ايقونة التجلي

عيد تجلّي ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح العظــة للقديس أفرام السرياني

عيد تجلّي ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح العظــة للقديس أفرام السرياني

عيد تجلّي ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح

العظــة للقديس أفرام السرياني

الحقلُ يُعطي حصاداً بَهجاً، والكرمةُ ثماراً شهيةً، والكتبُ المقدسةُ تعليماً مُحيياً

لحصاد القمح أوانهُ، ولقطاف العنب وَقتهُ، وأما التعليم المُحيي فيفيضُ من الكتاب المقدّس في أيِّ وقت تتلونهُ. الحَقلُ يجف بعد الحصاد، والكرمة بعد القطاف، وأما الكتابُ فيحصدُ كلَّ يومٍ، وسنابل الشَرَاح لا تنقصُ إذ يُقطفُ منه كل يوم ولا يخيبُ الرَّجاء من العناقيد فها نحنُ الآن نقترب من ذلك الحقل. ونتمتّع باثلامه المُحيية، ونحصد منها سنابل الحياة أعني أقوال ربّنا يسوع المسيح القائل لتلاميذه: “ان قوماً من القيام ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن البشر آتياً في مُلكه”(متى8:16).

“وبعد ستة أيام، أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاهُ فأصعدهم إلى جبلٍ عالٍ على إنفراد وتجلى قدامهم وأضاء وجههُ كالشمس وصارت ثيابهُ بيضاءَ كالنور” (مت1:17-2). الرّجال لا يذوقون الموت حتى يروا عُنوان مجيئه، هم الذين صعد بهم إلى الجبل، والذين أراهُم كيف ينبغي أن يأتي في ذلك اليوم الأخير بمجد لاهوته وبجسد ناسوته، وكيف سيتمجدون هم أيضاً أصعدهم إلى الجبل ليُريهم من هو الابنُ، وابنُ من هو ذلك أنهُ حين سألهُم من هو ابنُ الإنسان. قالوا له: ” قومٌ يقولون إيليا، وآخرون إرميا أو واحدٌ من الأنبياء” (مت13:16-14) لقد نقلهم إلى الجبل ليُظهر لهم أنهُ ليس إيليا بل إله إيليا، وليس إرميا بل مُقدِّس أرميا في بطن أمه. وليس أحد الأنبياء بل ربّ الأنبياء ومُرسلهم، أصعدهم إلى الجبل ليُظهر لهم أنهُ هو الصانع السماء والأرض وربُ الأحياء والأموات. الذي إذ أمر السماء نزل إيليا وإذ أوْمأ إلى الأرض حضر موسى.

اصعدهُم إلى الجبل كي يُظهر لهم انَهُ ابن الله المولود من الآب قبل كلّ الدهور، والمُتجسّد من العذراء في آخر الأزمنه، إذ وُلد بدون زرع وبحالٍ لا توصف، حافظاً البتوليِّة بدون فساد، لأن حيثُ يشاء الله يُغلبُ ناموس الطبيعة فلقد سكًن الله الكلمة في حشا البتول، ولم تُحرق نارُ لاهوته أعضاء جسدها، بل حفظها مُدة تسعة أشهر. سكن في حشا البتول بلا دنس، وخرج منها إلهاً مُتجسداً لأجل خلاصنا. أصعدهم إلى الجبل لكي يُريهم مجدَ ألوهيته. فيُدركوا انهُ مُخلّص إسرائيل كما قال الأنبياء، ولئلا يعتريهم الشك حينما يُشاهدون آلامه الطْوعيّة التي كان مُزمعاً أن يكابدها بالجسد من أجلنا. لقد عرفوه إنساناً، وما علموا أنهُ الله. عرفوه ابناً لمريم مُرافقاً إياهم من العالم، وأظهر لهم على الجبل أنّه ابن الله. شاهدوه يأكل ويشرب، يتعب ويستريح، ينعس وينام، يخاف ويعرق، الأمر الذي لا يتناسبُ مع الوهيته، بل يرتبطُ بالنّاسوت فقط، لذا نقلهُم إلى الجبل حتى يُنادي الآب الابن. ويُشير إلى مجده قبل تعييره، وإلى كرامته قبل إهانته، حتى إذا ما قبض عليه اليهود وصلبوهُ يُدركون انهُ لم يُصلب عن علة فيه، بل بمسرّته وطوعاً من أجل خلاص العالم أصعدهم إلى الجبل ليُريهم قبل قيامته مجد ألوهته، حتى إذا ما نهض من الموت بمجد طبيعة الوهته، يعرفونه انه لم ينل المجد لأجل تعبه (كما لو كان مضطراً إلى التألم) بل المجد الذي كان له مع الآب قبل الدهور، هذا ما قاله وهو آتٍ إلى الآلام الطوعية. “مجّدني يا أبتِ عندك بالمجد الذي كان لي عندك من قبل كون العالم”(يو5:17). مجدُ الوهته المخفيُّ في ناسوته أظهرهُ للرسل على الجبل” فرأوا وجهه لامعاً كالبرق، وثيابه بيضاء كالنّور وكان التلاميذُ من ثُم يُعاينون شمسين واحدةٌ في السماء، أي الشمس الطبيعية، وأخرى فائقة الطبيعة الشمس الأولى ظاهرة للتلاميذ وللعالم وهي تُشع في جلد السماء، وأمّا الثانية فتشع لهم وحدهم. “وصارت ثيابه بيضاء كالنور”. مُظهراً لهُم بذلك انّ مجد الوهته كان يفيض من جسده كُله. وانّ النور يشعُ من أعضائه كُلها. فالسيد لم يُماثل موسى حين شعّ جسدهُ ببهاء من الخارج فقط، بل كان مجدُ الوهته فائضاً من ذاته، فضلاً عن ان المُخلص لم يُظهر لتلاميذه كامل مجده بل أظهر لهم ما يمكنُ لعيونهم أن تتحمل.

موسى وأيليا

ا

شاهد التلاميذ موسى وإيليا يتكلمان معه. كانا يعترفان له بالفضل في تحقيق نبوءاتهما المُتعلقة بحضوره (تجسُّده) مع نبوءات سائر الأنبياء، ويقدَّمان له السجود من أجل الخلاص الذي صنعه للبشر والعالم أجمع. فالسر الذي تنبأ عنه هؤلاء الأنبياء قد جاء المخُلص وحقّقه بالفعل، وكان الصعود إلى الجبل من ثمَ فرحاً للأنبياء والرُسل فرح الرُسل لمُشاهدتهم مجد الوهته الذي لم يُدركوا حقيقته، ولسماعهم صوت الآب يَشهدُ للإبن، هذا الصوت الذي من خلاله عرفوا سرّ تجسده معرفةٌ حقيقية بعد ان كانت خافيةً عليهم. وثبَّت إيمانهم بهاءُ جسده الفائضُ من الألوهية المتحده به بلا تغيُّر ولا امتزاج. ثم اختتُمت شهادتهم (أي رؤياهم) سماع صوت الآب بحضور موسى وإيليا، وبعد ذلك أخذ الرُسل والنبيان يتبادلون النظرات. هناك التقى زعيما العهد القديم بأقطاب العهد الجديد فلقد رأى موسى البارُ سمعان المتُقدّس، ووليُّ الآب شاهد وليَّ الابن. الأول شقَ البحر الأحمر ليسير الشعبُ وسط الُلجج، والآخر أقام خيمته لبناء الكنيسة. بتول العهد القديم شاهد بتول العهد الجديد (إيليا شاهد يوحنا) الصاعدُ على مركبةٍ ناريةٍ شاهد الذي أحنى رأسه على صدر اللهيب، وهكذا أضحى الجبل المُقدّس كنيسة ضم فيها يسوع العهدين القديم والجديد. اللّذين قبلتهما الكنيسة ونقلت من خلالهما مجد أعماله، وقال سمعان “يا ربُّ حسنٌ أن تكون ههنا” ماذا تقول يا سمعان ؟ أن أقمنا ههُنا فمن يُتمِّم كلام الأنبياء؟ من يُتمِّم القول “سُمِّرتْ يداي ورجلاي”. وأيضاً “لقد تقاسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا” و”وضعوا في طعامي مرارة وفي شرابي سقوني خلاً”. من يؤكد القول “حراً بين الأموات”؟ إن أقمنا ههنا، فمن يُمزِّق صكَ آدم؟ ومن يُسدد دينهُ؟ ومن يُعيد إليه حُلَّة مجده؟ إن اقمنا ههُنا، فكيف يتمُّ كُلُّ ما قيل لك؟ من يؤسس الكنيسة؟ ومن يأخذُ مفاتيح السماء مني؟ من سيربط ويحلُّ؟ إن اقمنا ههُنا، يتأخر تحقيق كُلُّ ما ورد على لسان الأنبياء القديسين. وقال سمعان ايضاً: “فلنصنع ههُنا ثلاث مظال واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليا. لقد أُرسل سمعان لتأسيس الكنيسة. وها هو الآن يودُ البقاء على الجبل لصنع المظال، أما الربُ. فقد أظهر لهُ أن لا حاجة إلى المظال، وهو الذي ظلَّل آباءه في الصحراء بالسحابة “وفيما هو

يتكلم إذا سحابةُ نيِّرةٌ قد ظللتهم” أرأيت يا بطرس مظلةٌ قائمةٌ بلا تعب؟ مظلة من الحر ولا ظلام فيها على الإطلاق؟ مظلة لامعه ومضيئة في آنٍ؟

شهادة الآب

وأما ذهول الرسل سُمع صوتٌ من السماء يقول: “هذا ابني الحبيب الذي به سُررت فلهُ اسمعوا” (متى 5:17) وبعد سماع صوت الآب، رجع موسى إلى مكانه وإيليا إلى موضعه، وأما الرسل فقد سقطوا ارضاً وبقي يسوع وحدهُ لأنَّ الصوت كان موجهاً إليه وحدهُ. ذهب النبيان وسقط الرسل أرضاً، لأن شهادة الآب لم تتم فيهم (هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت) بل أعلمهم من خلالها أن تدبير موسى قد تَّم وأن عليهم الآن أن يسمعوا للابنِ، فموسى كان كعبدٍ يتكلم بما يُؤمر به، ويكرزُ بما يوُصى به، وكذلك سائر الأنبياء إلى مجيء “يسوع الذي هو ابنٌ وليس من الصحابة. رب وليس من العبيد، سيدٌُ وليس من المأمورين، هو الابن المحبوب بطبيعة الإله، وما كان خافياً على الرسل من ثم قد أظهره الآب على الجبل، فالكائن يرشد المخلوق، والآب يُظهر الابن. ولهذا سقط الرسل بوجودهم على الأرض من جراء الصوت لأنه صوت الآب: إلا أن الابن ناداهم بصوته فأقامهم عن الأرض صوت الآب أسقطهم، وأما صوت الابن فقد رفعهم بالقدرة الإلهية، لأجل تلك الألوهية الحالّة في جسده والمتوحدة به بلا تغيير. هو لم يماثل موسى بجمال خارجي، بل تلألأ بالمجد كإله. ذلك أن موسى قد جُملّ بلمعان وجهه وأما يسوع فقد شّعَ بمجد لاهوته الفائض من كُلّ جسده كالشمس في إشعاعها. والآب صرخ: “هذا هو ابني الحبيب الذي سُررت فله اسمعوا” دون أن يكون مفصولاً عن مجد إلوهية الابن، لأن للآب وللإبن وللروح القدس طبيعة واحدة وقوة واحدة وجوهراً واحداً وملكاً واحداً إلى الأبد آمين.”

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *