شعار بطريركية انطاكية

مكانة أنطاكية العظمى في الفكر المسيحي

مكانة أنطاكية العظمى في الفكر المسيحي

أنطاكية العظمى أول الكنائس التي أقامها الرسل الاطهار، وهي كنيسة امتلكت الشرقين الاوسط والاقصى وان بدأت كنيسة للعاصمة الرومانية “عين الشرق الروماني كله” كنيسة للمدينة الشهيرة انطاكية…

انطاكية الجميلة بأوابدها وفنونها ومدارسها الفلسفية وبغابة دفنة الاسطورية وفق الاساطير، ولكنها مسيحياً هي التي يُسجل لها شرف تسمية المسيحيين بهذه التسمية لأول مرة في المسكونة، وفي اول موقع في التاريخ، وفيها أول كرسي أسسه الرسل عامة، والرسولان بطرس وبولس هامتا الرسل خاصة، حيث اقاما بعد عقدين كرسي عاصمة الامبراطورية الرومانية  وكان بطرس اول بطاركة انطاكية… ثم صار بعد عشرين سنة اول اساقفة روما العاصمة…

واساقفة انطاكية كانوا هم اول من حمل لقب بطريرك اي شيخ العشيرة…

انطاكية العاصمة الشرقية للامبراطورية الرومانية و”لؤلؤة الشرق الروماني”، هي عاصمة الفكر والفن والفلسفة والجمال، وكانت لها اعظم اهمية في تاريخ الشرق الأوسط المسيحي، وعم هذا الاشعاع السماوي تلك الرقعة الجغرافية الكبيرة جداً الشاملة لكل الشرق بأوسطه وأقصاه وحتى حدود الصين، وبصمت انطاكية ببصمات قديسيها ومرسليها ومفكريها كل تلك الاصقاع المترامية الاطراف بالفن والفلسفة والعلم والتبعية المطلقة لهذه الدرة السورية انطاكية الاغريقية والهلنستية والرومانية والرومية المتربعة على مصب العاصي في البحر الابيض المتوسط.

احتلت انطاكية مكانة فريدة بمدٍّ عظيم الأثر للثقافة اليونانية، فكراً وحضارة، وبنهجها اللاهوتي وصياغتها العقائدية القويمة الرأي وانتشارها الديني المسيحي، وذلك بفضل مفكريها الجهابذة ومدرستها اللاهوتية الرائدة التي ضاهت ونافست مدرسة الاسكندرية، وقد بلغت ذروة شهرتها في القرنين الرابع والخامس المسيحيين.

لم تتبؤا أنطاكية مركز الصدارة الفكرية في الشرق المسيحي دون اخطار تهدد تكوينها الثقافي المسيحي، وتؤثر في مستقبلها العقائدي وفي تمزق أبنائها وفي خروج بعضهم نحو الهرطقات عن تعليمها الارثوذكسي القويم تعليم الرسل الاطهار والمجامع المسكونية المقدسة، فآل ذلك في تاريخها اللاهوتي الى تقوقع فتحجر فشرذمة فاندثار منذ اواسط القرن الخامس.

من الملاحظ، وهو امر خطير يحمل على التفكير والتساؤل، نشأة الانشقاقات وتحولها الى بدع وهرطقات في القرون السبعة الاولى ثم الانشقاقات بنتيجة التبشير اللاتيني المبرمج طوال قرون بعد مجمع ترانت والالتصاق كليا بكرسي روما  بكنائس شرقية هندسها واخرجها مبشرون لاتينيون، كنائس خرجت صغيرة من رحم امهاتها فأضعفت هذه الامهات  تدين بالرئاسة لكرسي روما وان كانت تفتخر بشرقيتها عموما وانطاكيتها خاصة والملفت ان باباوات الكرسي الروماني هم من يثبتون رئاساتها بمراسيم بابوية بحكم التبعية…

ضعفت انطاكية العظمى بسبب الهرطقات قبلاً خلال القرون السبعة الاولى منها قرون الذبح والاضطهاد الثلاثة، ثم بسبب الاستلابات المنظمة بمعسول كلام تزييف كاذب من اخوة في المسيح بذرائع غير مفهومة وان فهمت فهي لاتُقبل الا بكونها من حب الرئاسة التي حذرنا منها القديس افرام السوري” روح البطالة والكلام البطال”.

واجهة مغارة كنيسة القديسين بطرس وبولس اول كنيسة في انطاكية عام 45م
واجهة مغارة كنيسة القديسين بطرس وبولس اول كنيسة في انطاكية عام 45م

ضعفت انطاكية كثيراً ولم يعد الكرسي الانطاكي يرأسه بطريرك واحد هو خليفة الرسولين بطرس وبولس فصار كراسي وكل منها يدعي التجذر والاصالة!!!

وكأن عاصمة المشرق الروماني- الرومي صارت بكل اسف منبت المغالطات المنطقية والشطحات الفكرية المتذرعة بفلسفات بشرية واحياناً شيطانية مااختلت معها الكنيسة قاطبة عبر مجامعها المسكونية والمكانية لاصلاح الاعوجاج، ما أدى الى زيادة المغالاة والتصلب والتعصب للجنس فصارت كنائس قومية، الامر الذي قلما نجده في كنائس وكراسي رسولية اخرى عدا كرسي الاسكندرية فانقلبت اللاخلقيدونية كما في انطاكية الى كنائس قومية متذرعة بتحررها عن الكنيسة الاولى الارثوذكسية الجامعة بصبغتها اليونانية كونها لغة الانجيل والتبشير والمجامع المسكونية…

المهم صار الكرسي الانطاكي عدة كراسي متنافرة…

اولاً- تعدد البدع المسيحية في أنطاكية

نشأت البدع في انطاكية منذ دخول المسيحية مع رسل المسيح اليها. فتعرضت هذه الكنيسة الفتية ليس فقط للخطر الخارجي المتمثل بالاضطهادات الدموية المريعة من اليهود والوثنيين في الامبراطورية الرومانية وفي الامبراطورية الفارسية…

 فاليهود نظروا للمسيحية على انها هرطقة يجب القضاء عليها والا ستقضي على الديانة اليهودية، والامبراطوية الرومانية متلهفة بالقضاء بشكل حاسم وبسوق المسيحيين بمواكب لاعدام شامل لهذه الجماعات الصغيرة. فالوثنية هي مركز الامبراطورية الرومانية ومشَّد قوتها وكذلك الفارسية. والمسيحية الوليدة والمنتشرة بقوة هي المدمر لهذه المركزية وقوتها ويجب القضاء عليها، وكان هذا هو الخطر الخارجي بدمويته طيلة القرون خلال الكنيسة الاولى منذ اورشليم الى براءة ميلان عام 313مسيحية…

لكن الاخطر كان هو الشرخ الداخلي االمتمثل بالبدع والهرطقات، وهذه بدأت على سبيل المثال منذ الجماعة الاولى في دمشق التي كانت برئاسة اسقفها الرسول حنانيا التي خرجت هرطقة المريميين الذين اعتبروا الثالوث المقدس هو الآب والابن والعذراء فهي الاقنوم الثالث واقامت لها كنيسة مريم في العام 37مسيحية.

لقد بدأت الهرطقات والشيع منذ القرن الاول المسيحي ولكن اشتد الخطر في القرنين الثاني والثالث المسيحيين بالرغم من وطأة الخطر الدموي الوثني واليهودي الخارجي، فقد حاول بعض اتباعهاان يعتمدوا معرفة كاذبة كنظام فلسفي أو ديني مشبوه رامين تغيير المسيحية بنقاء وشفافية جوهرها واستبداله ب”سر”أو “نظرية” كما يفعل الفلاسفة عبر تاريخ الانسانية عن الخالق والخلق والخلاص…

1- بدعة النيقولايين

كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في انطاكية
كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في انطاكية

نيقولاوس الأنطاكي هو أحد الشمامسة السبعة في اورشليم(أ.ع6/5) وتنسب اليه هذه البدعة باطلاً.

رمى اصحاب هذه البدعة الى التوفيق بين المسيحية والعادات الاجتماعية السائدة، وذلك بالتوفيق بين ممارسة عادات وثنية معينة والانخراط في سلك المسيحية، ويمكننا اعتبار ان هذه البدعة من بعض الوجوه هي الطليعة لبدعة الغنوصية.

2- الغنوصية (العرفان، العرفانية)

هي الموقف الفلسفي الذي يقول بأن معرفة المرء لحقائق الوجود هي المعرفة المستمدة من طاقات المرء الذاتية وقدراته.

عُرفَ أصحابها بالغنوصيين أو الأددريين أو أهل العرفان الذين يقولون بأن الخلاص يتم بالمعرفة دون الإيمان. ومذهبهم صوفي غريب يواسط بين الفلسفة الوثنية والمسيحية، وقد اصبح مذهباً منافساً للمسيحية في مطلع عهدها. نهلوا تعاليمهم من الشرق ومن تعاليم سمعان الساحرمن السامرة، وقد خلفه تلميذه مينانذروس الذي ذهب الى أنطاكية في غروب القرن الأول، وتتلمذ له ساتونينوس من أنطاكية حيث صار خليفته قبل العام 150م، وتحولت معتقداته الى بدعة مسيحية حقيقية. فقد كان يعلم بأن يسوع قد أرسل للقضاء على قوى الشر، وأن ليس “للمخلص” جسد ولا تكوين بشري محسوس، واذا كان قد شوهد على هيئة انسان، فذلك من حيث المظهر فحسب.

تتلمذ لمينانذروس باسيليوس الاسكندري الذي نقل مذهب معلمه من أنطاكية الى الاسكندرية، ومن المعلمين فيها فاسيليذس وفالنتينوس وهناك ايضاً كيردو/ كيرونتوس السوري الذي انتقل الى رومية واستقر فيها(138-144)، واتصل بمرقيون الذي أنشأ غنوصية جديدة تطورت فعلاً الى كنيسة وأحرزت قدراً من الأهمية، وغدا لها اتباع في سورية لقبوا بالافعوانيين.

لقد اضطربت كنائس سورية ومابين النهرين بانتشار هرطقة مرقيون، حسبما جاء في سيرة إفيركيوس. ومثل المدرسة الشرقية في هذا المضمار ثيوذوتوس وأكسيونيكوس وفاسيذانيس (بارديصان) المولود في الرها (154-222م)، وكذلك طاطيانوس الذي ولد في شرقي دجلة وعلم في رومية، ثم رجع الى اورشليم وعلَّم في أنطاكية وكيليكيا ومابين النهرين حيث أسس معهداً لهذا الغرض. ولم يكن مذهب المعرفة هرطقة من حيث المبدأ، بل كان نظاماً معادياً للمسيحية مستهدفاً إيجاد حلول للمسيحية بالحكمة الشرقية والحضارة اليونانية.

لقد افاد هذا المذهب المسيحية بأنه حض على تنسيق وتنهيج وحسن صياغة التعليم اللاهوتي والعقيدة المسيحية.

3- المرقيونية

نسبة الى مرقيونوس/ مرقيون المتوفي في 160م وهو هرطوقي من البنطس (آسيا الصغرى) أُدين في سنة 144م.

لقد استبعد من الكتاب المقدس كل مايشير الى الله الخالق والى التجسد، لأن المادة والجسد هما عنصران رديئان. . ونبذ العهد القديم من الكتاب المقدس  الذي يؤمن به بحجة ان اله الشريعة فيه هو غير اله المحبة الذي يؤمن به العهد الجديد. واعتبر بولس الرسول وحده مَنْ أدرك، دون غيره من الانجيليين الى حد بعيد، الفرق بين الشريعة والنعمة.

هذا وقد اقتصرت عنده الكتب القانونية على عشرة فقط من رسائل بولس الرسول ونص منقح لإنجيل لوقا في صيغة خاصة.

الكاتدرائية المريمية في دمشق كاتدرائية الكرسي الانطاكي والبطريرك الانطاكي

تبنى مرقيون، في نظرته الى يسوع، المنحى الدوسيني أي ان انسانية يسوع وآلامه كانت ظاهرية، وانكر انها كانت فعلية وحقيقية. ويقول القديس ايريناوس اسقف ليون:” في نظر مرقيون لن يكون هناك خلاص الا للنفوس وحدها، وبالحري للنفوس  التي قبلت تعليمه. أما الأجساد فلأنها أُخذت من الارض فلن يكون لها نصيب في الخلاص.”( الرد على البدع، 1/27/2-3)

4- المانوية

 نسبة الى ماني الفارسي (216-277م) صاحب مذهب المعرفة والثنائية.

( انظره هنا في موقعنا باب الهرطقات) فقد كان ماني يعتقد بثنائية مطلقة تؤلف مابين التعاليم الوثنية الفارسية والمسيحية، وقال بسببين أصليين منفصلين مستقلين هما النور والظلام وان تاريخ العالم يقوم على حرب شعواء بين اله الخير او النور هورمزدا واله الشر او الظلمة اهريمان.

انتشرت تعاليم ماني في منطقة بابل ومابين النهرين وميسوبوتاميةاولاً، ثم في سورية وفلسطين ومصر وافريقيا الشمالية وفارس ووسط آسية وقاوم كهنة مزدة في فارس تعاليم ماني الذي لجأ الى كشمير وتركستان والصين. ثم اعتقل وصُلب  وسلخ جلده وحشيَّ قشاً السنة 277م.

5- حركة الثنوية

 تزعمها ودافع عنها ديونيسيوس الاسكندري تلميذ اوريجانوس الذي قال بأن الكلمة هو أدنى مرتبة من الآب.

انقسمت الثنوية الى قسمين

 الأول وحدوي يقول بأن يسوع المسيح رسول الهي أكبر وأعظم من الأنبياء جميعاً، ولكنه ليس إلهاً، فمهدت هذه البدعة للآريوسية، ومن اهم اتباعها ثيودوطوس الدباغ البيزنطي وبولس السميساطي.

الثاني مزجي يجعل من يسوع إلهاً، لكنه أدنى من الآب وخاضع له، وألوهته محدودة.

ثم انبثقت عن البدعتين السابقتين بدعة ثالثة تقول ان الآب والابن والروح القدس ليس سوى ثلاثة وجوه لشخص واحد، وليس هناك ثلاثة اشخاص: الآب ظهر كخالق، ثم ظهر كإبن مخلص، ثم ظهر كروح قدس مقدِّسْ ومطَّهِرْ، مما يعني أن الآب نفس كان معلقاً على الصليب. ومن مشاهير هذه الحركة سابيلوس، باركسيس، نويط من ازمير. (تاريخ الباباوات، ص18)

6- المذهب التوفيقي اليهودي- المسيحي

تأثر ثيوفيلوس اسقف أنطاكية السنة 169 بالعقيدة اليهودية، فمثل محاولة باكرة لوضع فلسفة دينية حصيفة، وأخذ بالتفسيرالحرفي للكتاب المقدس معتمداً التفاسير اليهودية. وعادت نظريته الى الظهور، بعد حقبة من الزمن على يد أحدخلفائه في رئاسة كنيسة أنطاكية: بولس السميساطي الذي حاول التوفيق بين التعاليم اليهودية والوثنية وبين العقيدة المسيحية.

ثانياً- المنازعات العقائدية

شعار الارثوذكسية
شعار الارثوذكسية

بعد انقضاء القرون الثلاثة الاضطهادية والاستشهادية الأولى وحتى براءة ميلان والاعتراف بالمسيحية ديانة رسمية في الامبراطورية الرومانية بموجب مرسوم قسطنطين الكبير عام 313م من ميلانو. انفتحت لها صفحة لاحقة تحمل الاخطار الداخلية ناجمة عن تعاليم أصحابها المخطئة، وهي لاتقل ضراوة وخطورة عن الاخطار الخارجية المتمثلة بقرون طويلة من الاضطهادات الدموية انتشرت فيها المسيحية على دماء واجساد الشهداء بالمسيح، والحال ذاته فقد دافعت الكنيسة عن استقامة الرأي ضد هذه الاخطار الداخلية.

تمسك تيار تقليدي، متعلق بالايمان الموروث، بالتعابير المستمدة من الكتاب المقدس لايضاح فحوى العقيدة في مضمونها، بينما ظهر تيار آخر يستعين بالتعابير الفلسفية المتداولة في عصره، لاسيما وان المسيحيين “الذين نشأوا في جو الهلنستية وتشربوا من الفلسفات الرواقية والأفلوطونية الحديثة والأرسطوطالية لم يتجردوا تماماً عن ولعهم بالأبحاث النظرية”. فحدا هذا التيار الأخير  ببعض المفكرين المسيحيين على الابتعاد عن ايمان الكنيسة الارثوذكسي الموروث، وهم الهراطقة، بينما اجتهد غيرهم في اظهار ايمانهم المتهرق بتعابير فكرية فلسفية في قوالب جديدة.

– مذهب مدرسة أنطاكية (290-430م)

يُعزى تأسيس مدرسة انطاكية هذه الى لوقيانوس الانطاكي 240-430م وهو كاهن ورع ذاع صيته بما عُرف عنه من السمو في أخلاقه والطهارة في حياته والتقى في ايمانه. أنه عالِمْ  نابه ومفَّسِّرْ ضليع للتوراة، وقد قام بتحقيق وتنقيح نص التوراة الذي عم استعماله في بطريركيتي أنطاكية والقسطنطينية، وقد كان الاصل الذي نقلت عنه الطبعة الاولى من الكتاب المقدس. وقد استشهد في نيقوميدية (آسية الصغرى) السنة 312م، بعدما قاسى صنوفاً والواناً من التعذيب الوحشي.

وقد قام بدور رائد في تاريخ المسيحية فهو احد المعلمين الأوائل الذين أفضت جهودهم الى تقدم دراسة اللاهوت في مدرسة انطاكية التي وضع نظامها. ومن المرجح أن آراءه اللاهوتية كان يعوزها الصواب والتصويب، لأن آريوس الاسكندري واوسابيوس النيقوميذي وآريوسيين آخرين كانوا يتباهون انهم تلامذة له.

كانت مدرسة انطاكية تتمتع بمكانة هامة وتتسم بطابع مميز وبنزعتها الوجودية الواقعية الأرسطوطالية المركزة على الجوانب الانسانية والعقلية، المفضلة في علم التفسير المعنى الحرفي والتاريخي والطريقة الادبية النقدية، المشددة في الثالوث الأقدس  على تمييز الأقانيم أكثر مما على الوحدة الجوهرية، وفي الكلام عن سر التجسد” الخريستولوجية على الجانب الانساني في المسيح وعلى تمييز الانسانيات والالهيات اكثر مما على الوحدة الجوهرية، مما قاد بعضاً منهم الى التطرف الآريوسي والنسطوري. وقد عُرفت بالعناية والتدريب وفرط التدقيق في الدراسات المتعلقة بالكتاب المقدس. فخلافاً لمدرسة الاسكندرية كان علماء انطاكية يركزون في دراستهم على التفسير الحرفي للكتاب المقدس. وتصدوا للتأويل الرمزي الفلسفي الذي اعتمدته مدرسة الاسكندرية، رافضين المعاني الهادفة الروحية والنموذجية، الا اذا سمح النص بذلك. وقد أكد ديودوروس الطرسوسي(330-390م) انه لابد من احترام حرفية النص للولوج الى معانيه العميقة.

وعُرفت مدرسة الاسكندرية بنزعتها الأفلاطونية المركّزة على مقتضيات المفارقة في اللاهوت الآخذة في علم التفسير بالتأويل الصوفي والرمزي، المشددة على الوهية المسيح ووحدة كيانه الجوهرية، فانحرفوا في مصر الى القول بالطبيعة الواحدة.

انطاكية قبل ان يدمرها الظاهر بيبرس 1268
انطاكية قبل ان يدمرها الظاهر بيبرس 1268

وخلافاً لمدرسة الاسكندرية أبدى علماء انطاكية اهتماماً كبيراً لانسانية يسوع المسيح الكاملة. هذا وقد تفاقم الخلاف بين المدرستين في المناقشات الحادة في القرن الخامس حول شخص المسيح وكان اللاهوتيون في المدرسة الانطاكية يؤكدون الازدواج في المسيح قبل الوحدة. فهو في رأيهم الاله الكامل والانسان الكامل. لكنهم لم يفسروا بوضوح وحدة الكيان فيه، وقد توصل بعض المغالين الى القول انه لايحق لنا ان نقول عن مريم العذراء انها والدة الاله، بل هي والدة المسيح، لأن الكلمة ابن الله، في زعمهم، هو شخص، والمسيح ابن مريم هو شخص آخر. بينما يؤكد لاهوتيو الاسكندرية الوحدة الجوهرية في المسيح الاله قبل الازدواج فيه، فهو في نظرهم الكلمة ابن الله المتأنس.

ركز ديودوروس بقوة ضد ابوليناريوس، ممثل مدرسة الاسكندرية على قدم ” الكلمة”(اللوغوص) وعلى عدم تغيره. فحمله هذا الموقف على التأكيد على ثنائية الطبيعة في المسيح بيد انه لم ينجح تماماً في تفسير وحدة شخصية المسيح. فقال ان المسيح هو في الوقت عينه ابن الله وابن مريم. واعتبر البعض هذا التعبير ناتجاً عن اتباع المذهب النسطوري القائلين بالشخصين في المسيح. وكان ديودوروس يفضل ان يقول بحلول الكلمة في الجسد على القول أنه تجسد. ومريم في رأيه والدة الانسان وليست والدة الله, فكلمة الله وابن مريم كلاهما ابن الله: الاول بالطبيعة والثاني بالنعمة. وحرص على الا يقول ان الله تألم، دافع ديودوروس عن الوهية المسيح ضد حملات الامبراطور يوليانوس الجاحد (361-363م) الذي كان يعمل جاهداً على احياء الوثنية.

هذا ونجد هذه التعابير المميزة للمذهب الانطاكي الخاص بالمسيح عند ثيودوروس المصيصي (350-418م) وتيودوريطوس القورشي(393-458م)الذي ساهم بتعاليمه في صياغة قرارات مجمع خلقيدونية (451م) وامتاز باسلوب أنيق، وعند لاهوتيين آخرين من بطريركية أنطاكية الذين هبوا للدفاع عن نسطوريوس، تلميذ ثيدوروس المصيصي.

ومن المع تلاميذ ديودوروس الطرسوسي وحهان نيران في الايمان الارثوذكسي القويم هما ثيودوروس المصيصي ويوحنا الذهبي الفم اللذان درسا على المعلم الشهير ليبانيوس الأنطاكي (314-393م) الذي عبَّ من الادب اليوناني القديم وأفاد من الثقافة الاغريقية، وكان ثيودوروس مفسراً عميقاً، بل اعلم مفسري المدرسة الأنطاكية. فهو لاهوتي لامع ومبدع ساهم كثيراً في تقدم علم اللاهوت المسيحي.

اما يوحنا الذهبي الفم ابن انطاكية والشخصية الرائدة للجماعة المسيحية في انطاكية، فقد التزم في تفسيراته للكتاب المقدس بمبادىء مدرسة انطاكية، ووجه اهتمامه في وعظه الى التطبيق العملي في الحياة الروحية والعائلية والاجتماعية والثقافية.

ووقعت جدالات ومناقشات وسجالات عقائدية بين المدرستين الانطاكية والاسكندرية بنزعتيهما المتباينتين في القرون 4و5و6 ففي القرن4 كان الجدال في الثالوث المقدس اما الجدالات الخريستولوجية فتناولت القرنين 5و6 وقد امتزجت بالمنافسات القائمة بين المراكز الكنسية الكبرى وبالخصومات الشخصية وبالروح القومية، وتدخلت الجماهير وتألبت وقار الرهبان اصحاب النفوذ على السلطة والشعب معاً مماحمل الاباطرة على التدخل ومناصرة البعض دون البعض بدون تدقيق.

ودخلت الغموض في الآراء وتبلبلت التعابير والصياغات اللغوية وتقسمت الجماعة الواحدة الى فئات متعددة الى اليوم، مما ادى الى تجريح المحبة باحداث النزاعات واثارة الضغائن والفتن وترويج الروح القومية على حساب الوحدة والعقيدة الايمانية ومستمرة بعد 15 قرناً.

وهكذا فان قرون الاضطهادات الدموية الثلاثة الاولى من خارج الكنيسة اعقبتها قرون ومناقشات وانقسامات ثلاثة افرزها رجال من داخل الكنيسة، فانشطرت الجماعة الواحدة، وعاشت كل تلك القرون التالية وحتى الآن بكل اسف في الضغينة والتباعد والتفرد والاستقلالية عن عقيدة الكنيسة الارثوذكسية القويمة…

الآريوسية (حول عقيدة سر الثالوث الأقدس) 

ولد آريوس فى ليبيا بعد منتصف القرن المسيحي الثالث بقليل، ودرس بمدرسة لوكيانوس بأنطاكية حيث كان زميل دراسة لبعض الأشخاص الذين أرتقوا فيما بعد إلى درجات الرئاسة الكهنوتية. وهم الذين عضدوه ودفعوا به للمضى في طريق الكفاح لأجل نشر أفكاره. 

وكل هؤلاء الزملاء الذين درسوا في مدرسة لوكيانوس صاروا يلقبون بإسم “اللوكيانيين” أو “الاتحاد اللوكيانى”. وهذا لا يمنع أن آريوس درس أيضًا في مدرسة الأسكندرية اللاهوتية قبل دراسته بأنطاكية. ومعلوم الاختلاف بين مدرستي انطاكية والاسكندرية، ويقال ان آريوس جمع في تعليمه بين الاتجاهين. 

وفيما بعد أخذ المنتمون لمدرسة أنطاكية يهاجمونه ويتهمونه بأنه أسكندري، في حين أن المنتمين إلى مدرسة الأسكندرية كانوا يحاربونه متهمينه بأنه أنطاكي 

إستوطن آريوس في الأسكندرية حيث رسمه الأسقف بطرس كاهنا .. وأظهر في أول حياته ميولاً متعصبة متمردة لأنه قبل رسامته وبعدها كان منضماً للأسقف المنشق ميليتوس أسقف ليكوبوليس (أسيوط). 

ولهذا السبب جُّرِّدَّ من رتبته الكهنوتية، إلا أنه فيما بعد أعيد مرة أخرى إلى رتبته على يد الأسقف أخيلاس خليفة الأسقف بطرس. وما لبث أن عمل على تأييد إنتخاب الكسندروس أسقفًا للإسكندرية خلفًا لأخيلاس. وإن كان آريوس نفسه قد أستطاع بتأثير ثقافته وصفاته الشخصية أن يصير ذو شأن كبير في المدينة. 

إلاّ أنه بعد بضعة سنوات (حوالي عام 318م) اصطدم مع الكسندروس بسبب الإختلاف حول تفسير نص في الكتاب المقدس خاص بشخص ابن الله. وكان الكسندروس قد أعطاه ـ كما أعتاد الأسقف أن يفعل مع الكهنة ـ موضوعًا ليبحثه. وفى الشرح الذي قدمه آريوس حاول أن يعبر عن ابن الله بمفاهيم مخالفة للإيمان الارثوذكسي القويم.

لقد اعترف بكيان الأقانيم الثلاثة، بيد انه زعم أن الآب هو وحده الاله الحقيقي السرمدي غير المخلوق. اما الابن فقد انتشلته ارادة الآب من العدم وخلقته، فاستنتج آريوس ان الابن خليقة  لاغير، وقد أتى الله في خلقه للابن بدقة فائقة جعلته صورة حية كاملة للآب، ورقته لدرجة الألوهية، فأصبح خليقة متألهة. فهذا الابن ليس ابن الله ولا هو ابنه بالطبيعة والولادة الروحية، بل هو ابنه بالتبني والارادة، وقد منحه الله سلطاناً فائقاً يبدع به الكائنات فينتشلها من العدم ليضعها في الوجود.

والخليقة الأولى التي ابدعها الابن هي الروح القدس. فالروح القدس هو خليقة الابن كما ان الابن هو خليقة الآب، الاله الواحد الحقيقي. فالاقانيم الثلاثة عند آريوس ليست واحدة بالطبيعة بل واحدة بالارادة.

دعا الامبراطور قسطنطين الكبير الى المجمع المسكوني الاول في نيقية (ايسنيك اليوم في آسية الصغرى السنة 325م، ورئسه قسطنطين وشارك فيه 318 أباً من آباء الكنيسة في المسكونة، منهم 80 من أنطاكية واغلبيتهم من الشرق.

درس آباء مجمع نيقية تعاليم آريوس ومحصوها فاستبانوا ضلالها، فرشقوه بالحرم وفصلوه عن الكنيسة وحكموا على اقواله بالضلال، ثم اهتموا بوضع صيغة واضحة تعبر عن معتقد الكنيسة بالوهة الابن وعلاقته بالآب وكان القسم الاول من دستور الايمان فأوضحوا صيغة الايمان بالعبارة التالية عن السيد المسيح له المجد:” إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”.

ثم اقر المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية السنة 381م  دستور الايمان النيقاوي وأوضح التمييز بين الأقانيم الثلاثة مؤكداً الوهة الروح القدس.

اضرار الآريوسية في الكنيسة

احدثت الآريوسية أضراراً جسيمة في جسم الكنيسة، وبلبلت في تعاليمها ومواقفها ونزاعاتها جماعات المؤمنين فأيدها اباطرة بيزنطيون واعتنقها اساقفة اعتلى منهم سبعة السدة الانطاكية بين 330-360م واعتنقها مسيحيون وتشيعوا لها واستنفر ضدها كثيرون فمن اتباعها من عزل ونفي وكذلك فعل الاباطرة الاريوسيين بالارثوذكسيين المضادين لهذه البدعة الجميع من الطرفين المتقابلين تعرضوا للاضطهاد وعقدت مجامع محلية عديدة ضد الآريوسية كما في انطاكية وصور وسرديكا و ووقف آباء مناضلون عن العقيدة المسيحية والتعليم الارثوذكسي على رأسهم القديس أثناسيوس الكبير ضدها بكل قوتهم بالرغم من تعرضهم للاضطهاد على يد الاباطرة الآريوسيين… وسادت فترة كرسي انطاكية… لكنها لم تعمر طويلا، وكانت سبباً في نشوء بدع أخرى حملت نقاشات ومنازعات حول شخص يسوع المسيح في الوهيته وانسانيته.

الجدل حول التجسد الالهي في القرنين الخامس والسادس المسيحيين

النسطورية نسبة الى نسطوريوس Nestorianism

ولد نسطوريوس Nestorios السنة 380 م ونشأ في منطقة الفرات شمال سورية، وتثقف في مدرسة انطاكية، متتلمذاً لثيودوروس المصيصي، وترهب في دير بقرب انطاكية ثم رُسِمَ كاهناً، ورُسم رئيس اساقفة على القسطنطينية السنة 428م. فاشتهر بفصاحته وغيرته واندقاعه ضد البدع والهراطقة، لكنه مالبث ان وقع في الهرطقة منحرفاً عن التعليم الارثوذكسي القويم. ففي محاربته للبدع قاوم الذين يلقبون العذراء بوالدة الاله ، وعلم ان مريم العذراء كونها انساناً ماكان لها ان تلد الهاً، لكنها ولدت المسيح الانسان فهي تسمى والدة المسيح أو والدة الانسان.

زعم نسطوريوس ان في المسيح اقنومين: الهياً وانسانياً فقاومه الآباء الارثوذكس  وعلى رأسهم القديس كيرلس الاسكندري المدافع الصلب عن الايمان الارثوذكسي القويم، وقد اشتهر بثقافة لاهوتية عميقة. “وكان قد تبسط واوضح في مؤلفاته التعليم المتعلق بالمسيح المتجسد. ومن اجل تفسير عمل التدبير الالهي، ليس من جهة شخصية يسوع المسيح التاريخية كما يفعل الأنطاكيون، بل من جهة وجود ابن الله وكلمته قبل الدهور، اراد كيرلس ان يمثل وحدة الطبيعة الالهية والانسانية، وأن يقرب الذهن البشري، على قدر الامكان الى فهم الوحدة بين الطبيعتين.

لم يبحث، بحصر المعنى، كيف اتحدت الطبيعة الانسانية بالطبيعة الالهية، لكنه بحث في كيف صار الكلمة جسداً. فتجسد ابن الله وكلمته بشكل مركز تعليمه في المسيح. وكان يعلم، بعكس الأنطاكيين، أن القول بطبيعتين كاملتين في المسيح لايعني التمييز بينهما الى حد الفصل والتفريق، لأن الطبيعة الانسانية في المسيح لم يكن لها كيان خاص أي لم تكن شخصاً خاصاً”. وفي فول كيرلس” وحدة طبيعية” او “وحدة بحسب الطبيعة” في المسيح كان المراد تمثيل وحدة شخصه، “ذلك  ان كيرلس كان يريد ان يمثل الوحدة الواقعية والحقيقية ( وهذا مايعبر عنه عند الاسكندرانيين بالوحدة الطبيعية)، في حين أن الأنطاكيين كانوا يحسبون انه يعلم الطبيعة الواحدة.

عقد الامبراطور ثيوذوسيوس الثاني في العام 431م مجمعاً في افسس، فحكم آباء المجمع على نسطوريوس بالهرطقة ورشقوه بالحرم، واكدوا ان مريم العذراء والدة الاله. وبعد وصول الاساقفة السوريين الى المجمع، رفضوا به قرار المجمع، لأن اللاهوتيين في المدرسة الأنطاكية يؤكدون الازدواج في المسيح قبل الوحدة، والمسيح في رأيهم اله كامل وانسان كامل، لكنهم لم يفسروا بوضوح وحدة الكيان فيه. وتوصل بعض المغالين الى القول انه لايحق لنا القول عن مريم العذراء انها والدة الله، بل هي والدة آخر. بينما يؤكد لاهوتيو مدرسة الاسكندرية الوحدة الجوهرية في المسيح الاله قبل الازدواج فيه، فهو في نظرهم الكلمة ابن الله  المتأنس. ثم جرى تقارب بين الطرفين وتفاهموا على فحوى الألفاظ المستعملة ومؤداها. فرضي اساقفة سورية بحرم نسطوريوس معترفين بأن في المسيح شخصاً واحداً، اي الوحدة الجوهرية في المسيح. فالمسيح شخص واحد، واقنوم واحد، هو اقنوم ابن الله. اما مصير نسطوريوس فكان الموت في صحراء مصر.

انتشار النساطرة

يتبع النساطرة او الآشوريون مذهب نسطوريوس. وكانوا يوماً انتشروا في كل المشرق من بلاد آشور والعراق والعرب والهند والصين جنوباً الى بلاد ارمينية والقفقاز شمالاً، ومن بلاد تركستان وفارس شرقاً الى سورية وفلسطين في سورية وقبرص ومصر غرباً. وازدهرت مدرستهم اللاهوتية والعلمية في نصيبين، عندما انتقلت اليها من الرها، ثم الى فارس بحماية الساسانيين، وبلغت كنيستهم اوج عزها وترقيها في اواسط القرن 13م، على عهد يابالاها الثالث اليغوري، وداهمهم تيمرلنك فهدموا مراكزهم في بغداد وفارس، ثم اخذوا بالانحطاط تدريجياً حتى فقدت ذروة عظمتها بسبب الطمع الرئاسة من جهة، وبسبب الاضطهادات التي قلبت المشرق على يد المغول والتركمان من جهة اخرى. وفي القرن 15 هرب كثيرون منهم الى الشمال، الى الجبال والوديان حيث عاشوا بالقرب من الاكراد، وكانت لهم 20 كنيسة. ودب في جسم كنيستهم في القرن 17م الخمول وشبه الاضمحلال، وطالت مذابح  1852 ابناء هذه الكنيسة على يد الاكراد. وبعد عام 1915 اضطر الباقون منهم ان يمزحوا الى العراق وايران، وقد ضعف شأنهم. ولم يبق من مجدهم القديم الا اثر زهيد.

وكان بطاركتهم قد هاجروا بسبب الاضطهادات، بغداد حيث كانوا قد اقروا كرسيهم بعد خراب المدائن. وسكنوا احياناً في مراغا. ثم تنقلوا من مكان الى آخر، الى ان بلغوا نواحي الموصل . فكانوا يسكنون تارة في دير مار أوجين بقرب الجزية العمرية، وطوراً في دير مار هرمزد بقرب القوش، احدى قرى الموصل، واحياناً في الموصل عينها. الى ان انقسمت كنيستهم عتدما رُسم يوحنا سولاقا ، احد رهبان دير هرمزد بطريركاً السنة 1533م، نتيجة التبشير اللاتيني المنتظم من الحملات الرهبانية البابوية والتحق بالكنيسة الكاثوليكية برئاسة بابا رومية.

(انظر تدوينتنا عن الآشوريين والكلدان في موقعنا هنا)

وضع كاتب نسطوري مجهول في غروب القرن 18م كتاباً وصف فيه كثيراً من كراسي الكنيسة النسطورية، المطرانية والاسقفية، وعدّد في كل منها عائلاتها وأساقفتها وكنائسها وأديرتها. أصدرته المطبعة الكاثوليكية ببيروت السنة 1909م.

الاوطيخية

نسبة الى اوطيخا، كان راهباً ورئيس دير كبير في القسطنطينية. تناهت اليه تعاليم نسطوريوس، فهب يقاومها، فتطرف في أقواله وتعاليمه، ووقع في نقيضتها، مؤكداً ان في المسيح طبيعة واحدة، وأنه لايشبهنا لأن طبيعتته الانسانية قد اضمحلت وذابت في طبيعته الالهية. فدعا الامبراطور مرقيانوس الى عقد مجمع في خلقيدونية، بقرب القسطنطينية السنة 451م، شارك فيه 500 اسقف ومطران اغلبهم شرقيون فحرموا اوطيخا وجددوا حرم نسطوريوس. وكانت صيغة التعبير اللاهوتي في ذاك المجمع تؤكد ان في المسيح طبيعتين كاملتين.

أيد مرقيانوس 450-457م وخليفته لاون 457-474م قرارات مجمع خلقيدونية، وناصرهما الارثوذكسيون (الملكيون) في البطريركيات الثلاث الاسكندرية والانطاكية والاورشليمية فنُسبوا الى الملك لذا نعتهم (تهكماً) الفريق المقابل بالملكيين اي اتباع الملك الذين انصاعوا الى معتقده الرسمي ورضخوا لمشيئته في خلقيدونية. ودعي خصومهم ب “المونوفيزيين” اي بموحدي الطبيعة في المسيح. ولكن بمؤازرة الملكين زينون(474-491م) وأنسطاسيوس(491-518م) أخذت تنو مقاومة لمقررات مجمع خلقيدونيةفي اديرة الجزيرة الفراتية وفي البيئات السريانية غير المتأثرة بالحضارة اليونانية، ونشأت الكنائس المونوفيزية رسمياً في عهد الامبراطور يوستنيانوس الاول (527-565م) على يد امرأته تيودورة حامية اصحاب العقيدة الواحدة فقد آزرتهم وساعدت على تمكينهم من نشر تعاليمهم خاصة في سورية وحاولت ان تجعل للمونوفيز كنيسة مستقلة. فقام يعقوب البرادعي اسقف اديسا (الرها) يرسم الاساقفة والكهنة وينظم شؤون الكنيسة السريانية اللاخلقيدونية. ما ادى الى تغلغلهم في بطريركيتي انطاكية والاسكندرية، فقامت كنيسة لاخلقيدونية مقابل الكنيسة الاصل الخلقيدونية ولكن اللاخلقيدونية تسلحت بالقومية وبالعداء للوجود الرومي ما مكنها من استقطاب جماهيري وهو ما مكن المسلمين من الدخول الى دمشق وسائر بلاد الشام بمساعدة السريان المونوفيزيين كما في مؤامرة القس يونان واتفاقه مع ابن الوليد وفتحه باب دمشق الشرقي للمسلمين طعنا باتفاق سرجون النصراني مع ابي عبيدة بن الجراح مقابل وعد ان لايمس الفاتحون اي من رعية القس وعائلته وكانوا حفنة في دمشق لايتجاوزون ال70 فيم انقض مقاتلو خالد الى البطش بالسكان فقضى في تلك الليلة 40000مسيحي ارثوذكسي دمشقي. ومثلها في معركة اليرموك حينما انحاز الغساسنة بقيادة جبلة وكانوا على مذهب اليعاقية السريان للمسلمين ضد ابناء ايمانهم الروم وذلك بحجة التحرر من الروم وعقيدتهم… وكذلك في بقية ارجاء سورية وحتى انطاكية…كما كانوا قد فعلوا حين اجتاح الفرس بين 618-619م سورية وساعدهم اللاخلقيدونيين المونوفيزيت القاطنون في كل تلك المقاطعات من تلك المناطق، وقبلوا الفاتحين الفرس بكل طيبة خاطر متأملين أنهم سيعيشون معهم، احراراً كما يعيش النساطرة في بلاد فارس حتى ان الفرس بعدما فتحوا القدس ونهبوا كنيسة القيامة وذخيرة الصليب المقدس  وذبحوا ستين الفاً من المسيحيين سكان اورشليم بمساعدة اليهود…

نرى كذلك قتال الارمن في جيوش المسلمين لفتح شرق آسية الصغرى ضد الروم والفرس…وكذلك في مصر بحيث ان وفق تأريخ دخول المسلمين الى مصربقيادة عمرو بن العاص انه لم يجد مقاومة تذكر الا في الاسكندرية وهذا طبيعي لأنها بنسيج هليني رومي…

 اي ان الخلاف العقيدي اكتسى اللباس الكنسي الوطني- القومي ضد الدولة الرومية وبالتالي ضد كنيسة الدولة اي كنيسة الروم  التي تدين بالرومية الخلقيدونية اي ضد الوجود السياسي والروحي الرومي (الخلقيدوني) في المنطقة وبالتحالف مع اعداء الدولة الرومية من فرس اولا ومسلمين ثانياً ومساعدتهم في فتح سورية وآسية الصغرى وارمينيا الفارسية لأنهم كانوا محررين لهم وفق رؤيتهم.

هنا يتوجب علينا التأكيد على عدم جواز الخلط  بين عقيدة الكنيسة الرومية الارثوذكسية وبين الدولة الرومية المتجذرة منذ عهد الاسكندر بالهلينية الرومية والرومانية بثقافتها اليونانية والرومية (البيزنطية) بيونانيتها وسورية وآسية الصغرى كلها يونانية اللسان وبعقيدتها المسيحية الرومية الارثوذكسية كما معظم الشعب في سورية. فالسوريون الارثوذكس وهم الاكثرية الساحقة في سورية الى حد الفرات كانوا روم ارثوذكس وفق العقيدة ولم يكونوا يونان في الجنسية وان كانوا بعقيدة رومية ارثوذكسية اي خلقيدونية.

في النتيجة لم يبق في آخر القرن 6م سوى بطريركيتي القسطنطينية واورشليم بكاملهما على الارثوذكسية، وان كانت نسبة متواضعة في الكرسي الانطاكي اختارت اللاخلقيدونية وكانت اكبر في مصر بانحياز المصريين الاقباط الى اللاخلقيدونية وشكلوا كنيسة قومية مقابل الكنيسة الام. كما فعل نظراؤهم اليعاقبة في سورية فأنشأوا كنيسة يعقوبية سريانية قائلين بسريانية سورية وانها موطنهم” سورية ارض السريان” بخلط غير مقبول بين الوطن وجنسيته والعقيدة وهو محل نقض فالسوريون (ونحن سوريون) بمعظمهم خلقيدونيون) مقابل كنيسة انطاكية الاصل بسورييها الروم والسريان الارثوذكس وهي الكرسي الانطاكي المقدس.

وصارت الكنيسة في فارس نسطورية، والكنيسة الارمنية مونوفيزية ولكن كنيسة جورجيا بقيت ارثوذكسية صرفة بجاثليق (كاثوليكوس) معين من البطريرك الانطاكي ويتمتع بصلاحياته البطريركية في جورجيا والقفقاز…

كما اوضحنا فان اللاخلقيدونيين او المونوفيزيين او اصحاب الطبيعة الواحدة هم اليوم الأقباط (الارثوذكس) والسريان (الارثوذكس) اليعاقبة نسبة الى مؤسس كنيستهم يعقوب البرادعي كما مر معنا، والارمن الارثوذكس او الغريغوريون نسبة الى غريغوريوس المنور…هم مع كيرلس الاسكندري وان قالوا بالطبيعة الواحدة ولكنهم يشجبون تعاليم اوطيخا، الا انهم يعترفون بأن المسيح كما هو اله كامل انسان كامل…

(هؤلاء خرجت منهم منذ القرن 16 وعلى التتابع كنائس ارتبطت بكرسي رومية ودانت بالكثلكة وبالتبعية لبابا رومية ومنهم الكلدان المنشقين عن الكنيسة النسطورية وتم ذلك نتيجة اختراقهم من قبل الحملات الرهبانية المنتظمة المجندة للكرسي الروماني وصار لكل من هذه الكنائس مجامع مقدسة وابرشيات وبطاركة مازاد في شرذمة الكرسي الانطاكي المقدس.)

بررالبعض بإن الخلاف بين الخلقيدونيين واللاخلقيدونية كان بسبب استخدام اللغة اليونانية في مجمع خلقيدونية (كما بقية المجامع) فوقع الخلط والخطأ في نقل المقررات الى لغاتهم الاصلية فأوقع هذا الخلل الفادح الذي شرذم الكنيسة الواحدة في المشرق، في الكرسيين الانطاكي والاسكندري مايعني مع هذا التبرير انه ليس من خلاف في المعنى الديني (على قولهم).!!!

 هذا التبرير محل نظر ونقد اذ هل من المعقول مضي زمان طويل من الخلاف 14 قرناً ونحن نلقي تبعة الخلاف الجوهري في العقيدة على عاتق الترجمة من اليونانية وهي لغة الانجيل المقدس والتبشير والانتشار والثقافة اللاهوتية بثقل معانيها الارثوذكسية العميقة الى اللغات المحكية…لننتبه الآن بعد هذه المدة الطويلة جداً ونقول ان المسيح اله تام وانسان تام بطبيعتيه ومشيئتيه…وان الحق كله كان على اللغة اليونانية والنقل منها للغات المحلية.

 الا اذا كان  المقصود من هذا التبريروهو استخدام اللغة اليونانية في المجامع المسكونية للتوفيق (حالياً) وهو سعي مشكور…لكنه كان كمن يغطي الشمس بالغربال.

اساس ونتيجة القصة هي بين الحاكم الامبراطورية الرومية والمحكوم  بعض الشعوب في سورية وفي مصر التي تتوق للتحرر من الحاكم…فخُلِط بين الجنسية والعقيدة وأعلن بعض الشعب ( الذي رأى نفسه محكوماً ومستعمراً في سورية وفي مصر انشقاقه عن الكرسي الانطاكي وعن الكرسي الاسكندري وأنشأ كنيسته الوطنية بلباس مذهبي!!!

البدعة المونوثيلية (او توحيد الارادة الواحدة في المسيح)

كانت الكنيسة الانطاكية بعقيدتها الارثوذكسية الجامعة تعَّلم ان في المسيح طبيعتين، الطبيعة الالهية والطبيعة البشرية وبالتالي مشيئتين الهية وبشرية

فقام نسطوريوس 380-440م بطريرك القسطنطينية، وعلم ان في المسيح اقنومين مختلفين. فدحضه أوطيخا378-455م مؤكداً الطبيعة الواحدة، اي اللاخلقيدونية، ومن ثم المشيئة الواحدة.

طرح الامبراطور هرقل (610-642م) للحفاظ على وحدة الدولة (تجاه اخطار الغزو الفارسي شرقاً، والآفار والسلاف يهددونها من الشمال. ومن الداخل كانت تسوده الفوضى)  طرحاً قصد منه التوفيق بين المذاهب المسيحية وبمحاولة اعادة اللاخلقيدونيين الى حضن الكنيسة. وسانده في ذلك بطريرك القسطنطينية سرجيوس الرهاوي (610-638م) (وهو من ابوين يعقوبيين بحسب رواية ثيوفانوس) متبنياً هذا الطرح. وكان سابقه الامبراطور يوستنيانوس الاول قد طرح الطرح ذاته لكنه اخفق، وكانت رغبته ان يلطف التعليم الخلقيدوني ليصبح مقبولا لدى اللاخلقيدونيين، فسلم بوجود الطبيعتين الالهية والبشرية في المسيح ولكن بمشيئة واحدة فجرد بذلك الطبيعة الانسانية من مفهومها الحقيقي ليجعلها آلة صماء.بحيث ان قسماً كبيراً من المونوفيزيت استعملوا العبارة التالية: ” لسنا نحن الذين اتبعنا المجمع الخلقيدوني ولكن اهل المجمع الخلقيدوني اتوا الى شركتنا باعترافهم بالطبيعة الواحدة عن طريق القول بالمشيئة الواحدة في المسيح”.

وهذا كان صحيحاً لأن المونوفيزية أُدخلت خلسةً الى الكنيسة الأرثوذكسية. وفرح هرقل فرحا عظيما لأنه استطاع على اساس التعليم العقائدي الجديد المذكور ان يوحد الكثير من المونوفيزيت الارمن والسريان الذين اعترفوا بالمجمع الخلقيدوني ونزعوا من التسبيح المثلث العبارة المونوفيزية المصلوب لأجلنا.

اول اعتراض على التعليم الجديد جاء من الراهب الدمشقي الاصل صفرونيوس السفسطائي الحكيم المولود في دمشق السنة 575م حيث تثقف وزاول مهنة المحامي وكان شاعراً فذاً وقد اغنى اللاهوت والادب الكنسي بمؤلفاته الكثيرة ولكن ماشغل باله بشدة كان مذهب المشيئة الواحدة. وقد شرطن بطريركا على اورشليم 634-638م  وهو البطريرك الاورشليمي صفرونيوس الدمشقي (الذي استقبل عمر بن الخطاب وسلمه مفاتيح اورشليم واخذ منه عهداً بحماية المسيحيين وكنائسهم و…)واسرع فأرسل رسائله السلامية الى البطاركة محرماً فيها هذه الهرطقة الجديدة.

ولكن مجيء المسلمين اوقف الى حين حركة المونوثيلية أيضاً.

وفي عام680-681م عقد في القسطنطينية المجمع المسكوني السادس في قاعة تروللو في القصر الملكي وقد حضره بطريرك انطاكية ثاوفينوس ومعه ستة مطارنة ابرشيات انطاكية وقرر رد القول بالمشيئة الواحدة…

وقد تبنى هذا القول الموارنة وانفصلوا عن انطاكية الارثوذكسية بعدما كانوا من المدافعين عن الارثوذكسيةونيجة دفاعهم هذا عن عقيدتهم الارثوذكسية تعرض رهبانهم لعنف شديد من اشقائهم رهبان الكنيسة اللاخلقيدونية السريانية، هؤلاء قبلوا هذا القول البدعة واقاموا بطريركية مستقلة خرجت عن الكرسي الانطاكي الارثوذكسي ويوحنا مارون بطريركاً عليهم عام 685م، وفي حروب الفرنجة اعلنوا خضوعهم لرومة البابوية سنة 1183م زمن البطريرك ارميا العمشيتي وكانوا بذلك اول كنيسة شرقية تعلن خضوعها لرومة وبذلك عادوا للخلقيدونية حيث ان روما بقيت في الوحدة الخلقيدونية مع الكنيسة الارثوذكسية بالرغم من الانفصال الكبير عام 1054م بين جناحي الكنيسة الجامعة الارثوذكسية والكاثوليكية وما استتبعه من احداثات لاتينية غربية قامت بها كنيسة رومية منفردة  قبلت بها الكنائس الشرقية الملتحقة برومية..

خاتمة بسيطة

بعد موجة الاضطهادات التي شملت الكنيسة عموما والانطاكية خصوصاً في القرون الثلاثة الاولى الا انها لم تفت في عضد الكنيسة بل ازداد المسيحيون استماتة في سبيل انتشارها فكانوا كحبة الحنطة التي تدفن في التراب لتنبت سنبلة بها عشرات الحبات وهذا ماتم ولكن الاخطار الداخلية التي ضربتها واهمها تسييس الانتماء خلال القرون الثلاثة اللاحقة هذه هي التي انهكت الكنيسة وكانت الشرقية الارثوذكسية كما المشرق وحده مسرح النزاعات الطويلة للذود عن عقيدتي الثالوث والتجسد وتوضيحهما. واما الغرب فلم يتدخل الا عن طريق السلطة الرومانية.

لاشك ان المضامين العقائدية في إثر تلك المنازعات قد ازدادت وضوحاً، الا ان الكنيسة في المشرق خرجت منها منهوكة ومنقسمة واتخذت شكل الكنائس القومية ما اضعف مسكونية الكنيسة الانطاكية… ولاتزال كذلك الآن لا بل زاد الضعف في القرون الخمسة الاخيرة بعدما زاد الانسلاخ والانشقاق بخروج كنائس من رحم امهاتها لتلتحق بنتيجة تبشير الارساليات الرهبانية اللاتينية البابوية بالكنيسة الغربية برئاسة بابا رومية، لتتلوه جائحة التبشير البروتستانتي فنشأت كنائس بروتستانتية صارت تتناسخ بشكل لافت مازاد في ضعف المسيحية عموما في مشرقنا بثقله الاسلامي والهزات السياسية التي ضُرب بها المشرق سورية ولبنان وفلسطين ومصر ما ادى الى تناقص المخزون البشري للمسيحيين في ماسمي “الربيع العربي” بخلفيته الدينية وتأثيره على المسيحية في سورية قتلا وخطفا وتدميرا للكنائس والاديار والوجود برمته مادفع نحو الهجرة المسيحية المكثفة مستذكرين التاريخ الاليم المتعاقب بنتيجة الاحداث الارهابية بحقهم وبحق مناطقهم وكنائسهم واحبارهم تلك المذابح المتعاقبة عبر تاريخهم خلال الفي سنة ما سرع في سيل الهجرة هرباً من هذا الواقع رغم ان الشرق موطن المسيحية في اورشليم ودمشق وانطاكية و…

لقد ضعف الاشعاع الروحي بالمنازعات الداخلية، وفقدت انطاكية والاسكندرية مركزهما الطليعي في الحياة الطقسية وحلت محلهما القسطنطينية مجسمة الارثوذكسية ازاء رومة اللاتينية.

من مراجع البحث

-كتابنا “زيارة البطريرك اغناطيوس الرابع الى انطاكية والاسكندرونة وكيليكيا” من مطبوعات بطريركية انطاكية وسائر المشرق1994

-خريسوستموس بابا دوبولس ” تاريخ كنيسة انطاكية” تعريب الاسقف استفانوس حداد من منشورات النور 1984

-د. اسد رستم” تاريخ كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى.

-موسوعة بطريركية انطاكية التاريخية والأثرية الاب متري هاجي اثناسيو طباعة دمشق 1997