من قرى الساحل السوري البديع حيث احتفالات الكوزلة على اتمها

رأس السنة الشرقي أو اليولياني في 13 كانون الثاني غربي

رأس السنة الشرقي أو اليولياني في 13 كانون الثاني غربي

رأس السنة الشرقي او اليولياني في 13 كانون الثاني غربي

مدخل تاريخي

نظرا للإختلافات الموجودة في مناسـبات الأعياد الدينية للطوائف المسيحية، وهنا نؤكد على أن هذه الإختلافات لا تشـكل تفرقة دينية أو طائفية أو مناطقية، لأنها قائمة على تباينات في التـقاويم التي تسـتند عليها مواعيد المناسـبات الدينيـة، بدليل وجود كنائس أرثوذكسـية رئيسـة عالمية، منها البلغـارية واليونانية تـتـفق مع الكنائس الكاثوليكية والبروتسـتانتية في مواعيد تواريخ مناسـباتها الدينيـة إلى حـد كبيـر اي التي تعتد التاريخ الغريغوري.
ولنأخذ مثالا لهذه الأختلافات مناسـبة رأس السـنة لأنها تشـكل الأسـاس الذي تبنى عليه مواعيد كل المناسـبات الدينيـة ، فإن قضيـة الأختلاف تحصل بسـبب تأخر رأس السـنة لبعض الكنائس بثلاثـة عشـر يوما عـن التـقويم الميلادي الشـمسي المتبـع عالميا في الوقت الراهـن. 

التقويم اليولياني
من المعلوم تاريخياً وعلمياً، أن التـقويم الشـمسي يمثـل دورة كاملة للأرض حول الشمس، وقد إبتكر البابليون والفراعنة هذا التـقويم أصلاً، وبعـد التطور الذي حصل على العلوم الفلكية في زمن الرومان ومعـرفة أن الأرض تـقطع مسـارها السـنوي بحوالي 365 يوما وربع اليوم، قام الفلكيون في عهـد القيصـر الروماني يوليوس قيصر حوالي عام 45 قبل الميلاد بتصحيح التـقويم الذي وصلهم خصوصا ما يتعلق بربع اليوم،

احتفالات الساحل السوري بعيد رأس السنة الشرقي الكوزلة
احتفالات الساحل السوري بعيد رأس السنة الشرقي الكوزلة

وقرروا أن تكون كل ثلاث سـنوات متـتالية 365 يوما وسـميت بسـيطة بينما تكون الرابعة 366 يوما وسـميت كبـيسـة، وأطلـقـوا على التـقويم بعـد التـصحيح تسـمية (الرومي) أو (اليوليوسـي) أو (اليوليانـي) نسـبة إلى يوليـوس قيصر، وسـاد هذا التـقويم في معظم أنحاء العـالم وتبـنته المسـيحية أعتُـبرت بدايـته مع سـنة ميلاد السـيد المسـيح (كما كان معروفا) ، وأخذت به لتحديد مناسـباتها، سـواء قبل الإنقسـامات المذهبية أو بعـدها .
لكنـه تبيـن في القـرن السـادس عشـر وجود خطـأ فلكي بسـيط مدته 13 يوما في التـقويم اليوليوسـي او اليولياني، تراكم إعتبارا منذ العمل بالتاريخ الميلادي، بسـبب فائض ثلاث  دقائـق في كل سـنة لـم يكـن أدركـها الفلكـيون الذين وضعـوا التـقويم القديـم  اليولياني(اليوليوسي) بسبب عـدم الدقة الكافية في وسـائل القياسات التي كانت متوفرة في وقـتهم، ويعـود سـببه إلى أن فتـرة 365 يوماً وربع اليوم هي أكبر قليلا من الفترة الحقيقـية لدوران الأرض حول الشـمس وأنه ينبغـي معالجة ذلك بالحسـابات الفلكية الدقيقـة، وتـقرر أن لا تعـد السـنوات القـرنية ، أي التي تنتهي ب 100 مثل 1600 و 1700 و1800 و1900 . . . ألخ كبيسـة ( بعدم جعل شهر شـباط ـ فبراير فيها 29 يوما وإنما 28 يوما كما هي حاله في السـنوات البسـيطة ) إلا ما يقبـبل منها القسـمة على 400 مثل 2000 فتعـد كبيسـة وذلك لتلافي الخطأ الزمني البسـيط . 

وكانت الأعياد والمناسـبات الدينيـة المسـيحية حتى وقت إصلاح التـقويم ( أي حتى القرن السـادس عشـر ) في يوم وتاريخ واحد  وذلك على رغـم عـنف الإنقـسـامات الطائفية ، ما يعـني أن مواعيد المناسـبات المسـيحية لـم تتـأثر بالصراعـات المذهبية وتفسـيرات الأمـور الدينيـة .
إن السنة الشرقية (التقويم العالمي القديم ) هي السنة وفق التقويم اليولياني الذي تبناه يوليوس قيصر نحو 44 ق.م وما زالت تسير عليه الكنائس الشرقية منها الرومية الارثوذكسية كبطريركية القدس وبطريركيات روسيا وسائر الكنائس السلافونية وجبل آثوس المقدس. 

التقويم الغريغوري

احتفالات الساحل السوري بعيد رأس السنة الشرقي الكوزلة
احتفالات الساحل السوري بعيد رأس السنة الشرقي الكوزلة


قلنا انه في التاريخ مع مرور الزمن حصلت وتراكمت أخطاء وفروقات ضئيلة جداً في التقويم الشمسي من الناحية الفلكية ـ فتبنى البابا غريغوربوس الثالث عشر عام 1583 ميلادية الإصلاح في التقويم بعد ان شكل لجنة من الفلكيين لدراسة الموضوع ووضع الحل وقال آنذاك إن الفرق بين التقويم اليولياني «يوليوس» وواقع التقويم الشمسي فلكياً هو عشرة أيام منذ بدء المسيحية وهذا هو التقويم الغريغوري «غريغوريوس» الغربي الذي تسير عليه الكنائس الغربية وأصبح مقبولاً عالمياً وبشكل رسمي أن الخلاف هو حول إصلاح فلكي ولا علاقة له البتة بكل العقائد الدينية، ومع مرور السنوات تلو السنوات أصبح الفارق الآن بين التقويمين الغربي والشرقي ثلاثة عشر يوماً كما هو الآن أي بفارق 3 أيام عن أيام غريغوريوس الثالث عشر…

المحتفلون يوليانياً
معظم الناس أوقفو الاحتفال بهذا العيد منذ القرن السادس عشر بسبب اعتماد التقويم الغريغوري المعتمد اليوم كتقويم عالمي.ولكن لاتزال الكنيسة الارثوذكسية ودول اوربة الشرقية والبطريركيات الارثوذكسية التي لاتزال تعيد وفق التقويم اليولياني كروسيا وصربيا وبلغاريا وجورجيا… اضافة الى ارمينيا تعيد لرأس السنة ببعض الاحتفالات وخاصة شعبيا مايماثل احتفالات الساحل السوري بمايسمة قوزلة رغم الاحتفالات العامة برأس السنة وفق التقويم الغربي الحالية…

في سورية

من الاحتفالات
من الاحتفالات


تحتفل معظم قرى الساحل السوري اليوم بعيد /القوزلة/ والقوزلة هي عيد رأس السنة الشرقية، و في اللغة لآرامية تعني القوزلة البداية، وكان الأقدمون يشعلون النار كنوع من الإعلان وهذا الاحتفال هو اجتماعي فلكي حيث أن رأس سنة شرقية كان تقويم عالمي ولأن التقويم الساري لدى الغرب، يُحدد الحركة الاقتصادية والمالية أصبح لا مناص من استعمال التقويم العالمي الى جانب التقويم المحلي في المناطق العربية خارج سورية يسمى القلنداس ويقال قوزلة مباركة أي بداية مباركة.. وفي ريف جبلة يقولون عند اشتعال النار والتهابها /قزلت النار/ حيث كانو يشعلون حرائق كبيرة على قمم الجبال ويذبحون الذبائح ويسلقون الحنطة كتقدمة للإله داجون إله الخصب، ومازالت كلمة الدجن مع الكثير من المفردات الآرامية مستخدمة في ريف الساحل السوري

جذور التسمية

يقول بعض الباحثين إن كلمة قوزلي مشتقة من الكلمة الآرامية قوزلة التي تعني البداية، وهو تأويل يتناسب مع الاحتفال الذي يصادف بداية السنة الجديدة وفقا للتقويم اليولياني.

كما ورد في موسوعة العامية السورية أن كلمة قوزلا كلمة آشورية تعني عيد البداية.

لكن الباحث جورج كدر يرى أن للكلمة جذورا في حضارات مختلفة كالأكادية والآشورية والسريانية: “لكلمة غوزلة أو قوزلة أو قوزلتا أو قوزلتو في المعجم السرياني عدة معاني، فمعناها الشهب والنار والجمر وكذلك اللهب، وربما هذا ما يفسر أن أحد أبرز الطقوس المرتبطة بهذا العيد هو إضرام النار والقفز فوقها”.

وردت كلمة قوزالو في ملحمة جلجامش السومرية
وردت كلمة قوزالو في ملحمة جلجامش السومرية

ويضيف كدر أن لهذا العيد على ما يبدو جذورا في حضارات أخرى: “لفت نظري الصديق الآشوري نيسان لازار إلى ورود الكلمة في ملحمة جلجامش السومرية، وتعني كلمة غوزالو أو قوزالو المبشر، والنذير والمنادي والمعلن والرسول، وقد كانت صفة ملكية، ونظرا للقرب بين ميلاد المسيح والاحتفال بعيد رأس السنة، فإن المعنى السومري لهذه الكلمة يعطي بعدا آخر لهذا العيد كون المسيح كان الرسول والمبشر والمعلن عن الدين المسيحي، إن أردنا ربط هذا العيد بالتقويم الميلادي”.

العيد بين الماضي والحاضر

وقد كانت لعيد القوزلي طقوس مميزة وممارسات فريدة، لكنه في الحاضر اختُزل بصورة محزنة إلى يوم واحد تزور فيه العائلات بعضها، مع الحفاظ على الأطعمة التي تميزه.

السيدة ثمرة دوير ولدت عام 1942 في قرية بلوران الجميلة، وتأخذنا معها في رحلة العودة بذكرياتها لأيام الصبا، وتتحدث عن عيد القوزلي كما عهدته: “منذ كنا أطفالا صغارا كنا ننتظر قدوم هذا العيد بفارغ الصبر مع كل ما يحمله من احتفالات ورقص وطعام شهي، ولكن حين يبلغ المرء مرحلة الصبا، يصبح للعيد طعم آخر”.

قرية بلوران
قرية بلوران

وتشرح: “يبدأ التحضير للعيد في 13 يناير/ كانون الثاني، وهو يوم الذبيحة، اليوم الذي تحضر فيه الأضاحي وتذبح لتحضير الأكل، ويتسم العيد بأكلات معينة لا يمكن أن تخلو موائده منها، ولمنتجات القمح مثل الحنطة والبرغل والطحين الحضور الأكبر، فمائدة القوزلي تزين عادة بأطباق الكبة بأنواعها والبرغل والفطائر المشوية في التنور والمصنوعة من طحين القمح وزيت الزيتون إضافة إلى الكعك المحلى المزين بحبات اليانسون والشمر والحبة السوداء، ومعجنات مقلية ومحشوة تسمى زلابيا، وغيرها الكثير مما لذ وطاب”.

وتمضي السيدة ثمرة لتحدثنا عن يوم 14 يناير/ كانون الثاني أول أيام العيد: “كل البيوت تكون قد بدأت بإعداد موائد الطعام الشهي ويبدأ العيد باختيار أحد البيوت الواسعة ليستطيع استضافة كافة شبان وشابات القرية، نذهب في الصباح الباكر، نحتسي القهوة، ومن ثم تضرم النار في الفناء وتطبخ الحنطة واللحم، وتعقد حلقات الدبكة على وقع ضربات الطبل، وعزف المزمار، ويستمر الرقص والدبكة والغناء حتى المساء، يتخللها بالطبع تناول أصناف الطعام الشهي، ويتكرر هذا المشهد لستة أيام، كل يوم في بيت جديد، يبدأ منذ الصباح الباكر ويستمر حتى المساء”.

“من القوزلي إلى القداس”

احتفالات الساحل السوري بعيد رأس السنة الشرقي الكوزلة
احتفالات الساحل السوري بعيد رأس السنة الشرقي الكوزلة

إذا فالعيد بصورته الأصلية كان يمتد لستة أيام كما تقول السيدة ثمرة “من القوزلي إلى القداس”، واليوم السادس وهو يوم القداس، يتميز بطقوس فريدة: “في الساعة الرابعة فجرا من اليوم السادس للاحتفال الذي هو يوم القداس يذهب الشبان إلى نهر أو نبع، بينما تختار الفتيات نهرا أو نبعا آخر، حين أتذكر ذلك الطقس أكاد لا أصدق أننا كنا نمارسه، إذ كنا نغتسل بمياه النهر أو النبع شديدة البرودة في أكثر أشهر السنة برودة، لكننا لم نكن نشعر بالبرد مطلقا، ربما لأنه طقس روحاني، إذ كانت تنتابنا مشاعر غريبة بالرضا والدفء الداخلي”.

مائدة عيد القوزلة
مائدة عيد القوزلة

وتشرح السيدة ثمرة كيف كانت تستمتع بكل ما يحمله يوم القداس: “بعد ذلك تكون الفتيات قد جلبن باقات من الميرمية وأغصان الزيتون والريحان، يغطسنها في الماء في ذلك اليوم المقدس ويحملنها إلى منازلهن، كانت تلك الباقات تبقى سنة كاملة إلى أن نستبدلها بباقة جديدة في العيد التالي، كنا نعتقد أن تلك الباقات تحصن البيوت من الشرور، وتمنحها نوعا من البركة”.

وبالطبع الطقس الأهم في ذلك اليوم هو السبب المباشر في تسميته، إذ يزور الناس فيه أضرحة القديسين ومقامات الأولياء الصالحين، يدعون ويتضرعون لله، ويقدمون الأضاحي والقرابين.

النار والماء والرقص وطقوس التطهير

كما في كثير من الاحتفالات التي تحمل بصورة أو بأخرى بعدا دينيا أو ربما روحانيا، لا بد من طقوس التطهير التي ترتبط غالبا بالماء والنار.

يقول الباحث جورج كدر: “عادة ما يكون لإضرام النار بعد تطهيري، فهي تُضرم، وفي بعض الأحيان يقفز الأشخاص فوقها، كممارسة رمزية لطرد الأرواح الشريرة”.

ويضيف: “أما الماء فهو دائما وأبدا رمز للتطهر، وطقس الاستحمام بمياه الطبيعة ما هو إلا كناية عن غسل الذنوب وتخليص الإنسان من الخطايا”.

تعقد حلقات الدبكة يوميا لستة أيام
تعقد حلقات الدبكة يوميا لستة أيام

ويخلص كدر للقول: “رغم أن المرء قد لا يدرك أهمية الرقص والدبكة التي هي من طقوس عيد القوزلي، إلا أنه في الأعياد الشعبية المستمرة من مئات وآلاف السنين ينطوي أيضا على بعد تطهري. فالرقص وهز الجسد حالة ينفض فيها الانسان عن كاهله الشرور والذنوب، إضافة إلى ما يحمله من تعاضد وتكافل اجتماعي من خلال شبك الأيادي وتلاصق الأكتاف”.

ورغم أن عيد القوزلي ربما لم يعد يحمل نفس القدر من الدفء الاجتماعي والتواصل، إلا أن استمراره حتى اليوم في حد ذاته أمر مبشر، في ظل تحول حياة معظم البشر إلى الحالة الافتراضية نتيجة الثورة التقنية التي يشهدها العالم.

تهيئة الاطعمة
تهيئة الاطعمة


كل قوزلة وانتو بخير…
كل عيد رأس السنة شرقي وانتم بخير

 

 

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

  • Beta

Beta feature

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *