شعار البطريركية المسكونية

لماذا عارض البابا غريغوريوس الكبير استعمال لقب “البطريرك المسكوني”

لماذا عارض البابا غريغوريوس الكبير استعمال لقب “البطريرك المسكوني”

في القرن السادس المسيحي، صار أسقف القسطنطينية يُعرف رسمياً للمرة الأولى باسم “البطريرك المسكوني”. ما معنى هذا اللقب الذي يحمله رئيس كنيسة القسطنطينية حتى يومنا هذا؟-

-لماذا عارض القديس غريغوريوس الكبير، المعروف في البلاد السلافية باسم القديس غريغوريوس– الذيالوغوس، هذا الاسم بشدة؟

لقب “البطريرك المسكوني”

بدأ كل شيء في مجمع القسطنطينية عام 588 مسيحية الذي انعقد حول قضية البطريرك غريغوريوس الأنطاكي. الحق في أن يُدعى “البطريرك المسكوني” أُعطي في حينه لأسقف روما الجديدة. في الواقع، لم يكن هذا اللقب جديدًا على الإطلاق إذ قد تمّ استخدامه من قبل، ليس فقط لبطريرك القسطنطينية فحسب، بل للإشارة أيضًا إلى رؤساء الكنائس الأخرى. لذلك، أول مرّة استُخدم لقب “المسكوني” كان للأسقف ديوسقورس الإسكندري، الذي لعب دوراً محزناً في مجمع أفسس الثاني عام 449، المعروف أيضاً باسم “المجمع اللصوصي”. في وقت لاحق أُُعطي هذا اللقب لمتقدّم روما الجديدة في مجمع 518، لذا استخدمه الإمبراطور

كنيسة القديس جاورجيوس في القسطنطينية كاتدرائية البطريرك المسكوني ومقر البطريركية المسكونية
كنيسة القديس جاورجيوس في القسطنطينية
كاتدرائية البطريرك المسكوني ومقر البطريركية المسكونية

.يوستنيانوس لمخاطبة ميناس بطريرك القسطنطينية

تذكر بعض النسخ اللاتينية من أعمال المجمع المسكوني الرابع أيضاً اقتراحاً للتوجّه إلى القديس لاوون بابا روما  بصفة “مسكوني”. في المراسلات بين الأساقفة، كعلامة على التبجيل الخاص، كان باباوات روما هرمسداس وأغابيتوس وبونيفاس الثاني يخاطبون بعضهم البعض أحياناً بهذه الصفة. والجدير بالذكر أن باباوات روما المذكورين أعلاه لم يطلقوا أبدًا هذا الاسم الفخري على أنفسهم 

ومع ذلك، عندما أصبح هذا اللقب رسمياً لأسقف القسطنطينية، احتجّ البابا بيلاجيوس على هذا القرار ونهى مبعوثه إلى القسطنطينية عن الاشتراك في الخدمة مع البطريرك  الرومي ما عنى في الواقع قطعاً في الشركة الإفخارستية. في حينه كان مبعوث روما غريغوريوس، بابا المستقبل العظيم المعروف باسم الذيالوغوس (المحاور). بعد اعتلاء عرش روما القديمة الرسولي، امتنع غريغوريوس لبعض الوقت عن معارضة اللقب الجديد لبطريرك القسطنطينية. لكن نفد صبره عندما انتهك بطريرك وإمبراطور القسطنطينية بشكل صارخ سلطة روما الكنسية، ورشحا مرشحهم لمنصب رئيس أساقفة سالونا (سبليت في كرواتيا الحالية) بعد طرد مرشح البابا غريغوريوس

ما كانت حجج البابا الروماني ضد اللقب الجديد؟

“المسكوني” بمقابل المزاملة

قد تكون إحدى الحجج الرئيسية عند بابا روما مماثلة لما يمكن سماعه عادة من شفاه المدافعين الأرثوذكس عن المجمعية، إذ يجادلون ضد المفهوم الكاثوليكي للسيادة البابوية الشاملة. أكد القديس غريغوريوس أن لقب “المسكوني” قد رفع حامله بشكل غير لائق، وبذلك أذلّ أساقفة آخرين لهم نفس السلطة الأسرارية. بحسب غريغوريوس، حتى الرسل لم يجرؤوا على اتّخاذ مثل هذه الألقاب النافرة. بالأحرى هم كانوا رؤساء الجماعات المسيحية التي أنشأوها وفي نفس الوقت استمروا “أعضاء متساوين تحت رأس واحد” (المسيح). في رسالته إلى الإمبراطور موريس، نادى غريغوريوس أنه حتى الرسول بطرس، الذي أُعطي “رعاية ورئاسة الكنيسة بأكملها”، لم يجرؤ على أن يُدعى رسولًا مسكونيًا. عبّر البابا عن أفكار مماثلة في رسائله إلى البطاركة الشرقيين الآخرين، مؤكداً حقيقة أن جميع البطاركة هم رعاة وإخوة

مسكوني بمقابل مَلَكي

ومع ذلك، لم يجد غريغوريوس أيّ دعم في هذا الأمر عند الرئاسات الشرقية، ولا حتى بين أولئك الذين جمعتهم صداقة شخصية مع البابا. اعتاد رؤساء الكنائس الشرقيون على الألقاب الطنانة ولم يهتّموا بها كثيرًا. كان التفسير التقليدي للقب “المسكوني” مرتبطًا بالقسطنطينية باعتبارها المدينة الرئيسية والأكبر في الإمبراطورية الرومية المسيحية، مدينة بالفعل، مركز الكون  والعالم الروماني معاً. هذا أهّل بطريرك القسطنطينية أيضاً لأن يستحق أن يُدعى مسكونياً. كان لبطاركة القسطنطينية بلا شك وزنٌ وتأثير كنسيٌ أكبر من إخوتهم الشرقيين، بطاركة الإسكندرية وأنطاكية والقدس. وعلى الرغم من ذلك، فإن لقب البطريرك

المسكوني لم يحوّل حامله إلى رأس الكنيسة المطلق، كما صار البابا بعد تبني الفاتيكان لهذه العقيدة

لم تقبل الرئاسات الشرقية تحذيرات أخيهم الروماني، وصار لقب “البطريرك المسكوني” جزءًا من تقليد الكنيسة الأرثوذكسية. ومن المفارقات أن ما خشاه القديس غريغوريوس الكبير بالتحديد عادت وتبنّته كنيسة روما. فالإكليسيولوجيا الكاثوليكية تفترض مسبقاً الحاجة إلى وجود رأس كامل السلطة في الكنيسة الجامعة. في المقابل، بالمنطق الأرثوذكسي، البطريرك المسكوني الأرثوذكسي هو رئيس كنيسة القسطنطينية الكبرى، لكنه الأول بين متساوين، ما يمنحه صلاحيات وحقوق خاصة منصوص عليها في تقاليد الكنيسة والقانون الكنسي دون أن يجعل سلطته مسكونية. بهذا يتم الحفاظ على التوازن بين المجمعية والأولوية

“جون نيشيبوروك”

(“نقلتها إلى العربية مشكورة “أسرة التراث الأرثوذكسي)