الابن مات متنصّراً، والبنت زوجة النبي بأمرٍ سماويّ... أسرة آمنت بالإبراهيمية قبل بعثة النبي

الابن مات متنصّراً، والبنت زوجة النبي بأمرٍ سماويّ… أسرة آمنت بالإبراهيمية قبل بعثة النبي

الابن مات متنصّراً، والبنت زوجة النبي بأمرٍ سماويّ… أسرة آمنت بالإبراهيمية قبل بعثة النبي

 

عمّات النبي ست، بإجماع الروايات، ويذكر ابن حبان في “الثقات” أنهن “عَاتِكَة، وَأُمَيْمَة، وأروى، والبيضاء، وَهِي أم حَكِيم، وبرة، وَصفِيَّة”، وهو ما نجده عند ابن سعد في “الطبقات الكبرى”، مع اختلاف طفيف في الترتيب، وكذلك عند البيهقي في “دلائل النبوة”، الذي يختم حديثه اليسير عن العمّات بقوله: “وَلم يُسلم من عمات النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا صَفِيَّة، وَهِي وَالِدَة الزبير بْن الْعَوام، وَتوفيت صَفِيَّة فِي خلَافَة عمر بْن الْخطاب، فَهَذِهِ جَوَامِع مَا يجب أَن يحفظ من ذكر عمومة رَسُول اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وعمّاته”.

لكن، من بين العمّات الستّ، نجد أن في بيت أميمة بنت عبد المطلب، ما يجب أن يُحفظ، كونه يسترعي الانتباه. وفي الوقوف على مآلات أصحابه، واستعراض سيرتهم بشيء من التفصيل، كثيرٌ من الدّلالات الهامّة.

العائلة الموحِّدة قبل بعثة النبي

ما يُميز عائلة أميمة بنت عبد المطلب وأبنائها، أن كثيراً منهم وردت روايات بشأن إيمانهم بالديانة الإبراهيمية، قبل بعثة النبي محمّد، وهو ما أورده ابن إسحاق تفصيلاً، وخصّ بالذّكر الأمّ، واثنين من أبنائها، عبد الله وزينب ابنيْ جحش.

وقال ابن إسحاق: “وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْش: زيد بن عَمْرو بْن نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَسَدِ بْن عبد الْعُزَّى، وَعبد اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ، وَأُمُّهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُخْتُهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الَّتِي تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، حَضَرُوا قُرَيْشًا عِنْدَ وَثَنٍ لَهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُ لِعِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَلَا بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: تَصَادَقُوا وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بعض. فَقَالَ قَائِلهمْ: تعلمن وَالله مَا قومكم على شيء، لقد أخطأوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَخَالَفُوهُ، مَا وَثَنٌ يُعْبَدُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؟! فَابْتَغُوا لِأَنْفُسِكُمْ. فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ ويسيرون فِي الارض يَلْتَمِسُونَ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ”.

وعن ابن إسحاق، نقل المؤرخون القدامى والجدد، منهم ابن كثير في “السيرة النبوية”، وجواد علي في “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، وغيرهما.

العمّة أميمة… شاعرة رثت أباها قبل موته!

لم تنَل أميمة بنت عبد المطلب حظّها من الترجمة لدى النسّابيين، وجُلّ المذكور عنها يأتي في معرِض الحديث عن أبنائها والتعريف بهم، باستثناء طفيف في “معجم الشعراء العرب” للمرزباني، الذي جاء فيه: “إنها شاعرة جاهلية، طلب إليها والدها كما فعل مع أخواتها، أن ترثيه بأبيات ففعلت”.

وفي كتابه “سيرة صفية بنت عبد المطلب” يذكر جميل إبراهيم حبيب، بعضاً من الشّعر الذي رثت به أميمة أباها، قائلاً: “وقالت أميمة تبكي أباها: ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقد/ وساقي الحجيج والمحامي عن المجد/ ومن يؤلف الضيف الغريب بيوته/ إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد”.

أمّها هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وتزوجها في الجاهلية جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليفُ حرب بن أمية بن عبد شمس، وولدت له أميمة عبد الله، وعبيد الله، وأبا أحمد، وزينب، وحَمنة، ولكلّ واحد منهم سيرة تمتّ لمبحثنا بصلة بشكلٍ أو بآخر.

تلك الزيجة بالأمر الإلهي، جعلت زينب تتفاخر بها بين قريناتها من زوجاتها النّبي، كما أورد البخاري، فتقول: “زوَّجكنَّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات

عبد الله… صاحب أول راية في الإسلام

يُكنى أبا محمد، وهو أحد السابقين في الإسلام. هاجر إلى الحبشة، ثمّ عاد إلى مكة لما بلغ مهاجري الحبشة إسلام أهلِ مكة، وقال عنه ابن إسحاق: “إنه أول من قدِمَ المدينة من المهاجرين، وفيمن شهد بدراً، وآخى النبي بينه وبين عاصم بن ثابت”.

وبعثه النبي في سرّية وقال لأصحابها: “لأبعثن عليكم رجلًا أصبركم على الجوع والعطش”، ويروي الإمام أحمد في مسنده، أن سعداً بن أبي وقاص، قال: “فبعث علينا عبد الله بن جحش، فكان أوّل أمير في الإسلام، ورايته في تلك السرية، هي أول راية عُقدت في الإسلام، ونسبت إليه فيما بعد، فسمّيت سرية عبد الله بن جحش”.

عبيد الله… المتنصّر المتباهي بترك الإسلام!

الجدل الدائر حول عبيد الله بن جحش، ليس على نصرانيته من عدمها، لكن كلّ الخلاف منصب على ما آلت إليه نهايته، حيث يرى رهط من المؤرخين بأنه مات مُتنصّراً في الحبشة، وآخرون يجزمون بميتته على دين الإسلام.

قال ابن إسحاق في ذكره بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل: “وأمّا عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثمّ هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلمّا قدمها تنصَّر، وفارق الإِسلام، حتى هلك هناك نصرانياً”.

ويستطرد ابن إسحاق: “فحدّثني محمَّد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش، حين تنصّر، يمرّ بأصحاب رسول الله، وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقّحنا وصأْصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تبصروا بعد”.

لكن من يرى بأن عبيد الله بن جحش مات على الإسلام، يستند على قصة زواج النبي من أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، الزوجة السابقة لعبيد الله. ففي صحيح ابن حبان، عن عائشة أنها قالت: “هَاجَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِيَ امْرَأتهُ إلى أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الحَبَشَةَ، مَرِضَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، أَوْصَى إلى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَبَعَثَ مَعَهَا النَّجَاشِيُّ شُرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةٍ”.

ويقول موسى بن راشد العازمي في كتابه “اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون”: ” فَلَوْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَمَاتَ نَصْرَانِيّاً، لَمَا أَوْصَى بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إلى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَاصَّةً وَأَنَّهُ كَانَ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ، وَيَسُبُّ الإِسْلَامَ”.

أبو أحمد… الضّرير الذي ورث عن أمّه الشّعر

قيل إن اسمه عبد، والمذكور عنه أنه “أسْلَمَ مَعَ أَخَوَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم دَارَ الْأَرْقَمِ يَدْعُو فِيهَا”، وفقاً لما أورده ابن سعد في “الطبقات الكبرى”، وغيرُه من المؤرخين.

عُرف أبو أحمد بالشّاعر الضّرير، ويقول عنه ابن الأثير في “أسد الغابة”: “كان أبو أحمد شاعراً، وكان من السابقين في الإسلام”. ثمّ أورد خبراً عنه، مفادّه أنه كان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، ولما خلَت ديارهم بمكة، مرّ بِهَا عتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وَأَبُو جهل بن هِشَام، فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها لَيْسَ فيها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصّعداء، ثُمَّ قَالَ: وكلّ دار وإن طالت سلامتها/ يوماً ستدركها النكباء والحوب”.

يقول ابن إسحاق: “فحدّثني محمَّد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش، حين تنصّر، يمرّ بأصحاب رسول الله، …، فيقول: فقّحنا وصأْصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تبصروا بعد”

وكان أبو أحمد قد باع داره لأبي سفيان بن حرب، فأخذ يتلو ما تيسّر من الشّعر، قائلاً: “أَبَنِي أُمَامَةَ كَيْفَ أُخْذَلُ فِيكُمُ/ وَأَنَا ابْنُكُمْ وَحَلِيفُكُمْ فِي الْعَشْرِ/ وَلَقَدْ دَعَانِي غَيْرُكُمْ فَأَتَيْتُهُ/ وَخَبْأَتْكُمُ لِنَوَائِبِ الدَّهْرِ”.

ولما أصبحت دار بني جحش خلاءً من أهلها، قال أبو جهل: “وما تبكي؟ عليها؟” قَالَ: “ذَلِكَ عمل ابن أخي هَذَا، فرق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وقطع بيننا”.

وروى عنه ابن كثير في “جامع المسانيد والسُّنن” برواية مجاهد: “أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يطوف بالبيت وهو متكئ على أبي أحمد بن جحش، وأبو أحمد يقول: يا حبّذا مكة من وادي/ بها أهلي وعوادي/ بها أمشي بلا هادي/ بها تغرس أوتادي. قال فجعل رسول الله يعجب من قوله: (بها أمشي بلا هادي)”.

الابن مات متنصّراً، والبنت زوجة النبي بأمرٍ سماويّ... أسرة آمنت بالإبراهيمية قبل بعثة النبي
الابن مات متنصّراً، والبنت زوجة النبي بأمرٍ سماويّ… أسرة آمنت بالإبراهيمية قبل بعثة النبي

زينب… زوجة النبي بأمرٍ من فوق سبع سماوات

أكثر ما رُوي عن زينب بنت جحش، هما الروايتان الشهيرتان عن قصّتيْ زواجها، الأولى من زيد بن حارثة، ابن النبي بالتبني، ثمّ زواجها من النبي نفسه، بعد أن نزل بشأنها قوله تعالى: “وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً”.

تلك الزيجة بالأمر الإلهي، جعلت زينب تتفاخر بها بين قريناتها من زوجاتها النّبي، كما أورد البخاري، فتقول: “زوَّجكنَّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات”.

وفي الرواية التي أوردها البخاري ومسلم، عن عائشة أن النبي قال: “أسرعكنّ لحاقاً بي أطولكنَّ يداً. قالت: فكنَّ يتطاولن أيتهنَّ أطول يداً، قالت: فكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق”. وهو ما حدث بالفعل، فكانت أول زوجات النبي المتوفيات، ولحقت به عن عمر ناهز الثلاثة وخمسين عاماً على أرجح الروايات.

حَمنة… المستحاضة الخائضة في شرف عائشة

تكنى أمّ حبيبة، وهناك من يذكرها بأنها حبيبة، وكانت زوجة لمصعب بن عمير، الذي قتل عنها يوم أحد، ثمّ طلحة بين عبيد الله، ويقول عنها ابن الأثير إنها: “كانت ممّن قال في الإفك على عائشة رضي الله عنها. فعلت ذلك حمية لأختها زينب، إلا أن زينب -رضي الله عنها- لم تقل فيها شيئاً، فقال بعضهم: إنها جلدت مع من جلد فيه، وقيل: لم يجلد أحد، وكانت من المهاجرات وشهدت أُحداً فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى وتداويهم. روت عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وروى عنها ابنُها عمران بن طلحة”.

اسم حَمنة، شهير في كتب أهل الحديث خاصّة في باب الحيض، فتُذكَر دائماً بالمستحاضة ــالتي يستمرّ خروج الدّم بعد أيام حيضِها المعتادةــ وعنها روى ابنُها عمران، أنها قالت: “كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب، فقلت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها؟ قد منعتني الصّلاة والصّيام. قال: أنعت لك الكرسف (القطن)، فإنه يُذهب الدّم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجّمي (شدي خرقة على هيئة اللجام). قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتّخذي ثوباً. قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجّاً (أصبّ صباً): فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: سآمرك أمرين أيّهما صنعتِ أجزأ عنك (…)، وذكر الحديث”.

الابن مات متنصّراً، والبنت زوجة النبي بأمرٍ سماويّ... أسرة آمنت بالإبراهيمية قبل بعثة النبي
الابن مات متنصّراً، والبنت زوجة النبي بأمرٍ سماويّ… أسرة آمنت بالإبراهيمية قبل بعثة النبي

(رصيف 22  عادل حكيم)