الرسولان الهامتان بطرس وبولس مؤسسا الكرسي الانطاكي المقدس

انطاكية كنيسة مدينة الله العظمى

انطاكية كنيسة مدينة الله العظمى

دخلت المسيحية مدينة انطاكية زاهية سورية وعاصمة الجمال الاغريقي المتزاوج بالجمال الفينيقي السوري، ومدينة مدرستي الفلسفة الاغريقية.

 كانت انطاكية عاصمة ولاية الشرق الروماني منذ السنة الثانية او الثالثة لصعود الرب.

في انطاكية دُعي المؤمنون مسيحيين لأول مرة في التاريخ، وفيها التقت  وعملت بنشاط تبشيري جمهرة رسولية  وافدة من فلسطين والشتات من مختاري الرب ومطرح عنصرته في علية اورشليم يوم العنصرة… الرسل  الفقراء الذين ارسلهم لفتح العالم وغزوه بصليبه بدون مركبات وجنود وجيوش مدججة بالسلاح… فقط بعضد من روحه القدوس وقد بشروا كل المسكونة باسم الآب والابن والروح القدس…

تَقَدَّمَ هذه الجمهرة الرسولية هامتا الرسل بطرس صياد السمك الفقير الذي انكر المسيح ثلاث مرات قبل ان يصيح الديك مرتين في الليلة الاخيرة للرب يسوع، وبكى ندماً بدموع غزيرة. وبولس شاول المضطهد الذي رعى وساهم بنشوة في رجم الشماس استفانوس اول الشهداء في المسيح وتابع في اضطهاد المسيحيين وتوجه الى دمشق مزودا بالرجال  والسلاح وكل التسهيلات  للبطش بأصحاب الطريقة الجديدة بزعامة اسقفهم الرسول حنانيا الدمشقي لكنه وعلى طريق دمشق انقلب ذاك الانقلاب الخطيروصيرته دمشق بماء برداها هامة رسل المسيح…ومشرع المسيحية ورسول الامم…

الهامتان بطرس وبولس مع هذه الجمهرة الرسولية كبرنابا وماتاهين…اسسوا كرسي أنطاكية العظمى وجلس عليه بطرس شيخاً للعشيرة الانطاكية وبطريركها الاول…قبل ان يؤسسا كرسي رومية بعشرين سنة ويجلس عليه بطرس كأول اساقفته، ومن ثم يستشهدان (بطرس وبولس) بأمر الطاغية نيرون بعد سنتين من التأسيس والجلوس.

وانطلق الرسل من انطاكية العظمى كنسياً، والمدينة العاصمة الرومانية الشرقية جغرافياً الى سائر الاصقاع الشرقية ككل آسية الصغرى وآسيا الكبرى والبلاد الكرجية وارمينية وحتى الصين وبلاد مابين النهرين وسائر المشرق، ماأعطى انطاكية واساقفتها حقوقاً لاتنكر على تلك الكنائس الجديدة.

مكانة اسقف انطاكية

مغارة القديسين بطرس وبولس في انطاكية وهي مقر كرسي انطاكية عام 45م
مغارة القديسين بطرس وبولس في انطاكية وهي مقر كرسي انطاكية عام 45م

كان اسقف انطاكية وبطريركها في البداية اسقفا بسيطاً، ثم احتل مع الزمن لأسباب كنسية المكانة الرئيسة والمميزة فهو وريث الهامتين المؤسسيَّن بطرس وبولس ووريث البطريرك الاول بطرس الرسول…احتل مكانة ادارية بارزة بين اساقفة الشرق فهو بطريركهم المتقدم عليهم جميعاً والمترئس مجامعهم المكانية على نحو مافعل البطريرك فيتاليس في المجمعين المكانيين انقرة العام 314م وقيصرية الجديدة العام 320م.

هذا فقد اعترف مجمع نيقية وهو المسكوني الأول السنة 325م كما ورد في القانون السادس من قوانينه، لكرسي أنطاكية بالرئاسة على سائر أساقفة المشرق في الأبرشيات المذكورة اعلاه.

ثم ثبت مجمع القسطنطينية الاول وهو المجمع المسكوني الثاني السنة 381م هذا القرار، وكانت ادارة المشرق الرومانية (اوالولاية المشرقية) وقد اصبحت انطاكية عاصمتها، تمتد من طوروس الى مصر، وتشتمل على البلاد الكرجية (جيورجيا حالياً) في جبال القوقاز التي اكتسبت فيما بعد شبه استقلال كنسي برئاسة كاثوليكوس.

 من سورية الكبرى انتشرت المسيحية الى بلاد فارس، ولكن الكنيسة التي فيها كانت مستقلة منذ تأسيسها، منظمة تنظيماً حسناً برئاسة متروبوليت طيسفون.

وحدد آباء مجمع القسطنطينة او المسكوني الثاني السنة 381م ان تكون حدود المقاطعات الادارية هي حدود الكراسي والأبرشيات. يعقد فيها المجمع ان دعت الحاجة!!

وهكذا تحددت حدود صلاحية كنيسة انطاكية ضمن حدود “إدارة الشرق”، ثم دُعي فيما بعد رئيس أساقفتها” بطريرك أنطاكية وسائر المشرق”. وانتظم أمرها بأن ينعقد مجمعها من أساقفة الأبرشيات الأنطاكية في شهر تشرين الاول من كل عام في الظروف الاعتيادية كما هو الحال اليوم إضافة الى أدوار استثنائية ينعقد فيها المجمع اذا دعت الظروف.

أهمية كنيسة انطاكية

كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في انطاكية
كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في انطاكية

كتب القديس باسيليوس الكبير:”(كنيسة أنطاكية) أجدى نفعاً من كل كنائس المسكونة”.

وقال القديس يوحنا الذهبي الفم في مديح القديس اغناطيوس الانطاكي ثالث بطاركة انطاكية:

“كم وكم تكلم بكلام الله الرسول العظيم في هذه المدينة، اعني به الرسول بطرس الرقيب على كل المسكونة، الذي سلم اليه السيد مفاتيح ملكوت السماوات، والذي سمح له ان يربط ويحل وأوحي اليه المكوث هنا زماناً طويلاً! وكأني به جعل مدينتنا في كفة ميزان والعالم كله في كفة أخرى. ولما ازمع بطرس ان يغترب من هنا جاءت لنا  نعمة الروح بمعلم آخر مساوٍ لبطرس.”

عندا ترك بطرس الرسول كرسي انطاكية بعد ثماني سنوات من جلوسه بطريركاً (45-53م) استخلف افوديوس تلميذه، وبعد انتقال الأخير حل اغناطيوس المتوشح بالاله…وكرت السبحة…

ان هذا الوصف لم يكن محصوراً بأغناطيوس المتوشح بالله  بالتأكيد (وهو كما يقول التقليد الشريف انه الطفل الذي احتضنه الرب يسوع داعيا اليهود الى التشبه بالاطفال للدخول الى ملكوت السماوات) بل لكل من خلف بطرس من افوديوس الى سلسلة بطاركة انطاكية، وفي هذا كل الفخر لأنطاكية وبطاركتها خلفاء بطرس الرسول الهامة ومكانة انطاكية قبل رومة من خلاله فهو مؤسسها  وأسقفها قبل تأسيسه كرسي رومية وتسقفه عليهاوان كانت رومية هي العاصمة للامبراطورية ومن هنا تحدد مكانة اسقفها الاول بين المتساوين وعندما انتهت الامبراطورية الرومانية في القرن الرابع وحلت محلها الامبراطورية الرومانية الشرقية او الرومية وصارت القسطنطينية عاصمتها عام 320م منح التقدم ذاته لاسقف العاصمة رومية الجديدة…

واجهة مغارة كنيسة القديسين بطرس وبولس اول كنيسة في انطاكية عام 45م
واجهة مغارة كنيسة القديسين بطرس وبولس اول كنيسة في انطاكية عام 45م

ونوضح رأينا بأولوية اسقف انطاكية استناداً على قول القديس يوحنا الذهبي الفم  وهو ابن انطاكية العظمى المدينة والكنيسة، عن معاصره فلابيانوس اسقف أنطاكية التالي:

 “…وبما اني أذكر بطرس آخر أبانا ومعلمنا جميعاً فلابيانوس الذي خلف بطرس وورث فضيلته وكرسيه، لأن امتياز مدينتنا على كل المدن قائم على اتخاذها من الأصل هامة الرسل معلماً. لأنه كان يجب ان يكون اول الرعاة في الرسل راعياً للمدينة التي دُعي فيها المسيحيون اولاً بهذا الاسم الشريف. ولكننا اذا اتخذناه معلماً لم نحتفظ به حتى النهاية بل تخلينا عنه لأجل الملكة رومة. ولكن ان شئت فقل انا احتفظنا به دائماً. أجل إننا لم نمتلك جسد بطرس، وانما امتلكنا إيمان بطرس، واذا امتلكنا إيمان بطرس فإننا نمتلك بطرس نفسه”.

لما اراد ديوسقوروس اسقف الاسكندرية الهرطوقي، أن يفرض نفسه على الكنيسة جمعاء متذرعاً بسلطان مرقس الانجيلي، مؤسس كنيسة الاسكندرية، انبرى ثيودوريطوس اسقف قورش وابن أنطاكية وألمع أساقفتها، فقال له:”إن أنطاكية المدينة العظمى فيها كرسي الرسول بطرس الذي كان معلم مرقس واول جمهور الرسل وهامتهم”.

وفي مجمع خلقيدونية المسكوني الرابع(451م) خوطب أسقف أنطاكية برئيس أساقفة مثل رومة والاسكندرية. ولكن بعد هذا المجمع سادت تسمية بطريرك كما سُميّ بذلك الآخرون فيما بعد بزمان، وسُميت كنيسة انطاكية بطريركية.

اذن على ذلك فإن كنيسة انطاكية تتفوق بالكرامة لأن  بطرس وبولس اسسا كرسيها الاول في التاريخ المسيحي وكان بطرس اول اساقفته كما المعنا سابقاً وفيها علم الرسولان بطرس وبولس اضف الى الشرف الرئيس حيث فيها اطلقت تسمية مسيحيين لأول مرة على اتباع الرب يسوع، ونال اسقفها لقب البطريرك قبل كل الاساقفة.

امتيازات كنيسة انطاكية

القديسان بطرس وبولس يحملان كنيسة انطاكية وهو رمز الكرسي الانطاكي
القديسان بطرس وبولس يحملان كنيسة انطاكية وهو رمز الكرسي الانطاكي

كانت أنطاكية المركز المسيحي الأول ومنطلق الاشعاع المسيحي بعد اورشليم ام الكنائس، منها كانت منطلق رحلات بولس الرسول التبشيرية واليها كان يعود بعد كل رحلة. فيها استقر الرسول بطرس وعلم وجلس على كرسيها ثماني سنوات من 45م الى 53م قبل ان يتجه الى رومة. وسلسلة أساقفة انطاكية تبدأ ببطرس الرسول حيث فيها “دُعي المسيحيون اولاً”.

اما لقب البطريرك الذي تفرد به اساقفة انطاكية فقد كتب عنه معلمنا مؤرخ الكرسي الانطاكي الدكتور اسد رستم بقوله: “واللقب بطريرك لفظ يوناني. وهو مركب من الكلمة اليونانية (باتريا) اي العشيرة، والكلمة اليونانية (آرشي) اي الشيخ فيصبح البطريرك شيخ العشيرة. وجاء لبلصامون  في رسالته في امتيازات البطاركة ان اول من اطلق عليه هذا اللقب رئيس عشائر اليهود… وعلى هذا الأساس لُقب اسقف انطاكية بطريركاً لأنه اعتبر كبير الأمة  المسيحية في انطاكية وزعيمها المطاع.

وجاء في رسالة كتبها بطرس الثالث البطريرك الأنطاكي الى رئيس اساقفة أكويلية “ان البطريرك الأنطاكي وحده اختص منذ القدم بلقب بطريرك وأن البطاركة الآخرين لقبوا بهذا اللقب جوازاً لا وجوباً، وان لقب الحبرين الروماني والاسكندري هو بابا، ولقب زميليهما في رومة الجديدة (القسطنطينية) واورشليم هو رئيس اساقفة.” (كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى، ج1، ص404/5)

الكاتدرائية المريمية في دمشق كاتدرائية الكرسي الانطاكي والبطريرك الانطاكي
الكاتدرائية المريمية في دمشق كاتدرائية الكرسي الانطاكي والبطريرك الانطاكي

يتمتع البطريرك بسلطة حقيقية فهو يسعى الى ملء الكراسي الشاغرة في دائرة الكرسي الانطاكي، ويمنح الرسامة الاسقفية للميتروبوليت، وهو المرجع الأعلى للقضاء في حدود البطريركية. وله حق النظر والرقابة وتكريس الميرون المقدس. ويُذكر اسمه في الذبتيخيا(عند ذكر الأحياء بعد كلام التقديس) في الليتورجيا الإلهية المقدسة مع الاسقف المحلي وهو متولي الاوقاف في كل الكرسي الانطاكي ويرأس جلسات المجمع المقدس وهو من يدعو الى عقدها.

وكانت بطريركية انطاكية في اواخر القرن الرابع تقسم الى 15 اقليماً وعلى رأس كل اقليم متروبوليت. وبعد استقلال بعض الكنائس كقبرص مثلا عن الكرسي الانطاكي بقي لهذه البطريركية 12 اقليماً و153 ابرشية ممتدة من كيليكيا الى شرق الاردن.

أنطاكية عاصمة ادارة المشرق الروماني

احدث الامبراطور ذيوكليسيانوس السنة295م في الامبراطورية الرومانية تقسيمات ادارية وجعل من الشرق ادارة خاصة عاصمتها انطاكية التي شملت مقاطعات فلسطين، سورية، فينيقية، العربية، كيليكية، ايسافريا او ايصورية (اي ماوراء جبال طوروس)، مابين النهرين الشرقية والغربية، الفرات، وقبرص.

وكانت ايسافريا متحدة اصلاً مع كيليكية، لكنها انتزعت منها فيما بعد لتشكل مقاطعة خاصة. وفي زمن الامبراطور اركاديوس قسمت المقاطعة الأصلية كيليكيا الى (كيليكية الاولى وكيليكيا الثانية وايسافرية).

وكانت العربية تشكل رقعة مملكة الانباط، وعاصمتها البتراء. ولما اقتحم الامبراطور ترايانوس العربية وقضى على هذه المملكة في العام 105م، ابقى على المقاطعات ذاتها، ماعدا بيثنية وتراخونيتس (اللجا) وارانيتيس (حوران) التي كانت مضافة الى مقاطعة سورية حتى السنة 295م. فضُمّت هذه المنطقة ثانية في تلك السنة ذاتها الى العربية. ولكن انتُزِعَتْ منها فيما بعد فلسطين الثالثة.

في عهد الامبراطور الروماني سبتيموس ساويرس كانت سورية قد انقسمت الى سورية الكبرى وسورية المجوفة وفينيقية. وظل هذا التقسيم سائداً في زمن مجمع نيقية المسكوني الاول السنة 325م. امافي عهد الامبراطورين الروميين ثيوذوسيوس واركاديوس فقد قسمت سورية الكبرى وسورية المجوفة الى سورية الأولى وسورية الثانية، وسورية الفراتية. وقسمت فينيقية الى فينيقية الاولى او الساحلية وفينيقية اللبنانية او الثانية. اما فلسطين فقد قسمت الى:

فلسطين الأولى: وتشمل اليهودية القديمة الى السامرة وعاصمتها قيصرية فلسطين.

فلسطين الثانية: وتشمل الجليل وكل الأقسام الأصلية لفلسطين، وعاصمتها سكيتوبوليس(بيسان).

فلسطين الثالثة: وتشمل العربية الصخرية حتى البحر الأحمر، وعاصمتها البتراء.

وبعد ان احتل الفرس جزئياً مابين النهرين بعد انكسار يوليانوس الجاحد السنة 363م، قسمت ميسوبوتاميا الى أوسرين (إديسا) غرب ميسوبو تاميا مؤلفة من دويلة صغيرة، ومابين النهرين.

وكان يرأس هذه المقاطعات جملة “قومس الشرق” (كومس اورينتاليس)، وقاعدة إدارته في أنطاكية. يساعده في ادارة كل مقاطعة مدير، فيرأس المقاطعات الخمس الأولى (فلسطين الأولى، فينيقية الساحلية، سورية الأولى، كيليكية الأولى، قبرص) مدير برتبة قنصل، ومقاطعة العربية يرأسها مدير برتبة “دوق”، وإيسافريا مدير عسكري، أما بقية المقاطعات ( فلسطين الثانية، فلسطين الثالثة، فينيقية اللبنانية (ليبانيسا)، إفراتيسيا( الفراتية)، سورية الثانية، أوسريني(غربي مابين النهرين) إديسا/الرها، ميسوبوتاميا (مابين النهرين)، وكيليكيا الثانية فيديرها رئيس مقاطعة ايبرخوس.

ومن الجدير ذكره ان الادارة الكنسية المعهودة في  المشرق قد تشكلت على اساس هذا التقسيم الاداري/ المدني.

اخذت الادارة الكنسية تقيم المدن والضواحي بالنظام الاقليمي نفسه الذي كانت السلطة المدنية تتبعه. وفي عهد مجمع نيقية (325م) كانت الوحدات الاقليمية تتجمع كلها في احلاف على غرار الولايات المدنية، وتعرف باسم “ابرشية”.

انطاكية قبل ان يدمرها الظاهر بيبرس 1268
انطاكية قبل ان يدمرها الظاهر بيبرس 1268

وقد اشتمل التقسيم الاداري للشرق، في نهاية القرن الخامس على الابرشيات ال15 التالية:

1- فلسطين الاولى

2- فينيقية الاولى (الساحلية)

3-سورية الاولى

4- كيليكية الأولى

5- قبرص

6- العربية

7- إيسافرية/ ايصورية (وراء جبال طوروس)

8- فلسطين الثانية

9- فلسطين الثالثة

10- فينيقية اللبنانية

11-إفراتيسيا (الفراتية)

12- سورية الثانية

13-اوسريني(غربي مابين النهرين) إديسا/ الرها

14- ميسوبوتاميا (مابين النهرين)

15-كيليكية الثانية

تحوي الابرشية في الامبراطورية الرومانية إيالات (أقاليم، ولايات) متعددة. وكان في الكنيسة الشرقية أربع من هذه الابرشيات: ابرشية الشرق، ابرشية بنطس، أبرشية آسية، ابرشية تراقيا.

شعار الارثوذكسية
شعار الارثوذكسية

كانت ابرشية الشرق (اي انطاكية) تضم 15 ايالة (المذكورة أعلاه)، اضافة الى  بلاد الكرج (جيورجيا)، وربما ارمينيا ايضاً وكل من جيورجيا وارمينيا اعتنقتا المسيحية عن يد مبشرين انطاكيين.

وتمتد ابرشية الشرق من عريش مصر الى جبال طوروس، اما من جهة الشرق فحدودها هي حدود وجود المسيحية في تلك الاصقاع.

كانت الابرشيات تنقسم الى مطرانيات يرأس كلاً منها مطران أو مطرانان. وصار كبير الاساقفة او المطارنة في كل مطرانية يُعرف باسم رئيس الأساقفة.

ولما كانت الكنائس المقامة كنائس مراكز الحكم في الولايات فقد  تَّزَّعَّمَ أساقفتها السلطة في القرن 3م على جميع اساقفة الولاية التي انتموا اليها. وكانت مراكز الحكم تتمتع في غالب الأحيان برتبة “ميتروبوليس” او (المدينة الأم). وان الولاية التابعة كانت تدعى ابرشية، فأصبح أسقف الميتروبوليس ميتروبوليت الأبرشية. وكان اسقف هذه المجموعات الكبيرة من الكنائس يُسمى بطريركاً.

كان هناك تسليم عام بصدارة الكنائس الكبرى: كنيسة رومية القديمة، كنيسة انطاكية العظمى، وتبعتها كنيسة الاسكندرية والشمال الافريقي، وكنيسة اورشليم ( ام الكنائس) ولقد وضع مجمع خلقيدونية السنة 451م  وهو المسكوني الرابع حداً لاستقلال كنائس البنطس وآسية وتراقية فجعلها تحت رئاسة اسقف القسطنطينية التي رُفعت الى مصاف كنيسة انطاكية وكنيسة الاسكندرية. هذا فقد اعترف الامبراطور يوستنيانوس 527-565م بخمسة بطاركة (البنتارخّية):

شعار بطريركية انطاكية
شعار بطريركية انطاكية

بطريرك رومية القديمة

بطريرك القسطنطينية (رومية الجديدة)

بطريرك الاسكندرية

بطريرك انطاكية

بطريرك اورشليم

الكنائس التي استقلت عن الكرسي الانطاكي

من المتفق عليه تاريخيا وقانونيا وواقعيا ان كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى وكرسيها البطريركي هوالاول عهداً ورتبة كما مر معنا، ولكن انتُزعت منها مع الزمن في الالفية المسيحية الاولى بعض المقاطعات او الولايات وأُخرجتْ من صلاحيات كرسي انطاكية فخرجت عنها كنيسة سلوقية/ المدائن (بغداد) بخروج النساطرة، وكنيسة قبرص بمجمع افسس المسكوني الثالث السنة 431م وبطريركية اورشليم في القرن الخامس بإتفاق بين اسقف اورشليم مع مكسيموس بطريرك انطاكية ان تكون فينيقيا الاولى والثانية والعربية تابعة لكرسي انطاكية شرط ان تكون الفلسطينيات الثلاث تابعة لكرسي اورشليم فأصدر مجمع خلقيدونية السنة 451م قراره بموجب هذا الاتفاق، ثم انشق السريان المونوفيست اللاخلقيدونيين في القرن السادس والموارنة في القرن السابع، واخيرا استقلت الكنيسة الكرجية في القرن الثامن المسيحي.