مطران حلب ملاتيوس بن الزعيم (٢٦ تشرين الأوّل ١٦٣٥ -١١ تشرين الثّانيّ ١٦٤٧)

مطران حلب ملاتيوس بن الزعيم (٢٦ تشرين الأوّل ١٦٣٥ -١١ تشرين الثّانيّ ١٦٤٧)

مطران حلب ملاتيوس بن الزعيم (٢٦ تشرين الأوّل ١٦٣٥ -١١ تشرين الثّانيّ ١٦٤٧)

جاء في  مخطوط “المجموع اللطيف” للبطريرك مكاريوس بن الزعيم، أنه بعد شغور كرسي ابرشية حلب بارتقاء المطران ملاتيوس كرمة السدّة البطريركية في الأوّل من أيار سنة ١٦٣٤ باسم البطريرك أفتيميوس الثّانيّ:

“وأقام الكرسيّ بحلب ستّة عشر شهراً بغير مطران. ثمّ انتدبوا كاتبه [أيّ ملاتيوس بن الزعيم الذي أصبح فيما بعد بطريركاً باسم مكاريوس] مطرانًا على حلب وأقام هناك ثلاث عشرة سنة، ثمّ صار بطريركا”
سيرته الذاتية ونشأته

هو حنّا أو يوحنّا، ابن الخوري بولس، ابن الخوري عبد المسيح، الشهير بالبروطس “ابن الزعيم”

وُلد في  مدينة حلب في أواخر القرن السادس عشر وتزوّج. ثمّ رسمه المطران ملاتيوس كرمة شمّاساً وقساً وخورياً ومعلم اعتراف.  وقد تميز الخوري يوحنا بالعلوم والمعارف فضلاً عن الروحانيات وحسن الرعاية ونبوغه بالعربية واليونانية والسريانية… لذلك احبه معلمه المطران ملاتيوس كرمة وأوكل اليه التعليم والوعظ والنسخ واطلق يده في مكتبته الشهيرة…

انكب علمنا الخوري يوحنا على تعريب الكتب  التي كان معلمه المطران ملاتيوس كرمة قد اهتم بها واولاه تعريبها لثقته به، وكان علمنا كثير الجلد على المطالعة والنسخ متوسط الخط. وكثيراً ماكان استاذه المطران ملاتيوس يوكل اليه مراقبة اداء النساخ في المقابلة والمراجعة والنسخ.

ولع علمنا الخوري يوحنا بجمع الكتب ومطالعتها واستنساخ او نسخ مالم يتمكن من ابتياعه منها الى ان جمع مكتبة مفيدة حافلة بنفائس المخطوطات. وكان لمعلمه المطران ملاتيوس كرمة مكتبة غنية جداً، فانكب علمنا على مطالعة مخطوطاتها، واحرز نصيباً وافراً من الآداب والتاريخ والعلوم الدينية.

توفيت خورية الخوري يوحنا بعد سنة  1627، وقد رزقه الله منها بطفل اسماه بولس كان رضيعاً عند وفاة امه. فتولاه والده بالتعليم والتهذيب الروحي والعلمي والرعاية والتثقيف في شتى الامور وفي اللغات العربية واليونانية  والعثمانية وآدابهم  ولكن ولما كان مكلفاً من معلمه المطران ملاتيوس بالكثير من الامور رعائياً وادارياً، فقد عهد لرفيقه في الكهنوت الأرشيدياكون – الخوري المعلم ميخائيل بجع وايضاً لثلجة كرمة شقيق معلمه البطريرك افتيموس وكان ثلجة اضافة الى علمه الغزير كان بديع الخط في نسخ المخطوطات ( انظر سرته هنا في موقعنا باب كنيسة انطاكية واعلام كنسيون)، فعهد اليهما اكمال  تعليم ولده بولس فتعهداه بتعليم الدينيات والعلوم والمعارف وتابعا تثقيفه، بما كان والده قد علمه اياه في اللغات العربية واليونانية والعثمانية… وآدابهم واتقان الخط  والسلاسة السردية. حيث أدى تعليم والده وإكماله من قبلهما ومواهبه الذاتية في كتابة أدب الرحلات  دوراً  كبيراً في تاريخ الكرسيّ البطريركي الأنطاكي وتدوين السير ورحلتي والده الشهيرتين وجولاتهفي ارجاء الكرسي الانطاكي والخدمة الكنسية.

كان علمنا الخوري يوحنا مع مامني به من فقد زوجته وتيتُمْ طفله بولس، صبوراً غيوراً على رعيته مثابراً على المطالعة والنسخ والتأليف لايشغله عن إتمام واجباته شاغل، كبير الهمة، كثير البحث  فزاد مكتبته الكبيرة كثيراً من المخطوطات العربية واليونانية والعثمانية والسريانية وهي اللغات التي كان يعرفها، ثم مال الى التنسك فقصد دير القديس سابا في غور الاردن قرب اورشليم، وصرف فيه راهباً سنوات كان فيها رمز الفضيلة والتقى.

لما صار  مطراناً على حلب سنة 1635 رسم ولده في 8 أيار 1642 قارئاً (أناغنسطاً)، ثمّ زوّجه في 17 شباط 1644م بناء على نصيحة زميله البطريرك  افتيموس الصاقزي.

لما صار علمنا  المطران ملاتيوس بطريركاً وانتقل الى دمشق رسم ولده القارىء بولس شماساً ثم صيره أرشيدياكوناً (رئيس الشمامسة كرسي الانطاكي على دمشق وسائر ابرشيات “الكرسي الانطاكي) وذلك بتاريخ 21 تشرين الثّاني1647م ،. فرافق والده في جميع تنقّلاته، لاسيّما في أسفاره إلى الخارج، (كما نعرف)، وخلّد ذكره بما دوّنه من تواريخ جعلت والده في عداد أشهر بطاركة الكرسيّ الأنطاكي في العصر الحديث، واسهم ايجابياً في تميز سيرة والده على مستوى بطريركية انطاكية وسائر المشرق والعالم الارثوذكسي غموماً في العصر الحديث. ولاتزال سيرته مطرحاً لاهتمامات المؤرخين ولكتابات ودراسات كتاب التاريخ واقبال الباحثين من مختلف انحاء العالم وخاصة من جورجيا وروسيا ورومانيا  وشرق اوربة…اي في البطريركيات الارثوذكسية التي ترك فيها أثراً حميداً  بمروره فيها واستضافة امرائها وملوكها له بكل اكرام…كما في رحلتيه الشهيرتين الى روسيا.

(وبكل امانة ومسؤولية نقول اننا ساهمنا  في ارشاد الدارسين لهذا العلم الذي خرج من الانطاكية الى العالمية، وفي انجاز عشرات اطروحات الماجستير والدكتوراه عنه وعن مرافقه ابنه الارشيدياكون – الخوري بولس وخاتمته الاليمة وحزن ابيه الموصوف لموته في تبليسي في طريق العودة من رحلته الثانية من روسيا والتي دامت خمس سنوات، سواء كان هؤلاء الباحثين والدارسين من ابناء هذه المناطق التي اثر وابنه بولس فيها  ولصالح جامعاتها او من مختلف انحاء اوربة كفرنسا والمانيا واميركا… وذلك خلال فترة رعايتنا للوثائق والمخطوطات البطريركية الممتدة منذ تأسيسنا لدائرة المكتبة والوثائق البطريركية في المقر البطريركي بدمشق  بتوجيه ومباركة مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع العام 1987 وحتى الآن.)
كان للخوري يوحنا البروطس  أخت اسمها كاترينا، كما تفيدنا حاشية في كتابيه المخطوطين رقم ١٦ و١٧ من مكتبة القبر المقدّس في بطريركية اورشليم في القدس،  بموجب (صك الوقفية) أوقفهما المطران ملاتيوس بن الزعيم “عن روح أخته كاترينا بنت الخوري بولس الحلبيّ” في 23 شباط سنة  1647م .

بما ان علمنا يوحنا او حنا البروطس ابن الزعيم اساساً من قرية كفربهم ومن رعيتها الارثوذكسية الغيورة على ايمانها، وهي  كبقية بلدات ورعايا أبرشية حماة الارثوذكسة مدينة وريف المكينة في انتمائها الارثوذكسي النقي والمشهود له به وحتى الآن، هذا من جهة، وبما انه من جهة ثانية فهو ابن كاهن فاضل شهد له الحلبيون بحسن السيرة والرعاية واكتسب الخوري يوحنا صيت ابيه الخوري ومناقبيته فقد نشأ  علمنا يوحنّا في حياة ارثوذكسية نقية اهلته لأن يصبح كاهنا من أسرة كهنوتية أصيلة.

كان علمنا يعيش على ماتنتجه يداه من مهنة الحياكة التي عمل بها لرعاية اسرته (ككل كهنة عصره حيث ليس من تفرغ لأن الكل يعمل بالزراعة في الارياف والمهن في المدينة)، ومارسها حتّى رسامته أسقفاً.

مطرانيته على حلب

ولما كان كرسي حلب قد فرغ بانتخاب مطرانه ملاتيوس كرمة بطريركا سنة 1634م وانتقاله بطريركاً الى دمشق باسم افتيموس الثالث، استُقدم علمنا من دير القديس سابا واسندت اليه النيابة الاسقفية فقام بها خير قيام واجمع الرأي على انتخابه خلفا لأستاذه كرمة مطراناً على حلب، وكان سرور الشعب الارثوذكسي الحلبي عارماً بهذا الاختيار لمناقبيته وورعه وحسن تدبيره والمتوقع انه سيكون خير خلف لخير سلف وسائر على خطى معلمه ملاتيوس كرمة.

كيف صار مطراناً وهو كان متزوجاً وترمل؟

لفضائله الروحية وتميزه في الرعاية والعلم اللاهوتي بحيث اصبح علامة عصره ولاقتداره في الادارة. ونظرا لشغور كرسي حلب بعد انتخاب معلمه كرمة بطريركاً فقد شاءت رغبة الاخير تصييره مطراناً عليها نظراً لسجاياه، وبعد مضي مدة طويلة على تبتله بنتيجة ترمله…

قلنا ان علمنا الخوري يوحنا (كبقية كهنة الكرسي الانطاكي في  المدن والارياف) يعيش على ماتنتجه يداه من مهنة الحياكة التي عمل بها لرعاية اسرته، ومارسها حتّى رسامته أسقفاً.

وعلى ذلك فقد كتب المرسل اليسوعيّ الأب كيرو Queyrot إلى مجمع انتشار الإيمان الكاثوليكي في الفاتيكان/ رومة بتاريخ 26 كانون الأوّل 1639م في حديث له عن رسامة الخوري حنّا الزعيم مطراناً على حلب، مستهجناً تصرّف بطريركية انطاكية للروم الارثوذكس “وهي تنقل  كاهناً من وراء نول الحياكة إلى كرسي الأسقفيّة”
(إنّ  في مثل هذا الكلام من التحقير ما لا يخفى، ولكنه يشير إلى أنّ صاحب الترجمة كان عصامياً في تحصيل الثقافة والعلم،  هو لم يتتلمذ على أيدي المرسلين الأجانب، ولم يمل إليهم ولم  يقبل ان يتولوا تعليم ابناء رعيته  كما مال كثيرون في حلب لأن ذلك مدعاة الى استلاب الابناء وتصييرهم متشبعين بالافكار الكاثوليكية التي كان هؤلاء الرهبان بخبث يبثونها في نفوس يافعي وفتيان التلاميذ الارثوذكس الغيورين كذويهم على مسيحيتهم  في مدارسهم، واسلوبهم التبشيري المنمق تمهيداً لكثلكتهم عندما يحين الوقت، وبالتالي كان بعكس معلمه ملاتيوس كرمة يتحفظ على دخولهم بيوت الرعية للتعليم كما تسامح كرمة والكثير من رعاة الكنيسة الانطاكية الارثوذكسية مدفوعين بروح المحبة المسيحية التي كان يدعيها هؤلاء الرهبان، وقد دفع كرمة وهؤلاء الرعاة المسيحيين حقاً ضريبة غالية عندما حصل الانشقاق وخرج هؤلاء من كنائسهم، وبالتالي فان موقف ابن الزعيم هذا المجافي لهم ولمخططاتهم واسلوبهم في الاحتواء والاستمالة والاستلاب الممنهج عبر دخول البيوت الارثوذكسية والتعليم فيها، وتقديم المساعدات المتنوعة والخدمة الطبية… لرعية فقيرة اكثر المسؤولون  العثمانيون في فقرهم ومنعوا عنها التعليم والخدمات، وبالتالي محاولته الدائبة للتعويض بالرعاية والارشاد والتحذير من مخططاتهم  لذلك هو لم يرق لهم).

عشقاً بسيرة معلمه كرمة فقد اخذ اسمه ملاتيوس   لما صار مطراناً  خلفاً له على حلب،  وتغير اسمه  من يوحنا  وهو كاهن الى ملاتيوس.

تميز المطران مكاريوس بن الزعيم بأنه حادّ الذكاء، إدارياً ماهراً  في تدبير امور ابرشيته، مع ولع  جارف بالعِلم والثقافة والتعريب عن اليونانية جعله بعد معلمه المطران ملاتيوس كرمة، علماً انه كان من روّاد الحركة اللاهوتية والعلمية والثقافيّة في ابرشيته حلب في أواسط القرن السابع عشر. يضاف إلى ذلك كله أنّه كان  سياسياً محنّكاً، وفق قول مطران حلب الكاثوليكي ناوفيطوس ادلبي فهو ثمن وسطيته بقوله:” إذ عرف أن يحفظ التوازن بين فريقي رعيته” الذين كان فريقاً منهم  يرفض التعامل مع المتكثلكين باطنياً ويودون الاتحاد مع رومة ومع الفريق الساعي بقيادة مستترة من الارساليات اللاتينية العاملة بكثافة والمحكي عنها والذي كان يتحفظ على تبشيرها، لذلك نراه وفق تعبير المطران ادلبي قد عاش محايداً وقد حظي على رضى الطرفين،(1) (علما ان كتاب الروم الكاثوليك استماتوا ولايزالون يسعون لجعلهم اعترفوا بالايمان الكاثوليكي بدون سند معروف (الا بما نسبوه هم  ولم نجده في المخطوطات الاصلية لا نحن ولاغيرنا من المهتمين بتاريخ الكرسي الانطاكي والكنيسة الارثوذكسية) لابن الزعيم كحبيب الباشا وجوزيف نصر الله واغناطيوس ديك وحتى سيادة المطران ادلبي ذاته (بالرغم من موضوعيته…) ضمناً وساعياً بشكل خفي للاعتراف برئاسة البابا كما اتهموا سلفه البطريرك كرمة، ووفق قناعتنا التي كتبناها هنا في موقعنا بمقالات ذات صلة رداً يقينا منا “انه لو كان الامر كذلك وكنتيجة الواقع المادي المتردي للكرسي الانطاكي المقدس لتوجهوا  ومنهم ابن الزعيم الى اوربة، وطلبوا المساعدات المالية من بابا رومة  وملوكها، ولم يصرفوا السنين الطوال من عمر بطريركياتهم كما فعل ابن الزعيم في رحلته الاولى الى روسيا ودامت سبع سنوات والثانية خمس سنوات، او لكانوا وفروا على ذواتهم هذا التعب ولطلبوا ذلك من  ارباب الرهبنات اليسوعية التي تنشط بكل حرية في حلب خاصة وهي مقر الرهبنات اللاتينية المتنوعة وسواها بطلب المساعدات، ولكانوا قد حصلوا على تثبيتهم من بابا رومة كما فعل السنة 1700 مع افتيموس الصيفي كأول اسقف على الروم المتحدين برومة، ومع ابن اخته كيرلس طاناس الذين اغتصب منصب البطريرك الانطاكي برسامة غير شرعية 1724 وفق كتَّاب التأريخ وخاصة د. اسد رستم ، ووضع يده على مقدرات الصرح البطريركي بدمشق وكنيسة مريم وجعلها فارغة من كل كنوزها ومخطوطاتها ونقلهم الى دير الشير وليس غريبا ان نجد مخطوطات ابن الزعيم في هذا الدير الاول بالكثلكة مع مطبعة البلمند التي احضرها البطريرك اثناسيوس الدباس من رومانيا والتي اهداها له اميرها، وقد اختفت من البلمند مع خروج الشماس عبد الله زاخر الحلبي ربيب اليسوعيين (وكان يعمل عليها في حلب مع البطريرك الدباس قبل ان ينقلها الأخيربطريركا 1720 الى البلمند لما استوى على الكرسي الانطاكي في دمشق  نتيجة وفاة البطريرك كيرلس ابن الزعيم ووفق الاتفاق بينهما) ورفقته الى دير الشير لتظهر هناك فجأة وتتم الطباعة عليها للكتب الطقسية كما يفيد التقليد البلمندي…)

(ولو اعلن البطاركة كرمة ومكاريوس ابن الزعيم وحفيده كيرلس بن بولس واثناسيوس الدباس كثلكتهم لكان اكتفى الباباوات ببعض المعونات والدفع لذوي النفوس الرخيصة والفقراء ليعلنوا كثلكتهم بما يشبه المجان بدون ان يبذل الفاتيكان كل غالٍ ونفيس من اموال  لاقامة كياناتٍ  ورموزٍ محسوبة على انطاكية الرومية ولكنها رومية متحدة بروما وقد تعبوا على تعليمها في رومة، وانفقوا عليها كافتيموس الصيفي ومن ثم ابن اخته كيرلس طاناس وبذل الكثير من الدرهم الرنان لشراء الناس ولشق الطائفة الرومية في دمشق وحلب وصيدا وزحلة واقامة بطريركية للروم الكاثوليك كتتمة للطوائف الاخرى من سريان وارمن وكلدان واقباط وتخصيص المرتبات الكبيرة لهم للصمود كما قلنا في كل دراساتنا وفي معرض ردنا على من اتهم ابن الزعيم بالكثلكة سرا وارسل رسائل الخضوع المزعومة بذلك الى بابا رومة!!!
هؤلاء المطارنة والبطاركة عاشوا  وبقوا ارثوذكسيين وماتوا ارثوذكسيين ودفنوا في مدفن البطاركة الارثوذكسي بدمشق (بما فيهم افتيموس الصيفي ذاته) بالرغم من كل الاغراءات المادية التبشيرية وصمدوا بالرغم من كل الفقر والقهر من العثمانيين ومن هؤلاء الرهبان الاخوة في المسيح ومن اتى بعدهم من الارساليات البروتستانتية.)

(كان بطاركة انطاكية ومنذ الانشقاق الكبير 1054م يلعبون الدور الحكيم في التوفيق بين روما البابوية التي انشقت بفعل الكاردينال هومبرتو المتعصب بشدة وبين الكرسي المسكوني بقيادة البطريرك فوتيوس الذي رد على الحرم المتعجرف من هومبرتو بحرم مماثل… ربما هذا الموقف والمساعي الحميدة من بطاركة انطاكية دفعت بالبعض من علماء الكثلكة المحليين الى اعتبارهم اعترفوا سرا برئاسة بابا رومية وخضوعهم له.

هكذا كان الكرسي الانطاكي الوديع والصامد عبرتاريخه الذي ظلم من المسلمين شعوباً وانظمة حكام منذ عهد عبد الملك الاموي ومن تلاه وزاد عليه الاخوة بالمسيح بابا رومة والفاتيكان وشعوب اوربة الكاثوليكية في حروب الفرنجة طيلة قرنين من الزمان قُتل فيها احباره  وأحبار كرسي اورشليم وتبؤا بطاركة لاتين الكرسيين وتابع اليسوعيون جنود روما بشق بطريركية انطاكية بعد مجمع  ترانت، وانتقم منهم المسلمون من حكام ومواطنين اثناء وبعد طرد الفرنجة من الديار الشامية واولهم الظاهر بيبرس الذي دمر انطاكية ونكل بشعبها المسيحي الارثوذكسي وقتل وهجر مائة الف منهم وصارت انطاكية عاصمة الكرسي الانطاكي قرية خربة ينغق فيها البوم عام 1268 وكذلك فعل في بلدات القلمون (قارة ويبرود ومعلولا ودير عطية…) والمدن المنسية … وتلتهم كل البعثات التبشيرية وهذه كانت مكافأة الصرح البابوي للكرسيين الانطاكي والاورشليمي باقتناص الابناء واقامة كنيسة صغيرة مقابل امها ومذبح كنسي ضعيف مقابل المذبح الاصيل مع ادعاء انهم الاصوب (فصار الاصل والفرع ضعيفين)…وكل بطاركة الطوائف الكاثوليكية تابعون لبابا رومة الذي هو معادل لكل بطريرك في القسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واورشليم…لقد كانت مكافأة الارثوذكسية المعذبة  بفعل الوجود المتعصب في كل العهود الاسلامية واقصاها العثماني هذا الاستلاب الممنهج والشق المرتب له مع اعلام هائل بأن ابن الزعيم وسابقه ابن كرمة وابن الدباس كانوا كاثوليكيين وذلك لاضفاء الشرعية على انشقاقهم وانهم  اي الروم الكاثوليك هم الاصل والارثوذكس هم المنشقون وقد تبعوا القسطنطينية…)

ونعود لمواصفات المطران ملاتيوس بن الزعيم التي  أحبّه لأجلها المطران ملاتيوس كرمة ( البطريرك افتيموس كرمة، وأوصى به مطرانا لحلب  خلفا له، عند انتقاله بطريركا على انطاكية وسائر المشرق في دمشق باسم أفتيميوس الثّانيّ…

تنصيبه مطرانا  على ابرشية  حلب العام 1635م
يقول الشمّاس بولس الزعيم في مخطوط “نخبة من سفرة البطريرك مكاريوس” عن والده
” أنّ أهل حلب، “يوم عيد الصليب” (١٤ أيلول) افتتاح سنة ٧١٤٤ للعالم [١٦٣٥ م] ( حيث ان السنة الطقسية تبدأ في 1 ايلول لذلك قال “افتتاح”)، اجتمعوا في قلاية (دار) المطرانيّة، الكهنة والأراخنة (شيوخ الشعب الارثوذكسي) والشعب المبرور مع باقي المسيحيّين، واستخاروا (استشاروا) الخوري يوحنّا والدي المذكور ليكون عليهم مطراناً، برضى الكهنة والأراخنة والأعيان وباقي المسيحيّين، وكانوا  ذوي فرد كلمة (برأي واحد)، وأرسلوه صحبة القفل (القافلة المقصود بها انها القافلة التي تضم الخوري يوحنا والكهنة ووجهاء الشعب الى البطريركية في دمشق) المتجهة إلى الشام، ووجّهوا معه رفقة من كهنة وأعوام (علمانيين). وبعد أن وصل بالصحّة والسلامة، شرطنه الأب السيّد البطرك كير أفتيميوس [الصاقزي] المذكورر مطرانًا على حلب لسبعة وعشرين يوماً خلت من شهر تشرين الأوّل (سنة 1635يوم الأحد). ولكثرة ودّه له، ورعايته (عيَّنه) مشرفاً على سائر نوريته، واكراماً لخاطر المرحوم معلّمه ووصيّته له، جعله كاثوليكاً (2)  لحلب وصيّره اكسرخوساً أيّ وكيلاً وناظراً على بلاد آمد (ديار بكر) وما يليها وأنطاكية، التي هي كرسي  البطركية (تابعة للبطريرك ومقر كرسيه الاصل)، ونواحيها، وأذن له أيضاً أن يقدّس فيها إذا مضى إليها.
ثمّ عاد هو وصحبته (صحبه او مرافقوه) إلى حلب بالابتهاج والحبور. وقبله المسيحيّون والتقوه بكلّ فرح ووقار وسرور. وأقام فيها مطراناً مدّة اثنتي عشرة سنة كاملة، مقتفياً آثار السادة السالفين أولي السيرة الفاضلة. ورعى المسيحيّين في مراعي الخلاص متمّماً كافة وصايا االله تعالى بغير انتقاص. ودبّرهم بسديد رأيه وسعيد تدبيره. وسار كمن تقدَّمه (كأسلافه)، بل أجمل كان مسيره. وازداد بنيان الجماعة واستعمارهم عمّا سلف، لمّا احتضنهم كالنسر الذي عليهم انعكف (خيم)”.

استقبال السلطان مراد الرابع في حلب (1639م)
“وفي السنة الرابعة من رئاسته، التي هي سنة ٧١٤٧ للعالم [١٦٣٩ م]، وافى السلطان مراد [الرابع] مجيشًا (على رأس جيش) من القسطنطينيّة إلى حلب، ودخلها يوم الخميس ثاني عشر شهر تموز، راغباً في الذهاب إلى مدينة بغداد [لمحاربة العجم]. وخرجت جميع طوائف النصارى (المسيحيين) التقوه بأصناف أثواب القماش الثمين، ناشرين ذلك على حفّة الطريق، ومعهم الأب السيّد المطران والكهنة وبقيّة المسيحيّين، مع أرباب الحرف والصنائع، وممتدّين من قرب خان طومان إلى نفس ساحة الميدان. وكان يوماً مشهوراً يُعدُّ من الإعمار، ويُذكر في الأجيال الآتية إلى انتهاء الأدهار”. وقد أقام السلطان مراد الرابع في حلب ستّة عشر يوماً.

زيارة أولى للبطريرك أفتيميوس الثالث الصاقزي إلى حلب في عهده (1640م)

“ثمّ في السنة الخامسة من مطرانيّة الوالد، في 9 آب [سنة 1640 م]، حضر إلى حلب الأب السيّد البطريرك كير أفتيميوس الصاقزلي (الصاقزي) ومَن معه من الأصحاب. وشرطن بها الخوري يوسف الحلبيّ مطرانًا على عكار ورحبة، وأرسله إلى بلاد المسيحيّين العامرة الرحبة. ولمّا وصل المطران إلى بلد تُدعى
بوتيليا، حدّ بلاد المسكوف وقربه، انتقل إلى رحمة االله تعالى وجوار ربّه. وأمّا السيّد البطريرك فإنّه أقام في حلب مئة يوم تماماً. وبعد أن جبى النورية خرج منها يوم الثلاثاء 12 تشرين الثّانيّ من العام (ذاته). وتوجّه معه حضرة الوالد وأنا صحبته، وودّعناه إلى حماه، وعاودنا غانمين بصالح دعواته وبمقبول طلبته”…

يقول المطران ادلبي بكتابه اساقفة حلب الروم الملكيين
وقد وجدنا في المخطوطة رقم 411 من مجموعة مخطوطات المرحوم الأب بولس سباط، المحفوظة في المكتبة الفاتيكانيّة(3)، وصفاً مفصّلاً لهذه الزيارة بقلم الشمّاس القارئ يوسف ابن الحاج ميخائيل ابن الخوري منصور، في الصفحة 134 ب حتّى الصفحة 137 آ، فنقتطف منه المقاطع التالية

“حضر السيّد البطريرك كير أفتيميوس الأنطاكي الروميّ… إلى مدينة حلب من شهور سنة 7148 لأبينا آدم عليه السلام  نهار السبت22 شهر آب المبارك [1640 م]… وكان ذلك في (زمن) مطرانيّة كير ملاتيوس الحلبيّ ابن الخوري بولس ابن الزعيم. وكان حضور السيّد البطريرك ليلة الأحد الثالث عشر بعد العنصرة… [وأقام قداديس عديدة، منها] سادس عشر قدّاس في 26 أيلول. وسابع عشر قدّاس يوم الأحد من لوقا. وفي ذلك اليوم رسم الخوري يوسف الحلبيّ مطراناً على مدينة عكار، وسمّاه المطران أرميا. وكان يوم مبارك عظيم. وحضر قنصل الفرانسه (فرنسا)، وجاء معه أناس كثير افرنج، وصارت فرحة عظيمة، وكان ذلك في 27 أيلول… القدّاس الرابع والعشرون يوم أحد الغنيّ ولعازر، وكان أوّل تشرين الثّاني. وبعد القدّاس وقبل القدّاس جاء مطران السريان ومعه قسوس لابسين بدلاتهم وحاملين شموعاً. وأخذوا السيّد البطريرك إلى كنيستهم، وراح معه الكهنة والشمامسة وأكثر الرعيّة، لأنّ بطركهم كان جاءَهم جديداً، وعمل لهم في ذلك اليوم مفريانًا على الموصل، وقساً وثلاثة شمامسة. وبطركنا يتفرّج عليهم (بدون اشتراك في الخدمة لعدم وجود الشركة الكنسية بين الكنيستين الارثوذكسية الخلقيدونية والسريانية اللاخلقيدونية)، ومطران حلب ما كان حاضراً، لأنّ البطرك أرسله إلى كلز (كلس) في بعض مصالح يقضيها له… القدّاس الثالث والثلاثون يوم الأحد الثّانيّ من صوم الميلاد، وكان ثاني وعشرين من تشرين الثّانيّ. وكان هذا آخر القدّاسات التي قدّسها في حلب. وتحدّث في الكنيسة وودّع النصارى وبارك عليهم. وثاني يوم بالليل نهار الإثنين 23 تشرين سافر بالسلامة. وراح معهم مطران حلب، والمطران أرميا، والقسيس  الثّانيّ ابراهيم، والشمّاس ميخائيل، والشمّاس يعقوب”، فباتوا أوّل ليلة في ضيعة تسمّى الكفر، ثمّ في سرمين، ثمّ في احناك، ثمّ في محرده، ثمّ في حماه. وهناك استودع مطران حلب بطريركه، وانتقل إلى كفربهم، ثمّ إلى أفيون، ثمّ إلى محرده، ثمّ إلى احناك، ثمّ إلى ريحا، ثمّ إلى سرمين، “ثمّ وصلوا إلى حلب يوم الأحد عيد القدّيس نيقولاوس 6ك١ (1640).”

حجّ حلبيّ منظّم لزيارة القدس الشريف سنة 1642م 
“وفي السنة السابعة من مطرانيّة الوالد، التي هي سنة ٧٧٥٠ للعالم [1642م]، مضى لزيارة أورشليم المقدّسة صحبة ستّين نفراً من الحلبيّة. ويا لها من حسن الزيارة (زيارة مباركة)، كانت تُعدّ من الإعمار السنيّة، وتُذكر في الأجيال الآتية شهيّة بهيّة، قضيناها بالفرح والسرور النفسانيّ، وبالتسبيح والتقديس والتهليل والصلوات المتّصلة بالتلحين والترتيل. وكنا مع المقادسة (الحجاج) قافلةً كبيرة عديدة غزيرة، كانوا يتبعونا، ويسيرون إن سرنا، ويقيمون إن أقمنا.
“ومن قارا فارقناهم وتوجّهنا إلى يبرود (5)( بلدة يبرود معظم سكانها مسلمون، ومعظم مسيحييها من الروم الكاثوليك وقد كثلكوا في القرن 19 ونسبة ضئيلة من السريان الكاثوليك ونسبة ضئيلة من الروم الارثوذكس لاتتعدى عائلة “سعادة”)، وزرنا كنائسها المعظّمة في الوجود (هذا يعني وجود عدد من الكنائس فيها، بينما فيها اليوم اول كنيسة كبيرة اثرية هي قسطنطين وهيلانة وتعود الى كونها معبد لاله الشمس الروماني وهي بيد الروم الكاثوليك وكاتدرائية مطرانية حمص وحماه ويبرود للروم الكاثوليك منذ الكثلكة في مطلع القرن 19 مع كنيسة للروم الارثوذكس هي كنيسة القديس استفانوس وهي بديعة من الداخل) وقلالي القدّيس ماري قونن، أعني به ذلك الذي حبس الشياطين في جرار البستانيّ. وهي نقر في جبل، وبساتينها كثيرة مشهورة، وفواكها لذيذة غزيرة. كيف لا ومدحها قد جاء في التوراة المقدّسة حيث يقول “وكبساتين بمفيلية”، لأنّ اسمها كان هكذا قديماً.
“ومنها أتينا إلى سلوكية الشام المسمّاة الآن معلولا. وزرنا كنيسة أولى الشهيدات القدّيسة تقلا (دير القديسة تقلا الرهباني البطريركي، وجسدها المقدّس مخفيّ بها (مدفون فيها ويقصد بها  الكنيسة  المقام حالياً الموجودة في بطن الجبل وهي الاساس في هذا الدير بينما بني الدير بشكله الحالي وكنيسته الارضية اواخر القرن 19). ودير القدّيس سرجيوس صاحب العجائب الذائعة (دير القديس سرجيوس وباخوس او دير مار سركيس حالياً وكان ودير القديسة تقلا متصلان ببعضهما عبر الفج الشهير برئاسة واحدة قبل ان يؤول دير مار سركيس الى الاخوة الكاثوليك وتضع الرهبنة المخلصية يدها عليه). ومياه هذه البلدة غزيرة نابعة.
“ومنها أتينا نحو حصن صيدنايا، (دير سيدة صيدنايا البطريركي) المقصود لزيارة سيدة البشر وستّ العالم مريم البتول أمّ يسوع المسيح المنتظر. فانتعشت منّا أرواحنا، وزالت عنّا للوقت كافة أتراحنا.
“ثمّ أتينا إلى محروسة دمشق الشام على (عن) طريق بلدة عين منين. واجتمعنا بالأب السيّد البطريرك، والتقانا أهلها مسرورين… وأنزلونا في قلاية (دار) البطريركية العامرة بكلّ إكرام. وأقمنا عندهم نحو عشرة أيام. وخرجنا منها قاصدين مدينة صهيون (القدس)… ولمّا وصلناها، كان وصولنا مقروناً بوصول سيّدها الكريم، أعني به الأب السيّد البطريرك كير ثاوفاني ( البطريرك ثاوفانوس الاورشليمي)، إذ كان غائباً عنها منذ سبع سنين لإصلاحها وتشديدها ( لجمع التبرعات من اوربة الشرقية وروسيا لترميمها)… وكان عيد الفصح المجيد في 10 نيسان. وكملنا زيارة كافة  الديارة (الأديرة) والأراضي المقدّسة وكل مكان. وأقمنا في دير القدّيس مار سابا يومين… ويوم الخميس بعد أحد توما خرجنا من أورشليم، وإلى دمشق عدنا. ودخلناها سحر أحد المخلّع غلساً (فجرا عند السحر). وحضرنا في كنيستها المقدّسة القدّاس (الالهي). وفي الأحد الذي يتلوه المختصّ بالسامريّة (احد السامرية)، قدّس المعلّم (والده المطران مكاريوس) بإذن السيّد البطريرك، وأمره أن يعظ على الرعيّة، فامتثل أمره بالسمع والطاعة…

وفي هذا اليوم رسم شمّاسًا انغنسطًا [أيّ قارئًا] المؤرّخ الفقير (بولس بن الزعيم). وودّعناهم جملة، وخرجنا نحو بلدتنا (عدنا الى بلدنا حلب)… ويوم خميس الصعود إلى حلب دخلنا”.
وفي أثناء هذا الحجّ الجماعيّ إلى بيت المقدس، تعرّف المطران ملاتيوس بن الزعيم بجاثليق بلاد الكرج (بطريرك جيورجيا حالياً وهو بالأصل تابع لبطريرك انطاكية واقام فيها كاثوليكوساً (جاثليقاً ويعني المفوض بصلاحيات البطريرك) من الاكليروس المحلي لتسهل رعايتها لكون جورجيا في بلاد القفقاس، وتبعد جغرافيا عن  دائرة بطريركية انطاكية وسائر المشرق وسلطة انطاكية عليها اسمية)، واسمه مكسيموس، فدعاه المطران ملاتيوس إلى مرافقته في طريق عودته إلى دمشق وحلب. وكان لهذا اللقاء الأثر الكبير في توطيد العلاقات الكنسيّة بين البطريركية الأنطاكية وجاثلقيّة الكرج التابعة لها.
كما أنّ المطران ملاتيوس، إذ أصبح بطريركاً باسم مكاريوس، استفاد من توطيد هذه العلاقات فزار بلاد الكرج، وعاد منها بالتبرّعات الوافرة لمساعدة كرسيه البطريركي.

ماء السمرمر في حلب 1642
“وفي هذه السنة 1642 [رسم (اصدر مرسوماً) والي حلب حسين باشا بن نصّوح بأن يُؤتى بماء السمرمر من بلاد العجم… لأجل رفع الجراد… ولمّا عاد المرسلون وجاؤوا به، أصعدوه بوقاية (بحرص) من فوق مقام الشيخ أبي بكر، لأنّ رصده (المتداول عنه) أنّه لايجوز تحت سقف ولا عتبة. وأمر حينئذ أن يخرج للقائه جميع مَن كان في المدينة، من المسلمين والنصارى واليهود. فتقدّم المسلمون يهلّلون، ثمّ النصارى باللغة اليونانيّة يرتّلون…”.

زيارة أخرى للبطريرك أفتيميوس الثالث الصاقزي إلى حلب 1644
“وفي السنة التاسعة من مطرانيّة الوالد [سنة1644، [حضر إلى حلب السيّد البطريرك كير أفتيموس خطرة ثانية (مرة ثانية). والتقيناه بحماه بفرح وسرور ورغبة وافية. ويوم أوّل شباط كان دخوله. وتضاعف فرح المسيحيّين به وبوصوله. وألزم حضرة الوالد بزواجي حينئذ. وكللني يوم أحد ابن الشاطر وهو 17 شباط، ولي من العمر سبع عشرة سنة. وجمع من الرعيّة نوريته ومضى بسلام وكان خروجه بعد مئة يوم تماماً. وتوجّه في 17 أيار إلى حماه وطرابلس مسارعاً، ثمّ عاد إلى دمشق الشام راجعاً”.
ومن حلب اصطحب البطريرك أفتيميوس معه الأب اليسوعيّ جيروم كيروت، وعهد إليه بأن يفتح في دمشق مدرسة مماثلة لتلك التي فتحها سنة ١٦٢٨ في دار المطرانيّة بحلب، لتعليم أبناء طائفة الروم. وعهد إليه في دمشق بوجهٍ خاصّ بتثقيف ابن أخته، الذي كان مزمعًا أن يتبوّأ السدّة البطريركية الأنطاكية ردحاً من الزمن باسم ناوفيطوس الصاقزي (1672 -1682) بعد أن نشأ وتربّى على أيدي الآباء اليسوعيّين. (وفق رواية المطران ادلبي بكتابه” اساقفة حلب…”

علاقته بالمرسلين الأجانب
كل ما نعلمه عن علاقة المطران ملاتيوس بن الزعيم بالمرسلين الكاثوليك الأجانب في عهد أسقفيّته بحلب يتلخّص في تلميح عابر جاء في رسالة بعث بها المرسل اليسوعيّ الأب أميو Amieux إلى رؤسائه سنة 1650 ،وفيها يقول:
“أنّ البطريرك مكاريوس، “وهو البطريرك الحاليّ، رجل صالح ويجيد الوعظ، مع أنّه لم يتعلّم الفلسفة أو اللاهوت. وهو يحبّنا، لأنّه عندما كان مطراناً على حلب، حصل هناك من آبائنا المرسلين، خلال مرض اعتراه، على العلاج اللازم، وشُفي على أيديهم” (وهنا ثمة تناقض في شهادة المطران ادلبي فهو من جانب يعتبره رافضا للرهبان ولايريد ان يفتحوا مدارس ويعلموا فهم لايروقون له وهو لايروقهم وفق النص ومن جانب آخر هذه الرسالة المزعومة بمافيها من حب المطران لليسوعيين لأنه نال على ايديهم الشفاء من مرضه)
 ويتابع المطران ادلبي بالقول وفي هذا استكمال التناقض بشهادته في المطران ابن الزعيم: “لم يكن المطران ملاتيوس الزعيم تلميذاً للمرسلين الأجانب في حلب، بل تتلمذ على يد سلفه المطران ملاتيوس كرمة ومعاونيه من الاكليروس المحلّي.”
وقد تجنّب المرسلين الأجانب قدر الإمكان في عهد أسقفيّته بحلب، ولم يقبل بأن يرسل أحد من أبناء طائفته إلى مدارس رومة. فإنّ المرسل الفرنسيسكانيّ أنطونيو دي لاكويلا مثلاً، (Aquila’l de Antonio )في كتاب بعث به إلى مجمع انتشار الإيمان في رومة بتاريخ 10 تشرين الثّانيّ سنة 1639،يقول عن مطران الروم ملاتيوس الزعيم أنّه لم يكن ميّالاً لمشروع إرسال شبّان من أبناء طائفته إلى مدارس رومة ( والقول كله هنا لمطران حلب الكاثوليكي ناوفيطوس ادلبي) على أنّ المرسلين الكاثوليك الأجانب كانوا في عهد أسقفيّته يبدون نشاطًا عظيماً بين المسيحيّين الشرقيّين في حلب دون أن يعارضهم المطران ملاتيوس الزعيم. “فامتدَّت الحرآة الكاثوليكيّة الوحدويّة بين أبناء طائفته وتأصّلت، بحيث نرى أحد أبناء طائفة الروم الملكيّين بحلب يكتب إلى رومة سنة 1637 طالباً منها تفسيحاً من أحد موانع الزواج التي كانت السلطة الكنسيّة المحلّية آنذاك تمتنع عن إعطائه.”(6) 
وقد عرض الأب اليسوعيّ جيروم كيروت على مجمع انتشار الإيمان افتتاح معهد اكليريكي في حلب!!! (كيف لهذا المشروع ان يتم ومطران حلب ابن الزعيم يرفض ان  تفتح الارساليات الرهبانية مدارس عادية لتعليم ابناء رعيته، ولايسمح لرعيته بأن يتلقى اولادها العلم على ايدي هؤلاء؟ والاشد ان مشروع الاب اليسوعي هو افتتاح معهد اكليريكي، فكيف يستقيم الأمران؟  وفي سنة 1645 عيّنت رومة أسقفًا لاتينياً على حلب، لكنّه لم يستطع الإقامة فيها، واستقال بعد خمس سنوات من تعيينه.( بالتأكيد ان استقالته كانت نتيجة لما لاقاه من ابن الزعيم ومعظم الرعية من رفض)

ارتقاؤه السدّة البطريركية 1647

ويتابع الشماس بولس الحديث
“وفي بدء السنة الثالثة عشرة من مطرانيّة الوالد [أيّ سنة 1647،[دهم( أصاب) السيّد البطريرك أفتيميوس [الثالث الصاقزي] مرض شديد، وكلّهم يئسوا  منه.
فاجتمعوا في قلاية البطريركية، الكهنة والإكليروس، وعملوا له زيتاً مقدّساً، واستشاروه بأن إذا تنيّح مَن يكون بعده. فأجابهم رحمه االله بمأموله وقصده قائلاً: إن كنتم تريدون إصلاح أموركم وتوفيق أحوالكم، لا تجعلوا غير مطران حلب بطركاً عليكم. وتمّم بهذا الرأي الحميد قول الإنجيل المجيد: “حسبُ التلميذ أن يكون مثل معلّمه. وقد صنع هذا كصنع الذي تقدّمه. أعني أنّه كما رسمه ذاك رحمة االله عليه وانتخبه، اختار والدي مطراناً وانتدبه. فلمّا سمعوا منه ذلك انطربوا (سعدوا). وبسرعة بالصورة الواقعة قد كتبوا. وأعرضوا عليه تلك الكتابة، وعلَّم عليها بيده،(خط يده للمصداقية) وهو بتلك الحالة. ووجّهوا بها ساعياً إلى المطران المذكور (ملاتيوس)، وحثّوه بأن يجدّ بالسير ويسرع بالحضور.
وإنّ الساعي لمّا وصل إلى حلب ولم يجد المطران، لأنّه كان قد ذهب من حلب لكثرة الجور والحيف الذي بدا من حاكمها قره حسن باشا، إذ إلى العدوان والبلص قد اتّصل، مضى إلى بلاد المعرّة، وإلى كليس عاد. فلا زال الساعي يسأل عنه مستقصياً حتّى بلغ المراد. ولمّا التقى به أعطاه ذلك المكتوب. فقرأه، وعرف الأمر المطلوب. فشقَّ عليه ذلك الفرض، لاسيّما إذ تحقّق ما شمل البطريرك من ثقل المرض. ولم يشأ عند ذلك الذهاب. وأرسل يستعذر  (يعتذر)عن الحضور بالجواب. فلمّا بلغ البطريرك أنّه أبى وما طاع، اغتاظ وهو في حال النـزاع (الأخير). وأمر بمكتوب ثانٍ إليه، أنّه إذا لم يحضر ويجئ سريعاً، يكون مربوطاً ومقطوعا” (يوقع عليه الحرم). وبعد وصول هذه الرسالة ثانياً، التزم الأمر بردّ الجواب أنّه موافٍ بغير تباطؤ. وهكذا توجّه إلى الشام بالرغم منه (مرغماً)، والفقير [أيّ ابنه الشمّاس بولس] صحبته أبداً لا أنتزح عنه. (لا اتزحزح عنه).
“ولمّا أتى مدينة حماه، وجدنا ساعياً ثالثاً في طلبنا من كهنة دمشق وأعيانها، برسائل ومكاتيب موافقة للرسالات الأولى بأعيانها، وتخبر بوفاة البطريرك [أفتيميوس الثالث الصاقزي] ليلة الحادي عشر من تشرين الأوّل [سنة1647 ،[وأقسامات لحضرة المطران بأن يأتي ولا يتمهّل، لئلاّ يبقى تحت الوصيّة مقيما ( تحت طائلة الحرم)، والعياذ باالله من هذا الخطر العظيم، ولئلاّ يحدث بالتطاول شرور وفتن ونفاق، ولاسيّما أنّهم حال وفاة المرحوم أخرجوا التحويل والحجج باسم مكاريوس حسب العادة ووصيّة المرحوم أفتيميوس بغاية الاتفاق (جهزوا الاوراق الرسمية ببطريركية السيد مكاريوس). وكان في الشام (والي الشام )محمد باشا الكوبرلي المحترم. ولئلاّ يختلف أمر الجمهور ويحدث من بعد هذه الأمور أمور، طلبوا أن يُحضر معه مطران حماه المرحوم ملاتيوس، ومطران حمص المتنيّح فيلوثاوس. فأثناهما معنا قد سارا. ووجدنا في صيدنايا كير يواصف مطران قارا. ودخلنا دمشق سحراً. ففيها كان حاضرًا كير غريغوريوس مطران حوران. فباتفاق الكافّة (بالاجماع) شرطنوه بطريركاً، وتكرّس، وعلى النورية البطريركية تراقى وترأّس (ارتقى السدة البطريركية)، بإلهام حقيق (حقيقي) ربّانيّ، في 12 تشرين الثّانيّ سنة 7156 للعالم الفانيّ” [1647 م].
وقد اتّخذ له ملاتيوس زعيم في البطريركية اسم مكاريوس، وساس البطريركية الأنطاكية بكلّ جدارة خمسة وعشرين عاماً، من سنة 1647 حتّى سنة 1672 .وفي عهد بطريركيته قام بسفرتين إلى بلاد الكرج (جيورجيا) وملدافيا (مولدافيا) وفلاخيا ( الفلاخ والبغدان اي رومانيا) والمسكوب (الأمبراطورية الروسية). الأولى من 9تموز سنة 1652 إلى أواسط 1659، والثّانية من سنة 1664 إلى سنة 1669،حيث توفي ابنه الخوري بولس في مدينة تفليس (تبليسي) عاصمة جورجيا يوم 22 حزيران سنة 1669 ودفن هناك فحزن عليه والده البطريرك مكاريوس رفيق دربه كثيراً، وعاد البطريرك وحده إلى دمشق مكسور الخاطر على فقد ابنه ومعينه. ثمّ زار البطريرك حلب من جديد مرّات عديدة. ومات في دمشق مسموماً بتاريخ ١٢ حزيران سنة ١٦٧٢ (على رواية البعض وهي غير مسنودة).

ملاتيوس بن الزعيم وحركة النهضة الثقافيّة بحلب في أواسط القرن السابع عشر
لم يكن المطران ملاتيوس بن  الزعيم عالماً بالمعنى الحديث، بل كان بالأحرى محبا للعِلم ومشجّعاً للعلماء. ففي عهده وتحت إشرافه نشطت الحركة الثقافيّة بين المسيحيّين الحلبيّين ولاسيّما بين أبناء طائفته. فكان يشجّع الشبّان منهم على التعلّم، ويتعاون مع نخبة من المثقّفين في ترجمة الكتب العلميّة من اللغة الروميّة (اليونانية) إلى اللغة العربيّة، ويبحث هو نفسه عن الكتب التاريخيّة القديمة، ويُعنى بنسخها وحفظها. ويتذوّق فنَّ رسم الأيقونات، ويهوى الخطّ الجميل، وتزيين المخطوطات بالمنمنات المشوّقة.  وكان يستهويه على الأخصّ ما يتعلّق بتاريخ البطريركية الأنطاكية، من تعداد الأبرشيّات التابعة لها والبطاركة والأساقفة الذين ساسوها على ممرّ (مر) العصور، وسيرة (سير) القدّيسين والكتّاب الذين اشتهروا من أبنائها. كما أنّه عني بتدوين ما بلغ إليه من حوادث العصر الذي عاش فيه. لكنّه عني أيضاً بتاريخ بلاده عموماً، وآثارها المسيحيّة والإسلاميّة. وامتدّ حبّ الاطّلاع عنده إلى كل ما اعتقد أنّه مفيد لأبناء قومه من معلومات تاريخيّة وطبيعيّة.
وقد حرص على أن يخلّف للأجيال التالية معرفة ما جرى في زمانه أو على يده، فحمَلَ ابنه الأرشيدياكون بولس بن الزعيم على كتابة يوميّات أسفاره بتدقيق، وأهمّ حوادث أسقفيّته وبطريركيته، بحيث يكاد يستطيع المؤرّخ أن يتتبّع سيرة هذا الرجل العظيم يوماً بعد يوم، (بفضل ما خلّفه لنا عنه ابنه ومؤرّخه الأرشيدياكون بولس).
ولو أردنا أن ندرج هنا عناوين جميع الكتب والمقالات التي ألّفها هذا المطران والبطريرك العظيم، أو ترجمها، أو عني بنسخها أو تأليفها أو ترجمتها، لاقتضانا هذا الأمر كتابة مجلّد بكامله. وأنّ أغلب ما في ذاك الإنتاج الأدبيّ الضخم مؤلّف من مجموعات متنوّعة المواضيع، ك”المجموع اللطيف” أو “كتاب النحلة” أو “كتاب تاريخ جداول الأربع بطريركيّات”، أو تلك المنوّعات المحفوظة في “المخطوط العربيّ المسيحيّ ذي الرقم ٢٨ من المتحف البريطانيّ”. وأغلب هذه المجموعات يرجع عهد إنتاجها إلى زمن تسلّمه الكرسيّ البطريركي. لذا نقتصر هنا على ذكر ما نسخ أو ألّف أو ترجم من كتب أثناء مطرانيته على حلب من سنة 1635 إلى سنة 1647، للدلالة على إسهامه في حركة النهضة الثقافيّة بين المسيحيّين الحلبيّين في أواسط القرن السابع عشر:
أوّلاً- الكتب المترجمة: يخبرنا الأرشيدياكون بولس أنّ والده لم يكن يعرف في البدء سوى العربيّة، وأنّه تعلّم اليونانيّة أثناء سفره إلى بلاد الفلاخ، وأنّه لم يكن في كل حال ينطق بها بسهولة. فلم يستطع إذًا في عهد أسقفيّته بحلب أن ينقل من اليونانيّة إلى العربيّة، بل أشرف فقط على ما قام به بعض تلاميذه ومعاونيه من ترجمات إلى اللغة العربيّة. وكثيراً ما نسب إلى نفسه ماكان يقوم به غيره.!!!(6)من ترجمة أو تأليف تحت إدارته وإشرافه، أو بمجرّد تشجيعه. فمن الكتب التي عنيَ بترجمتها عن اليونانيّة خلال مدّة أسقفيّته بحلب، نورد ما يلي:
1-كتاب السنكسار أو مجموعة سير القدّيسين، نقله إلى العربيّة سنة 1638 وقسّمه إلى أربعة أجزاء. وهو محفوظ في مجموعة المخطوطات المسيحيّة العربيّة في المكتبة البدلائيّة بلندن تحت رقم 92 إلى95 .وفي عهد
بطريركيته  أكمل عمله هذا بتأليف سنكسار خاصّ بالقدّيسين الذين عاشوا في حدود البطريركية الأنطاكية، وهو محفوظ في المكتبة الفاتيكانيّة تحت رقم 662.
2 -كتاب التاريخ الشامل الذي وضعه باليونانيّة سنة 1630 المطران ذوروثاوس متروبوليت مونمباسية. وقد بدأ المطران ملاتيوس بن  الزعيم بترجمة الجزء الثّانيّ منه، وهو يمتدّ من عهد قسطنطين الملك حتّى عهد السلطان العثمانيّ مراد الرابع (١٦٢٣ -١٦٤٠ وهو بعنوان “كتاب الدرّ المنظوم في اخبار ملوك الروم”. وقد تمّ نقله سنة 1648،كما جاء في مقدّمته: “أنا الحقيرماكاريوس برحمة االله تعالى بطريرك مدينة االله العظمى أنطاكية وسائر المشرق…”

“لمّا كنت مطراناً بمدينة حلب الشهباء… كان دأبي مطالعة أمثاله من التواريخ… فقصدتُ ترجمته بذاتي إلى العربيّة… فصدَّني عن ذلك تواصل الاهتمام بتدبير رعيّة شعب المسيح… ففوضتُ ترجمته لناسخه ومحرّره الكاهن المحبّ المسيح الخوري يوسف كاتبه ومصوّره. فتمَّ باسعاف االله تعالى بغاية الجدّ والنصب، بسعي وامداد ابني الأرشيدياكون بولص بمدينة حلب، وسمّيتُه “الدرّ المنظوم في اخبار ملوك الروم”، وذلك في عام 1648 لتجسّد السيّد المسيح، وهي السنة التي انتُدبتُ فيها بطريركاً بمدينة دمشق الشام على الكرسيّ البطرسيّ الساميّ المقام”.

ومن المرجّح أن لا يكون المطران ملاتيوس سوى الساعي في ترجمة هذا الكتاب، كما ورد في مقدّمة المخطوط رقم 187 من مكتبة دير الشير: “سعى باستخراجه من اليونانيّة إلى العربيّة البطريرك ماكاريوس الحلبيّ بواسطة الخوري يوسف المصوِّر والأرشيدياكون بولص”.

ولهذا الكتاب نسخ عديدة في مكتبات العالم، أجملها نسخة المخطوط رقم 190 من المتحف الآسيويّ في بطرسبرغ، إذ هي بخطّ الأرشيدياكون بولس بالذات، مع تصاوير بديعة الصنع رسمها الخوري يوسف المصوِّر ناقلاً إيّاها عن الأصل اليونانيّ.
أمّا الجزء الأوّل من هذا الكتاب فقد عني البطريرك مكاريوس بترجمته بعد وفاة الخوري يوسف المصوِّر. وهو يتضمّن سياق التاريخ العالميّ منذ بدء الخليقة حتّى عهد قسطنطين الكبير، ودعاه “التاريخ الروميّ العجيب المجيد”. ومنه نسخ عديدة في مكتبات العالم الشهيرة، أقدمها المخطوط ذو الرقم 189 من المتحف الآسيويّ في ليننغراد، ويرتقي عهده إلى سنة 1639 .
3 -“كتاب خلاص الخطأة”، الذي كان  قد وضعه باليونانيّة الراهب الكريتيّ أغابيوس لندوس ونشره في البندقيّة سنة 1641 فسعى المطران ملاتيوس بن الزعيم في نقله إلى اللغة العربيّة بواسطة الخوري يوسف المصوِّر عينه. وفي مكتباتنا الكنسيّة والرهبانيّة نسخ عديدة منه، كما أنّه توجد أيضاً نسخ عن بعض فصوله في سرّ الاعتراف، اقتطفها الخوري يوسف المصوِّر وجمعها في كتاب على حدة بعنوان “كتاب الفرائد اللطاف في سرّ الاعتراف”.
ثانيًا- في مضمار الفنّ: كان المطران ملاتيوس، كما رأينا، صديقاً حميماً للخوري يوسف المصوِّر(7)، مؤسّس المدرسة الأيقونغرافيّة الحلبيّة. وهذا الأخير، إعراباً عن صداقته للمطران ملاتيوس، أهدى كنيسته كاتدرائية السيدة الارثوذكسية بحلب أولى أيقوناته المعروفة وهي أيقونة القيامة، وسجّل في أسفلها هذه العبارة: “أوقف هذه الأيقونة المقدّسة على كنيسة السيّدة بحلب العبد الفقير يوسف المصوِّر في رئاسة السيّد الكاثوليك ملاتيوس الحلبيّ في سنة سبعة آلاف ومئة وثلاثة وخمسين لآدم” (أيّ سنة 1645م). والأيقونة محفوظة اليوم في مجموعة السيّد هنري فرعون في بيروت. كما أهدى الكنيسة المذكورة أيقونة أخرى تمثّل بيوت المدائح الأربعة والعشرين، وأيقونات أخرى محفوظة اليوم في مجموعة مطرانيّة الروم الكاثوليك بحلب، يقول المطران ادلبي: ” اكتشفناها سنة 1969 في “سقيفة” كنيسة مار جرجس القديمة بحيّ الشارعسوس.”
وقد نشأ في حلب في عهد مطرانها ملاتيوس  بن الزعيم فنّانون آخرون، نذكر من بينهم ميخائيل بن جرجس بن الخوري يوحنّا، “الحموي بلداً، والأرثوذكسيّ مذهبًا، القاطن يومئذ بمحروسة حلب”.

وقد أنهى في 9 شباط سنة 1646 نسخ “كتاب برلام ويواصاف”، وهي رواية تقويّة منسوبة خطأ للقدّيس يوحنّا الدمشقيّ، وزيّنها بالرسوم العديدة الجميلة، موجود منها  نسخة في مكتبة البطريركية بدمشق.

ثالثًا- أبرز ممثّلي النهضة الثقافيّة في عهده:

نذكر في طليعتهم الأرشيدياكون ميخائيل بجع، تلميذ المطران ملاتيوس كرمة ومعاونه في ترجمة الكتب الطقسيّة، ومعلّم اللغة العربيّة للرهبان المرسلين الأجانب. وقد أقام علاقات طيّبة مع رومة، التي زوّدته بكتب يونانيّة وقواميس. لكنّه لم يعلن جهراً اتحاده بالكنيسة الكاثوليكيّة إلاّ سنة ١٦٧٤ ،وذلك من باب الفطنة. (والقول هنا لمطران حلب السيد ادلبي بكتابه:” اساقفة حلب…”) وقد تتلمذ على يده اكبر الأدباء المسيحيّين الحلبيّين في القرن الثامن عشر، من أمثال نعمة بن الخوري توما، عبد االله زاخر، نقولا الصائغ، مكرديج الكسيح ومكسيموس حكيم. وقد توفي في مطلع القرن الثامن عشر، قبل سنة ١٧١٦. (8)
وما عدا ترجماته الطقسيّة، فإنّ إنتاجه الأدبيّ محصور في الكتب اللاهوتيّة والمواعظ الرعويّة، نذكر أهمّها: “كتاب المعلّم النحرير في تعريف كيفيّة التوبة وفحص الضمير”، و كتاب”الروض المتنوّع الأمين بأزهار الكرز والتعليم”، وكتاب “العادات الأدبيّة المرشدة والتعاليم الروحيّة المنقذة”.
وخلاصة القول أنّ المطران ملاتيوس ابن الزعيم كان خير خلف لسلفه ومعلّمه المطران ملاتيوس كرمه(9)، لا في إدارة الأبرشيّة الحلبيّة فحسب، بل أيضاً في دفع عجلة الثقافة بين أبناء رعيّته وسائر مواطنيه. وأنّه بفضل مَن عمل تحت يده وبإشرافه، أنْتَجَ أدبياً أكثر ممّا أنتج معلّمه. فكان أوسع أفقاً منه، إذ تناول بالبحث والتأليف والترجمة والنسخ مواضيع تاريخيّة وعلميّة عامّة خرج بها عن نطاق الطقوس واللاهوت الضيّق، وبرز في ميدان الثقافة الشاملة الواسع. فكان في هذه الأمور كلّها رائدًا وقدوة لجميع معاصريه.

حواشي البحث

اضافة الى ما اوردناه بين قوسين (…) في التدوينة من اضافات ونقد… الحواشي التالية

1)إنّ الأب قسطنطين الباشا المخلصي يدافع بقوّة عن كثلكة صاحب الترجمة وهذا دأبه وفي كل كتاباته، بينما يميل  حبيب الزيات إلى اعتباره ارثوذكسياً
– طبعة الأب قسطنطين الباشا في حريصا سنة ١٩١٣ ،صفحة ٤٣ وما يليها.. راجع مقاله في مجلّة المشرق، سنة ١٩٣٢ ،صفحة ٨٨١ -٨٩٢ .
2) أيّ جاثليقاً. والجاثليق هو مَن يفوّضه البطريرك على منطقة برمّتها، مخوّلاً إيّاه جميع صلاحياته الكنسيّة ويرأس باسم البطريرك وبمنصبه.

3) السؤال الملحاح: لماذا نجد مخطوطات تعنى بنشأة الروم الكاثوليك و…المخطوطات التي كتبها بولس بن الزعيم عن والده البطريرك الأنطاكي الارثوذكسي ابن الزعيم منذ كان مطرانا لحلب  في مكتبة الفاتيكان ومكتبة دير الشير وسواهما من مكتبات اديرة الروم الكاثوليك واليسوعيين و… ولا نجدها في مكتبة المطرانية الارثوذكسية بحلب وفي مكتبة البطريركية في دمشق (كانت موجودة وتحمل ارقاماً تسلسلية قديمة وقد اخفتها يد باغية) وبقية مكتبات الكرسي الانطاكي بما فيها البلمند الا بما ندر وبرأينا ان السبب هو ان الرهبان الغربيين او الكهنة الكاثوليك الذين سمحت لهم الرئاسات الارثوذكسية بالعمل على هذه المخطوطات واستفاد منها المطران ادلبي واكتشفنا فقدانها عندما تسلمنا تأسيس دائرة الوثائق البطريركية ومقارنة الارقام مع الموجود وعرفنا من كان يدخل الى المكتبة وقد استفاد منها هؤلاء ومن كتاباتهم اعتمد المطران ادلبي على مقالاته ذات الصلة، ثم نقل لنا مشاهدون ثقاة انها موجودة عند هؤلاء في الوطن ومهاجرهم وقد خانوا اصدقاءهم  في الرئاسة الارثوذكسية وخانوا ثقة الدخول الى المكتبة بدون مرافق ولم يكن للمكتبة قيم او امين… ونحن لن نفصح في اسماء الكهنة هؤلاء حرصاً على كرامتهم ككهنة ولذكرى من توفي منهم خاصة وهم اعلام في الكنيسة الكاثوليكية الشقيقة، واستطعنا الحصول بطرقنا على صور من هذه المخطوطات وقمنا بتجليدها واضفناها الى دائرة الوثائق البطريركية بدل الاصل المسروق، ولكنها قطعاً لاترقى الى مكانة المخطوط الاصل وبكل اسف،

كان المرسلون الرهبان قبل نشوء الكثلكة وكما ورد في سيرة مطران حلب ابن الزعيم “انهم كانوا يتمتعون بحرية الحركة في التبشير والنشاط وفتح المدارس…” هم من اختلسها وارسلها الى هناك  في رومة والاديرة الكاثوليكية، وهي ملك لمطرانية حلب الأرثوذكسية والحال ذاته وجودها في مكتبة دير الشير الذي صار المقر البطريركي لكيرلس طاناس بعد ان افرغ المقر البطريركي بدمشق من كل التحف والالبسة الكهنوتية والمخطوطات التي جاء بها البطريرك كرمة والبطريرك ابن الزعيم من حلب وكذلك البطريرك الدباس وصارت موجودة مع المطبعة البلمندية في دير الشير… وكما فعل الرهبان الموالون لرومة برئاسة الشماس الزاخر الذين نقلوا المطبعة البلمندية ومخطوطات المكتبة البلمندية بعد ظهور الانشقاق وقبل وصول البطريرك الارثوذكسي الشرعي سلبسترس القبرصي…الى دمشق من القسطنطينية مروراً بحلب ومكيدة السمك التي دبرها الرهبان المرسلون في مأدبة الحلبيين ترحيباً بقدوم سلبسترس والسمك غير جائز في الصوم الكبير المقدس فقلب البطريرك المائدة  غاضباًعندها اعلن معظم الحلبيون الارثوذكس الكثلكة وصارت حلب في معظمها كاثوليكية. 

ومن الجدير ذكره ان حلب كانت كعبة للمخطوطات من مسيحية واسلامية ومتنوعة وبالعربية واليونانية والسريانية… فقد نقلها المستشرقون وكثير منهم كانوا من الارساليات الرهبانية الى اوربة وروما تحديدا واودعت في الاديرة التي تحول الكثير منها الى جامعات تعد اليوم من اعرق الجامعات، حتى ان البطريرك العظيم غريغوريوس الرابع اوفد مدير مكتبة البطريركية العلامة عيسى اسكندر المعلوف الى حلب لشراء نوادر المخطوطات وكان منها المخطوطات العديدة التي قدمها كهدية لقيصر روسيا نيقولا الثاني عام 1913 عندما دعاه ليرأس احتفالات آل رومانوف الكبرى بمناسبة مرور 300 سنة على تملهم عرش روسيا وهي محفوظة في الكرملين.

4) نذكر هنا بأن هذه المناطق كانت كلها ارثوذكسية وان خروج الكاثوليك من الكرسي الانطاكي تم فعلياً عام 1724 (ورسميا عام 1835 اي بعد 101 سنة باعلان اقامة بطريركية للروم الكاثوليك بعهد بطريركها السيد مكسيوس مظلوم الحلبي) عندها صاروا كاثوليكاً بينما وصف زيارة هذه المناطق والاديرة كان قدتم من قبل مطران حلب ملاتيوس بن الزعيم عام 1642 ووفق مخطوط ابنه.

5) ليس من سند مخطوط  داعم لهذا الكتاب “المنسوب” وكان بامكانه الكتابة الى البطريرك بدمشق طالباً التفسيح مع التأكيد على ان هذا من موانع الزواج التي تؤكد عليها الكنيسة الارثوذكسية قاطبة بعكس الكنيسة الكاثوليكية وفق مابذره رهبان روما في نشاطهم من تسهيلات تنافي روح الايمان الارثوذكسي الذي عاشه المسيحيون الارثوذكس كالزواج من الاقارب بالدرجة الرابعة… وهذه كانت من اسباب الانشقاق عن الارثوذكسية واعتناق الفكر الكاثوليكي، مع اظهار ان الثقافة اللاهوتية كانت محدودة بين ابناء الشعب وهي محصورة ببعض الاكليروس الارثوذكسي العالي بينما البقية غير متعلمين ويقومون بطقوس الليتورجيا وفق العادة التي اعتادوا عليها، ولكن مع التأكيد على الايمان الارثوذكسي بدون نقاش بين الاكليروس والشعب، وهذا مايدفعنا الى نقض فكرة يروج لها سيادة المطران ادلبي وكتاب التاريخ الكاثوليك “سعي فريق من الرعية للاتحاد برومة” وهو برأينا ان كان قد حصل، كان نتيجة التعليم الكاثوليكي المنظم للاحتواء والاستلاب عندما تحين الساعة وقد اتت عام 1724 بمأدبة السمك في الصوم الكبير وقد نجحوا… 

6) الكلام هذا لم يرد في اي مخطوط وارى فيه اقل مايمكن انه حط من قدر هذا العلم العظيم ان لم نقل انه افتراء، ويقينا ان ابن الزعيم كان ارفع من حب الظهور وهو الذي اعتذر عن قبول البطريركية ولم يقبلها من معلمه وحبيبه افتيموس الصاقزي الا بعد التهديد بالحرم، وكان قد امضى ردحاً من حياته راهباً متجرداً في دير القديس سابا كعبة الرهبنة لحقيقية ومطرح التجرد عن المجد الشخصي…

7) انظر الخوري يوسف المصور والمدرسة الحلبية وعائلته هنا في باب اعلام كنسيون وفي باب كنيسة انطاكية

8) الخوري ميخائيل بجع وعلى رواية المطران ادلبي كان كاثوليكيا مستترا واعلنها لاحقا وتلمذ تلاميذ هم  من الروم الكاثوليك ومنهم الشماس عبد الله زاخر ومنهم من تولى السدة البطريركية الكاثوليكية.

9) البطريرك ملاتيوس كرمة الذي لم تدم مدة بطريركيته الا اقل من سنة والمنسوب اليه كثلكته وانه طلب من الرهبان فتح مدرسة لتعليم ابناء رعيته الروم لما كان مطرانا بحلب هذا البطريرك العالم يعود اليه الفضل في احداث المكتبة البطريركية بدمشق معظمها من مخطوطاته التي نقلها من حلب، والفضل في احداث المدرسة البطريركية عام 1635 في الصرح البطريركي بدمشق والتي حملت بعد ذلك اسم المدرسة الآسية ومعلوم ان هذه المدرسة وكما اثبتنا في كتابنا الصادر عام 1991 عن البطريركية بدمشق وهو بعنوان “الآسية مسيرة قرن ونصف” انها احدثت بأيدي وطنية ولم تقرب اليها اية بعثة تبشيرية ومولتها الرعية الارثوذكسية الدمشقية الفقيرة. لذا لانشاطر الرأي لمن اعتبره ميالاً للكثلكة او ساعياً لها او مهد لقيامها بين الرعية الارثوذكسية الحلبية… ونعتقد انه كبقية مطارنة وبطاركة انطاكية المنفتحين وجميعهم وقعوا ضحية هذا الانفتاح بخسارة العديد من رعاياهم لكن لم يكونوا يوما كاثوليك كما اثبتنا هنا وفي المقالات ذات الصلة.  

مصادر البحث

* كتاب المطران ناوفيطوس ادلبي ” اساقفة حلب الروم الملكيين”
* سيرة مخطوطة ذكرها المرحوم الأب بولس سباط في فهرس مخطوطاته
تحت الرقم 2446 ،وقدكتبت سنة 1675 ،ولكنّها لا تزال مفقودة. كتاب اساقفة حلب الملكيين لمطران حلب للروم الكاثوليك ناوفيوس ادلبي الذي استقينا منه الكثير وله منا الشكر علما عن نقدنا ونقضنا للكثير من الافتراءات والافتراضات التي وردت فيه بدون ادلة دامغة على تيار الكثلكة الجامح عند البطاركة في القرنين 17 و18 وفريق كبير من الحلبيين…
* مجلّة النعمة البطريركية الارثوذكسية بدمشق، السنة الرابعة، صفحة ٣٦ -٤١ .
* مجلّة المشرق اليسوعية، سنة ١٩٠٩ صفحة ٤٩٤ ،سنة ١٩٣٦ صفحة ٣٧٦ ،سنة
صفحة ١٩٣٢ سنة، ٩٢٠ -٩١١ صفحة ١٩٣٣ سنة، ٦٨٢ صفحة ١٩٢٥
.٨٩٢ -٨٨١
C. KOROLEVSKIJ, dans DHGE, t. III, p. 642 sq.
V. GRUMEL, Macaire, patriarche grec d’Antioche (1647- 1672), dans
Echos d’Orient, t. 27 (1928), p. 68- 77.
G. GRAF, Geschichte der christl. Arab. Literatur, t. III, p. 94- 110.
L. CHEIKHO, Cataloque, p. 138 sq. et. P. 241 sq.