مغارة التاريخ مغمضا عينيه على مستجدات الحياة مكتفيا بالاجترار من الكتب القديمة ، وكد الذهن لا في توليد المعاني البكر، بل في تنميق الكلام والولوع بالأسجاع واللهاث وراء التورية وفي مباركة الأوضاع القائمة وهي أوضاع مزرية تميزت بالركود الاجتماعي والتأسن الثقافي والاستبداد السياسي وكانت غاية الأدب أن يصل إلى البلاط مسبحا بحمد الحاكم آناء الليل وأطراف النهار لتحقيق مآرب شخصية مضحيا بمصلحة الجماعة لحساب المصلحة الشخصية.
خرج الأدب المهجري إذا من رحم المعاناة مبشراً بعصر الخصوبة وبقيام طائر العنقاء من رماده صحيحاً معافى، وهو يحمل معول الهدم منقضا على سفاسف الماضي، معلياً صرحاً جديداً من الأدب الخلاق المتميز بصدق الشعور ونزعة التجديد والغيرة على حاضر الأمة ومستقبلها متزوداً من الثقافة العربية الأصيلة والغربية البناءة ، مستفيدا من أرض ترعرع فيها هي الأرض الجديدة – أمريكا الشمالية والجنوبية – حيث للفرد قيمة وللعلم المكانة الأولى – إنها مجتمع الصناعة والتقدم والإبداع والرفاه المادي والمعنوي وكل هذه العوامل مجتمعة وجدت صداها في عقول وضمائر وإنتاج أدباء المهجر الأدبي والفكري .
 الشاعر ميشيل المغربي
«هو آخر حبة في عنقود شعراء المهجر الجنوبي البارزين». بهذا وصفه الاديب الكبير صديقنا الاستاذ عيسى فتوح.
بعض من السيرة الذاتية
ولد الأستاذ ميشيل بن حافظ المغربي ـ والدته هيلانة بنت عبد الله _ اللاذقانية الأصل ـ في مدينة الإسكندرية في 16 كانون الأول سنة 1901م بعد وفاة والده بأربعة أشهر، فتعهدته والدته بالتربية الصالحة… 
درس في مدارس االاسكندرية الابتدائية اللغتين العربية والانكليزية حتى بلوغه سن العاشرة، وزارت به مدينة حمص بطلب من ذويه مرتين، وفي المرة الثالثة عام 1911 رحلت به نهائياً إلى موطن أبيه وأجداده فألحقه ذووه بالكلية الإنجيلية الداخلية  في عهد مديرها العلامة حنا خباز وتتلمذ عليه وعلى الاساتذة فريد ملحم ويوسف شاهين و…حتى نهاية المرحلة الثانوية. 
 ولما أغلقت المدرسة أبوابها مع بداية الحرب العالمية الاولى 1914 ظل شاعر حمص ذا الميل الغريزي لتلقي العلوم مثابراً بنفسه، وقد تتلمذ على الأستاذ اللغوي يوسف شاهين في آداب اللغة زهاء سنتين بدأ في أثنائها ينظم الشعر، فكان أول ما قاله رثاءه لوالده، وأصدر اول ديوان له تحت عنوان ” العواصف” عام 1922…
الهجرة من الوطن
هاجر الى تشيلي اواخر  عام 1923 فأقام فيها ستة أشهر، ثم اتجه منها الى البرازيل في عام /1924/  حاملاً معه ديوانه الشعري “العواصف” المحكي عنه  الذي نشره في عام /1922/. وفي المهجر عكف “ميشيل مغربي” على ممارسة التجارة مع المطالعة ونظم الشعر في أوقات الفراغ. ونجح “مغربي” في التجارة والشعر معاً،  وظل طويلاً يمني النفس بطبع ديوانه الثاني “امواج وصخور” منتظراً أن تستأنف دور النشر في لبنان نشاطها، ولما يئس من الأمر دفع به الى احدى المطابع في البرازيل، وصدر بعد وفاته بكل اسف.

طرق شاعرنا في مهجره أبواباً كثيرة من شعر الحياة ففتحت أمامه على مصراعيها كأبواب السياسة والفلسفة والاجتماع والنقد والوصف والمناجاة. وعنى عناية خاصة بالناحية الوطنية السياسية فكان صوتاً مدوياً في سبيل استقلال سورية وتحررها من الرجعية والتخلف.
شهد به الشاعر شكر الله الجر عنه مرة بقوله:”ان ميشيل مغربي اجود قريحة من سائر شعراء حمص في البرازيل، واكثرهم تعدداً لموضوعاته…وعند من لايعرفه اديباً، يظنه تاجر ازرار فحسب” ولما اطلع ميشيل مغربي على رأي زميله في العصبة الاندلسية الذي نشر يومئذ في مجلة” الأديب” اللبنانية، علق عليهم بقوله:”هذا صحيح وذلك لأني تاجر ، هل يريدني أن أظهر امام الزبن بمظهر الأديب؟ او ان أتكلم معهم كلام اديب، وهم أنصاف أميين؟ لو فعلت ذلك لشعروا بالنقص، وانفضوا عني، وتهربوا مني…انها خطة مني لم يكن منها بد.
لي قصيدة عنوانها “نجوى العاصي” نظمتها بعد خمس سنوات من وصولي البرازيل_ وكنت قد قضيت تلك السنوات الخمس متجولاً  في انحاء البلاد، اعرض بضاعتي على المواطنين، اصحاب الحوانيت التجارية البعيدة عن سانباولو، ولم انظم في أثنائها الا قليلاً جداً اصف بها حالتي، ومنها هذا البيتان:
ولقد    أطوف    عليّ    سترُ  تنكر……………..للألمعية   مبعد   طرّاحُ
والقوم  لايدرون  أني  شاعرُ   ال……………..عاصي، وأني البلبلُ الصداح
ان عملي في التجارة كان يقتضي مني بساطة المظهر، وبساطة الحديث، أما  شكر الله فلم ينجح تاجراً، لأنه كانت تنقصه السياسة. اشتغل في الادب  فأنتج انتاجاً حسناً، أما أنا فإليك ما اقول ايضاً في قصيدتي “ماشاء ربك كان”:
خضتَ  التجارةَ    والقريضَ  معاً………………..بحرينِ  كلٌ   زاخرٌ   طامِ
فقضيت عمرك في  العُبابِ ولم……………….تطفيءْ  غليل فؤادك الظامي
لو  لم  تَخُض  بحر التجارة   لم……………….يبلغ  قريضَكَ   أي   عوامِ
ولكنتَ  أثرى  القومِ   عن ثقةٍ ……………….لو كنتَ للشعراءِ  لم تنضم
                                ماشاء ربُك كان لاتندم
 لقد نجح ميشيل مغربي في التجارة والشعر  معاً، وفي هذا المجال يذكر “جورج صيدح” في كتابه (أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية) «يطارد الشعر والشعر يطارده، فإن التقيا على غفلة من الأشغال المادية جاء بشعر غنائي بديع..». وان اهتم بمناسبات عرضت أجاد النظم، ثم انصرف الى مهامه  وقتاً طويلاً  لاينتزعه الشعر منها الا بقوة قاهرة خارجة من اعماق نفسه”.
كان شاعراً حساساً، سريع التأثر، يتطير من كآبة المساء، وهجوم الليل ويضيق بالحزن الذي يحمله غروب النهار الى حد الاختناق، وقبله ضاق خليل مطران وايليا أبو ماضي في قوله:
نُشرتْ  رايةُ  الأصيل  لتطوي……………..صفحة اليوم بعد صفحة أمسِ
هوذا   الليلُ هاجمُ في سوادٍ…………… يغمر الأرضَ بالأسى والتأسي
ناشراً   رايةَ    الكآبة   حتى……………..لأخالُ  الوجودَ  مرآة   نفسي
اختلفت فلسفته في الحياة والموت عن فلسفة ايليا ابو ماضي في قصيدته الطلاسم التي لايدري فيها من أين جاء والى اين سيمضي. انه “لايبالي” بكل هاتيك القضايا المصيرية، وحسبه في هذا الوجود ان يتمتع بالجمال المطلق، ويتنعم بالأحلام الناضرة
ايه  ياطير  ان    سر    البرايا………….. بابه ظل محكم الاغلاق
حاولت  فتحه  فلاسفة الدنيا ………….فباؤوا  بالعجز   والاخفاق
حسبنا في الوجود أنا وَسِعُنا ………….كلُ حسنِ الوجود بالأحداقِ
وامتطينا  أحلامنا  فجرت  خل………….ف الثريا جريَ الخيولِ العتاقِ
“لانبالي” من  اين جئنا  ولا اي………..نَ سنمضي وما عسانا نلاقي
لكننا نجده في قصائد أخرى يبالي كثيراً بمسألة الوجود والمصير، ويقع في نفس الحيرة والتساؤلات التي وقع فيها شعراء المهجر الشمالي بخاصة: ماذا وراء القبر؟ وما مصير شاعر ينتظر العفو والمغفرة من ربه، الجنة أم النار؟:
ماذا وراء القبر  ياخالقي………………من بعد أن أخلع هذا الجسد؟
أعدَدْتَ ناراً أم ترى جنة………………لشاعرٍ  على  رضاكَ  اعتمدْ؟
ويؤمن بأن الانسان مسير بالقدر لا مخير، وكان يمكن أن يكون يمكن أن يكون طاهراً كبرعم الورد، نقياً كندى الفجر، لو لم يخلقه الله انساناً ضعيفاً لايستطيع أن يقاوم إغراء الفتون، وسحر الجمال:
فؤاده      برغم      آثامه…………….. ممتليءٌ    حباً       وايماناً
كان   كزر الورد في طهره……………. لو  أنت  لم  تخلقه  انسانا
                            لكنه مسير بالقدر
زيارته الوطن الاصيل سورية
زار الشاعر “مغربي” وطنه سورية/ حمص  سنة /1956/ بعد هجرة دامت (33) عاماً  فقد وصل الى البرازيل في الرابع عشر من ايلول سنة 1923، ووصل الى حمص في الرابع عشر من ايلول نفسه سنة 1956، فما ان اكتحلت عيناه برؤية حجارها السود، ولاح لهما نهر العاصي حتى اغرورقتا بالدموع، اما هو فقد ضاع في نشوة اللقاء، لايدري أفي حلم هو ام في يقظة فنظم قصيدة يقول فيها:
هذي تحية مدمعي الهطّال………………..يا أيها الوطن الحبيب الغالي
في يقظة ألقاك أم في غفوة………………من بعد أعوام مررن طوال
وينتقل بنفس القصيدة إلى “حمص” ويتغنى بجمال رياضها وعبير أزهارها فيقول:
يا حمص، يا حمص الحبيبة مرحباً…………..بنسيمك المتعطر الأذيال
برياضك    الغناء   بالأزهار     بال…………….أثمار بالأشجار بالأظلال
إن تنجبي الشعراء  فلست بعاقر…………….من خالدي الشهداء والأبطال
ويذكر العاصي الذي له اكثر من ثلث قرن يحن الى جرعة من مائه الرقراق، ورقدة هادئة على ضفافه الساجية يستعرض بها صور الماضي…
 عاصيَّ، ياعاصيَّ ها انا عائدٌ…………………خلِّ الأنين وخفَّ لاستقبالي
والعاصي لايكاد يختلف في انينه، وضحكه الممزوج بالبكاء:
تمسي وتصبحُ  باكياً متضاحكاً……………….أتظن ياعاصيَ حالُكَ حالي؟
طوباكَ أنكَ في إهابِكَ لم تزل ………………. أما  أنا  فانظرْ  لسوءِ  مآلي 
كتب عنه الأستاذ “أديب البستاني” في العدد الخاص الصادر بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس جريدة “حمص”: «أحب “ميشيل” الناس وأحب لهم ثوب العافية وحياة الغبطة ولكنه أحب بلاده فوق جميع الناس فنظم عنها الكثير من الشعر فكان بقلبه وقلمه وعقله وخياله ابناً باراً لأمته وعاشقاً مولهاً لبلاده. حمل إلى العالم الجديد وجه الشرق السحيق، وجه شرق الأنبياء والحكماء والمبدعين».
وعاش “ميشيل مغربي” حياته في البرازيل، حاملاً حب وطنه في قلبه ووجدانه، دون أن يعرف للتعصب معنى، محارباً تجار الطائفية والإقليمية الضيقة من أجل أن تبقى كلمة بلاده واحدة، فإذا أطل عيد المولد النبوي احتفل مع إخوانه المسلمين بهذا العيد كأنه منهم، وكأن العيد عيد جميع المسيحيين:
ما لاح أضحى أو تألق “مولدُ”………………إلا طربت كأنني أنا منهم
جوّدت آي  الذكر  في  قرآنه………………فإذا ملائكة البيان تحوّمُ
إني لفي قلبي  المسيح     وأحمد………….. ولفيه آمنةٌ  تقيم  ومريمُ
«لقد كان “ميشيل مغربي” شاعراً بارع الوصف، أوتي بصراً نفاذاً، وبصيرة قادرة. ظل طويلاً يمني النفس بطبع ديوانه الثاني (أمواج وصخور) منتظراً أن تستأنف دور النشر في لبنان نشاطها بعد الحرب، ولما يئس من الأمر دفع به إلى إحدى المطابع في البرازيل، وصدر الديوان بعد وفاته في حزيران /1977/ عن ستة وسبعين عاماً» كما قال عنه الأديب “عيسى فتوح”.

وله في النثر جولات رائعة، فقد أخذ يكتب في بعض المجلات والصحف، فكانت تتناقل تلك الفصول بإعجاب. 

ومن مزاياه الفاضلة تعصبه لعروبته وقوميته، حيث يفخر بأمته العربية التي راحت تسير في طريق المجد، متخطية الأشواك، متباهية بعدد من قدمت شهداء، وبذلت من تضحيات فيقول:

أمةٌ تعدو في طريق علاها………….وكأن الأشواك فيها ورودُ

تزدهي كلما أشارتْ الى قبرٍ……….وقالت:  هنا أقامَ شهيدُ

وبخصوص عيد الجلاء انما كان من دماء الشهداء التي سفكت على ارض الوطن، واذا كنا نحتفل بعيد الجلاء، فعيد الشهداء هو خلود أرواحهم في جنات النعيم:

إن لبسنا من الحياة برودا………….فدماءُ الأحرارِ هذي البرودُ

أو يكنْ عيدَنا الجلاءُ فعيدُ ال……….شهداء المغيبين الخلودُ 

يصب شاعرنا جام نقمته على اولئك الذين تفرق بين اخوتهم في الوطن نزعات الطائفية البغيضة المريضة، فيتاجرون بها، ويلقون مصلحة الوطن جانباً وهو هنا يلتقي بالشاعر القروي فيقول:

إن دينـي أن أتـرك الديـن من أجـ………ل بـلادي وأعـيد الأحجـارا،

وصـلاتي أن لا إلـه سـوى أر…………….ضـي ولـو كـان أهلـها كفـارا

ومن شعره الوصفي للطبيعة

إن رأيـت الشـمس قـد ألـ………..قت عـلى الأرض الشـعـاعا

تـبـعـث الـدفء فـتـحيـ……………..يـها بـقـاعـاً فبـقـاعا

وتبـث النـور فـي الـك…………….ـون فـتـجـلوه مـشـاعـا

إن رأيـت الشـمـس لا…………… تـفـخـر بـما أنـت تـجـود

إن إحـسانـك لا يـب……………….ـلـغ احـسان الـوجـود

والملفت في حياة الشاعر ميشال المغربي أن الجالية الإسلامية المحمدية في سان باولو لم تكن تقيم حفلة في عيد المولد النبوي إلا وتدعوه لتكون له قصيدة فيها، ولعل قصيدته “الرسول العربي” من أروع ما نظم وهو ألقاها عام 1954 بدعوة من الجمعية الخيرية الإسلامية في المسجد الإسلامي في سان باولو.منها هذه الابيات

اللـه قـدّر لـي دينـاً أقـلـده عـقـداً………… أبي كـان من قبـلي يقـلده

وإن جـاري لـه عقـد يماثـلـه يضيء……….. ياقـوتـه الغـالي وعسـجده

صنـو المسـيحية الإسلام في نظري……… كـلاهما مـوجـد الأديـان موجـده

زواجه

اقترن الشاعر ميشال مغربي عام 1939 من ابنة عمه فيوليت توفيق المغربي وهي على جانب من الثقافة ودماثة الخلق وكانت لها اليد البيضاء في دفع رفيق حياتها إلى جمع آثاره الشعرية وضمها في ديوان باسم “أمواج وصخور” إلا أن المنية كانت وافت الشاعر الكبير قبل أن يصدر كتابه فتابعت الفاضلة زوجته المهمة وصدر ديوانه في أوائل العام 1984.

وفاته

في حزيران 1977 نعت انباء البرازيل وفاة شاعرنا ميشيل عن ستة وسبعين عاماً، قضى ثلاثة وخمسين منها موزعاً بين التجارة والشعر، وهو آخر حبة في عنقود شعراء المهجر الجنوبي البارزين.