شعار بطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس

المطران سيماون أسقف مرمنيثا (١٦١٢-١٥٩٧م) مدبراً لأبرشية حلب…

 المطران سيماون أسقف مرمنيثا (١٦١٢-١٥٩٧م) مدبراً لأبرشية حلب…

من اعلام الكرسي الانطاكي المقدس
يقول البطريرك مكاريوس ابن الزعيم في كتابه “المجموع اللطيف”(1)
“أنّه بعد وفاة المطران مكاريوس بن خلف، انشق الحلبيين  وصاروا فرقتين، وانتدبو اثنين للأسقفيّة. فلأجل ذلك أبطل عزمهم المرحوم البطريرك يواكيم بن زيادة، وأحضر لهم سيماون أسقف مرمنيثا (2) ليدبّرهم. وأقام في حلب خمس عشرة سنة، وذهب إلى مرمنيثا، وهناك تنيّح”.

إذن نحن امام رأيين
 الرأي الأول لسنا ندري هل نُصّب المطران سيماون هذا مطراناً أصيلاً على حلب، أم قام فقط بتدبير أبرشيّة حلب الشاغرة فترة طويلة من الزمن، بصفة مدبر بطريركيّ بالنيابة عن بطريرك انطاكية وسائر المشرق ومقره في دمشق.

الرأي الثاني يبدو لنا الأرجح، استناداً إلى التعابير التي يستعملها البطريرك مكاريوس بن الزعيم ، وإلى كون  الأسقف سيماون المذكور هذاعاد في آخر عمره إلى مرمنيثا /أي مرمريتا/،  اي الى مقر كرسي مطرانيته الأصليّ، وفيه مات ودُفن.
وفي مكان آخر من “المجموع اللطيف”، يتحدّث البطريرك مكاريوس ابن الزعيم عن وضع أبرشيّة حلب في مطلع القرن السابع عشر حيث يقول

البطريرك مكاريوس بن الزعيم
البطريرك مكاريوس بن الزعيم

 “لم يكن وقتئذٍ على مدينة حلب رئيس كهنة مختصّ بها، لكنّ كان ناظراً عليها سيماون أسقف مرمنيثا المغبوط من قبل المرحوم يواكيم البطريرك ابن زيادة”، أعني به البطريرك الأنطاكي يواكيم السادس ابن زيادة الذي شغل الكرسيّ البطريركيّ من سنة ١٥٩٣ حتّى سنة ١٦٠٤” . 
أمّا تاريخ تولّيه أبرشيّة حلب وتاريخ انسحابه منها فنستلخصهما من قول البطريرك مكاريوس ابن الزعيم بأنّ  المطران سيماون المذكور دبّر كرسيّ أبرشيّة حلب مدّة خمس عشرة سنة كمدبر بطريركي، علماً بأنّ خلفه المطران ملاتيوس كرمه رُسم متروبوليتاً على حلب يوم ١٢ شباط سنة ١٦١٢ ، كما سنرى. فيكون سيماون المرمنيثيّ دبّر أبرشيّة حلب من سنة ١٥٩٧ حتّى سنة ١٦١٢ م .
وقد حاولنا أن نعرف شيئًا عن سيماون هذا أسقف مرمنيثيا، فلم نتوصّل حتّى الآن إلاّ إلى مجرّد افتراضات تحتاج إلى تمحيص ومزيد من التنقيب.
منها  إنّ  حبيب الزيّات، في كتابه “خبايا الزوايا من تاريخ صيدنايا” كما افترض مغالطات لاتحتمل، ترك فيه شكاً  بان سيماون هو ذاته اسقف صيدنايا كان متسقفاً على مرمريتا …! وعلى ذلك أفرد فصلين لأسقفين لصيدنايا عُرف كل منهما باسم سيماون: الأوّل كان أسقفاً لصيدنايا  في الفترة من سنة ١٥٦٥ حتّى سنة ١٥٨٠ ،ثمّ خلفه على كرسيّ صيدنايا أسقف آخر باسم أثناسيوس من سنة ١٥٩١ حتّى سنة ١٦٠٤، والآخر، وهو سيماون بن الخوري شحادة من قرية داريّا بجوار طرابلس، كان أسقفاً لصيدنايا من سنة ١٦٠٤ حتّى سنة ١٦٣٥. وقد افترضنا (والقول هنا  لمطران حلب للروم الكاثوليك ناوفيطوس ادلبي بكتابه عن اساقفة حلب الملكيين) وقتاً ما أن أحد هذين الأسقفين المدعوّين سيماون كان أيضاً أسقفاً على مرمنيثا، وتعيّن لإدارة أبرشيّة حلب الشاغرة بوفاة مطرانها مكاريوس بن خلف.

“لكنّ افتراضنا…” كما يقول المطران المذكور /ونحن قلناه معه/  لم يثبت لسببين

السبب الاول أنّ مرمنيثا غير واقعة بجوار صيدنايا، فلا يجوز دون برهان جازم القول بأنّ أسقفاً واحداً كان يرأس كلتا الأبرشيّتين، صيدنايا ومرمنيثا والفارق الجغرافي بينهما شاسعاً !!! فصيدنايا تقع في منطقة القلمون بريف دمشق، ومرمريتا هي حاضرة وادي النصارى في عكار السورية.

ديرسيدة صيدنايا قديماً
ديرسيدة صيدنايا قديماً

السبب الثاني هو أن فترة تولّي سيماون أسقف مرمنيثا تدبير أبرشيّة حلب الشاغرة تمتدّ من سنة ١٥٩٧ حتّى سنة ١٦١٢، بينما نعلم أنّ سيماون الأوّل كان قد توفّي سنة ١٥٩٧م، وأنّه في تلك السنة عينها لم يكن سيماون الآخر قد تبوّأ كرسيّ صيدنايا، فضلاً عن أنّ أحد الاثنين لم يضف قطّ، في حواشي المخطوطات التي أوردها حبيب الزيّات، لقب أسقف مرمنيثا على لقبه الأصليّ “خادم كرسيّ صيدنايا”. لذلك فان الاتكاء على فرضية الزيات غير وارد اطلاقاً. 

في النتيجة
امام هذه الفرضية التي حاول الزيات في خباياه الاعتماد عليها كما فعل بافتراض افتراءات غيرها ينسبها الى روايات شفهية مضى زمان طويل على موت اصحابها ( وليس اسهل من الكذب على السنة الاموات) كشهادة حرق المخطوطات في فرن دير سيدة صيدنايا (على لسان راهبة من الديرفي منتصف القرن 19) والقضاء عليها لمجرد كون المخطوطات بالآرامية لسحب الذرائع من السريان بالمطالبة بالدير كما ادعى…!( علما انه في الوقت المنسوب لهذه الحادثة كان عدد السريان قليلاً جداً في المنطقة الواقعة في سورية غرب الفرات، وخاصة في دمشق وحدها حيث لايوجد اي سرياني العقيدة في اريافها، ولكن اللغة الآرامية بالأساس هي لغة الشعب المسيحي الارثوذكسي ولغة كنيسته الرومية الارثوذكسية الخلقيدونية اضافة الى اللغة العربية بعدما حظر الفاطميون والمماليك على الشعب التحدث باليونانية وتعلمها وهي لغتهم الاصيلة، وحظرواعلى الكنيسة الارثوذكسية  تعليمها للاكليروس والصلاة بها في بطريركيات انطاكية والاسكندرية واورشليم بعد المعارك الطاحنة مع امبراطورية الروم البيزنطيين والانتصارات التي حققتها الاخيرة على الفاطميين وذلك تحت طائلة الاعدام ماسرع ارباب الكنيسة الارثوذكسية الخلقيدونية الرومية بتعريب الليتورجيا من اليونانية التي كان قد بدأها الشماس عبد الله بن الفضل الانطاكي في منتصف القرن الحادي عشر لمنفعة الشعب الارثوذكسي في دائرة بلاد الشام كلها  الواقعة غرب الفرات (كانت اليونانية هي لغة الحواضر والمدن والسواحل بينما الآرامية لغة الارياف) وأساساً ليس من عداء بين السريان والمسلمين فالسريان ساعدوا المسلمين على فتح دمشق بالقوة من الباب الشرقي وفي معركة اليرموك وتقربوا من المسلمين واعتنق الكثيرون منهم الاسلام للخلاص من الجزية)، بعكس الارثوذكسيين الذين هم محسوبون بحسب عقيدتهم فقط (العقيدة وليست القومية) على الدولة البيزنطية العدوة للمسلمين من جانب، ولكونها من جانب آخرهي اللغة الشعبية الاساس في الارياف والداخل منذ فتح  الاسكندر والرومان والروم في الارياف الشامية بما فيها الفلسطينية، وصارت لغة الكنيسة الارثوذكسية التي تشتمل على السواد الاعظم من المسيحيين وكانت الارياف والداخل يصليان بها… فهي لغتهم المحكية والبعض منها مكتوبة بالحرف العربي ولاتزال هي لغة سكان منطقة القلمون ويتحدث بها المسلمون ( واصلهم مسيحيون…) وهم الغالبية العظمى من السكان وحتى وقتنا الحاضر كما  القلة المسيحية المتبقية في معلولا تتحدث بها…

وفي دائرة المخطوطات البطريركية في بطريركية انطاكية وسائر المشرق الارثوذكسية العديد من المخطوطات الليتورجية الارثوذكسية بالآرامية والسريانية والكرشونية… ومخطوطات ليتورجية ارثوذكسية غيرها مختلطة بين الآرامية… والعربية المتقابلة في الصفحة الواحدة  مع بعض المفردات اليونانية غيرها…

بكل اسف فإن التعصب الشديد عند حبيب الزيات في كتابه الافترائي بحق الارثوذكسية”خبايا الزوايا في تاريخ صيدنايا” و كتاب “خزائن الكتب…” دفعه الى محاولة تزييف الحقائق التاريخية والروحية للكنيسة الارثوذكسية  لتعصبه الشديد ضدها وضد اربابها كأمثاله الخارجين من رحمها والمرتدين عنها،  وقد ملأوا الكتب حينذاك بافتراءاتهم القياسية على امهم الكنيسة الارثوذكسية واشخاصها وتعليمها على مبدأ شدة بغض المرتد عن دينه… هذا البغض الذي تحلى به هؤلاء المرتدون وقتئذ وبنى عليه الكثيرون من خلفائهم، وزادوا عليه في كتابة الافتراءات بحق الكرسي الانطاكي وخلط الحقائق بمغالطات كثيرة…

لقد ابدع حبيب الزيات في كتبه :”خبايا الزوايا…” و”خزائن الكتب في…” في فبركة الافتراءات بحق الكنيسة الارثوذكسية كمرتد عنها وباغض لها… فأوقعها باتهامات مفترضة مغرضة لا اساس لها من الصحة والعقلانية البعيدة عن الحقائق ماترك الجدل قائما حولها وحتى الآن بدون ادنى مصداقية علمية وواقعية، والحيادية والعلمية والموضوعية هي السمة الاساس في المؤرخ وكاتب التاريخ حتى لو ناقضت انتماءه ومعتقده…

وامام دحض ما سَّوقه عن سيماون وتركه عند الباحثين من شهادة واقعة في دائرة الشك كسيماون مطران صيدنايا ومرمريتا وتدبيره ابرشية حلب، ونرد عليه بالقول بأن تماثل الاسمين هو محض صدفة ونسأله هل كان بطرس مثلاً هو الوحيد في الكنيسة او بولس او برنابا او…؟ ولكن للدقة اكثر لم يبقَ لنا إلاّ أن نتتظر أن يقوم أحد البحّاثة والمنقّبين في تاريخ الكرسي الانطاكي المقدس في العصر الحديث ويقدم على كتابة تاريخ أساقفة مرمنيثا أي مرمريتا بتدقيق وموضوعية حتّى نستقي منه بعض المعلومات عن سيماون أسقف مرمنيثا الذي دبّر شؤون الأبرشيّة الحلبيّة، بصفة قائمقام بطريركي، من سنة ١٥٩٧ حتّى سنة ١٦١٢م .

والله اعلم…

حواشي البحث

1) المجموع اللطيف للبطريرك مكاريوس بن الزعيم طبعة سليم قبعين سنة ١٩٠٣ ،ص ٦٢٥ .٦

2) مرمنيثا يعني مرمريتا