رمز الاناركية

الأناركية – Anarchism

الأناركية – Anarchism

 

أناركى هى كلمة يونانية قديمة تعنى حرفيا لا حاكم أو لا سلطة…

ومصطلح لاسلطوية يقابل مصطلح anarchism بالإنكليزية وهو اشتقاق من  اليونانية( αναρχία ) التي تعني بدون حاكم أو ملك أو رئيس. اللاسلطوية كاتجاه سياسي يقوم على مبادىء اللاسلطوية، فهي تدل على مجمل الجمعيات والأحزاب السياسية التي تهدف لإزالة سلطة الدولة المركزية، لتعتمد في تنظيم أمورها على خدمات المتطوعين من كافة أعضاء المجتمعات . كما يمكن أن تشير هذه الكلمة إلى مفهوم اجتماعي فهي تشير إلى حركة اجتماعية تحاول إلغاء أي مؤسسة  سلطوية authoritarian institutions وبخاصة الدولة أي الحكومة.

يرفض اللاسلطويون بشدة ما يصفه بهم بعض المنظرين من أن اللاسلطوية anarchy مرادفة  للفوضى Disorder، الشواش Chaos،  العدمية nihilism أو  اللانظامية anomie، فهم يعتبرون المجتمع اللاسلطوي مجتمعًا  مضاداً للسلطة anti-authoritarian متناغم يعتمد على  التشارك الطوعي للأفراد الأحرار في التجمعات التلقائية  والادارة الذاتية self-governance لأمور المجتمع . وتتفاوت الآراء بين من يرى ذلك مجرد رؤية  طوباوية للمجتمع يصعب تحقيقها، وبين من يراها طريقة للخراب والفوضى المطلقة وهي وجهة النظر التي تجعل البعض يترجم اللاسلطوية على انها “فوضوية”، وبين من يرى هذه الرؤية والفلسفة الطريقة المثلى للتخلص من أخطار السلطوية المدمرة على المجتمعات والإنسان ويحاولون تبني اللاسلطوية لتقليص السلطات في المجتمعات قدر الإمكان .

مع هذا فإن كلمة “أناركي” Anarchy استخدمت كثيرا في الثقافة الغربية استخدامات كثيرة فقد استخدمت بمعنى المخربين والفوضويين، و لانعدم بعض المراجع التي تصفها بأنها : “أي فعل يستخدم وسائل عنيفة لتخريب تنظيم المجتمعات”، و في الحقيقة الكثير من المنظرين السياسيين يربطون اللاسلطوية (أو الفوضوية حسب رؤيتهم) بحب للفوضى و انعدام النظام حتى باستخدام العنف .

لكن في الحقيقة استراتيجية تبني العنف ليست متبناة من قبل جميع اللاسلطويين فالعديد من اللاسلطويين يرفضون استخدام العنف، في حين يؤيده البعض الآخر مسميا إياه “النضال المسلح”. كما إن النظريات حول كيفية بناء وتسيير المجتمع اللاسلطوي مختلفة ومتعددة.

الاصول والمقدمات

اللاسلطوية بالمعنى الحديث للكلمة تمتد جذورها في الفكر السياسي العلماني  لعصر التنوير، تحديدا ضمن فكر  روسو حول مركزية مبدأ الحرية  كلمة “أناركيست” استخدمت بمفهوم سلبي خلال  الثورة الفرنسية إلا أن بعض المصادر تذكر أن بعض المجموعات قد ذكرتها بمعنى إيجابي، حيث رأت أن مصطلح  جاكوبين حول “الحكومة الثورية” يتناقض في شروطه. في هذا الجو السياسي سيقوم  وليام كودوين بتطوير فلسفته التي ستعتبر التعبير الأول عن الفكر اللاسلطوي الحديث

و قد أستخدمت الكلمة طوال قرون فى الكتابات الغربية لتشير إلى حالة بلد أو إقليم جغرافى حال تفكك أو سقوط السلطة المركزية المسيطرة عليه مما يؤدى إلى صعود قوى مختلفة تتصارع للحلول محلها محدثة حالة من فوضى الحرب الأهلية و من ثم أصبحت الكلمة فى اللغات الأوروبية المختلفة مرادفة للفوضى.. ومع ذلك،فإن مؤيدي الفوضوية استخدموا المصطلح في أغلب الأحيان للإشارة إلى حالة طبيعية في المجتمع لا يخضع فيها الأفراد لرقابة القوانين التي من صنع الإنسان أو إلى أي مُسيطر خارجي. إن الرأي العام حول الأناركية يعادلها بالفوضى وعدم الاستقرار، في حين أن المعنى الحقيقي هو غياب السلطة. وقد عرف الفليسوف نيثان جون الأناركية بأنها “الإدانة والمعارضة العالمية لجميع أشكال السلطة المغلقة والقسرية والتأكيد العالمي على تعزيز الحرية والمساواة في جميع مجالات الوجود الإنساني”.

فى المقابل فإن الأناركية كنظرية و فكر سياسى و كحركة إجتماعية تبلورت لأول مرة فى النصف الثانى للقرن التاسع عشر فى إطار نشأة الحركات العمالية و الإشتراكية. و إتخذ بعض أوائل مفكريها مسمى الأناركية بمعنى اللاسلطوية إذ دعوا إلى أن ينظم المجتمع شؤونه ذاتيا دون تسلط لفرد أو جماعة على مقدرات و حياة غيرهم.

اللاسلطوية تعنى الغياب التام للسلطة و ليس تفكيك السلطة المركزية لسلطات متناحرة تحدث الفوضى فى المجتمع و هى تعنى إستبدال مؤسسات الدولة المركزية و الهرمية بمؤسسات شعبية أفقية – أى لا يكون فيه تراتبية هرمية – و شبكية – أى لا مركزية ترتبط كل منها بالأخرى للتكامل و لإدارة الموارد المشتركة و إتخاذ القرار فيما يخصها.

على المستوى النظرى ينشأ الإقتناع باللاسلطوية عن الإيمان بالحق الطبيعى لكل إنسان فى أن يكون هو وحده سيد مصيره دون غيره من البشر؛ بمعنى ألا يمتلك أى فرد أو جماعة من السلطة عليه ما يسمح لهم بتشكيل حياته رغم أنفه بما يفرض عليه ظروفا لم يكن شريكا فى إختيارها.

من خلال هذا المبدأ يمكن فهم موقف الأناركية الرافض للدولة كشكل من أشكال تنظيم شؤون المجتمع يقوم على تركيز السلطة فى أيدى أقلية تشكل خياراتها الظروف الحاكمة لمعيشة جميع أفراد المجتمع مما يعنى إستلاب حق الآخرين فى حرية إختيار ما يحقق مصالحهم الحقيقية و أهم من ذلك ما يحفظ حقوقهم الأساسية بدءا بالحق فى الحياة و حتى الحق فى السعى إلى السعادة. و من خلال المبدأ ذاته يمكن فهم حقيقة أن الأناركية نظرية و حركة إشتراكية فى الأساس و معادية للرأسمالية كنظام إقتصادى و إجتماعى يكون فيه لأقلية أن تسيطر على موارد المجتمع و على رؤوس الأموال فيه و من ثم تحتكر إدارة الإقتصاد بما يحقق مصالحها المتمثلة فى تحقيق أكبر ربحية ممكنة و مما يسلب الغالبية العظمى من حق إدارة الإقتصاد بما يحافظ على حصولها على حاجاتها الأساسية و حقوقها الإنسانية فى الغذاء و الكساء و المأوى و مما يحكم على هذه الغالبية بدرجات متفاوتة من الفقر يحرم أفرادها من حقهم الطبيعى فى تنمية قدراتهم إلى أقصى حد ممكن فيحرمهم و يحرم المجتمع كله من ثمار هذه القدرات.

ترفض الأناركية أيضا كل أشكال السلطة الممارسة داخل المجتمع فى مظاهر التمييز على أساس الجنس و العنصر و الدين إلخ. و ينبغى هنا توضيح أن الأناركية ترفض أن تمارس الدولة أو أى مؤسسة أى سلطة باسم الدين و لكنها لا تعادى الدين فى ذاته لأن حرية الإعتقاد و حرية ممارسة الشعائر الدينية تدخل جميعا فى إطار الحقوق الأساسية للفرد و المجتمع. على الأساس نفسه ترفض الأناركية، الفاشية القومية التى تسعى لتذويب الأقليات العرقية و قمع الإختلاف الثقافى و لكنها لا ترفض أو تتدخل فى الإنتماءات القومية و مشاعر الوطنية و الخصوصية الثقافية للجماعات البشرية.

البديل الذى يطرحه الأناركيون هو مجتمع من المنتجين. و يقصد بالمنتٍج كل فرد يبذل جهدا ذهنيا و بدنيا يترجم إلى قيمة إستعمالية مضافة لسلعة أو خدمة يستهلكها أفراد المجتمع. و يسيطر هذا المجتمع على جميع الموارد و وسائل الإنتاج المتاحة و يدير عملية الإنتاج فى المؤسسات الإنتاجية و الخدمية العاملون بها و تتخذ القرارات الأساسية بها الجمعيات العمومية بينما ينتدب بالإنتخاب أعضاء لجان و مجالس يؤدون وظائف محددة تكلفهم بها الجمعيات العمومية مع إمكان إستدعائهم بمعنى إلغاء إنتدابهم فى أى وقت. و بنفس نمط الإنتداب و التكليف و القابلية للإستدعاء تنتخب لجان و مجالس لإتحادات عمالية تنسق العمل فى كل قطاع إنتاجى أو خدمى على مستوى الأقاليم أو البلدان أو على أى مستوى آخر. و يوجه عملية الإنتاج فى مجملها سائر المجتمع من خلال الطلب المباشر على السلع و الخدمات و من خلال رقابته على جودة المقدم منها و سيطرته على توجيه الموارد إلى المؤسسات المختلفة.

فى المقابل يدير السكان فى مناطق سكنهم شؤونهم اليومية من خلال آليات مشابهة تبدأ بالجمعيات العمومية للمجاورات السكنية و بالقرى الصغيرة و تتوسع بمجالس إنتدابية للوحدات الأكبر فالأكبر.

هذا الطرح فى خطوطه العامة يستلهم نماذجه من تجارب فعلية للإدارة الذاتية مارسها العمال و السكان فى إطار الثورات الشعبية فى مختلف أنحاء العالم عبر التاريخ الحديث كما يبنى على التجارب الناجحة لتعاونيات العمال و تعاونيات العمال و المستهلكين القائمة اليوم فى بلدان مختلفة فى العالم. و هو فى النهاية ليس برنامجا تفصيليا حيث أن تفاصيل الآليات التى يدار بها المجتمع ذاتيا هى نفسها خاضعة لإختيار أفراد هذا المجتمع و ما يتوافقون عليه، و يجتهد الأناركيون فى طرح تصوراتهم لمثل هذه الآليات لإثبات إمكان وضع تصورات عملية و منطقية للكيفية التى يمكن بها للمجتمع أن يدير شؤونه دون الحاجة لسلطة.

يؤمن الأناركيون أن الوسائل لا تنفصل عن الأهداف التى تستخدم لتحقيقها و من ثم فإن بناء المجتمع الأناركى لا يمكن أن يتم بإستخدام السلطة و لا يمكن فرضه على المجتمع رغما عنه بأى سبيل، و لذلك يرفض الأناركيون السعى للإستيلاء على السلطة سواء كان ذلك عن طريق صناديق الإنتخاب أو عن طريق العمل الإنقلابى المسلح.

فى المقابل يؤمن الأناركيون بأن كفاح الطبقات الكادحة من عمال و فلاحين و مهمشين فى سبيل نيل حقوقهم هو المدرسة الحقيقية التى يتعلمون من خلالها سبل التعاون الفعال لإدارة كفاحهم ذاتيا و بذلك يكون نضالهم هو النواة الأولى لبناء المجتمع الأناركى فى قلب المجتمع الطبقى، و لذلك يسعى الأناركيون إلى طرح البديل التحررى لإدارة النضالات اليومية لهذه الطبقات و يدعمون مبادراتها الذاتية لخلق مؤسساتها النقابية و التعاونية. و ينخرط الأناركيون بنشاط واضح فى كل مظاهر الإحتجاج السلمى الموجهة للدفاع عن حقوق العمال أو المرأة أو الأقليات و الفئات المضطهدة فى المجتمع و كذلك الموجهة ضد العولمة و ضد تغول الرأسمالية العالمية على البيئة و تعريضها للجنس البشرى كله لكارثة بيئية حتمية إن إستمرت ظواهر الإحتباس الحراى و التلوث البيئى فى التمدد دون مجابهة جادة.

فى النهاية فإن الأناركية مقارنة بحجم إنتشارها المحدود تعتبر أكثر التيارات السياسية تعرضا للهجوم و التشويه و يعد الإتهام بممارسة العنف أكثر الإتهامات الكاذبة شيوعا عن الأناركيين رغم أن الحقيقة التاريخية تثبت أنهم أقل التيارات السياسية ممارسة للعنف و بفارق كبير عن غيرهم. و برغم أن الفئة الضئيلة من الأناركيين الذين آمنوا بأن أعمال العنف تصلح سبيلا لحفز الجماهير على الثورة عاشت و مارست عنفها فى بداية القرن الماضى ثم إختفت و لم يعد لها وجود بين تيارات الإناركية المعاصرة. و لا يمكن تبرير حجم التشويه الذى تتعرض له الأناركية إلا بأنها كغيرها من التيارات الإشتراكية المؤمنة بالثورة أى السعى للتغيير الجذرى للمجتمع تمنح البشر الأمل فى أن بالإمكان بناء عالم أفضل و أنه ليس عليهم الإستسلام لدعاوى ال5% من سكان هذا الكوكب المسيطرون على مصائره بأن فوضى إستغلالهم و إستبدادهم و حروبهم و الفقر الذى يفرضونه على الغالبية هى قدر محتوم لا سبيل للفكاك منه.

الإعلانات

يعتقد الأناركيون أن وجود السلطة هو السبب الرئيسي الذي سيؤدي إلى الفوضى والاضطراب داخل المجتمع، وبالتالي فإن الخطوة الأولى نحو تحقيق الاستقرار هي القضاء على السلطة.

الفوضوية هي قبل كل شيء عقيدة أخلاقية معنية بتعظيم الحرية الشخصية للأفراد في المجتمع.

تنشأ الفوضوية كأيديولوجية من كتابة بعض الفلاسفة الذين سيطروا على القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. المنظِّر الأناركي الأكثر شهرة هو ويليام جودوين الذي نشر كتاباً في نهاية القرن الثامن عشر An Enquiry concerning Political Justice and Its Influence upon General Virtue and Happiness. في هذا الكتاب قدم جودوين الأناركية كأيديولوجية لأول مرة. ويحدد جودوين الدولة بأنها المصدر الرئيسي لجميع العلل الاجتماعية. من أجل أن يعيش البشر بحرية وبشكل متناغم، جودوين يدعو إلى إنشاء مجتمع بلا دولة لم يعد الأفراد خاضعين فيه الاستغلال الاقتصادي من الآخرين.

يعتمد الأناركيون على التفرقة بين الدولة والمجتمع، فهم حريصون جداً على ذكر أنهم كيانان منفصلان. الدولة هي أداة اصطناعية اخترعها الأثرياء الأقوياء لقمع الفقراء والتلاعب بهم. وبالنسبة لهم، المجتمع هو تكوين طبيعي، وبالتالي ليس من الممكن أن يتطور الطبيعي ضمن سياق المصطنع و هو الدولة.

ولذلك من أجل تأسيس المجتمع الأناركي المثالي يجب تدمير الدولة لأنها كيان فاسد للحكام والمحكومين على حد سواء. فيتم إتلاف الحكام بالسلطة وفقاً للقوانين  التي تعمل بها الدولة، وبالتالي  تتدهور حالة المحكومين عن طريق الخضوع لهذه السلطة. وبذلك ينقسم المجتمع تحت الدولة إلى فئتين: فئة الحكام الظالمين، وطبقة من المحكومين المظلومين الضحايا.

بالنسبة إلى الأناركيين لا يوجد سبب وجيه لممارسة فرد ما سلطته على فرد آخر، ما يؤدي إلى الاضطهاد وقمع معتقداته وأفعاله، فهم يعتقدون أنه حيثما توجد قوة، سيكون هناك ميل إلى إساءة استخدام هذه القوة، أولئك الذين يجمعون السلطة في أيديهم سيميلون إلى استخدام هذه القوة لمصالحهم الخاصة والترويج لها وانتهاك مصالح الآخرين. ولذلك يعتقد الأناركيون أن الغاية الأساسية هي التخلص من الدولة وسلطتها. لتحقيق هذه الغاية، تميل النظريات الاجتماعية الأناركية الرائدة لانتقاد للدولة ومؤسساتها، الاقتصاد والدين.

الأناركية والدين

قام الأناركيون بمعارضة الدين بشدة؛وذلك لاعتقادهم أن الدين يعلم الناس انعدام المساواة السائد داخل المجتمع، وأن هذا التقسيم للناس إلى حكام ومحكومين، أغنياء وفقراء، أحرار وعبيد، هو نتيجة لإرادة الرب، وأن هذه الانقسامات ليست مصطنعة بل نتيجة لإرادة الرب، وبالتالي يجب على الناس أن يتحملوا بصبر هذه الفوارق، فقد أراد الرب هذا التفاوت كعقاب لخطيئة الإنسان، وبالتالي يجب على الناس أن يتحملوا بصبر هذه التفاوتات، فوفقاً لهم يعتبر الدين أكثر المؤسسات قمعاً لأنه مهدد للحرية الشخصية وعقبة أمام التقدم.

الأناركية والقانون

كان الأناركيون دائماًينتقدون القوانين؛ لأنها الأسلحة التي يستخدمها طبقة الأثرياء من أجل تحقيق مصلحتهم. فهم يعتقدون أن القوانين تنتهك المساواة كقيمة، وذلك من خلال سن القوانين وفرضها على الآخرين. كما يعتقدون أن القوانين تنتهك حرية الفرد كقيمة. كما في هذا السياق،يرون أن الحرية هي قدرة الفرد على فهم وتحديد ماهية العدالة. أنا حر عندما أتمكن من تحديد ماهية العدالة. على سبيل المثال، إذا رأيت من العدالة ألا تضع حزام الأمان، فلا ينبغي أن أضع حزام الأمان. عندما تكون ضمن نظام معين يسمح للقلة بفهم وتحديد ماهية العدالة، وتجسيدها في قانون معين، ويتعين علينا جميعاً الالتزام بهذا القانون، فهذه الألغام التي تنتهك حريتنا.

ومن المهم أيضاًالإشارة إلى مفهوم الإرادة الحرة والمسؤولية. فالأناركيون يقولون إن القوانين التي صنعها الإنسان تستند إلى فلسفة العقوبة التي تستند إلى مفهوم الإرادة الحرة والمسؤولية. وإن جميع القوانين تضع جريمة  وتنص على معاقبة هذه الجريمة. 

تستند فكرة الإرادة الحرة إلى حقيقة أن الناس أحرارٌفي اختيار تصرفاتهم. وعندما يقرر شخصٌ ما ارتكاب جريمة، فهذا يعني أن الشخص حرّ في ارتكاب الجريمة. ولأن هذه الجريمة مظهرٌ من مظاهر الإرادة الحرة، فإن هذا يعني أن الشخص مسؤول عن هذا الإجراء وبالتالي يجب معاقبته، وهذا غير عادل لأن الأناركيين يؤمنون بالحتمية الاجتماعية. ويقولون إن مفهوم الإرادة الحرة والمسؤولية هو وَهْم. عندما يختار الناس القيام أو عدم القيام بعمل معين فإنهم لا يفعلون ذلك بدافع من الإرادة الحرة، لكنهم مجبرون من الظروف المحيطة للقيام بذلك أو عدم القيام به، وبالتالي فإن الأمر لا يقتصر على معاقبتهم على فعل لم يختاروه بحرية. البيئة تجبر الناس على التصرف، وهذا هو السبب في أن القوانين التي يضعها الإنسان لا تمنع الناس من ارتكاب الجرائم. 

طالما أن العقوبة لم تردع الناس عن ارتكاب جرائم،فهذا يعني أن الناس لم يكن لهم مطلق الحرية. الحل إذاًليس في صنع القوانين بل في تغيير البيئة، لتغيير هذه البيئة القمعية وتحقيق الطبيعة الجيدة للفرد.

الأناركية والملكية الخاصة

هاجم الأناركيون بشدة مؤسسة الملكية الخاصة التي يعتقدون أنها مؤسسة استبدادية قمعية تقسّم الناس إلى أولئك الذين يملكون والذين لا يملكون، وهذا الانقسام غير مبرر وفقاً لذلك، إنه أمر مصطنع وغير طبيعي. مثل الماركسيين تمكّن الأناركيون من رؤية التناقضات ومفارقات رأسمالية وتعايش الثروة القصوى مع الفقر المدقع والبؤس في نفس الوقت. وهم يُرجعون هذه التناقضات والمفارقات إلى وجود مؤسسة الملكية الخاصة، حيث يستمد مالك رأس المال الخاص من استغلال عمّاله، ولأن عملية الاستغلال هذه ضرورية لتشغيل النظام الرأسمالي وهذا هو سبب استمرار الرأسمالي في استغلال عمّاله من أجل إنهاء عملية الاستغلال هذه، يتعين عليهم إلغاء مؤسسة الملكية الخاصة. وتؤمن الأناركية بالملكية الجماعية لوحدات الإنتاج التي يعمل عليها العمال.

الأناركية والعلاقات الدولية

تركز الأناركية ونظرية العلاقات الدولية بشكل أساسي على فكرة الفوضى. فالفوضى بالنسبة للأناركيين حالة طبيعية مرغوبة يتم بناؤها ودفعها بشكل واعٍ، أما بالنسبة لمنظّري العلاقات الدولية -وبالأخص النظرية الواقعية- فإنها حقيقة مستقرّة، مادية للحياة الدولية. واحدة من أهم كتابات الأناركيين في العلاقات الدولية كانت أعمال بيير جوزيف برودون. كتابات برودون حول السياسة الدولية، التي وردت في ستة من آخر ثمانية، واحدة من النهج الأناركية الوحيدة للسياسة الدولية. يجادل برودون بأن الفرد والمجموعة مصونان مثل بعضهما البعض، وأنه ليس للمجموعات أو الأفراد الحق في السيطرة على الآخر، أو بعضهم البعض. وبالتالي، ليس للدولة الحق في السيطرة على جميع المجموعات الأخرى. لأن هيمنة الدولة على كل من الأفراد والجماعات غير عادل. هذه الحجة السياسية مهمة ومعروفة، لكن نظرية المجموعات الاجتماعية تدعم بشكل جذري تغير الطريقة التي نفهم بها السياسة الدولية. وهكذا رأى برودون أن الفوضى هي الإطار الذي يضمن حرية أفضل لجميع المجموعات، وليس فقط الحكومة، وأفضل ضمان أن المجموعات تقيد بعضها بعضاً وتمكّن بعضها البعض. الأناركية تصبح مظهراً وترشيداً للعدالة في هذا السياق.

وليام گودوينطبقا لبيوتركوبروكتين، كان  وليام كودوين في كتابه تساؤلات بخصوص العدالة السياسية (جزءان ، 1793)، هو “أول من صاغ المصطلحات السياسية والاقتصادية للاسلطوية، مع أنه لم يسم الأفكار التي طورها في عمله”  كان شعور گودوين أن الشيطان في الإنسان (الجانب السيء للإنسان) هو نتيجة الخراب المجتمعي وتدريجيا تغيرت نظرته تجاه “الحكومة” فاعتبر اخيرا أن “الحكومة بطبيعتها معارضة و معاكسة لأي تطور للعقل البشري”كان گودوين يعتبر أي تمييز على أي أساس كان أمر غير محتمل و غير مقبول . اشتهر غودوين أيضا بأنه زوج إحدى اوائل  مفكري الانثوية ماري وولستونكرافت ، وابنته  ماري مؤلفة رواية  فرانكشتاين.

بيير-جوزيف برودون

پرودون وأطفاله، بريشة غوستاف كوربية، 1865

بيير جوزيف برودون يعتبر بشكل عام أول من أطلق على نفسه لقب “أناركيست” (لاسلطوي) ، هذا المصطلح قام برودون بتكييفه و استخدامه في عمله [[[ما هي الملكية؟|ما هي الملكية]] What is Property? . لهذا السبب يعتبر البعض پرودون المؤسس لنظرية اللاسلطوية الحديثة . طور پرودون نظرية  الترتيب التلقائي spontaneous order في المجتمع ، حيث تنشأ المنظمات بدون سلطة مركزية، أي بشكل “لاسلطوية إيجابية” تنشأ عندما يقوم كل فرد بما يحب القيام به فقط لصالح خدمة المجتمع بكل ما فيه .” He saw anarchy as:

إنه شكل من أشكال الحكومات أو الدساتير (المواثيق الجمعية)، يكون فيه الوعي الخاص و العام، المتشكل عبر تطور العلوم والقانون، كافيا وحده للحفاظ على ترتيب العمل والحفاظ على كل الحريات. في هذا النظام الجديد، تتقلص المؤسسات السياسية ومؤسسات الشرطة والطرق القمعية والترهيبية والمناصب الحكومية الخ. لتختفي المركزية الشديدة، وتستبدل الحكم الأحادي بمؤسسات فدرالية وأنماط من الحياة مبنية على  الكميونة.

كانت معارضة برودون  للرأسمالية ، و الدولة و الدين المنظم هي الأفكار الموحية لمن تلاه من اللاسلطويين ، مما جعل منه أحد قادة الفكر الاشتراكي في عصره . مع ذلك فقد كان معارضا لأفكار ” الشيوعية ، سواء كانت ذات طبيعة طوباوية أو التنويغات الماركسية لفكرة الشيوعية . وكان انتقاده الأساسي لها هو تحطيمها لفكرة الحرية و إنكار حرية المرء في التحكم بوسائل إنتاجه الخاصة .”

اللاسلطوية كحركة اجتماعيةاللاسلطوية الفردية لا تمثل في النهاية أغلبية ضممن إطار اللاسلطويين ، فغالبية اللاسلطويين يفضلون نوعا من المدرسة الجمعية collectivism او المجتمعانية communitarianism . غالبا ما يسود في أوساط اللاسلطويين دفاع عن المدرسة الجمعية و الثورات العنيفة و ذلك منذ أيام الدولية الاولى و حتى اضمحلال الحركة اللاسلطوية و خسارتها في الحرب الأهلية الاسبانية.

الحركة الدولية الأولى

ميخائيل باكونين 1814-1876

في أوربة، أعقب ثورة 1848 نوع من المواجهات العنيفة، بعد عشرين عاما في عام 1864 تشكل  تجمع العمال الدولي الذي يعرف لاحركة الدولية الأولى ‘First International’ والتي وحدت عدة تيارات ثورية أوروبية متنوعة، بمن فيهم أتباع برودون في فرنسا،  وبلانكويست Blanquists واتحاديو تجارة بريطانيا،الاشتركيون والديموقراطيون الاشتراكيون. كانت نتيجة الارتباط الذكي بين هذه المجموعات والحركات العمالية الفعالة أن اسم the International أصبح اسما مميزا لمنظمة مميزة.

شعار المجلس الفبدرالي الإسباني لاتحاد العمال الدولي.

أصبح كارل ماركس لاحقا شخصية قيادية ضمن الاتحاد الدولي وعضوا في مجلسه العام. لكن هذا قاد لاعتراض أتباعبرودون التبادليون على نظرية اشتراكية الدولة state socialism لماركس ، مدافعين عن الملكيات الخاصة الصغيرة والحريات السياسية. في عام1868 انضم ميخائيل باكونين متحالفا مع القسم الاشتراكي المعادي للسلطوية من الاتحاد الدولي، مدافعا عن الرفض الثوري للدولة و تجميع الملكية. بداية كان تحالف الجمعيين مع الماركسيين لدفع الاتحاد الدولي باتجاه اشتراكي ثوري. لكن لاحقا زاد هذا الأمر من استقطاب الاتحاد إلى مخيمين أو فرقتين، فرقة تؤيد ماركس وفرقة تؤيد باكونين، أصبح ماركس وباكونين شخصيتين قياديتين تتزعمان الطرفين المتنازعين.

كثيرا ما وصف باكونين أفكار ماركس بأنها سلطوية authoritarian و تنبأ بأن حزب ماركس إذا وصل للسلطة، قإن قياديها سيحلون مكان الطبقة الحاكمة ruling class التي حاربوا ضدها.  في عام 1872، أدي النزاع أخيرا لانفصال نهائي وكامل بين المجموعتين، عندما نظم ماركس إقصاءا لباكونين  وجيمس كيوم James Guillaume من الاتحاد الدولي ضمن مجلس لاهاي (Hague Congress) ونقل الأقسام الرئيسية للاتحاد إلى  نيويورك. نتيجة ذلك كان تجمع القسم المعادي للسلطوية مشكلين اتحادهم الخاص ضمن مجلس سانت ايمير St. Imier Congress، متبنين لبرنامج لاسلطوي ثوري.

اللاسلطوية و تنظيم العمال

اللاسلطوية في اسبانيا

كان القسم المعادي للسلطوية ضمن الاتحاد الدولي طليعة ما سمي لاحقا (التعاونية اللاسطوية) ، متطلعين “لاستبدال صلاحيات و قدرات الدولة” “بمنظمة عمل حرة و عفوية الأداء”

تشكل في فرنسا عام 1895 التجمع العام للعمل General Confederation of Labour, CGT), بالفرنسية Confédération Générale du Travail بعد تشكل فدرالية العمال الإسبان (Spanish Workers Federation) في عام 1881 . الخطوة الأكثر نجاحا في إسبانيا كانت تشكل التجمع الوطني للعمل (National Confederation of Labour: CNT ) بالإسبانية : Confederación Nacional del Trabajo عام 1910. قبل الأربعينات كان CNT أهم عامل في تحديد سياسات الطبقة العاملة في إسبانيا كما لعب دورا أساسيا في الحرب الأهلية الاسبانية . اندمج سي.إن.تي مع الاتحاد الدولي للعمال International Workers Association المتشكل عام 1922 و الذي أصبح يمثل أكثر من 2 مليون عاملا من خمسة عشرة دولة في أوروبا و أمريكا اللاتينية.

أكبر منظمة عمل لاسلطوية حاليا في إسبانيا هي Confederación General del Trabajo أو (CGT) إضافة لCNT .

الثورة الشيوعية الروسية 

ساهم اللاسلطويون الروس مع  البلاشفة في ثورتي فبراير وأكتوبر، و دعم الكثير من اللاسلطويين تسلم البلاشفة للحكم في البداية . لكن البلاشة سرعان ما انقلبوا على اللاسلطويين و المعارضات اليسارية مما ادى لنزاع تجلى في اضطرابات كونشتادت 1921 . تم سجن اللاسلطويين في روسيا الوسطى أو اقتيدوا في زنزانات تحت الأرض أو اجبروا على الانضمام للبلاشفة المنتصرين . في  اوكرانيا قاتل اللاسلطويون في  الحرب الاهلية ضد البيض و أيضا ضد البلاشفة كجزء من جيش الفلاحين الماخنو تحت قيادة  نيستور ماخنو.

اللاسلطويون الأمريكان المنفيون اما كولدمان والكسندر بيركمان كانوا من بين المحتجين على سياسات البلاشفة وقمع انتفاضة كرونشتادت، قبل أن يغادروا روسيا. كلاهما ألفوا لاحقا متحدثين عن خبرتهم في روسيا راغبين في فضح وكشف التحكم البلشفي السلطوي. بالنسبة لهم كانت تنبؤات باكونين حول تبعات و نتائج حكم الماركسيين قد ثبتت صحتها بدون جدال. 

انتصار البلاشفة في ثورة أكتوبر و ما تلاها من الحرب الاهلية الروسية أضرت لاحقا كثيرا بالحركات اللاسلطوية دوليا. فالعديد من العمال و الناشطين رأوا أن نجاح البلاشفة وضع مثالا يحتذى: نتيجة ذلك كان نمو الحزاب الشيوعية على حساب الأحزاب اللاسلطوية و غيرها من الحركات الاجتماعية. في فرنسا مثلا والولايات المتحدة، الحركات التعاونية (النقابية) الرئيسية  باتوا ينأون بنفسهم عن اللاسلطوية باتجاه التقرب من  المنظمة الشيوعية الدولية Communist International أو ما يدعى (Comintern). .

النضال ضد الفاشية

في اسبانيا

في العشرينات و الثلاثينات ، كانت الديناميات المألوفة لللاسلطوية و تنازعاتها مع الدولة قد تحورت إلى شكل نهوض و مقاومة  الفاشية في أوربة شهدت إيطاليا النزاع الأول مع الفاشية. لعب اللاسلطويون دورا بارزا في المنظمة المعادية للفاشية Arditi del Popolo. هذه المجموعة كانت الأقوى في المنطقة من حيث ممارساتها اللاسلطوية وقد حققت إنجازات وانتصارات عديدة، منها دحر  القمصان السوداء في مرحلة سيطرة اللاسلطوين على بارما في أغسطس 1922 . في فرنسا ، بينما كان الفاشيون يقتربون من النصر في اضطرابات فبراير 1934 ، توزع اللاسلطويين على ما دعي بالجبهة الموحدة .  في إسبانيا ، رفض CNTمبدئيا الانضمام للتحالف الانتخابي للجبهة الشعبية و عدم تصويت أنصار سي.إن.تي قاد لانتصار الجناح اليميني.لكن عام 1936 تغيرت سياسة سي.إن.تي و صوت اللاسلطويون لصالح الجبهة الشعبية popular front معيدين إياها إلى السلطة . بعد أشهر ، حاولت الطبقة الحاكمة القيام بانقلاب سرعان ما أدى لنشوب الحرب الاهلية الاسبانية (1936 – 1939) .