خالد العظم

خالد العظم وذكرياته في سجن النحلاوي

خالد العظم وذكرياته في سجن النحلاوي

من هو خالد العظم؟

خالد العظم

(1903– 1965) الرئيس الحادي عشر بصفة مؤقتة للدولة السورية بين 4 نيسان و16 ايلول 1941، وأحد أبرز الزعماء السياسيين خلال فترة الجمهورية الأولى من تاريخ سوريةرئس الحكومة في سورية ست مرات، وتولى كرسيًا وزاريًا أكثر من عشرين مرة[

بعد انقلاب حزب البعث على ناظم القدسي في سورية انتقل إلى لبنان وعاش فيها حتى وفاته، وقد صادر المجلس الوطني لقيادة الثورة أملاكه داخل البلاد، التي ورثها عن آبائه إذ إن عائلة العظم هم من الأسر الدمشقية العريقة. تميّز خلال فترة نشاطه السياسي بتقديم نموذج عن الوسطية السياسيّة، فاستطاع الحفاظ على نفسه خارج الاصطفاف بين حزب الشعب والكتلة الوطنية وشكلّ حكوماته خلال حكمهما على حد السواء، كما كان نموذجًا عن الرأسمالية السوريّة و‌الليبرالية السياسية والإسلام المعتدل، خلال تلك الفترة. كان خالد العظم واحدًا من كبار الإقطاعيين وملاك الأراضي سيّما في الجزيرة السورية وهو ما دفع الأحزاب اليساريّة إلى تلقيبه «المليونير الأحمر» و«الكولونيالي»، و«رغم كفاءاته العديدة كرجل دولة، إلا أنه كان متعجرفًا، فخورًا بالأرستقراطية الإقطاعية التي ينتمي إليها»؛

وفي الجهة المقابلة فقد وُصِفَ بأنه «صاحب شخصية جذابة» و«ذي بال طويل» و«ذكي»، كما كان ذو شعبية في دمشق وانتخب لعدة دورات نائبًا عنها في البرلمان بصفة مستقل.

السيرة الذاتية

ولد خالد العظم عام 1903 في دمشق لعائلة العظم الدمشقية العريقة، والتي غدا خمسة من أفرادها ولاة لدمشق في العهد العثماني، كان أشهرهم أسعد باشا الذي حكم هذه المدينة 14 عامًا، وخلال ولايته تم إنشاء قصر العظم وخان أسعد باشا، وغيرها من التحسينات على بنية المدينة؛ أما والده فهو محمد فوزي العظم الذي تولى رئاسة بلدية دمشق فأنجز فيها العديد من المشاريع، كالمستشفى الوطني وجر مياه عين الفيجة والمساهمة في بناء الخط الحديدي الحجازي، وقد انتخب مرتين عضواً في مجلس المبعوثين العثماني نائباً عن دمشق. كما عين وزيراً للشؤون الدينية غير أن سياسته الوطنية أقالته من المنصب سريعًا، وعندما قام المؤتمر السوري العام في العهد العربي الفيصلي في حزيران 1919 عرضت عليه رئاسته، لكن المنية وافته في تشرين الثاني 1919. ولد العظم يوم 6 تشرين الثاني 1903 في سوق ساروجا، وقد أشار في الجزء الأول من مذكراته إلى أنّ فرحة والديه به كانت كبيرة إذ قدم بعد خمسة وعشرين عاماً أنجبا فيها بنتاً واحدة وطفلين توفيا قبل بلوغهما الثالثة. ويضيف أنَ أمه عندما كانت حاملاً به زارت ضريح خالد بن الوليد في حمص ونذرت إن وهبها الله مولوداً ذكراً أن تسميه خالداً.

تلقى تعليمه الابتدائي على أيد أساتذة خصوصيين بين دمشق وإسطنبول بعد أن عيّن والده وزيرًا للشؤون الدينية، وبعد عودتهم من إسطنبول درس في المدرسة التجارية، ومن بعدها درس الحقوق والقانون في جامعة دمشق وتخرج منها عام 1923، ورث عن أبيه العمل السياسي باكرًا لكون عائلته إحدى أهم عائلات دمشق وأعيانها، فغدا وزيرًا في حكومة دمشق الفيدرالية، خلال عهد الاتحاد السوري الذي انشأه الانتداب الفرنسي وقد أتْحَدَ في الدويلات السورية التي انشأها غورو بعد معركة ميسلون 24 تموز 1920.

في كل تلك الفترة أدار أملاك عائلته الإقطاعية الغنية في مختلف أنحاء البلاد، وحافظ على نفسه بمنأى عن السياسيين المقربين من الانتداب الفرنسي على سورية، وجمعته علاقة طيبة مع هاشم الأتاسي وشكري القوتلي، غير أنه في السياسة كان أقرب إلى هاشم الأتاسي الذي عارض معه مشروع الوحدة مع مصر، كما اتهمه بكونه «سلطوي جدًا». خلال وزارته تلك قام بتأسيس غرفة صناعة دمشق عام 1935 وكان قد أسس قبلاً مصنع الاسمنت الحكومي، عام 1930. ثم وبعد إعلان الجمهورية الأولى عام 1932 أصبح نائبًا في البرلمان عن دمشق، وكلّف وزارة الخارجية في حكومة نصوحي البخاري عام 1939. وعلى الرغم من كونه رأسماليًا إلا أن سياساته الماليّة كانت تدعم أيضًا التنمية المتوازنة والعمل على إنصاف طبقات الشعب الأكثر فقرًا، كما أنه دشّن التحالف بين سورية والاتحاد السوفيتي، وجمعته علاقة صداقة مميزة مع البطريرك الماروني بولس بطرس المعوشي، الذي يقول المؤرخ مروان البني أنه خلال زيارة البطريرك لواشنطن قال الرئيس الإمريكي دوايت أيزنهاور للبطريرك أن الإدارة الإمريكية تعتبر العظم خطيرًا لعلاقته المميزة مع السوفييت.

عمله الحكومي

 الرئاسة المؤقتة لسورية والحكومة الثانية

بعد إقالة بهيج الخطيب عام 1941، في محاولة من قبل الفرنسيين خلال الحرب العالمية الثانية استمالة القوى السياسية الوطنية في سورية، عهدت إليه رئاسة الدولة السوريّة بالوكالة، جامعًا بين منصبي رئاسة الدولة ورئيس الوزراء فشكل وزارته الأولى، التي كان من  مهامها الإعداد لعودة الحياة الدستورية إلى البلاد؛ دمغ حكومته الأولى بعدد من القرارات الهامة، فأصدر عفوًا عامًا عن جميع المعتقلين السياسيين الذين أودعتهم فرنسا الفيشية في السجون، وحفظ البلاد من تبعات انقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق، غير أن فرنسا انتهجت سياسة المماطلة والتسويف، وأخيرًا استبدلته بعد خمس أشهر بالرئيس السابق تاج الدين الحسني على أنه رئيس جمهورية، وهو من الشخصيات المحسوبة على الانتداب الفرنسي.

انتخب نائبًا في البرلمان عام 1943،ثم أعيد انتخابه عدة مرّات، وأصبح في حكومة الاستقلال الأولى عام 1946 وزيرًا للعدلية فكان من أول قراراته إلغاء «الامتيازات الأجنبية في البلاد» ومايسمى المحاكم المختلطة.

ثم تزعم المعارضة  للرئيس شكري القوتلي عندما أراد تعديل الدستور لكي يُسمح له بالترشح لولاية رئاسية ثانية، غير أن القوتلي استطاع تعديل الدستور والفوز بانتخابات الرئاسة عام 1947 في وجه العظم، الذي قبل منصب السفير السوري في فرنسا، ولم يستمر في عمله طويلاً إذ سرعان ما طلب منه القوتلي تشكيل الحكومة، حيث لم يجد أفضل منه في هذا المنصب كما يقول مأمون البني فكانت تلك حكومته الثانية،غير أنها لم تكن مدعومة من قبل الكتل الكبرى، فانفرط عقدها بعد عشرة أيام من تشكيلها، وعاد العظم سفيرًا ونجح في إبرام صفقة تسليح مع فرنسا، كما أبرم لاحقًا صفقة تسليح أخرى مع الاتحاد السوفيتي.

على صعيد إصلاح النقد، أصدرت حكومة العظم سلسلة من القرارات والتشريعات هدفت إلى إلغاء حق المصرف السوري في إصدار النقد وحصر هذا الحق ملكًا للدولة السورية وحدها، عبر مؤسسة سورية صرفة أطلق عليها اسم «مؤسسة إصدار النقد السوري» وأدت ثورة العظم النقدية إلى رفع قيمة الليرة السورية فصارت تساوي أكثر قليلاً من 405 ميلليغراما من الذهب.

الحكومة الثالثة

أدت  نكبة فلسطين  1948إلى سلسلة اضطرابات وأعمال شغب في مختلف المدن السورية، استقالت على إثرها حكومة جميل مردم بك وتم تكليفه تشكيل حكومة جديدة غير أنها فشلت في تحقيق أي تقدم لوقف الغضب الشعبي على الهزيمة. طالب بعض السياسيين الرئيس السابق هاشم الأتاسي تشكيل حكومة إدارة أزمة وكلف الأتاسي فعلاً تشكيل الحكومة غير أنه عاد واعتذر عن التكليف بعد عدم توافق رغبته مع رغبات ممثلي الكتل البرلمانية. كلف القوتلي خالد العظم تشكيل الحكومة إلا أنه اعتذر عن قبول التكليف، الذي وجه للأمير عادل أرسلان وزير الشؤون الاجتماعية غير أنه فشل، فأعاد الرئيس القوتلي تكليف العظم الذي قبل هذه المرة ونجح في 16 ايلول 1948 تشكيل حكومته الائتلافية الثالثة التي ضمن وزيرين من الحزب الوطني واثنين من حزب الشعب وثلاثة مستقلين، وقد منحت هذه الحكومة الثقة بأغلبية 73 صوتًا من أصل 108 نائب حضروا الجلسة.

واجهت حكومة العظم الثالثة مشاكل جمّة تتعلق بأهمية تسليح الجيش وإيقاف أعمال الشغب وإيقاف انهيار الليرة السورية، فضلاً عن التزامها «تحرير فلسطين» كما جاء في بيانها الوزاري.[4] وقد رحبت الصحافة السورية بمختلف أطيافها بهذا التشكيل، خصوصًا بعد نجاح الحكومة بإعادة الاستقرار لليرة وإيقاف أعمال الشغب أما في السياسة الخارجية فقد قال العظم أن العالم بات مقسومًا إلى كتلتين وأنه لا يمكن لسورية البقاء على الحياد وبالتالي عليها اختيار بين كتلة الولايات المتحدة أو كتلة الاتحاد السوفيتي. خلال تلك الفترة نفسها أقرت الحكومة مشروع الاتفاق المالي مع فرنسا وبدأت تدرس مشروع أنابيب التابلاين، جعلت هذه الخطوات الثلاث الحكومة تتعرض للنقد من حزب الشعب والإخوان المسلمين وحزب البعث العربي الاشتراكي وذلك بتهمة تبعية البلاد للولايات المتحدة.

بكل الأحوال، فقد شهدت البلاد في دمشق وحمص وحلب وعدة مناطق أخرى مظاهرات حاشدة ضد اتفاقية التابلاين التي وُصفت بالمكلفة وغير المفيدة للاقتصاد السوري ما دفع الحكومة لرفعها عن التداول وتأجيل إقراها. أما من منجزات حكومة العظم الأخرى فكانت إبرام صفقة شراء أسلحة فرنسية، وإقرار اتفاق الهدنة لعام 1949 مع إسرائيل وهو ما أثر سلبًا على شعبية الحكومة رغم أن سورية آخر دولة عربية أبرمت الهدنة، والتصديق على اتفاقية النقد السوري، فضلاً عن تأسيس غرفة الزراعة الوطنية، وبناء صوامع للحبوب من المنطقة الشرقية ومصنعًا للنسيج الوطني لإنتاج ألبسة وطنية منخفضة السعر بعد ارتفاع أسعارها داخل السوق السورية؛ وأرادت العمل على بناء سد «يوسف باشا» على نهر الفرات، وذلك لمضاعفة المساحة المروية الخاصة لزراعة القطن والقمح في البلاد. في 6 اذار استقال وزير الداخلية عادل العظمة بعد خلاف مع العظم واستبدل بمحسن البرازي. لعل الإجراءات التي حاول بها العظم إيقاف الاحتجاجات المناوئة لاتفاقية التبلاين من إغلاق مؤقت للمدارس وسحب الترخيص من أحد الصحف المعارضة هو ما دفع العظمة للاستقالة.

دعا مجلس النواب العظم لجلسة مناقشة بخصوص الجيش إلا أن العظم رفض معتبرًا بأنه من الواجب إبقاء الجيش خارج مجال التجاذبات السياسية، رغم أن المجلس عقد جلسته دون حضور الحكومة، ووُجهت خلال الجلسة انتقادات قاسية للجيش وقيادته شكلت أساس انقلاب حسني الزعيم لاحقًا رغم أن الجلسة المذكورة اكتسبت صفة السرية. لم يطل عهد حكومة العظم الثالثة كثيرًا، فبعد أربع أشهر من تشكيلها وفي 30 آذار 1949 قام الجيش بقيادة حسني الزعيم بالانقلاب على الحكم الدستوري واعتقل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وأودعهما مشفى المزة العسكري،وفي اليوم ذاته استقال القوتلي من رئاسة الجمهورية والعظم من رئاسة الوزراء إثر زيارة فارس الخوري لهما في السجن. نشرت الاستقالة في 6 نيسان، وأطلق سراح العظم لاحقًا. وبعد خلع الزعيم في آب 1949 بانقلاب آخر قاده سامي الحناوي معيدًا الحكم الدستوري، أي بعد ثلاث أشهر، عيّن العظم وزيرًا للمالية في حكومة إدارة الأزمة التي شكلها هاشم الأتاسي في 15 آب 1949.

 الحكومة الرابعة

كان من أول مهام حكومة إدارة الأزمة التي شارك بها العظم كوزير للمالية إعداد انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد. رشح العظم نفسه كمستقل عن مدينة دمشق واستطاع الفوز مجددًا. بعد انعقاد الجمعية انتخب هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية التي كانت مدارة سابقًا من قبل قيادة الجيش. وبعد انتخابه كلف الأتاسي العظم تشكيل الحكومة. وقد قبل العظم مهمة تشكيل الحكومة غير أنه لم يستطع بسبب توافق مع رؤية حزب الشعب في التشكيل فاعتذر في اليوم التالي. كلف الأتاسي ناظم القدسي رئيس حزب الشعب التشكيل لكنه اعتذر في اليوم التالي إثر تدخل الجيش وقيادته في توزيع الأسماء والمناصب. أراد الأتاسي الاستقالة، لكنه عاد وتراجع عنها تحت ضغط الجيش وكلف العظم مجددًا والذي نجح في 29 كانون الاول1949 تشكيل حكومة مرضية من قبل الجيش وحزب الشعب على حد سواء.

كانت تلك المرحلة شديدة الدقة في السياسة السورية، فبعد الإطاحة بحسني الزعيم وعودة الحكم الدستوري انقلب الجيش على نفسه واعتقل سامي الحناوي وغدا أديب الشيشكلي قائدًا للجيش ومتدخلاً في أدق تفاصيل الحياة السياسية السورية الأمر الذي رفضته أغلب الأحزاب السياسية وأفضى إلى عدم الاستقرار في البلاد، على سبيل المثال فقد فرض الجيش تسمية وزير الدفاع على العظم بأنه أكرم الحوراني وفي حكومات لاحقة فرض أن يكون عسكريًا لا مدنيًا.

كان الجيش معارضًا للوحدة مع العراق والأردن ضمن مشروع سورية الكبرى والوحدة تحت التاج الهاشمي، مدعومًا من السعودية ومصر وقد اعتقل عددًا من الداعين للوحدة بمن فيهم نواب في الجمعية التأسيسيّة رغم تمتعهم بالحصانة؛ في حين كان حزب الشعب من الداعين للوحدة مع العراق.

في 4كانون الثاني1950 تقدمت حكومة العظم لنيل الثقة، ولم تطرح في بيانها الوزراي أي إشارة للوحدة مع العراق أو «الوحدة العربية» العامة، بكل الأحوال تعرضت الحكومة لنقد حزب الشعب والكتلة الجمهورية «عين الجيش في الجمعية» على حد سواء، بيد أنها نالت الثقة بأغلبية 92 صوتًا مقابل 7 أصوات في حين تغيب 33 نائب عن الجلسة. لم يطل عهد حكومة العظم الرابعة أيضًا إذ بقيت في الحكم ستة أشهر فقط واستقالت في 4 حزيران 1950. لعل من أبرز أعمالها زيارة وزير الاقتصاد معروف الدواليبي وقائد الجيش أديب الشيشكلي إلى القاهرة ثم الرياض، وتوقيع “اتفاقية التعاون العسكري” مع مصر لتدريب الجيش السوري، والحصول على منحة 6 ملايين دولار من الرياض للجيش السوري وسلسلة اتفاقات اقتصادية وتجارية. اتُهمَتْ حكومة العظم بعدم الحياد ومناكفة حزب الشعب صاحب الكتلة الكبرى في البرلمان وزج سورية في المحور السعودي – المصري مقابل المحور الهاشمي العراقي – الأردني. استطاع العظم تفادي تلك المشكلة، وقال بأنه قبل الدعم من أي دولة أتى، كما كان له دور في المناقشات حول الدستور الجديد بحيث تبعد سورية قدر الإمكان عن المحاور العربية والأيديولوجيات الاقتصادية تحديدًا.

في 26  نيسان استقال وزير الدفاع أكرم حوراني بعد خلافات مع عدد من الوزراء، أصاب ذلك حكومة العظم بالضعف نظرًا لكون حوراني عميد «الكتلة الجمهورية» التي تتمتع بدعم الجيش المطلق، في قطاع نواب الكتلة الجمهورية جلسات الجمعية التأسيسية حتى استقالة العظم.

في الواقع، كان بإمكان حكومة العظم الصمود في الحالة السياسة الطبيعية غير أن دعم قيادة الجيش للكتلة الجمهورية ولوزير الدفاع اكرم الحوراني وأركان الكتلة جعل الأمر صعبًا، على سبيل المثال وبعد تصعيد الكتلة الجمهورية بمقاطعة جلسات الجمعية التأسيسيّة أصدرت القيادة العامة للجيش قرارًا يقضي بحظر المظاهرات والاجتماعات السياسية العلنية رغم أن هذا القرار يجب أن تتخذه حكومة مدنية.

غادر العظم إلى مصر لحضور قمة جامعة الدول العربية وانتقل منها إلى الرياض. في 24 ايار اندلع خلاف جديد في الحكومة حين صرح وزير العدل فيضي الأتاسي أن «بعض الوزراء» يعملون لمصلحتهم الخاصة بدلاً من مصالح البلاد، وعلى إثر هذا الخلاف استقالت حكومة العظم في 28 ايار 1950. وطلب رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي من خالد العظم تشكيل حكومة جديدة غير أنه اعتذر، فأسند المنصب لناظم القدسي عميد حزب الشعب المناوئ للجيش، وكانت تلك أول فرصة لحزب الشعب صاحب أكبر كتلة نيابية لتشكيل حكومة رغم ممانعة الجيش.

 الحكومة الخامسة

مكث العظم خارج الحكم أقل من عام، في 27 آذار 1951 شكل العظم حكومته الخامسة بعد ثمانية عشر يومًا من مشاورات التشكيل لاحتدام الخلاف بين الجيش والرئاسة والبرلمان. وبكل الأحوال، فإن الحكومة الخامسة كسابقتها، كانت خلال مرحلة انقلاب أديب الشيشكلي الأول، أي حكم مدني بمرجعية عسكرية، قبل أن يقوم الشيشكلي بانقلابه الثاني الذي قبض فيه على زمام الحكم مباشرة. بلغت  مدة ولاية هذه الحكومة  خمسة أشهر فقط، وتكونت من سبعة أعضاء جميعهم من المستقلين ما عدا ممثل واحد للجيش في وزراء الدفاع وممثل واحد للاشتراكيين العرب. وقد نالت الحكومة الثقة بتصويت 52-0 نائب وامتناع 4 وتغيب الباقي.

خلال مناقشة بيان الحكومة قامت إسرائيل بقصف مواقع للجيش قرب بحيرة الحولة ما عجل في منح الثقة للحكومة، ما رفضه بصراحة ممثلو الإخوان المسلمين والبعث العربي الاشتراكي أما الحزب الوطني فقد دعم الحكومة متحالفًا مع الجيش لكسر سطوة حزب الشعب. بكل الأحوال، فإن الحكومة قد بدت ضعيفة مع عدم دعمها برلمانيًا من كتلة موحدة الأهداف والمصالح إلى جانب «الحرب الباردة» التي شنها حزب الشعب والمعارضة على الحكومة، وتحت الضغط قامت حكومة العظم بترقية أديب الشيشكلي لأعلى المراتب العسكرية وتعيينه قائدًا عامًا للجيش والقوات المسلحة. أما القائد السابق أنور بنود فقد تم تعيينه ملحقًا عسكريًا في السفارة السورية بأنقرة؛ كما تم تعيين عدد من الضباط المقربين من الشيشكلي في مواقع حساسة في الجيش والحكومة كوزير الدفاع فوزي سلو.

أقرت حكومة العظم أيضًا صفقة جديدة لتسليح الجيش بقيمة 1.4 مليون دولار؛ وخلال عمل هذه الحكومة أغلق العظم الحدود في وجه السلع اللبنانية في محاولة لمنع سقوط الصناعة المحلية نتيجة لتسيد المنتجات اللبنانية، معلنًا بذلك نهاية الوحدة الاقتصادية مع لبنان. وأعلن عن تأسيس مرفأ اللاذقية وأدخل إصلاحات اقتصادية على الليرة السورية، كما أعلن عن مشروع مد سكك الحديد بين المناطق الشرقية على نهر الفرات واللاذقية بهدف تسهيل حركة الاستيراد والتصدير.[

رشحت المعارضة بقيادة حزب الشعب معروف الدواليبي لرئاسة مجلس النواب في حين تقدمت الحكومة بمرشح آخر قريب من العظم، وبعد جولتين من الاقتراع فاز الدواليبي، وبدا ذلك نكسة للحكومة. غير ان ما قضى عليها فعليًا هو رفض المجلس التصديق على توسيع الانفاق استثنائيًا لتسليح الجيش. خيّر الرئيس الأتاسي العظم بين الاستقالة أو تقديم مشروع مالي مقبول من طرف مجلس النواب ومع تعذر التوصل لصيغة استقالة العظم في 31 تموز1951. وبعد أربعة أشهر فقط من استقالة الحكومة، انقلب أديب الشيشكلي على الحكم الدستوري، وعيّن فوزي سلو رئيسًا للدولة بصلاحيات تنفيذية وتشريعية معلقًا العمل بالدستور وحالاًّ مجلس النواب والأحزاب ومجبرًا الرئيس الأتاسي على الاستقالة.

خلال مرحلةالأشهر الأربعة التالية تعاقبت ثلاث حكومات برئاسة حسن الحكيم وزكي الطيب ومعروف الدواليبي ما يظهر حالة عدم الاستقرار التي عاشت بها الجمهورية السورية نتيجة تدخل الجيش في السياسة. بعد الانقلاب، اعتكف أغلب القادة السياسيين عن ممارسة العمل السياسي وكان منهم العظم، وبعد استقرار نظام الشيشكلي طلب من العظم تشكيل حكومة مدنية غير أنه رفض مبررًا رفضه بأسباب صحية. كما قاطع الانتخابات التشريعية عام 1953. بكل الأحوال، استمرت المقاطعة السياسية حتى 26 شباط1954 حين تنحى الشيشكلي عن السلطة.

شارك العظم في الانتخابات التشريعية لعام 1954 والتي أعادته مجددًا إلى البرلمان وترأس «الكتلة الديموقراطية» المؤلفة من 37 نائبًا مستقلاً، وكانت أكبر كتلة في  البرلمان. كلفه الأتاسي تشكيل حكومة بعد الانتخابات غير أنه فشل بعد يومين من التفاوض مع حزب الشعب من جهة والبعث من جهة ثانية؛ وبكل الأحوال فقد دعم وكتلته الحكومة التي شكلها حينها فارس الخوري وقد وصفت الكتلة الديموقراطية حينها بأنها كتلة يمينية مؤيدة للغرب في وجه الكتل اليسارية المؤيدة للشرق. عاد العظم إلى السلطة التنفيذية مجددًا في 13 شباط 1955 بمنصب وزير الخارجية وشريكًا في الحكم في الوزارة التي شكلها سعيد الغزي قبيل موعد الانتخابات الرئاسية التي جعلته يقترب من القوى اليسارية في البلاد.

نشاطه 1954 – 1963

بعد الإطاحة بالشيشكلي عام 1954 عاد الأتاسي ليكمل ما تبقى من فترته الرئاسية وتشكلت حكومة برئاسة صبري العسلي غير أنها لم تمكث طويلاً بل استقالت في حزيران 1954 وجاءت وزارة جديدة برئاسة سعيد الغزي نظمت انتخابات مجلس النواب، في أعقاب الانتخابات عاد العظم إلى الندوة البرلمانية نائبًا عن دمشق، وكما تقتضي الأعراف استقالت حكومة الغزي بعد الانتخابات وتألفت حكومة جديدة برئاسة فارس الخوري التي استقالت في شباط 1955 بعد رفض البرلمان – بأغلبية نوابه المستقلين مع البعثيين والشيوعيين – مشروع الموازنة التي قدمتها الحكومة، وشكلت حكومة جديدة برئاسة صبري العسلي كان العظم فيها وزيراً للخارجية ووزيراً للدفاع بالوكالة. وقد حدث خلال هذه الحكومة اغتيال عدنان المالكي، واستمرت الحكومة في مهامها لفترة تجاوزت الستة أشهر، ولم تستقيل إلا في أعقاب الانتخابات الرئاسية عام 1955 التي أفضت إلى فوز شكري القوتلي برئاسة الجمهورية في الدورة الثانية من الاقتراع، وكان منافسه الوحيد خالد العظم.

تقاعد العظم إثر خسارته لفترة وجيزة، ثم عاد مرة أخرى في تشرين الثاني 1956 ليدخل في حكومة صبري العسلي كوزير للدفاع في حكومة ائتلافية من حزب البعث والكتلة الوطنية و«الكتلة الديموقراطية» التي كانت تجمع عدداً من النواب المستقلين، ومن بينهم العظم.

لعب العظم دورًا رئيساً في تحقيق التحالف مع الاتحاد السوفيتي، وسافر مرات  عديدة لترتيب القروض والاتفاقات الاقتصادية وصفقات الأسلحة، مما أثار غضب الولايات المتحدة. انعدمت ثقة الاشتراكيين فيه بسبب خلفيته الأرستقراطية الغنية والعثمانية، ورغم أنه لم يكن من أنصار الرأسالمية المطلقة ورغم تحالفه مع الاتحاد السوفيتي  في بعض الأحيان، حتى لقب ب «المليونير الأحمر»، وقد اعتمدت الصحافة السورية هذا اللقب خلال فترة الخمسينيات. ولأنه لم يكن اشتراكياً، بل معارضاً في واقع الأمر لدعوات الاشتراكية في الوطن العربي، فقد عارض بدون جدوى الوحدة مع مصر في عام 1958 التي أدت إلى إعلان الجمهورية العربية المتحدة، مبينًا أن عبد الناصر من شأنه أن يدمر النظام الديمقراطي واقتصاد السوق الحرة في سورية.

اعتزل العظم الحياة السياسية خلال فترةالوحدة مع مصر، وانتقل إلى لبنان وعندما حصل الانفصال بانقلاب عسكري قام به عبد الكريم النحلاوي مع 35 ضابطًا وأعلن  سقوط الوحدة مع مصر ، بعد أن كان  عبد الحميد السراج والكحالة، مندوبي الرئيس عبد الناصر في سورة، قد انتهجا سياسة قمعية في سورية لم تكن البلاد قد شهدتها من قبل، كما أن الوحدة الاقتصادية أثرت سلبًا على اقتصاد البلاد. عاد العظم إلى سورية، وساعد في صياغة وثيقة الانفصال بنفسه، وحاول خوض انتخابات الرئاسة ولكن الجيش رفض ترشيحه. فانتخب ناظم القدسي رئيسًا، وعاد العظم إلى البرلمان كنائب عن دمشق. يوم 28 آذار 1962، أطاح انقلاب آخر بالنظام، وسجن القدسي والعظم. وفي 2 نيسان أطلق انقلاب مضاد سراحهم، وأصبح العظم رئيسا للوزراء من جديد تحت حكم القدسي. تحالف الرجلان مع الرئيس السابق شكري القوتلي لتخليص الجيش من الناصريين، وعطل نظام التأميم الذي وضعه جمال عبد الناصر عندما كان رئيسًا للجمهورية العربية المتحدة. وقبل تحقيق ذلك، جاء حزب البعث العربي الاشتراكي  بانقلاب أطلق عليه ثورة الثامن من آذار1963 وانتقل كل من العظم والقدسي إلى لبنان.

وفاته

انتقل خالد العظم نهائيا إلى بيروت، حيث عاش في ظروف مادية صعبة، إذ استولى حزب البعث على أملاكه في البلاد. ومنها بدأ عام 1964 نشر مذكراته السياسية في جريدة النهار التي دققها لغويًا خليل كلاس، واستمرت عملية النشر حتى بعد وفاته، إذ توفي الرئيس العظم في بيروت ودفن فيها يوم 18 نتشرين الثاني 1965. وقد كانت وصيته أن يدفن قرب الإمام الأوزاعي في بيروت وألا يحمل إلى دمشق لكي لا تضطرب المدينة وأنصاره فيردّ عليهم بالرصاص ويسقط قتلى وجرحى. وقد ورد في كتاب الأعلام لمؤلفه خير الدين الزركلي أن زوجته باعت مذكراته بعد وفاته، ويقال إنه دخلها تحريف وتبديل، ونشر بعضها متسلسلاً في جريدة النهار، ثم نشرت كاملة في كتاب. وقد تم التطرق لشخصيته في مسلسل حمام القيشاني، الذي أرّخ لمرحلة الحياة السياسية في سورية منذ عهد المملكة السورية وحتى ثورة البعث وقيام الجمهورية الثانية؛ وقد وصفت شخصيته بكونها من أكثر الشخصيات إشكالية وغموضًا في تاريخ سورية المعاصر، كما أنّ ستارًا من الغموض يكتف العديد من المواقف السياسية التي اتخذها خلال حياته السياسية.

ويكيبيديا بتصرف

ذكريات خالد العظم في سجن النحلاوي – عندما جمع النحلاوي خمسة رؤساء وزراء سوريين في “قاووش” واحد

تاريخ سورية

لا تحظى هذه الصفحات الضائعة بين ثنايا مذكرات رئيس الوزراء السوري الراحل خالد العظم بشهرة غيرها من الأحداث التي دونها في مذكراته الطويلة والتي جمعها في ثلاثة مجلدات، على الرغم من أهميتها والدلالة العميقة لأحداثها.

يروي خالد العظم تفاصيل الأحداث التي سبقت انقلاب  النحلاوي في 28 آذار عام 1962 ( بعد ستة أشهر من قيامه بانقلابه الأول في 28 أيلول 1961 الذي أدى إلى انفصام الوحدة بين مصر وسورية وعرف باسم الانفصال). ثم يسرد ذكرياته في سجن المزة مع زملاء الاعتقال من رؤساء حكومات ووزراء ونواب.

عشية انقلاب النحلاوي

“دُعيت مساء 27 آذار إلى دار الضيافة لمقابلة رئيس الجمهورية، فوجدت عنده الكزبري والدواليبي والعسلي والحوراني والغزي. وبدأ الرئيس الحديث قائلاً بأن الجيش ثائر ضد القانونين اللذين أصدرهما مجلس النواب (بشأن التأميم وبشأن الإصلاح الزراعي)، وبأنه يطلب العودة إلى الأحكام السابقة. فسألناه: هل هذا كل ما يريد؟ فأجاب: لا. إنه يريد إبعاد الوزارة الحالية عن الحكم (وكانت قد استقالت)، ويصر على أن يستقيل من النيابة بعض الشخصيات. وقد أعلمنا سعيد الغزي بأنه اطلع على جدول غير المرغوب فيهم من النواب، وهم الكزبري والدواليبي والعسلي وأنا وسوانا، وأن ثمّة مطالب أخرى تتعلق بصميم الدستور. ثم أخرج من جيبه ورقة كبيرة الحجم وأشار إليها، لكنه لم يطلعنا على فحواها.
وعدنا إلى الندوة النيابية، فجمعنا النواب في قاعة المجلس، لكن بشكل غير رسمي. وبينما كنا نستمع إلى آراء الرفاق، وصلت إلينا دعوة من الدكتور ناظم القدسي إلى الحضور مرة ثانية إلى دار الضيافة مع العسلي والحوراني. فاعتذرنا من الحاضرين وسرنا في طريقنا. ولم نكد نجلس مع الرئيس، حتى وصل على أعقابنا وفد قوامه رشاد جبري ودهام الهادي وعصام العطار وأحمد عبد الكريم وبعض النواب الآخرين. فاضطرب الرئيس للوهلة الأولى، وقال لا يسعني استقبالهم. غير أن الكزبري رجاه بأن لا يردهم على أعقابهم، ثم ذهب إليهم وعاد قائلاً بأنهم يصرون على حضور هذا الاجتماع. فما كان من القدسي إلا أن استدعاهم. فجاؤوا وجلسوا معنا وتكلم الجميع، ما عداي، بما لا يخرج عن حديث الجلسة السابقة.

ثم خرجنا وتركنا الحاضرين عند الرئيس. وقد علمت فيما بعد أن المجتمعين اتفقوا مع رئيس الجمهورية على قبول طلبات الجيش، وأنهم فوضوه بتأليف حكومة جديدة، ثم انسحبوا من الجلسة. فما كان من الرئيس سوى تكليف السيد سعيد الغزي بتأليف الوزارة فوراً. فأخذ هو وبرمدا والدقر باختيار الوزراء الجدد. وظلوا هكذا حتى الساعة الواحدة. وتولّى برمدا حمل أسماء الوزارة لكي تنشر في الساعة السابعة صباحاً.

اعتقال خالد العظم مع الوزراء والنواب

عندما استلقيت على فراشي، بعد عودتي من قصر الضيافة، لم يخطر ببالي أن الأمور آخذة بالتطور بهذه السرعة، وأن الانقلاب الذي كان أعدّ له العقيد النحلاوي بدئ بتنفيذه في منتهى الدقة. وبينما كنت غارقاً في النوم أيقظتني الخادمة وقالت لي بأن ضابطاً يريد مقابلتك. فقلت في نفسي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وأدركت على الفور أن الانقلاب حصل وأن الضابط جاء لتوقيفي وأخذي إلى المزة. فقمت من فراشي وذهبت إليه حيث كان واقفاً خلف الباب الخارجي، فسألته بعد التحية عما يريد، فقال بكل تأديب وتواضع أن ثمة اجتماعاً معقوداً في الأركان العامة للجيش، ورجا مني تلبية دعوة اللواء لحضوره فوراً. فأيقنت أن الأمر كما توقعت لأنه من غير المعقول أن يعقد اجتماع في الساعة الثانية والنصف صباحاً. فقلت للضابط: “اصدقني القول، إذ يلوح لي أن ثمّة انقلاباً، وأنك آت لأخذي إلى المزة”. فراح يفرك يديه ويقول: “أعوذ بالله، يا دولة البيك، فالأمر لا يخرج عما قلت. أرجوك” فقلت: “طيب، لكن ليس لدي سيارة الآن”، فأجاب بأن معه سيارة، وهي تحت أمري! ولم تنطلِ علىّ الأكذوبة. وقلت له: “على أي حال، سألبس ثيابي وآتيك حالاً”.
وعدت إلى غرفتي وأخذت بارتداء ثيابي، دون استعجال أو تطويل. ثم نزلنا الدرج معاً، فلما وصلنا إلى الشارع رأيت أمام البيت سيارة شحن وعدداً من شرطة الجيش، فتأكد حدسي. وابتسمت للضابط، وهززت برأسي، فراح يحاول أن يتوارى عن نظري. وأركبوني إلى جانب السائق، وجلس ضابط إلى يميني. وسارت بنا القافلة حتى قيادة الشرطة العسكرية، فنزلت وانتظرت في الساحة، دون أن أنبس يبنت شفة، منتظراً النهاية.
وخرج من إحدى الغرف السيد لطفي الحفّار، فحيّاني ووقف إلى جانبي. وبعد هنيهة دعُونا إلى ركوب سيارة جيب. وكان البرد شديداً تلك الليلة، وكانت الريح تدخل إلينا من خلال الثقوب والشبابيك المفتوحة. ولف الحفار رأسه بالعباءة ليتقي لفحة البرد على رأسه العاري. أما أنا، فكنت ألبس رداء سميكاً وطاقية من الفرو حمت رأسي من البرد القارس. وأسرعت بنا السيارة إلى سجن المزة، فدخلناه للمرة الثانية بعد انقلاب حسني الزعيم. وهناك اقتادونا إلى قاعة كبيرة وجدنا فيها عدداً وفيراً من رفاقنا في المجلس، من نواب ووزراء. فعانقنا بعضنا بعضاً والابتسامة تعلو شفة كل واحد منّا. ثم انقلبت تلك الابتسامات إلى ضحكات عالية، صرنا نطلقها كلما دخل رفيق جديد. وكان الحراس يطلبون من كل داخل تسليم جميع ما في جيوبه، فيعدون النقد ويسجلونه، ثم يطلبون تسليمهم أيضاً ربطة العنق والحزام وحتى ربطة الحذاء. وكانوا يتأكدون من أننا لا نخفي سلاحاً نارياً أو خنجراً أو موسى، وذلك بتفتيش جيوبنا وتحرّي ما تحت ثيابنا وداخل سراويلنا.

وكانت القاعة فسيحة، طولها نحو 15 متراً، وعرضها نحو ستة أمتار. يجتازها طولاً ممر واطئ ينتهي إلى غرفة صغيرة، فيها مستراح وحنفية ماء. وكانت الأرض مفروشة بالشمينتو وعليها بعض الأفرشة المملوءة حصيراً. فجاؤونا بأغطية صوفية ووزعوها علينا بمعدل غطاء واحد لكل سجين. واضطررنا إلى الالتحاف بها بسبب البرد القارس. والغريب أن أحداً منا لم يبد منه استغراب أو احتجاج، كأننا كلنا كنا متوقعين ما حدث. بل كانت النكات والحكايات الطريفة تطلق على أكثر الألسنة، فتتردد أصداء الضحك والقهقهات. وكان حراسنا الأربعة ينظرون إلينا كما ينظر الممرضون إلى مرضاهم من المجانين.

النحلاوي يطلب استقالة خطية من رئيس مجلس النواب

فُتح الباب، ودخل رقيب طلب إلى الكزبري مرافقته. وخشينا عليه أن يصيبه بسوء، لكنه قام من فراشه مبتسماً وتبع الرقيب، ورحنا نفكر في سبب هذه الدعوة.
وبعد ربع ساعة عاد إلينا زميلنا، فاستقبلناه بالهتاف. وقال لنا إنهم طلبوا إليه أن يكتب استقالته من رئاسة المجلس، ففعل. فقلنا: “بسيطة”. لكنهم ما لبثوا أن أعادوا عليه الكرّة واستدعوه ثانية، فانشغل بالنا هذه المرة. لكنه عاد بعد قليل وأنبأنا بأنهم طلبوا إليه تغيير كتاب استقالته بأن يجعله موجهاً إلى قائد الجيش بدلاً من مجلس النواب، فامتثل أيضاً وعاد سالماً. فأعدنا عليه التهاني، فيما ظهر لنا أن الأمر على شيء من “الولدنة”.

البلاغ رقم 26

وما لبث المذياع أن بدأ بإسماعنا قطعات من الموسيقى العسكرية، فتهيأنا لسماع أول بلاغ. وما طال انتظارنا، إذ سرعان ما سمعنا أن قيادة الجيش قامت بحركة وطنية! (وكل هذه الحركات وطنية بطيبعة الحال) واستولت على الحكم وأنقذت البلاد من شرور الرجعية الاستعمارية العميلة، إلى آخر النغمة إياها، وأنّ بلاغات سوف تذاع على التوالي.

ثم أُعلن حل مجلس النواب، واستقالة رئيس الجمهورية، واعتقال أعضاء الوزارة وفريق من النواب، وقرب إحالتهم على القضاء وإعادة الأوضاع السليمة.وكنّا نتساءل ما إذا كانت الحركة ناصرية أو عسكرية محلية فحسب، لأن البلاغات كانت غامضةمن هذه الناحية، بعكس ما كانت تردده صراحة من أن النواب ألغوا الإصلاح الزراعي والتأميم وزادوا رواتبهم واستحصلوا على رخص استيراد سيارات خاصة بهم، وأن الوزراء استغلوا وظيفتهم بالارتشاء وببذل الخدمات لأنصارهم لكسب الشعبية الرخيصة، إلى آخر ما هنالك من التهم المختلفة.

النحلاوي يجمع كل أركان الدولة في سجن واحد

وكان عدد الموقوفين في قاعتنا خمسة وثلاثين شخصاً، خمسة منهم تولوا سابقاً رئاسة الوزارة، وهم الكزبري والدواليبي والعسلي ولطفي الحفار وأنا. وكان بينهم جميع الوزراء في وزارة الدواليبي، باستثناء رشاد برمدا، وهم جلال السيد ورشيد الدقر ومحمد عابدين وسهيل الخوري وعبد الرحمن الهندي وأحمد قنبر وبكري القباني وعدنان قوتلي وفؤاد العادل ومصطفى الزرقا وأحمد علي كامل ومحمد الشواف ومحمود العظم ونعوم السيوفي. أما من النواب فكان بينهم فيضي الأتاسي وسعيد تلاوي وعبد الكريم دندش وعوض بركات وزياد إسماعيل وعادل العجلاني وحنين صحناوي.
وأما الموقوفون من غير النواب فكانوا قلة. ثم زاد عددنا بمجيء السيد رشدي الكيخيا، رغم أنه كان قد طلّق السياسة منذ 1958، ولم يقبل ترشيح نفسه في 1961، لا للنيابة ولا لرئاسة الجمهورية.

خالد العظم ممنوع من حقنة الأنسولين

دخل علينا فرد من الجنود، فسحبوا الحرامات عنا وطلبوا أفرشة القش، فاعترضنا فطيبوا خاطرنا وقالوا إنهم سينقلوننا إلى مكان أفضل. فأوجسنا خيفة من أن تكون المآوي الجديدة في السلولات، أو الغرف المنفردة. وسكتت أصوات الضحك.
وعندما جاء دوري وستة من الرفاق، ودعنا الباقين ولحقنا بالنقيب، فقادنا في ممرات طويلة يقطعها سلالم عديدة، نزلنا بعضها وصعدنا البعض الآخر، حتى وصلنا إلى ممر طويل فيه أبواب ثلاثة دخلنا أحدها. وإذ بنا ضمن غرفة لا يتجاوز طولها وعرضها ثلاثة أمتار بثلاثة. وكان للغرفة طاقة صغيرة عالية لم يسمح لنا بفتحها، وباب أغلقوه علينا وأقفلوه.
ووجدنا أنفسنا في الغرفة: معروف الدواليبي ومصطفى الزرقا وعلي أحمد كامل ورشيد الدقر ومحمد عابدين من الوزراء، وحنين الصحناوي وأنا من النواب.
وقرب الساعة العاشرة، فتح الباب، ودفعوا لنا بإبريق شاي وكاسات من الصفيح، وبقطعة من الخبز مع كمية من الزيتون. وتوزعناها، فكان نصيب كل واحد منا خمس زيتونات. وقرب الساعة الثانية بعد الظهر فتح الباب، ودخل نقيب ومعه سبعة صحون من الصفيح مليئة بالمرق والخضار، ومثلها مليئة بالأرز مع كمية من الخبز. ولما سألناه عن الملاعق أو الشوكات، أجاب بأنها ممنوعة. واحترنا كيف نتناول غداءنا، أبالأصابع؟ أليس بذلك رجعة إلى العصور السالفة وابتعاد عن التقدمية؟

وفي المساء تكرر الأمر. والتزمنا الصيام إلا عن الخبز والبيض المسلوق والزيتون. وكنت غير متضايق من حرماني من الأكل، لأنني كنت محروماً من الأنسولين الذي أستعمل كل صباح زرقة منه لمعالجة مرض السكري. غير أن نظام الأكل هذا لم يحل دون ارتفاع السكر في دمي، فأصابتني نوبة من الرجفان العصبي مع البكاء الذي لا سبب له إلا تخرش الأعصاب التي تسيطر على هذا الانفعال. فضج رفاقي وراحوا يطرقون على الباب بأيديهم بعنف ويصرخون بأعلى أصواتهم: طبيب .. طبيب. خالد بك يعاني أزمة حادة. فعلا الضجيج من الغرف الأربع الأخرى المليئة برفاقنا. وهرع الحراس ومعهم الضابط مدير السجن، فسألوني عما بي فلم أجب. وقال لهم رفاقنا: أنتم تقتلون هذا الرجل بمنعه من استعمال علاجه. فظهر على وجه الضابط علائم التأثر والتخوف من أن يصيبني مكروه داخل السجن، فهتف لرؤسائه، فجاء طبيب وفحصني وأشار بضرورة إعطائي فوراً زرقة من الأنسولين. ولمّا قيل له إني لا آكل، خرج عابساً.

وفي المساء بينما كنّا مضطجعين على فراشنا الوثير! فتح الباب فجأة وطلب الحارس من رفيقنا الصحناوي أن يلحق به. فقام صديقنا وسار يتمايل يساراً ويميناً وهو لا يعلم إلى أين يقودونه. فطمأناه بأنه ذاهب إلى داره. وكانت لحظات محزنة حقاً. وكان رفيقنا غير معتاد على حياة التقشف، ولا دخل في حياته سجناً، ولا قيدت حريته، ولا نام إلا على الأسرّة الوثيرة حقاً، ولا تناول الطعام وهو جالس القرفصاء، بصحون من الصفيح، ودون ملاعق وشوكات، ولا حرم من المشروبات الروحية ولا من السيكارات. وكان جسمه، إلى ذلك، نحيلاً بحيث أن عظامه كانت تلامس الأرض الخشنة وهو جالس أو مضطجع دون أن تخفف عنه الألم طبقة من اللحم والشحم. كان سرورنا عظيماً بخروجه من السجن، رغم حرماننا من رفيق أنيس. وتعانقنا، ثم أوصاه كل منا بأن يبلغ عائلته أنه لا يزال حياً، وأن يصف لها حالتنا المادية السيئة التي لم تؤثر على قوة معنوياتنا.

وفي الصباح، جاء أحد ممرضي المستشفى العسكري ومعه كيس مملوء بالأدوية المرسلة إليّ من داري، بينها زرقات الأنسولين، وحقيبة صغيرة فيها ثياب داخلية وزجاجة ماء كولونيا كان لوصولها الأثر المنعش عند الرفاق.
وجاءنا من يسأل: هل توافقون على استجلاب طعامكم مشتركاً من مطعم نادي الشرق؟ فرحبنا بالفكرة. وبدأت “السفر طاسات” ترد علينا كل يوم. وهكذا عدنا إلى حياة الشباب والتلمذة، بعد أن أشرفنا على الستين، وصعدنا إلى ذروة المراكز. وبدأت منذ اليوم الثالث تخف تدريجياً المعاملة القاسية التي لقيناها في الأيام الأولى. فسمح لنا بالخروج سوية إلى باحة التنفس وصرنا أحراراً في التكلم بعضنا مع البعض الآخر. أما أعضاء الشركة الخماسية الموقوفون في إحدى الغرف الملاصقة لغرفتنا، فلم يسمح لهم بالاجتماع معنا ولا بالتحدث إلينا إطلاقاً. ثم جيء بأسرّة حديدية ذات طبقتين، فخصص لكل واحد منا سرير يبعد عنا على الأقل رطوبة الأرض.
وكان أشد ما يضايقنا أنه لم يكن يسمح لنا بالخروج إلى دورة المياه إلا بالدور، مهما كانت الحاجة ماسة إلى الإسراع بالوصول إليها، سواء عن مرض كمرض السكري أو بنتيجة أزمة في المصارين!
وقد اتخذت كرسياً لاستعماله في دورة المياه، من الكراسي القش الواطئة التي أجيز لنا شراؤها.

انقلب السحر على الساحر، والنحلاوي أول ضحايا انقلابه الدموي

ثم تحلحلت القيود، فأجيز لنا جلب “ترانزستور” الذي أصبح صلة الوصل الوحيدة بيننا وبين العالم. كنا نستمع إلى الأخبار والبلاغات. وأشد ما أثار انتباهنا ذات يوم ما أذيع من نداءات إلى حامية حلب بالتزام الهدوء وبعدم الاسترسال في ما يعرض البلاد للخطر. وكان كل ذلك مدعوماً بمارشات عسكرية طيلة النهار والليل. فتحقق لدينا أن شيئاً ما حدث، فأقلق سادة دمشق الجدد. لكننا لم نهتد إلى حقيقة ما جرى. فصرنا نترقب الحوادث ورؤوسنا مجتمعة حول الترانزستور. حتى كان يوم فهمنا فيه أن عصياناً عسكرياً قام بحلب، عقب مؤتمر عقد بحمص، أُبعدت بموجب قراراته الشخصيات العسكرية التي قامت في دمشق بانقلاب 28 آذار.

وهكذا أبعد النحلاوي والهندي والرفاعي ورفاقهم وأركبوا طائرة نقلتهم إلى سويسرا. وتناهى إلينا أن الوضع أشبه ما يكون بحرب داخلية بين جماعة دمشق الجدد وجماعة حلب الذين احتلوا المدينة والمعسكرات ورفعوا علم الوحدة وصور عبد الناصر، وأن الطائرات العسكرية الموالية لقيادة دمشق قصفت محطة الإذاعة في حلب وسواها من الأبنية، وأن ثمّة قتلى وجرحى من الضباط. فبلغ بنا التأثر مداه، وهلعنا لتأزم الحال على هذا النحو. وخشينا أن تنتهز إسرائيل فرصة اصطدام الجيش السوري، بقطعاته المختلفة، لتدخل البلاد وتفرض عليها خطة جديدة.

عبد-الكريم-النحلاوي
عبد الكريم النحلاوي أول ضحايا انقلابه الفاشل الذي أنهى حياته العسكرية وقضى على طموحه في الحكم وزاد تعقيد المشهد ومهّد لانقلاب البعث في العام التالي

خالد العظم ورفاقه يناشدون القيادة الجديدة باسم الوطن

وحررتُ كتاباً وقّعه جميع الرفاق المسجونين، موجهاً إلى القيادة العامة، ناشدناهم فيه باسم الوطن ألا يجعلوه يتمزق، وأعلنّا عن استعدادنا للإسهام في ما يؤدي إلى رتق الفتق. كما طلبنا إرسال ضابط للتحدث معه. ولم يشأ رئيس الحرس استلام رسالتنا المكتوبة، لكنه وعد بنقل مضمونها شفاهاً. إلا أننا لم نتلقّ أي جواب!

حوادث وطرائف

وارتخت القيود أكثر فأكثر، فبدأ كل منا يستقبل أهله وأصدقاءه الذين سمح لهم بهذه الزيارات، على شرط أن يحضر رئيس الحرس المقابلات. وبذلك انتفت إمكانية استطلاع الأخبار إلا القليل.
وحدثت لزميلنا الأستاذ مصطفى الزرقا حادثة طريفة. وهي أنه ذات يوم دعي للنزول إلى غرفة رئيس الحرس لمقابلة أحد الزوار. ولما عاد بعد مدة قصيرة، كان وجهه شاحباً. وأخبرنا بما حدث معه، وهو أن الزائر ناوله علبة سكاكر ووضع في يده بخفّة ورقة صغيرة مطوية، ظاناً أن رئيس الحرس، بوقوفه إلى جانب النافذة، لا يعير انتباهاً لما يجري في الغرفة. لكن سرعان ما التفت الضابط وأمسك بيد الزرقا وعمل على أخذ الورقة منه. لكن الزائر كان أسرع منه، فخطف الورقة ووضعها في فمه وعلكها ثم بلعها. فألقي القبض على الزائر، وأعيد الزرقا إلينا. ثم صار يتساءل عما كانت تحويه تلك الورقة، وعما سيكون نصيب الزائر من العقاب. وقد اضطربنا كلنا وخشينا أن يلحق بالزرقا ورفيقه سوء، أقلُّه عزل الزرقا عنا وإلقاؤه في سجن منفرد ليذوق على الأقل عذاب الوحدة والانفراد. لكن الله لطف به، فلم تتبع هذه الحادثة أية ذيول.

والحادث الطريف الآخر، هو أنه بينما كان زميلنا معروف الدواليبي جالساً على الكرسي مستسلماً للحلاق الذي خصصوه لجميع المعتقلين، وهو زميل لهم في الاعتقال بسبب حادث أخلاقي، راح الحلاق يجر موساه على جانبي لحية الدواليبي الصغيرة، معطياً انتباهه لما كنا نتداوله عن نتائج الحوادث الأخيرة. وفجأت زالت لحية الدواليبي من الوجود. وصرخ الحلاق معتذراً. فالتفتنا، فإذ ا بصديقنا حليق الذقن يلحمس على الشعيرات القليلة التي نجت من الموس، فضحكنا وضحك الدواليبي معنا، وهنّأناه بأن موسى الحلاق لم تصل إلى حنجرته.

وكان صديقنا الزرقا يلح على الحراس في جلب آلات الحلاقة الثلاث التي يستعملها لتنظيم لحيته. وكان يقضي الساعات في تجميلها كأنه ذاهب إلى عرسه.

الرئيس ناظم القدسي معتقل

وبلغَنا أن رئيس الجمهورية الدكتور ناظم القدسي معتقل في المستشفى العسكري، وأن طلبه الانتقال إلى حيث كنا للخلاص من وحشة الوحدة لم يستجب، فبقي معزولا وحيداً. وكانت الأحاديث بين المعتقلين تدور على ما ليس في صالحه. وبدأت تتبلور فكرة بينهم بأنه مسؤول في الدرجة الأولى عما حدث، وأنه لو لم يستأثر برغبة حل المشاكل بنفسه، دون استشارة أحد من النواب، ويمنع وزراءه من إفشاء ما يسمعونه في الاجتماعات التي كانوا يعقدونها مع القيادة العسكرية، لما كانت الأمور وصلت إلى هذا الحد من السوء والفوضى.

موقف الخنوع عند الشعب والزعماء

أما الشعب، وأما الزعماء رفاقنا، سواء من صفّنا أو من الصف الآخر، فكانوا يقفون مما يجري موقف المتفرج، كأنما لا يصيبهم سوء ولا يلحقهم مكروه. فأين أولئك الذين هتفوا وملؤوا الدنيا بأصوات ارتياحهم يوم قام الجيش بقطع الصلة التي كانت تربطنا مع مصر؟ وأين أولئك الذين انتخبونا وبعثوا بنا إلى مجلس النواب لندفع عن البلاد خطر العودة إلى الماضي، ولنبني كياننا الجديد على قواعد متينة؟ وأين من كانوا يسيرون في الشوارع هاتفين بأسمائنا، تسير عراضاتهم فيها وخطيبهم محمول على الأعناق يردد الشعارات الحماسية المألوفة.

والحقيقة أنني لا أدري سبب هذا التراخي والتواكل والخنوع، ولا أجد له تفسيراً معقولاً إلا الانحلال واليأس وفقدان التنظيم الشعبي الذي كان الزعماء أتقنوه حين كانوا يقفون تجاه الجيش الإفرنسي الأجنبي.

الخروج من السجن

وقبيل خروجي من المزة أصبت بأزمة عصبية وقلبية بسبب استمرار الاعتقال وفقدان الحرية، لا سيما إغلاق باب الغرفة. وصرت كلما قابلت عائلتي لدى رئيس الحرس تنهمر دموعي وترتجف أطرافي، دون أن أقدر على التغلب على هذا الاندفاع. فعملت زوجتي كل ما استطاعت من اتصالات، واستدعت أطبائي للكشف علي وإعطاء تقرير طبي بعدم جواز استمرار الاعتقال، خشية من العواقب الخطيرة. وتكللت تشبثاتها بالنجاح، فجاءت مساء العاشر من نيسان إلى رئيس الحرس وسلمته أمراً بإطلاق سراحي.
والتزمت داري أو بالأحرى سريري، إذ كانت أعصابي متوترة إلى حد كبير. واعتذرت عن قبول أية زيارة. وكانت تصل إلى علمي أن المفاوضات مع ناظم القدسي انتهت إلى إمكان عودته إلى رئاسة الجمهورية، على أن يؤلف حكومة على نقيض اتجاه الحكومة السابقة، وعلى أن يستقيل النواب.

وبالفعل بدأ بعضهم بالسعي للحصول على توقيع النواب على عريضة الاستقالة، فوقعها المعتقلون كلهم بشرط إنهاء سجنهم، ما عدا نائب حلب ليون زمريا الذي آثر البقاء في المزة على الرضوخ لهذه الاستقالة الجبرية. أما أنا، فلم أقبل الاجتماع ببعض النواب الذين جاؤوا للحصول على توقيعي.
ثم فتحت أبواب السجن بالتدريج، فلم يبق فيه لمدة طويلة سوى مأمون الكزبري وعبد الكريم دندش.

وفي الثالث عشر من نيسان عاد القدسي إلى تسلّم عمله كرئيس للجمهورية. وألقى بياناً أذيع في الصحف والراديو لمّح فيه إلى الوحدة ببعض فقرات غامضة. ثم بدأ بتأليف الوزارة، فاستدعى بشير العظمة، وكان وزيراً مركزياً في أواخر عهد الوحدة.

المصدر

ويكيبيديا بتصرف

 تاريخ سورية سبتمبر 11, 2022

 

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *