كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى (الجزء الثالث): ١٤٥٣-١٩٢٨م أسد رستم

حول الرحلة الأولى لبطريرك أنطاكيا مكاريوس الزعيم إلى روسيا (١٦٥٤-١٦٥٦)

حول الرحلة الأولى لبطريرك أنطاكيا مكاريوس الزعيم إلى روسيا (١٦٥٤-١٦٥٦)

حول الرحلة الأولى لبطريرك أنطاكية مكاريوس الزعيم إلى روسيا (1654-1656)

في منتصف القرن السابع عشر قام البطريرك الأنطاكي مكاريوس بزيارة روسيا مرتين خلال حكم القيصر ألكسي ميخائيلويتش. وقد رافقه ابنه رئيس الشمامسة “أرخيدياكون) بولس الحلبي، الذي وصف الرحلة البطريركية الأولى( 1654-1656) على نحو مفصل بعنوان “رحلة مكاريوس بطريرك إنطاكيا إلى روسيا”. ويعتبر هذا الكتاب مصدراً تاريخياً وأدبياً فريداً باللغة العربية. فقد تسنى لبولس عرض تفاصيل مهمة من حياة سكان روسيا ما قبل بطرس الأول والبلدان الأخرى التي سافر عبرها الوفد السوري. وتحظى المعلومات المتعلقة بعلاقة بطريركية أنطاكية مع كنيسة موسكو بأهمية خاصة. فبفضل ترجمة كتاب بولس الحلبي في أواخر القرن التاسع عشر من قبل المدرس في معهد لازاريف للغات الشرقية بموسكو الأرثوذكسي السوري جرجي مرقص إلى اللغة الروسية، أصبح هذا المصدر الرائع متاحاً للباحثين الروس، الذين لا يزالوا حتى الآن يستمدون منه معلومات قيمة للغاية عن تاريخ بلادهم.

لدى قراءة “رحلة بطريرك أنطاكيا مكاريوس إلى روسيا” تظهر الملامح الرئيسة والسمات الشخصية للمؤلف نفسه. وبوسعنا القول إنه كان مراقباً موهوباً للغاية وحيويا ومؤنسا ودقيقا بالنسبة لعصره. وكان، بالطبع، شخصاً مثقفاً. وقد أتاحت له موهبته جنباً إلى جنب مع اجتهاده كتابة تاريخ طويل استناداً إلى سنوات عديدة من التسجيلات، التي أجراها أثناء رحلة بطريرك أنطاكيا إلى روسيا. ويعد الكتاب مصدراً تاريخياً قيماً مكتوباً على خلفية العديد من الأحداث المصيرية، بما في ذلك: انضمام أوكرانيا إلى روسيا وحصار مدينة سمولينسك الخاضعة للبولنديين، وتفشي الطاعون في روسيا، والإصلاحات الكنسية التي أعلنها البطريرك الروسي نيكون .

استمد بولس الحلبي المواد لكتابة عمله من مصدرين

الملاحظات الشخصية والمحادثات مع الأشخاص الذين التقى بهم أثناء هذه الرحلة الطويلة. ففي وصفه لبعض الأحداث والعادات والظواهر، حاول المؤلف أن يكون موضوعياً قدر الإمكان، وهذا ما أكده مراراً وتكراراً أثناء السرد. زد على ذلك أن بولس كان مطلعاً بالتفصيل على مضمون الحوارات، التي كانت تدور بين البطريركين لوحدهما.
هذا، بالطبع، لا يعني أن المؤلف امتنع عن الأحكام التقيمية. فمن الواضح أنه كان مفعم بالاحترام والتقدير ليس فقط لشجاعة القيصر الروسي، ولكن أيضاً للوعي الوطني الصادق للتجار الروس، الذين تمت الاستفادة من تبرعاتهم من أجل تنظيم حملة عسكرية على سمولينسك لدحر المحتلين البولنديين. ويفخر بولس بالقيصر، ويخبرنا أنه يتواجد شخصياً في جبهات القتال. كما أنه يمجد روسيا كدولة أرثوذكسية ويمدح الشعب والقيصر وبطريرك موسكو، وهو يعلم عن كثب التفوق التقني للجيش الروسي على البولنديين أثناء حصار سمولينسك. وقد ركز بولس ليس فقط على وصف بلاد المسكوب، ولكنه اهتم أيضاً بولاخيا (مقاطعة في رومانيا) ومولدافيا وأوكرانيا، التي من خلالها مر طريق البعثة الدينية السورية إلى العاصمة الروسية. وفي ضوء ذلك ، يبدو للقارئ أنه لا يوجد ركن واحد رآه المؤلف بدون أن يوصفه في كتابه. فهو لم يترك شيئاً دون ملاحظة، سواء كان الحديث عن الطبيعة، أو المناخ ، أو الغطاء النباتي ، أو الزراعة، أو عن حياة وثقافة سكان المدينة وأحوال الفلاحين ، وكذلك نمط حياة البويار( الطبقة الإقطاعية) ، والقيصر، والبطريرك، والكهنة، إلخ.
وهكذا فإن هذا العمل من أهم الآثار الكتابية عن تاريخ وأحوال روسيا في منتصف القرن السابع عشر في عهد والد بطرس الاول القيصر ألكسي ميخائيلوفتش. فكتاب بولس الحلبي يتفوق إلى حد كبير على ملاحظات وتسجيلات الرحالة والدبلوماسيين الغربيين حيث أن تنقلاتهم في أرجاء روسيا كانت مقيدة للغاية نظراً لكونهم بالنسبة للسلطات الروسية والكنيسة من الهراطقة. أما الوفد الأنطاكي فكان مطلق الحرية في الذهاب إلى أي مكان بروسيا.
لم يكن بولس مؤرخاً محترفاً. ولكن نظراً لشغفه بقراءة الأدب التاريخي ، كان بوسعه التعرف على أعمال الرحالة العرب المشهورين: ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان. وهو، عدا ذلك، تأثّر بتراث المؤرخين السوريين المشهورين في العصر البيزنطي حيث كان يقرأ اعمالهم باللغة اليونانية، ومنهم يوحنا ملالا، وإيفاغريوس سكولاستيكوس، ويوحنا الإبيفانيوسي (الحموي). و يشعر بولس أنه مرتبط بعلاقات ثقافية ووشائج دينية أخوية مع روسيا – الدولة المسيحية ، حامية الشعوب الأرثوذكسية. وفي الوقت نفسه، لا تشمل مهام بولس، على سبيل المثال، تقييم السياسة الخارجية لروسيا. فكونه دبلوماسياً من حيث المنصب والمزاج ، نراه بدلاً من ذلك يدخل في التفاصيل الحياة اليومية دون تناول الأمور السياسية. وهذا ما أتاح لبولس أن يكشف عن نفسه في النص كشخصية مثيرة للاهتمام وملتزمة، غير مقيدة في هذه الحالة بالظروف.

في أوصافه

يقارن المؤلف باستمرار بين الحياة اليومية والهندسة المعمارية للمدن الروسية والسورية ، ويكشف عن بعض التشابة. فهو يتحدث عن أسوار كولومنا ويتذكر المدن السورية ذات الحجر الأبيض. كما أن النطاق الجغرافي لسرد بولس كان واسعاً حيث أنه انطلق مع وفد كنيسة أنطاكيا ، بدءاً من سوريا، ثم وصف تركيا وبلغاريا ومولدافيا وولاخيا وأوكرانيا وروسيا، وبعد ذلك يجري السرد على نحو معاكس.
يدخلنا بولس الحلبي في عالم المدونات التاريخية البيزنطية للعصور الوسطى ، لكنه، في الوقت نفسه، يعرفنا على نوع غير معروف من مذكرات السفر، حيث يكون كل تفصيل متزناً من الناحية البنيوية، كما هو الحال في لوحات الرسامين الهولنديين الصغار، وهو في نفس الوقت خالياً من الجفاف العاطفي.
وبشكل عام، نلاحظ أن الوصف التفصيلي لمكان وزمان الأحداث ينم عن تأثير تقاليد العصور الوسطى السورية على بولس. وقد لاحظ عدد من الباحثين أنه إذا كان سرد المؤلفين اليونانيين البيزنطيين في أغلب الأحوال ذا طابع “تدويني” يتجاوز الحدود الزمنية وخارج الحدود الإقليمية فإن تمتع المؤلف السوري بتجربة غنية في ميدان التجوال والرحلات يجعله يميل إلى النقل الدقيق لمكان وزمان الأحداث الموصوفة.
أمامنا تشابك غريب للأحداث التاريخية الهامة والظواهر اليومية المختلفة، ووصف حي للشخصيات التاريخية، والحقائق الموثوقة، وبالطبع القصص الحماسية، لا يخلو من الخيال ولحظات المبالغة.

بادئ ذي بدء، من المفيد التوقف عند دقة الوصف عند الارشيدياكون بولس الحلبي.

ويتعلق الأمر بالأيام والأرقام والسنوات وتحديد المسافات وكمية الممتلكات. فهو كمؤرخ، لا يسمح لنفسه بأن يكون غير دقيق في شهادته الشخصية عما رآه خلال جولات الوفد الكنسي السوري للبلدان المذكورة. وهو لا يخشى من إرهاق القارئ بالتفاصيل والأمثلة ففي حديثه عن الترحيب الحار بممثلي كنيسة أنطاكيا في ولاخيا، يلفت بولس الحلبي الانتباه إلى واقعة مفادها أن العديد من سكان ولاخيا قد اقتربوا منهم للحصول على المباركة وقدموا الهدايا للبطريرك مكاريوس. ويقول بولس: “من لحظة دخولنا إلى ولاخيا وحتى خروجنا منها، أتى النبلاء وغيرهم من كبار القوم إلى سيدنا البطريرك ليتباركوا ولا يفوت كل واحد منهم تقديم هديته، التي تُوضع على طبق مغطى بمنديل … وإن جميع نسائهم، بما في ذلك العرائس، يأتن إلى البطريرك برؤوس مكشوفة، وقد كن يصِلْن في مركبات فخمة … ويحضرن له هدايا مماثلة لتلك المذكورة أعلاه، حيث يطلبن منه البركة ومغفرة الذنوب ومن الملاحظ أنهن يرتدن الكثير من فرو السمور، وملابس باهظة الثمن، وما إلى ذلك”.

ويقول بولس في معرض وصفه للشتاء بمدينة تارغوفشت

“في هذه المدينة خلال ذلك العام، منذ بداية كانون /2يناير وفي شباط/فبراير وإلى نهاية آذار/مارس، لم يتوقف تساقط الثلوج الكثيفة، والتي استمرت حتى عيد الفصح. وكانت هناك أيضاً رياح قارسة – لم يسبق لنا رؤيتها أبداً، حتى أن النبيذ تجمد في الأطباق، وكذلك الزيتون المحفوظ في الماء، والمخللات. أما الليمون والبيض فقد أصبحا قاسيين كحجر وفسدا تماما

قياس المسافات

وقد قام بولس بقياس المسافات بأربع وسائل: الأولى – بالأيام ، والثانية – بالفرست، والثالثة – بالأميال الكبيرة ، والرابعة – مقارنة بالمسافة بين مدن سوريا. وغالبًا ما كان يتم تقديم طريقتين في وقت واحد. فعلى سبيل المثال ، في وصف إحدى كنائس مدينة كالوغا، نقرأ: “بعد أن استيقظنا صباح الأربعاء ، 2 آب/أغسطس ، قطعنا حوالي 25 فيرست، أي خمسة أميال طويلة.” ويحدد بولس بدقة المسافة بين كالوغا وموسكو: “اعلم أنه من كالوغا هذه ، كما حسبنا، إلى عاصمة موسكوفيا مائة وثمانين ميلاً ( أي حوالي 200 كم) لكن الطريق صعب للغاية، كما رأينا لاحقاً، لقلقنا الشديد وعذابنا، لأننا، عند فجر يوم الجمعة المذكور، كنا على بعد حوالي خمسة عشر ميلاً ، أي ثلاثة أميال طويلة. وقد انتقلنا عبر الغابات والجبال ثم نزلنا إلى الوديان، عبر الوحل والمياه المتكونة من المطر، والله وحده يعلم كم هو الطريق ضيق ووعر، حتى تقيّأنا من شدة صدمات العربة وانكسرت محاور العجلات”.
وكما ذكرنا ، جاء ممثلو كنيسة أنطاكية إلى موسكوفيا في وقت كان الطاعون مستشريا بموسكو والمناطق المجاورة. وإننا نجد في الكتاب وصفاً لعواقب هذا الوباء على مدينة كولومنا: “وكان الوباء عندما يدخل منزلاً يقضي على كل كائن بشري. فقد مات الرهبان في الأديرة ونفق الجزء الأكبر من الماشية والخنازير والدجاج وغيرها من الجوع والعطش، بعد أن فقدت أصحابها وتُركت دون عناية… وانتشر الطاعون سواء في العاصمة أو في مناطق أخرى على مسافة سبعمائة ميل. ولم يتوقف مفعول هذا الوباء حتى عطلة عيد الميلاد وذلك بعد أن أفرغ المدن وأباد البشر. وقد أعد الوالي قائمة دقيقة بالأموات في هذه المدينة، والتي ضمت، كما أخبرَنا، حوالي عشرة آلاف شخص”.

المشاعر

ومن المثير للاهتمام أنه بالتحديد عندما تغمر المشاعر قلب بولس الحلبي أو عندما تتاح له الفرصة لنقل ما لم يراه، وإنما سمعه، فإنه لا يخفي تفاصيله، ويكون أحياناً عرضة للمبالغات والمقارنات الحية في مثل هذه الحالات حيث يكتب بولس بنطاق ملحمي ، مظهراً ميلاً واضحاً إلى أسلوب “هوميروس” في التصوير. فعلى سبيل المثال ، فوجئ بولس بتقوى السكان، وقد أشار بهذا الصدد قائلاً: “غادرنا راشكوف بعد ظهر يوم الأحد المذكور أعلاه مع عشرة قوزاق معَيّنين لتوديعنا … وعندما اقترب الموكب منا نزل بطريركنا من المركبة إجلالاً للصلبان والأيقونات وكالعادة ألبسناه رداءه وتجمعنا من حوله نسند أطراف ثوبه. وبعد أن قبًل الأيقونات والصلبان، بارك غبطته الجميع، وتقدموا أمامه بغناء كورالي رنان ، هزّ الجبل والوادي. ثم دخلنا المدينة، ورأينا الآلاف من الرجال والنساء والأطفال بأعداد لا حصر بحيث أننا اندهشنا للغاية من كثرتهم. وبينما كان غبطة البطريرك يمر بهم، خرّ الجميع أمامه ساجدين وظلوا في هذا الوضع حتى انصرافه. وقد صعقنا بمرأى عدد ضخم من الأطفال من جميع الأعمار ينهالون كالرمال.

عرض القاء الذي جرى بين بطريرك أنطاكية مكاريوس مع الهيتمان بغدان

وإليكم عرضاً للقاء الذي جرى بين بطريرك أنطاكيا مع الهيتمان بغدان خميلنيتسكي، والذي وصفه المؤلف بالبساطة والتواضع وأضاف قائلاً:” إن خملنيتسكي هذا رجل طاعن في السن ولكنه نشيط. وهو بسيط وهادئ وصموت ولا يبتعد عن الناس. كما أنه يتعامل مع كافة الأمور بنفسه، وهو معتدل في الأكل والشرب والملبس ، وكل من يراه سيتعجب منه ويقول: “إذن ها هو ذا خملنيتسكي، الذي انتشرت شهرته وذاع صيته في جميع أنحاء العالم ورغم أن مظهره لا يثير الإعجاب، فإن الله معه “. وقد شهد الوفد الأنطاكي خلال وجوده في موسكو انضمام أوكرانيا( أراضي الهتمان) إلى روسيا على اساس الحكم الذاتي بفضل خملنيتسكي. وبهذه المناسبة بارك البطريرك مطاريوس هذا الحدث الهام الذي أفرحه كثيراً.
ويتابع بولس الحلبي وصف اللحظات اليومية والتفاصيل العديدة بهدف الحديث عن أحد الأسباب الرئيسية للرحلة الأولى للبطريرك الأنطاكي مكاريوس إلى موسكو. فمن المعروف أن البطريرك الروسي نيكون كان نصيراً متحمساً للتقاليد اليونانية في الأرثوذكسية. وهنا ثمة سؤال منطقي يطرح نفسه: مَنْ الشخص المسموع الكلمة، الذي بوسع نيكون الاعتماد عليه في دعم إصلاحاته وابتكاراته الكنسية؟ لا شك أن ذلك سيتم بحضور ودعم البطريرك مكاريوس وأحياناً بالتآمر معه . واستناداً إلى ما يكتبه بولس الحلبي فإن إصلاحات نيكون كانت تجري بالتدريج. ففي البداية كانت تتعلق بملابس رجال الدين ونمط معيشتهم. فعلى سبيل المثال خلال الاحتفال بعيد القديس بطرس ظهرت لدى البطريرك نيكون فرصة مناسبة للغاية لإقناع القيصر ألكسي ميخائيلوفتش بالحاجة إلى تغيير القلنسوات الكهنوتية. وفي هذا المجال ساعده البطريرك مكاريوس إلى حد كبير، فقال عند تقدم إلى القيصر: “نحن أربعة بطاركة في العالم، وإننا جميعاً نرتدي نفس الزي. وبإذننا، تم وضع هذا الأخ بطريرك موسكو على قدم المساواة مع بابا روما …وإذا شاءت جلالتكم، أود أن أضع عليه هذه القلنسوة” الكاميلافكا”، التي صنعوها له حتى يعتمرها مثلنا …. ومن منطلق حبه الكبير للبطريرك نيكون واحترامه الشديد للبطريرك مكاريوس كان القيصر سعيدًا جداً وأجاب معلمنا: “أبتي ، لا بأس من ذلك!”.

موقف البطريرك نيكون

هاجم نيكون الطرق الجديدة لرسم الأيقونات المتأثرة بأساليب الإفرنج وأراد إقناع القيصر بالوقوف إلى جانبه في إدانة الأيقونات الحديثة. والأمر نفسه بخصوص اعتماد رسم الصليب بثلاثة أصابع عوضاً عن الأصبعين . وحول هذه الأمور يقول بولس: “في هذا اليوم (الأحد الأول من الصوم الكبير) ، أتيحت للبطريرك نيكون فرصة أخرى للحديث بحضور القيصروأشار إلى ضرورة حظر رواج الأيقونات الحديثة ، التي تأثر أصحابها بالفن الإيطالي. وفي الوقت نفسه ، استند إلى شهادة سيدنا البطريرك كدليل على عدم شرعية اللوحات الحديثة. وقد حرم كلا البطريركين من الكنيسة جميع الذين يصنعون أيقونات كهذه إلى جانب الذين سيحتفظون بها. وفجأة التقط نيكون هذه الإيقونات بيده اليمنى واحدة تلو الأخرى، وأظهرها للناس ثم ألقاها على الألواح الحديدية لأرضية القاعة، حتى تكسّرت ثم أمر بحرقها. وكان القيصر يقف بالقرب منا برأس مكشوف ومظهر وديع، يستمع إلى الخطب بصمت. وحيث أنه رجل تقوى و يخاف ربه ، توجه إلى البطريرك بصوت هادئ ، قائلاً: “لا ، يا أبانا، لا تحرقها ، على كل حال، دعهم يدفنوها في الأرض!”. وهكذا تم الأمر بعد ذلك . ثم شرع نيكون في الحديث عن علامة الصليب ، فأكد أن الروس” لا يصلبون مثل اليونانيين بثلاثة أصابع مطوية، وإنما يطوون إصبعين على غرار ما يفعله الأسقف عندما يقوم بالمباركة. وفي الوقت نفسه، استند نيكون أيضا إلى شهادة بطريركنا حول هذه المسألة “.

مشاهدات الارشيدياكون

ويسهب بولس الحلبي في مسائل معمودية الأمم عدة مرات. ويصف بالتفصيل طقوس معمودية ثلاثة شبان من مدينة قازان: “رأينا كيف عمّدوا الكبار في نهر موسكو خلال وجودنا. فبعد أن قرأ الكاهن الصلوات المنصوص عليها، صب الزيت وخلع ثياب الشاب ثم غمره بالماء، وبعد ذلك رفعه وأنزله ثلاث مرات بمساعدة حزام يمر تحت إبطه، ثم أخرجه، بعد أن غمره ثلاث مرات برأسه ثم قام على الفور بإلباسه ملابس جديدة. وكالعادة، دار معه ثلاث مرات حول الماء، وهو ينشد ترنيمة الشكر المقررة. وفي الوقت نفسه، كان هو وجميع الحاضرين يحملون الشموع في أيديهم … وقد تمّت المعمودية بعد أن ثابر هؤلاء على حضور القداديس ليلاً نهاراً طوال فترة الصوم الكبير في كنيسة الدير حيث نقيم. وعلى غرار الموعودين بعتناق المسيحية، كانوا يقفون خارج الكنيسة. وقد علمهم الكاهن كيفية رسم إشارة الصليب والصلاة وأسرار الإيمان … وعادة يتلقى المعمّد ثياباً ونقوداً كثيرة من كرم القيصر، ويصبح أحد أعيان الدولة عرّابه”. ويأتي بولس أكثر من مرة على ذكر التتار، الذين أصبح لهم وضع مميّز لدى السلطات القيصرية بعد معموديتهم وتحول العديد منهم إلى نبلاء.
إن التوقيت الدقيق للأحداث والتنوع الطبوغرافي المتاح للمسافر يجعل وصف بولس الحلبي مصدراً لا يقدر بثمن عن تاريخ عدد من دول أوروبا الشرقية في تلك الفترة. كما أنه يتيح للقارئ إلقاء نظرة جديدة على دور التفاعل الثقافي بين سوريا وروسيا. وبحسب ما سجله في كتابه بوسعنا الاستنتاج أن بعثة البطريرك مكاريوس كانت مثمرة من الناحيتين السياسية والكنسية وحتى في مجال الحياة اليومية المعيشية. ويمكن القول أن البطريرك السوري كان يعمل كوسيط في العلاقات بين حاكم ولاخيا قسطنطين وهيتمان أوكرانيا خملنتسكي وأن البعثة الدبلوماسية لمكاريوس أثرت بشكل مباشر على تمتين العلاقة بين قيادة مولدوفا وخميلنيتسكي. و يبدو أن هذه الحقيقة التاريخية، التي استشهد بها بولس، والتي تبيّن مدى النشاط المحموم والسعي الدؤوب لدى رئيس كهنة الكنيسة الإنطاكية لتمتين علاقات الشعوب الأرثوذكسية، لم تحصل بعد على التقييم المستحق.

معمودية اوكرانيين الكاثوليك

والجدير بالذكر أن البطريرك مكاريوس تحمّل مناقشات عنيفة وطويلة مع كبار رجال الدين الأرثوذكس الروس في مجلس عقد خصيصا لبحث مسألة إعادة تعميد الأوكرانيين الكاثوليك. وقد تسنى لمكاريوس أخيراً إقناع أعضاء هذا المجلس الأساقفة بإلغاء حكم معمودية البولنديين والأوكرانيين وغيرهم من الكاثوليك لعدم ضرورة إعادة التعميد. وقد شرح بولس صحة موقف مكاريوس من خلال حقيقة مفادها أن الكاثوليك هم الأقرب إلى الأرثوذكسية في المسائل اللاهوتية الأساسية من بين جميع الطوائف المسيحية الأخرى (كالسريان والنساطرة إلخ.). وقد اهتمت بعثة الكنيسة السورية بالزي المناسب لكبار رجال الدين، واحترام الشرائع في رسم الأيقونات ورسم علامة الصليب بثلاثة أصابع. وإلى جانب ذلك أصدر ألكسي ميخائيلوفتش بإلحاح من جانب البطريرك مكاريوس مرسوماً قيصرياً بضرورة ذبح الماشية على الطريقة الشرقية المعتادة وليس بطعنها.
وخلال زيارته لروسيا قام البطريرك مكاريوس بتبريك بعض الكنائس ورسم عدداً كبيراً من الكهنة الأرثوذكس الروس. وهذا التقليد القائم على التعاون بين الكنيستين الشقيقين لم يتلاش حتى بداية القرن العشرين. وعلى العموم كان لزيارة البعثة الكنسية السورية نتائج هامة في دعم إصلاحات البطريرك نيكون العديدة. ولكن ، للأسف الشديد، كان لمعظم هذه الإصلاحات ردود فعل سلبية في المجتمع الروسي حيث أدت إلى حدوث إنشقاق ديني عميق هناك نتج عنه ظهور طاثفة المؤمنين القدامى الرافضة لكافة إصلاحات البطريرك نيكون. وقد تعرض أتباع هذه الطائفة إلى شتى أشكال القمع والاضطهاد والنفي إلى المناطق النائية. والمعروف أنه تفرع عن هذه الطائفة الكبيرة فيما بعد فرق دينية عديدة.

د. جابر ابو جابر

ببعض التصرف

 

 

 


by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *