"تنصُّر العرب"...د. اسد رستم ( كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الأول): ٣٤–٦٣٤م)

“تنصُّر العرب”…د. اسد رستم ( كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الأول): ٣٤–٦٣٤م)

تنصُّر العرب…د. اسد رستم ( كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الأول): ٣٤–٦٣٤م)

وجهة نظر مسيحية

“النصرانية” بدعة هرطوقية

ساد مصطلح النصرانية الى وقتنا هذا‘ في مجتمع قريش لتفشي بدع هرطوقية في ظاهرها مسيحية وفي باطنها تدمير للايمان والعقيدة ( الثالوث الاقدس، سر الفداء والصلب…، واظهار المسيح هو عيسى كنبي والبعض من هذه الهرطقات كانسطورية اعتبره وسط بين الالوهية والبشرية…) وهذا التعليم هرطوقي مخالف في الواقع للمسيحية التي تتمحور  حول اللاهوت والفداء…، نحن لسنا نصارى، نحن مسيحيون نتشرف بهذه الصفة التي اطلقت على المسيحيين الاوائل في انطاكية العظمى السنة 42 مسيحية كأول مكان في العالم، وحملها الكرسي الانطاكي المقدس بفخر الى الكون…

لكن تسمية النصارى التي الصقت بنا  لكوننا في وسط عربي وفق القرآن الكريم والسنة والفقهاء اطلقها حتى اننا جميعا كمسيحيين صرنا نتمسك بها جهلاً اعتقاداً منا بأننا نتمسك بمسيحيتنا كما في تمسك الكثيرين بتسمية وادي النصارى، وان حفلة المعمودية يلفظونها بأنها حفلة التنصير!!! .

لذا وجب علينا التأكيد ان النصرانية  هي تسمية هرطوقية  انطلقت مع بداية القرن السابع المسيحي بشكل واسع فيما كان اصحابها يعيشون بعيداً … في مجتمع الجزيرة العربية كالنسطورية والايبونية  والمشبهون …   وسادوا هناك قبل واثناء الدعوة النبوية وتمسك المؤرخون بها ومعلمنا الدكتور اسد رستم  تمسك بها ليس جهلا بواقعها الحقيقي فهو المعلم والاعلم  وهو مؤرخ الكرسي الانطاكي بحق. بل حفاظا منه على مرويات المصادر، ودقة النصوص، وفقاً لمنهجية التاريخ وكتابة التاريخ…

اقتضى منا التنويه… د. جوزيف زيتون

رسالة عالمية

"تنصُّر العرب"...د. اسد رستم ( كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الأول): ٣٤–٦٣٤م)
“تنصُّر العرب”…د. اسد رستم ( كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الأول): ٣٤–٦٣٤م)

وقال السيد له المجد: «ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني.» وقال بطرس الرسول: «وأما أنتم فشعب مختار وأمة مقدسة.» وهكذا فإنه بعد أن انتصرت النصرانية ( المسيحية) على الوثنية وعمَّتِ البلاد الرومانية بأسرها، اتجهت أنظار الأباطرة والبطاركة إلى ما وراء حدود الإمبراطورية لأداء الرسالة المقدسة وتنصير العالم.

ومن هنا هذا الاهتمام في القرن السادس بالعالم أجمع، وهذه الألقاب «المسكوني» و«المسكونية»، فرب الكون نفسه هو الملك والإمبراطور عبده يحمل رسالة «عالمية» لا بد من أدائها، والإمبراطور يوستينوس يحمي ذمار النصرانية في كل المسكونة، فيصغي لشكوى نصارى اليمن ويطلب إلى النجاشي المونوفيسي أن يتدخل في تلك البلاد النائية لينصر النصارى على اليهود، ومن هنا أيضًا هذا التعاون بين الدولة والكنيسة لتبشير الوثنيين فيما وراء الحدود، وهذا الربط في ولاء الجماهير بين الأباطرة والنصرانية، فكل مَن اهتدى جعل عهد الله بينه وبين الإمبراطور، وضمن له من نفسه مودة وإخلاصًا.

النصرانية  (المسيحية ) والعربية

والعربية في عرف رجال الكنيسة هي الولاية الرومانية العربية التي أُنشِئت في السنة ١٠٥ حول مدينة بصرى، فشملت كلَّ ما وقع بين وادي الحسا في الجنوب، واللجا في الشمال، وبين بحر الميت والأردن من الغرب، حتى أطراف البادية في الشرق.

وجاء في التقليد أن يوسي أخا يعقوب ويهوذا بشر في درعا واستشهد فيها، وأن طيمون أحد الشمامسة السبعة بشر في بصرى وتسقف عليها، وأن يوسف الرامي الذي تشرف بتجهيز الرب بشر في المدن العشر في شرقي الأردن.
وتنجلي الشكوك وينتفي الريب في مطلع القرن الثالث، فيرن صوت الإنجيل في بصرى، ويقوم أوريجينس الإسكندري إليها لينظر في بعض ما قاله أسقفها بيرلس، ويقول بولس السميساطي قولًا لعينًا، فيتوافد الأساقفة إلى أنطاكية للنظر في بدعته، فيمثل العربية زهاء سنوات أربع (٢٦٤–٢٦٨) مكسيموس أسقف بصرى، ولكن الإقبال على النصرانية يظل بطيئًا وتبقى الأكثرية الساحقة وثنيةً طوال القرن الرابع، فلا يؤم القسطنطينية في السنة ٣٨١ للاشتراك في أعمال المجمع المسكوني الثاني سوى خمسة أساقفة فقط؛ أساقفة بصرى ودرعة والسويدا وبراق وشيخ مسكين أو خان النيلة، ثم يرتفع عددهم في المجمع المسكوني الرابع (٤٥١) إلى سبعة عشر، فيجلس في خلقيدونية أساقفة درعة، وعينة، وقنوات، وبراق اللجا، والسويدا، وصنمين، وحسبان، وأفتيمية، وجرش، ومادبا، والشقا، وخان النيلة أو شيخ مسكين، ونوى، وعمان، والشهبا، وأذرع.
ويتبارى المؤمنون في العربية منذ منتصف القرن الخامس حتى الفتح الإسلامي في ميدان الإنشاء، فيحولون معابد جرش والقنوات وشقا وبصرى الحريري وأذرع إلى كنائس، وينهي بوليانوس متروبوليت بصرى في السنة ٥١٢ كتدرائية فخمة جليلة، ويندفع سرجيوس أسقف مادبا في سبيل الإنشاء، فيتم إنشاء كنيسة الرسل في السنة ٥٧٨، ويؤسس القس لاونديوس في السنة ٦٠٣ كنيسة جديدة في مادبا، ويكمل ما أنشأه سرجيوس في إليانة، ثم يلتفت إلى صياغة (الدير في الآرامية) فيُوفَّق إلى إكمال كنيستها الكبيرة، ثم تنشأ الكنائس والأديار في كل مكان آخر في طول هذه الأبرشية العربية وعرضها.

عرب البادية

"تنصُّر العرب"...د. اسد رستم ( كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الأول): ٣٤–٦٣٤م)
“تنصُّر العرب”…د. اسد رستم ( كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الأول): ٣٤–٦٣٤م)
ولا نعرف المؤمن البدوي الأول، ولا نعلم متى بدأ عهد النصرانية (المسيحية) في البداية، ولعل أقدم أخبار التنصر ( المسيحية) في البادية رواية نقلها القديس أيرونيموس، تُنبِئ باحترام عشائر البدو في منطقة غزة لشخص أيلاريون الناسك (٢٩١–٣٧١)، وتعلقهم به وتنصرهم على يده، ومن أقدم ما يُروَى من هذا القبيل خبر ماوية البدوية التي حاربت والنس (٣٦٤–٣٧٨) وأنزلت به الخسائر الفادحة، وحينما جاء دور الصلح والتفاهم اشترطت أن يكون «موسى» أسقفًا على عشيرتها، فوافق والنس وأمر بذلك، فنقل موسى الناسك إلى الإسكندرية ليسام أسقفًا على يد لوفيوس الإسكندري، فلم يرضَ موسى لتمسُّكه بالعقيدة الأرثوذكسية، فجيء بأسقف نيقاوي فسامه أسقفًا، فأقام في البادية يرعى شئون ماوية وعشائرها.
ويقول سوزومينس المؤرخ إن راهبًا من الرهبان تضرَّع إلى الله أن يرزق زقومًا Zocomos شيخ إحدى العشائر الضاربة في البادية ابنًا ذكرًا، وإن الله استجاب طلبة هذا الراهب، فتنصَّرَ الشيخ زقوم وجميع أتباعه، وإن زقومًا وقومه أصبحوا أخلص القبائل العربية لرومة في نزاعها مع فارس.
وفي أخبار كيرلس البيساني أن جماعة من البدو دخلوا على النساك في منطقة أريحا في أواخر السنة ٤٢٠، وأن النساك فزعوا وتوجسوا خوفًا، فطلب شيخهم الصبيبة Asdabet مقابَلةَ رئيس النساك أفتيميوس الكبير، وكان له ولد مقعد «لم تنجح فيه حيل الأطباء ولا رقي الراقين المشعوذين»، فبارك أفتيميوس الولد الكسيح فقام يمشي، فتنصر الصبيبة مع عشيرته، بل أضحى رسولًا عربيًّا بدويًّا يبشر باسم المسيح، وكلل الله عمله بالنجاح فسامه يوبيناليوس أسقف أوروشليم أسقفًا على المضارب (٤٢٨)، وكان قد اتخذ من بطرس الرسول شفيعًا له فسمي الأسقف بطرس، ومثل نصارى فلسطين في مجمع أفسس ووقع هكذا: «بطرس أسقف المضارب» Paremboles، وأصبح الكسيح طربون Terebon شيخًا على العشيرة وخلفه أولاده وأحفاده، وقُدِّر لأحد هؤلاء طربون الثاني أن ينقل هذه الرواية إلى كيرلس البيساني، فخلدت بخلود مصنفه،١٤ وقدَّم النذر عدد من أبناء هذه العشيرة، بينهم ماري الذي ترأس المحبسة في أريحا وتوفي في السنة ٤٤٨، ولا يخفى أن القديس إلياس بطريرك أوروشليم كان هو أيضًا بدويًّا عربيًّا، وهدى ننوس Nonnos أسقف بعلبك في هذا القرن نفسه ثلاثين ألف بدوي.

الغساسنة

وجاء في الأنساب أن الغساسنة رحلوا من اليمن إلى تهامة، وأقاموا فيها بين بلاد الأشعريين وعك على ماءٍ يقال له غسان فنُسِبوا إليه، ونزلوا مشارف الشام وفيها الضجاعم من قضاعة، فغلبوهم على ما في أيديهم وأنشئوا لأنفسهم زعامةً في البلقاء وحوران في المنطقة التي دُعِيت العربية، وتنصروا تنصُّر سائر أبناء هذه المنطقة كما سبق وأشرنا.

وقضى الغسانيون زمنًا طويلًا والروم لا يكترثون لهم؛ لأنهم لم يحتاجوا إلى نصرتهم، واشتد ضغط البرابرة واستفرس الفرس، فشعر الروم بالضعف ورأوا الفرس يستنجدون عرب الحيرة، فاضطروا إلى استنصار عرب العربية وما جاورها، فاتجهت أنظارهم نحو الغساسنة، وأول مَن ذُكِر من أمراء غسان في خدمة الروم جبلة، وقد ورد عنه أنه أخمد ثورة فمنحوه رتبة فيلارخوس وجعلوه عاملًا على البتراء، وجبلة هذا هو في نظر ثيودور نولدكه والد الحارث بن جبلة أكبر ملوك غسان وأكثرهم ذِكْرًا في مراجع الروم، وحارَبَ الحارثُ الغساني المنذرَ ملك الحيرة سنة ٥٢٨، واستعانه الروم لإخماد ثورة السامريين ففاز بها، ثم عاون بليساريوس في محاربة الفرس سنة ٥٣١، فهابه الروم وأعجبوا بشجاعته وبالغوا في تقريبه وترقيته، فأصبح فيلارخوسًا عامًّا وبطريقًا، وفي السنة ٥٤١ حارب الحارث في العراق بجانب الروم، وعبر دجلة على رأس جماعته ثم ارتدَّ إلى مركزه السابق عن طريق غير الطريق التي اتبعها الروم، فشك بعض الروم في إخلاصه. وفي السنة ٥٦٣ سافر الحارث إلى القسطنطينية ليفاوض البلاط فيمَن يخلفه من أولاده، وما يجب اتخاذه من التدابير لمقاومة عمرو ملك الحيرة، فكان لما شاهده من مظاهر العظمة وقع عظيم في نفسه، وكذلك فإنه أحدث هو بدوره تأثيرًا قويًّا على سكان العاصمة، ولا سيما على يوستينوس نسيب يوستنيانوس، فلما أُصِيب يوستينوس هذا بعقله بعد تسنمه العرش كان أهل البلاط يخيفونه بالحارث العربي كلما بَدَا منه عصيان أو عربدة، فيقولون له: «تعقَّلْ سندعو الحارث.»

الغساسنة
الغساسنة
وناصر الحارث المونوفيسيين ولم يدَّخِر وسعًا في الدفاع عنهم وتحريرهم من الاضطهاد، وتمكَّنَ في السنة ٥٤٢-٥٤٣ من تحقيق رجائه لدى ثيودورة الإمبراطورة بتعيين يعقوب البرادعي ورفيقه ثيودوروس أسقفين في العربية أو غيرها، فتوطدت بذلك دعائم  المونوفيسيين. ويظهر من أقوال يوحنا الأفسسي أن الحارث سعى لحل المشاكل العقائدية والشخصية بين إكليروس اليعاقبة وإكليروس الكنيسة الجامعة ولكن بدون جدوى، ويرى العلَّامة ثيودور نولدكه أن الحارث لم يدرك حقيقة المسائل التي كانت تدور عليها تلك المنازعات، وإنما كان مدفوعًا بالعامل السياسي لمعاضدة المذهب الذي كانت تتبعه أكثرية الشعب في إمارته.
ويجب ألَّا يغيب عن البال أن أمراء غسان لم يُجمِعوا على القول بالطبيعة الواحدة، فالدعاء للمنذر بن الحارث الذي وُجِد منقوشًا على حجر في إحدى نواحي تدمر أو النبك يشمل عبارةً هامة جدًّا تنصُّ بما يلي: «واهدِ الضالين من إخوته إلى معرفة الحق أيها الله تعالى.» فإذا ما ذكرنا أن هذا النص يتضمن أيضًا إشارة «إلى الأسقفين المحترمين القديسين» يعقوب البرادعي ورفيقه ثيودوروس، يتبين أن المقصود من ضلال إخوة المنذر انتماؤهم للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة وقولهم معها بالطبيعتين.
وتوفي الحارث بن جبلة في السنة ٥٦٩، أو في أوائل السنة ٥٧٠، فتسلم زمام الحكم بعده ابنه المنذر Alamundaros، فهبَّ لمحاربة قابوس ملك الحيرة؛ لأنه كان قد انتهز فرصة وفاة الحارث للإغارة، فانتصر المنذر بن الحارث على قابوس عند عين أباغ في البادية في ربيع السنة ٥٧٠، ومما تحفظه لنا المراجع عن هذا الأمير الغساني أنه عقد في أوائل عهده مجمعًا محليًّا للنظر في بدعة المثلثين Tritheisme وحكم عليهم بالهرطقة، وكان ممَّن أمضى قراراته «كاهن البطريق المنذر الأمجد ومحب المسيح»، وهو فيما يظهر كاهن بلاط الأمير. ولم يرضَ الإمبراطور يوستينوس عن المنذر لأسباب نجهلها، فأوعز إلى عامله البطريق مرقيانوس أن يحتال عليه ويقتله، وأحس المنذر بذلك فشقَّ عصا الطاعة، فأغار عرب الحيرة على أملاك الروم، فاسترضى الروم المنذر فلم يرضَ بالمفاوضة إلا عند قبر القديس سرجيوس في الرصافة لما تمتَّعَ به هذا القديس من الإجلال والاحترام عند السوريين. وفي الثامن من شباط سنة ٥٨٠ وصل المنذر مع اثنين من أبنائه إلى القسطنطينية، فاستُقبِل فيها استقبالًا حارًّا، وأنعم عليه الإمبراطور طيباريوس بالتاج بدلًا من الإكليل، وانتهز المنذر هذه الفرصة فسعى لنيل العفو عن اليعاقبة أصحاب مذهبه. ويرى مؤرخ الغساسنة العلَّامة ثيودور نولدكه أنه لا يجوز تعليق أهمية كبرى على قول يوحنا الأفسسي (٤: ٢١ و٣٦) إن قبائل العرب في سورية كانت متمسِّكة متعصبة لمذهب الطبيعة الواحدة؛ «لأن ذلك لم يكن ليحول دون دخول أكثرهم في الإسلام بعد خمسين أو ستين سنة».
وفي السنة ٥٨٠ عزم موريقيوس قومس الأناضول أن يغزو بالاشتراك مع المنذر إحدى ولايات الفرس، وما إن فعل حتى وجد الجسر الكبير على الفرات مهدومًا، فارتدَّ خائبًا وعزا هذه الخيبة إلى خيانة المنذر وتواطئه مع العدو، وعلى الرغم من عودة المنذر إلى الغزو ووصوله إلى الحيرة وعودته غانمًا، فإن سلطات الروم ظلت حاقدة حائرة في أمر هذا الأمير، ولعل السبب في هذا يعود إلى الفارق المذهبي وتوتر الأعصاب؛ فالعاصمة وأمهات المدن حوت آنئذٍ جماعات كبيرة من كبار رجال الإكليروس والشعب، ونظرت شزرًا إلى سياسة التساهل مع اليعاقبة، وتاقت إلى تجريد كنائس هؤلاء من حماتها، فصدرت أوامر مشدَّدة إلى مغنوس Magnus حاكم سورية بالقبض على هذا الأمير العربي، فأرسل مغنوس إلى المنذر يدعوه إلى حوَّارين ليشترك في تدشين كنيستها، ولا سيما وأن البطريرك خليفة الرسولين سيرأس الحفلة، فلبَّى الأمير الدعوة، فأُلقِي القبض عليه وأُرسِل مخفورًا إلى العاصمة. ومن أغرب ما جاء في كلام يوحنا الأفسسي لهذه المناسبة أن الأمير أقام مع «إحدى نسائه» وابنين وبنت له في الأسر، ومما جاء لهذه المناسبة نفسها كلام الأمير الغساني: «ولقد كان في وسع عرب الفرس أن يأسروا نسائي وأولادي.» فهل يجوز القول إنه كان للمنذر عدة نساء، وأن الكنيسة لم تكن تبالي بذلك ما دامت زيجات الأمراء المتعددة غير كنائسية؟! وجرى هذا كله في أواخر عهد طيباريوس، فلما توفي هذا الإمبراطور وخلفه موريقيوس عدو المنذر نفاه ورجلًا آخَر من كبار الحاشية إلى جزيرة صقلية.

وتمرَّدَ أولاد المنذر على دولة الروم وأوغلوا في البادية بزعامة كبيرهم النعمان، وأخذوا يشنون الغارة تلو الغارة على أراضي الدولة، وألقوا الرعب في قلوب الحامية في بصرى، واضطروها أن تتخلى عن الذخائر الحربية وأموال أبيهم المحفوظة فيها، فاستعان موريقيوس بأحد إخوة المنذر «الأرثوذكسيين» وألقى القبض على النعمان وأخذه أسيرًا، وتصدعت أحوال العرب عند تخوم البادية (٥٨٤)، وتفككت عُرى الوحدة بينهم واختارت كل قبيلة أميرًا، ولحق بعضهم بالروم وعادوا إلى حضن الكنيسة.

سمعان العمودي والبدو

سمعان العمودي
سمعان العمودي
وقد يعود الفضل في بدء التبشير في شرقي البادية إلى بعض الأسرى المسيحيين الذي نقلوا إلى الحيرة وغيرها بأمر شابور في السنة ٢٦٠، ولكن الفضل الأعظم يعود فيما يظهر إلى العمودي الأكبر القديس سمعان الذي بهر نوره في النصف الأول من القرن الخامس، فأضاء البادية بأسرها.

وُلِد سمعان في قرية سيسان بين سورية وقيليقية في الربع الأخير من القرن الرابع، ونشأ راعيًا فألف الصمت والتأمل، وما لبث أن حمل عصاه وجرابه وذهب يطرق باب أحد الأديار القريبة، فتردد الرئيس في قبوله لحداثة سنه، ثم أخذ برصانته فقبله، وقضى سمعان الفتى سنتين في هذا الدير ثم انتقل إلى غيره طالبًا فقرًا أكبر وإماتة عظمى، فكان ما كان من أمر الحبل الذي شده على وسطه فأدماه وقرح جلده، وتفنَّنَ سمعان في أساليب القهر والإماتة، فطلب إليه رئيسه أن يترك الدير ويذهب حيث يشاء ليكون حرًّا في أساليبه ونفسه، فأقام سمعان في صومعة على سفح جبل لا يبعد كثيرًا عن أنطاكية، وهنا تعرَّفَ إلى الكاهن باسوس الذي كان يتفقد شئون النساك من قِبَل البطريرك الأنطاكي وينقل إليهم الأسرار الإلهية، ثم رغب سمعان في الصوم أربعين يومًا من غير طعام أو شراب، فردعه باسوس مؤكدًا أن الله لا يرضى عن الانتحار، فقبل سمعان النصيحة وأبقى في كوخه بعض الخبز والماء، وطلب إلى الكاهن أن يسد عليه باب الكوخ بالحجارة، ففعل الكاهن ومضى، وصام سمعان الأربعين بدون خبز أو ماء، وجاء الكاهن في أسبوع الآلام يحمل القربان المقدس فوجه على الأرض لا يتحرك، فعني به وناوله، ومارس سمعان هذا النوع من الصوم سنين كثيرة، ثم توغَّلَ في الجبل وبنى صومعة جديدة بلا سقف، وقيَّدَ نفسه بالحديد إلى إحدى زواياها، وأقام فيها عرضة لتقلبات الطقس، فمر به نائب بطريركي فدهش لطريقته ثم قال له مشيرًا إلى القيد: «مَن لم يكن إيمانه قيدًا له فلا ينفعه قيد.» فأذعن سمعان ونزع القيد من رجله.

وشرَّف الله سمعان بالعجائب فأقبلت الناس عليه تبركًا وإعجابًا، فخشي أن يضيع روح الصمت والصلاة، فتوغَّلَ بعيدًا وبنى لنفسه عمودًا وصعد إليه ليأمن شر الوحوش الضارية ويعيش في العراء، فجدَّ الناس في طلبه من جديد، فرأى في سعيهم إرادة العلي، فجعل عموده منبرًا يبشِّر منه ويردع باسم يسوع، وطار صيته فتوافدت الناس عليه زرافات وبينهم الأمراء والأساقفة طالبين نصيحة أو تعزية أو بركة أو شفاء، وكانوا ينتشرون حوله مشتركين في الصلاة، فيطل عليهم عند العصر مرشدًا معزيًا شافيًا، وأتاه يومًا خليفة الرسولين حاملًا القربان الأقدس، فناوله بيده وعاد معجبًا متخشعًا (بتصرُّف عن سنكسار المطران ميخائيل عساف).

ويُروَى أن أنطيوخوس بن سبينوس حاكم دمشق قال إن النعمان ملك الحيرة جاء بربعه وحلَّ في بادية دمشق ودعاه لتناول الطعام معه، فقام إليه وما إن استوى بهما المقام حتى سأله النعمان عن سمعان العمودي قائلًا: هل هو إله في نظر قومه أم بشر؟ فأجاب أنطيوخوس: إنما هو بشر مثلنا ولكنه يخدم الله. فقال النعمان: لقد طبق صيت هذا الرجل الآفاق، ولقد عظم شأنه بين عشائرنا؛ فإنهم ما فتئوا يفدون عليه زرافات زرافات، وينقادون إلى وعظه وإرشاده، ويخشى شيوخنا أن تؤدي هذه الزيارات المتكررة إلى دخول قومنا في النصرانية وإلى موالاة الروم بدافع الدين، وقد اضطررت أنا بدافع المصلحة أن أحرم على قومي الاتصال بهذا الرجل، مهدِّدًا بعذاب الموت كلَّ مَن تخوله نفسه الالتجاء إلى سمعان والإصغاء إليه، ولكني رأيت في منامي رجلًا جليلًا يدخل عليَّ ممسكًا سيفًا ويأمر بجلدي، فيطبق بي خمسة من أعوانه ويجلدوني جلدًا، ثم سمعته يقول لي: حذارِ حذارِ لما منعت قومك عن زيارة سمعان، أولا تدري أني أقطعك إربًا إربًا. فألغيت المنع وسمحت باعتناق النصرانية، وقد انتشرَتِ النصرانية بيننا وأصبح لنا أساقفة وقساوسة.
وكان سمعان كلما ازداد الناس عليه إقبالًا ازداد هو لنفسه تعذيبًا وإذلالًا، وفوق تعذيبه افتقده الله بأمراض مؤلمة، وسمح بالحط من سمعته والنيل من قداسته، ولكنه كان يصبر ويسكت ويتواضع، بل كان يشكر لأولئك الذين أرادوه بسوء؛ لأنهم على رأيه كانوا يعاملونه كما تستحق آثامه ونقائصه، ثم فاضت روحه في السنة ٤٦٩، وظنه الناس يصلي فسجدوا حول عموده واشتركوا في الصلاة، وطالت عليهم صلاته يومين كاملين فصعدوا إليه فوجدوه جثة هامدة، فجعلوا ذخائره في كنيسة كاسياني ثم نقلوه إلى كنيسة الاتحاد بالتوبة، وبقي عموده مزارًا شهيرًا، وبنى الرهبان حوله ديرًا وكنيسة لا تزال آثارها تنطق بالعظمة حتى يومنا هذا.

أساقفة الحيرة

مملكة الحيرة
مملكة الحيرة
وتوفي النعمان ملك الحيرة في السنة ٤١٨ فتعاقب في الحكم بعده كلٌّ من المنذر الأول (٤١٨–٤٦٢)، والأسود (٤٦٢–٤٨٢)، والمنذر الثاني (٤٨٢–٤٨٩)، والنعمان الثاني (٤٩٩–٥٠٢)، فقاسى بعضهم شدةً لتنصُّر قومهم، وحمى آخرون النصارى في فارس عند الضيق ولا سيما المنذر الأول، واشترك أساقفة الحيرة في القرن الخامس في مجامع محلية ترأسها كثوليكوس سلفكية، ووافقوا على مقرراتها فأمسوا من النساطرة.

المونوفيسيون والحيرة

وفي مطلع القرن السادس نشط المونوفيسيون لبَثِّ دعوتهم في الحيرة، فأمَّها شمعون الأرشمي وأقام فيها ودعا إلى بدعته، فاستجاب له بعض النصارى وبنى أشرافهم كنيسة أو أكثر، «وكان غيورًا جدلًا حاذقًا دربًا»، ثم أوفد سويروس الأنطاكي أسقفين مونوفيسيين في السنة ٥١٣ إلى بلاط المنذر الثالث (٥٠٥–٥٥٤) ليدعواه إلى القول بالطبيعة الواحدة، ويُروَى أنه تظاهَرَ بالأسف الشديد عندما تناول حديثهما ميخائيل رئيس الملائكة، فلما سُئِل عن سبب تأسُّفه قال أولًا يُؤسَف لموت رئيس الملائكة، فطمأنه الأسقفان مؤكدين أن الملائكة لا تموت، فانتفض المنذر وقال متهكِّمًا: وهل يموت الإله المتحد بالمسيح بطبيعة واحدة على الصليب؟ فاكتفى الأسقفان وبقيت الحيرة نسطورية خالصة.
وظلَّ المنذر الثالث هذا وثنيًّا يذبح للعزى ويقدم لها أفضل ما عنده، فقد جاء في بعض المراجع أن هذا المنذر قدَّمَ في السنة ٥٤٤ ذبيحة لهذا الغرنوق بن الحارث الغساني الذي وقع في يده أسيرًا في إحدى غزواته، وأنه ضحى بأربعمائة عذراء وقعن تحت براثنه في حمص لمناسبة دخوله إليها.

المنذر وخلفاؤه

ومات المنذر فتولَّى زمام الأمور ابنه عمرو (٥٥٤–٥٦٩) وكان مسيحيًّا، فأنشأت أمه هند الغسانية زوجة المنذر الميت ديرًا في الحيرة، ونقشت في صدره بموجب رواية ياقوت العبارات التالية:

بَنَتْ هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، الملكة بنت الأملاك وأم الملك عمرو بن المنذر، أمة المسيح وأم عبده وبنت عبيده، في ملك ملك الأملاك خسرو أنوشروان، في زمن مار أفريم الأسقف، فالإله الذي بَنَتْ له هذا الدير يغفر لها خطيئتها ويترحم عليها وعلى ولدها، ويقبل بها وبقومها إلى أمانة الحق، ويكون الله معها ومع ولدها الدهر الداهر.

ويستدل من هذا أن الملك عمرو بن المنذر كان نصرانيًّا؛ لأن النقش علا صدر الدير في أيام ملكه (٥٥٤–٥٦٩)، ويظهر أن النصرانية لم تثبت بعد عمرو، فلما مات رجع خليفته أو المنذر بن المنذر إلى الوثنية، ونشأ ابنه النعمان فيها يذبح للأصنام حتى تنصَّرَ على يد الكاثوليكوس صبر يشوع في السنة ٥٩٤، وجاء في تاريخ ابن خلدون (ج٢، ص١٧١) أنه تنصر على يد عدي بن زيد.

المنذر
المنذر

جزيرة تيران

ومما جاء في المراجع خبر أسقف تيران، وتيران جزيرة عند مدخل خليج العقبة اشتهرت في القرون الأولى بجماركها وسلطتها على التجارة البحرية عبر البحر الأحمر، ومما يُروَى عنها أنها سقطت في السنة ٤٧٠ في يد عربي اسمه امرؤ القيس Amorkesos قدم إليها من المناطق الخاضعة لفارس، فاحتلها وطرد موظفي الروم منها، ثم ما لبث أن أوفد أسقفًا اسمه بطرس إلى الإمبراطور لاوون ليقدم خضوعه، ولينال منه لقب فيلارخوس عرب البتراء. وتذكر المراجع أن الإمبراطور استدعى هذا الزعيم إليه ومنحه السلطة على جزيرة تيران ومناطق غيرها، ثم عادت الجزيرة إلى حكم الروم المباشر بنزول القائد رومانوس فيها عام ٤٩٨، ولكنها احتفظت بأسقفيتها، فإننا نقرأ في أعمال مجمع أوروشليم المحلي المنعقد عام ٥٣٦ عن أنسطاسيوس أسقف تيران، ولعله كان خاضعًا لكنيسة سيناء.

تيران
تيران

حِميَر

ولا نعلم بالضبط متى تسربت النصرانية إلى اليمن «والعربية السعيدة»، ولكننا نقرأ أن الإمبراطور قسطنديوس أوفد في السنة ٣٥٦ بعثة يرأسها الراهب الآريوسي ثيوفيلوس لتتفاوض في حرية الاتجار وحرية المعتقد، ولتنشر رسالة السيد المخلص، وأفلح ثيوفيلوس فيما يظهر وأنشأ كنيسة في عدن وكنيسة غيرها في ظفر، ولا نعلم بالضبط ما إذا كان هذا الراهب نجح في تأسيس كنيسة ثالثة في هرمز عند مدخل خليج الفارسي. ويؤكد ثيودوروس القارئ أن النصرانية لاقت نجاحًا في حمير في عهد أنسطاسيوس الإمبراطور (٤٩١–٥١٨)، وأن النصارى في هذا البلد البعيد خضعوا لأسقف يرشدهم ويدبر أمورهم، ولعل هذا الأسقف هو سلوانس عم يوحنا الذيكرينومينوس.

نجران

نجران
نجران
ولا يختلف اثنان فيما نعلم في أن نجران كانت أهم مواطن النصرانية في الجنوب، ولعلَّ الفضل في تنصُّر أهلها يعود إلى كنيسة أنطاكية، فقد جاء في كتاب السيرة لابن هشام (طبعة أوروبة، ٢٠–٢٢) وفي تاريخ الرسل والملوك للطبري (طبعة أوروبة ج١، ص٩١٩)، أن قافلة عربية أسرت راهبًا سوريًّا اسمه فيميون Phemion فنزلت به إلى نجران فهدى أهلها طريق الصواب، ويذكر ياقوت كعبة في نجران يقال لها البيعة بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة، فعظموها مضاهاة لكعبة مكة، وكان فيها أساقفة «معثمون».
وكانت اليهودية قد تسربت إلى بلاد اليمن من جراء خراب أوروشليم، وكان آخر ملوك حمير ذو نواس يهوديًّا، فاشتدت المنافسة بين النصارى واليهود وانقلبت عداءً مريرًا، وكان ذو نواس يرى في النصرانية ما يذكره بالأحباش ومطامعهم في اليمن، فأوقع بالنصارى في السنة ٥٢٣ مذبحة نجران، ثم جمع مَن نجا منهم وخيَّرهم بين القتل واليهودية، فاختاروا الموت استشهادًا، فخدَّ لهم أخدود النار، وروى بعض المحدثين أنه نزل في ذلك ما جاء في سورة البروج: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. ومما جاء في الطبري أيضًا أن دوس ذا ثعبان أفلت ولجأ إلى إمبراطور الروم يستنصره على ذي نواس، وأن يوستينوس قال له: «نأت بلادك عنا فلا نقدر أن نتناولها بالجنود، ولكني سأكتب إلى نجاشي الحبشة وهو أقرب ملوك النصرانية إلى بلادك.» ويُروَى أيضًا أن النجاشي انتصر على ذي نواس مرتين متواليتين في السنة ٥٢٣ وفي السنة ٥٢٥، وهنا رُبَّ معترضٍ يقول: كيف اضطهد يوستينيوس أصحاب الطبيعة الواحدة في بلاده، ثم تعاوَنَ معهم في الحبشة واليمن؟ والجواب أن صاحب القسطنطينية كان يعتبر نفسه حامي ذمار النصرانية في كل المسكونة.

(مؤسسة هنداوي) حرفياً عن النص…

 

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *