القديس سمعان الشيخ الصدّيق القابل الإله والقديسة حنّة النبية
تحتفل الكنيسة الارثوذكسية الرسولية المقدسة بتذكار دخول ربنا يسوع المسيح طفلاً الى الهيكل في الثاني من شهر شباط من كل عام ( التقويم الغريغوري) وتحتفل في ٣ شباط أي في اليوم التالي بتذكار الكاهن والشيخ الوقور سمعان الذي حمل على يديه الطفل الإلهي يسوع لما جاءت به أمه مريم البتول الى الهيكل بعد أربعين يوم من وضعها إياه لتتم مراسيم الشريعة.
وقد أشار البشير القديس لوقا الإنجيلي الى هذا الرجل الشريف البارقائلاً:”…واذا برجل اسمه سمعان كان في اورشليم. وهذا كان رجلاً مستقيماً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل وكان روح القدس عليه، وكان قد أُوحي اليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت حتى يشاهد المسيح الرب.فأقبل بالروح الى الهيكل، ولما أدخل الطفل يسوع أبواه(١) ليقضيا عنه على مقتضى الناموس، أخذه على ذراعيه وبارك الله…” ( لوقا ٢ : ٢٥ – ٢٨)
يتبين لنا من خلال هذه الكلمات أن المسيح المخلص كان قدومه منتظراً بفارغ الصبر. وان الله اختار هذا الكاهن الورع ليحمل “كلمته المتجسد لا بالوهم ولا بالخيال بل بالحقيقة” كما سبق واختار من بين كل النساء مريم العذراء لتكون أماً بالجسد لابنه الوحيد الذي هو من جوهره الإلهي.
سمعان الشيخ في العهد القديم
لم يتح للانبياء والرسل أن يعاينوا المخلص ويسروا به على حد قول السيد المسيح: ” الحق أقول لكم أن كثيراً من الأنبياء والصديقين تمنوا أن يروا ما انتم تسمعون فلم يسمعوا” (متى ١٣: ١٣ – ١٧)
اما سمعان الشيخ فإنه سر وإذ رأى بأم العين الطفل الإلهي. وكان متأكداً انه هو الموعود به لأنه أُوحي اليه بالروح القدس أن يأتي الى الهيكل ليستقبل الطفل المبارك. ولما حمله على يديه الطاهرتين شعر بغبطة فائقة الوصف. وكان نصيبه كهؤلاء الذين شاهدوا السيد فغبطهم قائلاً: ” اما أنتم فطوبى لعيونكم لأنها تبصر ولأذانكم لأنه تسمع” (متى ١٣ :١٦)
مدَّ الشيخ ذراعيه ليحل عليهما ” المعزي” وكأن العالم أجمع اشترك معه في ذلك.
ضمّه الى صدره فشعر بلاهوته، وحينئذ اطمأن الى ان الله تفقد خليقته وتمم وعده الصادق فأرسل ابنه معزياً للبشرية.
ولما لم يعد لهذا الشيخ فرحة تضاهي هذه الفرحة وكان الله قد وعد بأن لا يريه الموت قبل أن يرى المخلص، فبعد أن نال غبطة مشاهدة ” المعزي” طلب من الله عتقه من هذه الحياة بقوله: ” الآن تطلق ياسيد، عبدك بسلام على موجب قولك، فإن عيني َّ قد رأتا خلاصك الذي أعددته قدّام وجه جميع الشعوب، نوراًليضيء للأمم ومجداً لقومك إسرائيل”. (لو ٢: ٢٩ -٣٢).
وأراد الله ان يزيد قيمة هذا الشيخ الجليل فيجعله يتنبأ بمصير هذا الطفل القدوس وبحال مريم البتول.
وهكذا نراه يوجه الكلام الى مريم ويقول لها: ” ها ان هذا موضع لسقوط كثيرين من إسرائيل وقيامهم وعلامة للمخالفة”. فأما أنتِ فسيجوز في نفسك سيف حتى تظهر أفكار قلوب كثيرة”.( لوقا ٢: ٣٤ -٣٥).
وما تفوه به هذا الكاهن الجليل قد تم فيما بعد. فقد تألم السيد المسيح وأهانه اليهود الأشرار وصلبوه، غير أنه قام من بين الأموات منتصراً. ومن اتبع تعاليمه السماوية نال المواعيد الإلهية. ومن قاومها ولم يعمل بها هلك وكان هلاكه بحق كما قال السيد له المجد نفسه: “لو لم آتِ وأكلمهمْ لم تكن لهم خطيئة والآن فليس لهم تعلل في خطيئتهم .” ( يوحنا ١٥ : ٢٢).
ولاشك أن مريم أم يسوع التي شاهدت ابنها الوحيد يُهددْ بالقتل من اليهود، ثم رأته معلقاً على الصليب تألمت كثيراً في حين انهاكانت تتوقع المجد والإكرام لإبنها الطاهر.
فسمعان الشيخ كان كاهناً ونبياً معاً. وقد ناب عن البشر في اتحاده مع الله لما حمل الطفل الإلهي على ذراعيه.
جاء في كتاب شرح الأناجيل الأربعة المقدسة لـ يعقوب ابن الصليبي، يذكر أكثر من قصة تقليدية عن سمعان الشيخ، وإن سمعان هو أحد مترجمي العهد القديم بما تسمى الترجمة السبعينية، ويدور الموضوع حول النبوة التي قالها اشعيا النبي لآحاز ملك يهوذا (ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل) اشعيا 7: 14، ففي اللغة العبرية هي على الشكل التالي
לָכֵן יִתֵּן אֲדֹנָי הוּא, לָכֶם–אוֹת: הִנֵּה הָעַלְמָה, הָרָה וְיֹלֶדֶת בֵּן, וְקָרָאת שְׁמוֹ עִמָּנוּ אֵל
قال اشعيا النبي: ها علَيمه أي الشابة فأراد سمعان الشيخ أن تترجم كما هي المرأة الشابة بدل العذراء وإذ كان محتاراً في الترجمة أوعز إليه الروح القدس بأنه لن يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب. ولكن نعود إلى كلمة ها عليمه الشابة
علماء اليهودية لا يرون ما اقتبسه متى الانجيلي من الترجمة السبعينية (هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل) في إنجيله عن ولادة الرب هي ترجمة صحيحة لكلمة ها عليمه بمعنى عذراء، حيث إن المعنى الصحيح هو الشابة.
لكي نتفهم الموضوع جيدا يجب أن نبدأ من عند اشعيا النبي قبل أن يملك آحاز على يهوذا، أخذ رصين ملك أرام يجهز لنفسه جيشا لمحاربة مملكة يهوذا، ثم ليس بعد جلوس آحاز على العرش بكثير يصعد عليه رصين بالاتفاق مع ملك إسرائيل فقح بن رمليا، فوقع خوفا عظيما على آحاز، حاصروه طويلاً دون أن يقتحموه،
ولكن آحاز يرسل رسلاً إلى تغلث فلاسر ملك آشور يطلب النجدة بعد أن قدم له ذهباً من الهيكل، فصعد تغلث فلاسر إلى دمشق وسباها وقتل رصين ملكها وهكذا تنتهي مضايقة رصين ملك آرام لآحاز ملك يهوذا.(2: ملوك إصحاح 15- 16)أما اشعيا النبي يُرسله الرب إلى آحاز لأنه خاف خوفاً عظيماً من هذه المحاصرة فكان كلام الرب لآحاز كلام تشجيع، بأن الله سوف ينصره على أعدائه، ثم يعود الرب ويكلمه ثانية قائلاً له.
“اطلب لنفسك آية من الرب الهك. عمق طلبك أو رفعّه إلى فوق. فقال آحاز: لا أطلب ولا أجرب الرب. فقال اشعيا: اسمعوا يا بيت داود! هل هو قليل عليكم أن تضجروا الناس حتى تضجروا الهي أيضاً، ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل”( اشعيا 7: 11- 14).
1- هل يمكن أن تكون هذه العلامة ولادة طفل من فتاة، سند واطمئنان للانتصار على رصين ملك أرام؟
آ- أي علامة هي هذه؟ أليس كل الفتيات يتزوجن ويجبلن ويلدن!
ب- آحاز يلزمه عوناً في الحال وليس في المستقبل القريب أو البعيد.
ج- إلى أي فتاة من بنات الملك أشار الرب، لأن ابن الملك آحاز كان مولودا آنذاك.
د- وإذا كانت هذه الفتاة واحدة من بنات الملك آحاز لماذا لم يقل تسميه أنت أيها الملك إكراماً له، ولما كان هذا المولود ليس أبن الملك أو أحفاد الملك، قال الرب بفم اشعيا تسميه أي الأم تسميه، ونفهم أيضا بأن لا دور للأب الجسدي في هذه الحالة، ليعطيه اسماً وينسبه لنسبه كما هو الحال في التقليد اليهودي، كما لم يسجل العهد القديم بان إحدى بنات السلالة الملكية الداؤدية أنجبت ابناً وأسمته عمانوئل.
ه- نفهم من التقليد اليهودي إن كلمة فتاة تدّل أيضا على عذراء كما جاء في سفر التكوين عندما ذهب خادم إبراهيم ليأخذ زوجة لإسحاق وهو واقف على العين إن الفتاة عليمه التي تخرج لتستقي هي تكون زوجة. تكوين 24: 43 أخت موسى النبي دُعيت فتاة عليمه لأنها صغيرة وغير متزوجة عندما كانت تراقب ابنة فرعون وهي تنشل أخيها من النيل. (خروج 2: 8) وضاربات الدفوف في الهيكل هنّ فتيات عذارى ولسن متزوجات كما لسن معنسات عذارى.
2 – يتحجج حاخامات اليهود بأن العلامة التي تكلم عنها اشعيا إن عنت ولادة المسيح من العذراء مريم فيكون آحاز وكل قومه ماتوا وانحلت أجسادهم لأن الفترة مابين آحاز ومجيء المسيح الرب أكثر من سبعمائة سنة، فهل من المنطق أن يجمد الزمان إلى أن يأتي المسيح ليخلص آحاز من أعدائه؟ طبعاً لا! وقال آخرون: إن هذا الصبي كان ابن اشعيا كما جاء في الإصحاح الثامن 3-4 (فاقتربت إلى النبية فحبلت وولدت ابناً. فقال لي الرب ادعو اسمه مهير شلال حاش بز لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو يا أبي ويا أمي تُحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك آشور.) نلاحظ الأم ليست فتاة لكنها سيدة متزوجة، واسم الصبي ليس عمانوئيل، ومن قراءتنا لسفر الملوك الثاني الإصحاح السادس عشر إن الذي ساعد آحاز على أعدائه كان تغلث فلاسر ملك أشور. الأمر الذي يعود بنا من حيث انطلقنا.

إن هذه النبوة لا تشير إلى علامة خلاص إلا من جهة واحدة وهي
:وعد الله لإبراهيم (وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطي نسلك جميع هذه البلاد وتتبارك في نسلك جميع أمم الارض) (تكوين 26:4).
ويتنبأ يعقوب على ابنه يهوذا: “فيقول يهوذا إياك يحمد اخوتك. يدك على قفا أعدائك يسجد لك بنو أبيك يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد وكلبوة. من ينهضه لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون “صاحب السلطة” وله يكون خضوع شعوب” (تكوين 49:8-10).
ثم ينتقل هذا الانحدار ليتخصص بنسل الملك داود حيث يعده الرب قائلاً: “يأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد”. 1صموئيل7: 16. وفُهم من هذه الوعد بأن المسيّا سوف يأتي من صلب الملك داود، فاشعيا النبي أراد أن يؤكد لآحاز بأن بيت داود هو محصن من قبل الرب إلى مجيء المسيح، فلماذا لا تؤمنون بوعد الله وتضجرون الناس والله له المجد، وبهذا الشكل تظهر النبوة علامة الثقة بحماية الله لبيت داود ولكن اشعيا يزيد على الثقة بالرب بكيفية مجيء المسايا الموعود به، الملك الأبدي هو من نسل الفتاة مريم بنت داود الملك.
شهادة سمعان الشيخ على إلوهية الطفل يسوع المسيح
أوعز الروح القدس للبار سمعان الشيخ بقدوم المسايا المنتظر إلى الهيكل، لقد ميّز سمعان الطفل يسوع من بين باقي الأطفال بشكل إعجازي فحمله على ذراعيه وقال: “الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عينيّ قد أبصرتا خلاصك، الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب نور اعلان للأمم ومجداً لشعبك اسرائيل”. (لوقا 2: 30- 32).
يعقوب “إسرائيل” وهو يتنبأ على أولاده فجأة يقول: “لخلاصك انتظرت يا رب” تكوين 49: 18. واشعيا النبي يقول: “قد شمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم فترى كل أطراف الأرض خلاص الهنا” (اشعيا 52: 10).
لقد ُلقب المسيّا المنتظر بالخلاص، من كل آباء العهد القديم الذين كانوا ينتظرون الخلاص في شخص المسيّا، وإن الله هو الخلاص.
أراد الشعب اليهودي فهم الخلاص بالمسيح يسوع أو المسيّا، خلاصاً من أعداء محاصرين له فيكون بهذا الشكل عمل المسيّا عمل محصور في جغرافية محددة وأيضاً زمن محدد، أو شعب معين من بين شعوب كثيرة، وإذا كانت نظرة اليهود لله أو المسيّا نظرة محدودة بهذا الشكل، فما هو الفرق اذن بينهم وعبدة الأوثان،
لأنه في معتقدهم هذا يكون الله إلها محدوداً في شعب معين وليس إلها مطلقاً اي إلهاً لهم وحدهم مخلصاً وقائداً حربياً يحررهم من الاستعباد، أو الشعب اليهودي يعرفه كإله يدافع عنهم، والرب يعرفهم ويجب يدافع عنهم لكي يحافظ على منصبه الإلهي بينهم، وكأنه صراع آلهة مع بعضها البعض على تعظيم نفسها بين أكبر عدد ممكن من الشعوب لتعبدهم،
ولكن هذا لا يتفق مع الله خالق الكل له المجد، الله لا يمّيز بين خليقته، والخلاص الإلهي ليس عملاً محصوراً في زمن ولا في منطقة جغرافية محدودة، ولا في شعب معين لأن الله ليس محدوداً بل مطلقاً، ففي بدء عمله الخلاصي أكد لكل الأمم مدى محبته لهم وليس كقائد عسكري يحرر شعب واحد ضد شعوب،
ففي العهد القديم كم من مرة نصرهم الرب أو خلصهم الرب من أعدائهم ولكن كانوا يرجعون ويخونون العهد، فإذا كان المسيّا يأتي ليخلصهم من مضايقيهم نرى بأن هذا الأمر كان ساري المفعول الرب يقوم به وقد قام به مراراً وتكراراً، ولكن مع كل هذا الرب وعدهم بالمسيّا فما هو عمل المسيّا؟
لا بد من أن ننظر إلى عمل الخلاص المنتظر من النظرة الإلهية لنفهم معنى الخلاص، إن كان الله يخلص شعب واحد من بين شعوب فهذا يعني أحد الأمرين.
أ– يخلص شعب من شعوب شريرة، ولكن ماذا عن الشعوب المبتلية بالشر؟ ألا تستحق الخلاص من الشر؟
ب– تفضيل شعب على شعوب هو خلق كراهية بين الشعوب، كما فعل يعقوب أحب يوسف فكرهه إخوته.
معنى اسم سمعان الشيخ
إسم أرامي – عبري معناه “الذي يسمع، المطيع، الذي يُصغي”، وفي العبرية هو شمعون Shimeon.
نقرأ في سفر التكوين: “فحبلت ليئة وولدت ابناً ودعت إسمه راوبين. لأنّها قالت إن الرّب قد نظر إلى مذلّتي. لأنّه الآن يحبنّي رجلي. وحبلت أيضًا وولدت إبنًا وقالت أن الرّب قد سمع إني مكروهة فأعطاني هذا أيضًا. فدعت إسمه شمعون (سمعان) (تكوين ٣٢:٢٩-٣٣)”
“إن حنّة اللاهجة بالله وسمعان الكليّ السعادة لما تلألآا بالنبوءة وظهرا بلا عيب في الشريعة، أبصرا الآن معطي الناموس ظاهرا طفلا على صورتنا وسجدا له. فلنعيّد اليوم لتذكارهما بفرح ممجدّين بحسب الواجب يسوع المحبّ البشر” (قطعة على يا رب إليك صرخت – صلاة المساء) هكذا وصفت إحدى الترنيمات خدمة القدّيسيّن حالهما. كانا بارّين نبيّين، لذلك أبصرا معطي الشريعة طفلا. لقد قيل الكثير عن سمعان وحنّة. الشيء الثابت الوحيد بشأنهما هو ما ورد في نص لوقا الانجيلي، الاصحاح الثاني. فأما سمعان تفكان ترجلا في أورشليم، بارا تقيا، والروح القدس كان عليه. وكان قد أوحي له انه لا يرى الموت قبل ان يرى مسيح الرب. هذا جاء بالروح إلى الهيكل. فعندما دخل يوسف ومريم بالصبي إتماما لمقتضيات الشريعة، أخذ سمعان الصبي على ذراعيه وبارك الله.
هل كانت لسمعان صفة معيّنة أخذ الصبي بين ذراعيه على أساسها؟
لا نعرف…
ثم فتح فمه قائلاً:” الآن تطلق عبدك حسب قولك بسلام، تفإن عينيّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام كل الشعوب، نورا لاستعلان الأمم ومجدا لشعبك إسرائيل”.
بعدما صلّى كذلك وجّه كلامه إلى مريم قائلا:”ها إن هذا قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين في اسرائيل ولعلامة تُقاوم. وأنت أيضا يجوز في نفسك سيف لتُعلن أفكار قلوب كثيرة”. هذا كل شيء بالنسبة لسمعان.
أما بالنسبة لحنّة فقيل إنها نبيّة
وهي بنت فنوئيل، من سبط أشير، أحد أسباط إسرائيل الاثني عشر. كانت متقدّمة في أيامها. عاشت مع زوجها سبع سنوات ثم ترمّلت ولم تتزوج من بعد، وقد بلغت في تلك الأيام التي التقت فيها الطفل يسوع الرابعة والثمانين. خلال هذه الفترة الطويلة من عمرها لم تفارق الهيكل وكانت عابدة بأصوام وطلبات ليلا ونهارا. وقد وقفت آنئذ تسبّح الرب وتحدّث عنه جميع المنتظرين فداء في أورشليم. كل ما عدا هذا الذي ورد في إنجيل لوقا عن الصدّيقيّن أبدعه وجدان الأجيال المتعاقبة تعبيرا عن الصورة التي ارتسمت عنهما في الأذهان. فلقد اعتُبر سمعان شيخاً مع أنه لا توجد كلمة واحدة في نص لوقا الانجيلي تؤكد انه كان طاعنا في السن. بعض الأخبار بالغت في تحديد سنّه فجعله يتجاوز المائتين والثمانين عاما. وقد شغلت هوية الرجل الناس: مَن يكون؟ فقال قوم إنه سمعان الذي وبّخ أرخيلاوس الذي ملك بعد موت هيرودوس الكبير، والذي تزوّج أرملة أخيه. وقال آخرون بل هو سمعان بن هلال، أبو غمالائيل المذكور في سفر أعمال الرسل والمقال عن بولس الرسول إنه تتلمذ عند رجليه (أع3:22) فريسيا.
هذا ذُكر انه كان رئيسا للسنهدريم (مجمع اليهود) عام 13م. وربطا لسمعان بالأنبياء ، لا سيما اشعياء، قيل إن سمعان لما قرأ اشعياء14:7، وفق النص السبعيني,، والذي فيه ” ها أن العذراء تحبل وتلد إبنا ويدعى إسمه عمانوئيل”، خطر له اي يغيّر كلمة “عذراء” بكلمة “صبية”، ففعل. فلما عاد في اليوم التالي وجد لفظة “صبية” ممحاة ولفظة “عذراء” في محلها. فأيقن انه ليس على الله أمر عسير. ثم أُوحي إليه انه لا يموت قبل ان يرى مسيح الرب.
هذا ويحلو لقوم ان يطلقوا على سمعان لقب”رقيب الصبح” ان يروا فيه صورة من قيل عنه في المزمور 129: “من أجل اسمك يا رب نظرت إليك. نظرت نفسي إلى كلامك. توكّلت نفسي على الرب. من انفجار الصبح إلى الليل فليتّكل إسرائيل على الرب لأن من الرب الرحمة ومنه النجاة الكثيرة وهو ينجّي إسرائيل من كل آثامه”(5-8).
ثمة تقليد يستفاد منه ان سمعان لم يكن لا كاهناً ولا فرّيسياً بل رجلاً باراً تقياً، عمره في حدود المائة والاثني عشر عاما. هذا ربما كان أدنى من سواه إلى الواقع. أنّى يكن الأمر فإنه يُتوقع ان يكون سمعان قد رقد بعد فترة قصيرة من معاينة مسيح الرب. وقد ورد أن رفاته كانت تكرّم في القسطنطينية في كنيسة القديس يعقوب، في القرن السادس للميلاد، أيام الأمبراطور يوستينوس. أما حنّة فنموذج للأرامل والعذارى والرهبان الذين يلازمون العفة ويجاومون على الصوم والصلاة ولا يفارقون العبادة ليلا ونهارا. تعيد لهما كنيستنا الأرثوذكسية في الثالث من شهر شباط.
سمعان الشيخ مهم جداً في التاريخ اليهودي
يُقال إنّه كان بعمر ١١٢ سنة عندما حمل الرّب يسوع المسيح على ذراعيه. (متّى المنحول).
هو ابن العلّامة العظيم هليل الذي أنشأ مدرسة هليل، والذي كان رئيس مجمع السنهدريم لمدّة أربعين سنة، وهو والد العلامة غمالائيل معلّم بولس الرسول عندما كان اسمه شاول وهو الفريسي الطرسوسي المتعصب للشريعة الموسوية.
عُيّن رئيسًا للمجمع بعد والده قبل زمان المسيح، ولكن تم إخفاء كلّ الكتابات عن زمنه وشهاداته، رغم أنّه أوّل من حصل على لقب رابان، وهو لقب راق جدًا في المجمع اليهودي.
وهنا الأمر الغريب جدًا هو أن تُخفى كتاباته وشروحاته وهو يحمل هذا اللقب الكبير، وهو ابن معلّم من أهم الرؤساء اليهود صاحب مدرسة باسمه وهي “مدرسة هليل”.
لم يكتب عنه في المشنه ولا في التلمود والجمار، رغم أنّها تكلّمت على من هم أقل أهميّة بكثير منه، وهذا شيء يتعجّب له اليهود أنفسهم، فهو رجل من أعظم شيوخ اليهود ولم يُذكر له أخطاء تدينه، فلماذا إذًا تم إخفاء تاريخه من قبل اليهود؟
هم يكتفون بذكر:”يسوع الناصري انه ولد في بيت لحم في سنة 3761 من الخليقة، وهو في السنة 42 من اغسطس قيصر، وكان ميلاده في آخر أيّام الرابان سمعان ابن هليل”. وهذا يعني أنّه رئيس عظيم وطاعن في السن.
هذا التعتيم يؤكّد أنّه لم يرق للمعلّمين اليهود ما قاله سمعان، أي قوله إن الطفل الذي حمله على ذراعيه هو المسيح المولود من العذراء بحسب آية إشعياء النبي(١٤:٧)، والتي لطالما شغلته هذه الآية بالتحديد، خاصة في ترجمتها السبعينيّة.
هناك من استغرب قائلًا: كيف يعترف سمعان بمجيء المخلّص، المسيا المنتظر، المعزّي، المناحيم، ويكون ابن غمالائيل بعكس معتقد ابيه؟

يمكن للجواب ان يحمل اكثر من شق
– ان اعتراف سمعان الشيخ اتى في آخر أيامه بعد أن ترك رئاسة المجمع لكبر سنّه.
– ليس من الضروري أن يكون الابن على وعي والده، وهناك أمثلة كثيرة في العهد القديم عن ذلك.
– الفرق الزمني بين اعتراف سمعان الشيخ، وغمالائيل طويل جدًا ويزيد عن الثلاثين عامًا، وقد يكون غمالائيل تأثر بأمور كثيرة.
ولكن يجب التوقّف عند المفارقة الآتيّة:
ألم يدافع غمالائيل بطريقة غير مباشرة عن تلاميذ الرّب يسوع؟
“فقام في المجمع رجل فريسي اسمه غمالائيل، معلّم للناموس، مكرّم عند جميع الشعب، وأمر أن يخرج الرسل قليلاً”.
ثم قال للسنهدريم، أي المجمع اليهودي: «أيّها الرجال الإسرائيليون، إحترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس في ما أنتم مزمعون أن تفعلوا… تنحّوا عن هؤلاء الناس واتركوهم! لأنّه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض، وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله أيضًا». فانقادوا اليه. ودعوا الرسل وجلدوهم، وأوصوهم أن لا يتكلّموا باسم يسوع، ثم أطلقوهم. (أع ٥: ٣٣ـ٤٠)
يُذكر أن غمالائيل، والذي يعني اسمه هديّة الله، قد تعمّد على يدي القدّيسين بطرس ويوحنا، لكن ليس عندنا إثبات على ذلك.
معنى اسم حنة النبية
إسم حنّة عبري مشتق من فعل “شنا” الذي يشير إلى الحنان والرأفة والنعمة، وهو في جذوره مرتبط أيضًا بالفعل العبري”شع” الذي يعني الخالص. كما هو اختصار لإسم حنانيا الذي يعني بدوره الله تحنّنن. فكل هذه الأسماء حنّة، حنانيا، يوحنا هي من الجذر ذاته وتشير جميعها أن يهوى حنون أيّ الله حنون.
حنّة هي بنت فنوئيل أي “وجه الله”، ومن سبط أشير.
أشير هو أحد أسباط إسرائيل [يذكر سفر التكوين أن زيلفا، جارية ليا زوجة يعقوب، ولدت إبنًا ثانيًا له من بعد جاد، وسمتّه أشير الذي يعني “مغبوط” أو “سعيد”(١٢:٣٠)]. وكلمة سبط تعني “عصا” أي جماعة يقودها رئيس يحمل عصا الرعاية والتآديب.
– عدد الاسباط اثني عشر وهم (بحسب ترتيب الولادة)
١-رأوبين، ٢-شمعون، ٣-لاوي (فُرز للخدمة الكهنوتيّة)، ٤-يهوذا، ٥-دان، ٦-نفتالي، ٧-جاد، ٨-أشير، ٩-يساكر، ١٠-زبولون، ١١-يوسف (ولد منسّى وإفراييم)، ١٢-بنيامين.
حنة ارملة ونبية
كانت حنّة متقدّمة في السن، وقد عاشت مع زوجها سبع سنوات ثم ترمّلت ولم تتزوج من بعد، وقد بلغت في تلك الأيام التي التقت فيها الطفل يسوع الرابعة والثمانين. خلال هذه الفترة الطويلة من عمرها لم تفارق الهيكل، وكانت عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهارًا. فهي تعلّمنا الجهاد والصبر، “من صبر إلى المنتهى يخلص”(متى ٢٢:١٠). لم يكن عمرها المتقدّم عائقًا، بالعكس تمامًا، حتّى وهي عجوز بالجسد، ظل روحها ينبض حياةً منتظرةً خلاص الرّب.
هي فنموذج للأرامل والعذارى والرهبان الذين يلازمون العفة ويداومون على الصوم الصلاة، ولا يفارقون العبادة ليلاً ونهارًا.
فبعد أن شاهدت الطفل الإلهيّ، أي الطفل المحمول على ذراعي سمعان الشيخ وسمعت إعتراف الآخير، وقفت تسبّح الرّب وتكلّم عنه مع جميع المنتظرين فداء في اورشليم. (لوقا ٣٦:٢ـ ٣٨).
الخاتمة
ان هذا العيد الذي نسميه “دخول السيد الى الهيكل” يدعى ايضاً ” عيد اللقاءاو الالتقاء” هكذا كما ورد في السواعي باللغة اليونانية والروسية والرومانية…الخ. لأن أهمية هذه الحادثة هي ان الله التقى مع خليقته. أو بعبارة أخرى ” إتّحدَ الإله مع البشر” كما ورد في ترنيمة اندراوس بيروس: ” ان الذي يخدمه العُلوِيونْ برعدة، لما تقبله الآن سمعان في الأسفل بساعدين هيوليين، كرز باتحاد الاله مع البشر، ولما رأى الإله السماوي بشراً، انفصل عن الارضيات وهتف بفرح قائلاً: يامن كشفت الذين في الظلام النور الذي لايعروه غروب، يارب المجد لك”.(٢)
ان كنيستنا المقدسة التي تستمد قوتها وتدبير أمورها من الله بنعمة ربنا يسوع المسيح وإلهام الروح القدس، ذكرت مريم العذراءوسمعان الشيخ في ترنيمة يلذُ للمؤمنين سماعها وهي:
“افرحي ياوالدة الاله العذراء الممتلئة نعمة، لأنه منك أشرق شمس العدل، المسيح إلهنا منيراً الذين في الظلام. سُرَّ وابتهج انت أيها الشيخ الصديق حاملاً على ذراعيك المعتق نفوسنا والمانح ايانا القيامة”.(٣)
الحواشي
١)شاع في ذلك الوقت ان يوسف أبو الطفل يسوع، ولم يكن العالم يعرف بعد انه ابن الله، والقديس لوقا يقول في انجيله: ” وكان يعتبر انه ابن يوسف بن هالي” (لوقا ٣ :٢٣)
٢)الميناون في ٨ شباط
٣) المصدر نفسه.
