الاستاذ المحامي الدكتور جاك يوسف حكيم
الدكتور جاك يوسف الحكيم هو أحد أبرز أعمدة القانون في سورية والعالم العربي. عُرف كأكاديمي مرموق، ومشرّع خبير، ومحامٍ دولي، وعرف بمحامي الشركات الاجنبية في سورية وتوفي في دمشق في تشرين الثاني 2023 بعد مسيرة مهنية استمرت لعقود.
السيرة الذاتية
ينحدر من عائلة عريقة؛ فهو نجل ابن اللاذقية القاضي والوزير “يوسف بك الحكيم”، الذي كان أول نائب رئيس لمحكمة النقض السورية ووزيراً في العهد الفيصلي والذي كان يقصد البطريرك غريغوريوس الرابع (1906-1928) في كل مشكلة تعترضه لدى الحكم التركي ثم الفيصلي فالفرنسي، وبالمقابل كان وقد وضع نفسه بحكم انتمائه النقي للكنيسة الارثوذكسية في خدمة الكرسي الانطاكي وبطاركته ومطارنته في سورية ولبنان ( انظر سيرته بالتفصيل في موقعنا – باب اعلام ارثوذكسيون).
اما ولده جاك فقد ساعد والده القاضي يوسف في جمع وتدوين مذكراته التاريخية.كما اسلفنا والده يوسف الحكيم لاذقي الاصل واستقر بعد حياة حافلة في كل العقود السياسية منذ العهد العثماني الى تحرير سورية وقيام الحكم العربي على الامير – الملك فيصل بن ملك العرب شريف مكة الحسين الهاشمي مرورا بعهد الانتداب الفرنسي فالاساقلال ( سيرته هنا في موقعنا)
وُلِد ابنه جاك في دمشق في حيّ الصالحيّة بدمشق سنة 1931 وعاش في بيت جميل في ساحة النجمة مقابل مدرسة دار السلام للرهبنة الفرنسيسكانية، درس في مدارس الرهبان بدمشق، ثمّ في كلّيّة الحقوق في الجامعة السوريّة، وبعدها في جامعة السوربون العريقة في باريس، وكانت شهادته في الدكتوراة في الشريعة الإسلاميّة، عاد ليدرّس في السوربون، وكان الأوّل بين أبناء جيله ممّن حصل على شهادة “أكريجيه” من فرنسا، وهي أعلى من الدكتوراة.
تزوج من السيدة منى بنت يوسف فاكياني من اعيان الروم الارثوذكس الدمشقيين وكان بيتهم في دمشق القديمة/ محلة القيمرية مقابل كنيسة القديس يوحنا الدمشقي المجاور لمدرسة الاسية الارثوذكسية للصغار.
رزقهما الله بثلاثة اولاد المحامي يوسف خليفة والده في المحاماة وكان ناجحا جدا وخلف والده وجده في الانتماء للكنيسة الانطاكية، ومي ايضا محامية ولينا مهندسة معمارية.
عاد الدكتور جاك بكل هذه الذخيرة القانونية والفقهية والتعليمية الى دمشق ليتابع مسيرة والده، وحقّق شهرة مزدوجة، فكان محامياً ناجحاً جدّاً، ومدرّساً ناجحاً جدّاً في القانون التجاريّ بجامعة دمشق، وقد تتلمذ عليه آلاف المحامين، وقد درست على يديه في كلية الحقوق بجامعة دمشق في فترة الثمانينات من القرن ٢٠، وكان حضوره محببا ومشوقاً لنا كطلاب فاسم الدكتور جاك كان لنا يعد بيرقاً خفاقاً كما كان الشهيد الدكتور محمد الفاضل استاذ القانون الجزائي والدكتور عبود السراج خليفته في القانون الجزائي والدكتور عصام بشور استاذ المالية، والدكتور محمد وحيد الدين سوار علامة عصره في القانون المدني، والدكتور العلامة في القانون الدولي العام/ استاذ العلاقات الدولية ا. عبد اللطيف عابدين، واستاذ القانون الدستوري الدكتور الرائع كمال غالي، والدكتور عبد الله طلبة استاذ القانون الاداري والدكتور فؤاد ديب استاذ القانون الدولي الخاص والدكتور محمد عزيز شكري استاذ القانون الدولي العام…
تجربتي الذاتية معه
اتذكر استاذنا الدكتور جاك لما كان يدخل الى القاعة وخاصة الصف الثالث نرهب من هدوئه وهيبته وكانت دروسه التي تلقيتها دوما هي الاولى في اليوم اي الدروس الصباحية وتبدأ في الساعة الثامنة، ثم يبدأ بالسلام بقوله باقتضاب “صباح الخير”، راسما شبه ابتسامة على وجهه فتنفرج اساريرنا، ويلقي دعابة بسيطة لكسر الرهبة، ومنها قوله لنا ذات مرةلنبدأ درس القانون، ويصل كلمته معبراً بسخرية باسمة منتقدا منهاجنا الدراسي حيث صنف مواد كلية الحقوق الى 50٪ ثقافة عامة و15 ٪ علوم قانونية لازمة، و35 ٪ “علاك مصدي” وقد ضجت القاعة بالضحك، واستهواه بعض الطلبة الضاحكين وخاصة الذين في المقاعد الاولى فانتقاهم وكنت منهم رغم اني كنت في آخر مقاعد الصف تقريبا… سائلاً كل منا السؤال المحدد: “السبب في دراسة الحقوق”، و”ماذا يريد ان يعمل بعد التخر”، وبحكم خبرته التعليمية وفراسته القانونية وخبراته العملية كان يكتشف المخادع فيصحح له النية المعلنة ما يذهل الطالب ذاته ويذهلنا وكان سؤاله لي وكنت ببدلتي العسكرية (اخدم العلم) فسألني السبب فأجبته اني لضيق الوقت ولكون حصته صباحية اضطررت ان اتي من مناوبتي الليلية بلباسي العسكري لحضورها، فأعجبه جوابي، و حياني مشجعا وقال لي ” الله يحميك ويحمي كل اولادنا بالجيش” وسألني عن رغبتي بعد التخرج فأجبته اني موظف ولأقوم بتعديل وضعي، ولكن رغبتي النهائية هي الدبلوم والماجستير والدكتوراه فشجعني اكثر وخاصة لما سمع بنيتي في القانون الدولي العام وتمنى لي التوفيق.
وبعد حوالي 35 سنة التقيته في جمعية القديس غريغوريوس الارثوذكسية في جلسة للهيئة العامة للجمعية في العام ٢٠٠٩، كان ينظر الي(وابنه يوسف بجانبه) مبتسماً وكنت اكتب محضر الجلسة العامة وبعد الانتهاء وجدته متجهاً نحوي ومسلماً مستوضحا اننا التقينا راجيا التذكير اجبته بما اوردت من اني تتلمذت عليه فضحك من قلبه مرحبا وصافحني وقبلني واعتذر لأنه لم يعرفني بل شبه علي ولاسيما وانه في كل عام يدرس افواجا متغيرة من الطلبة، وسألني عن وجودي في الجمعية والبطريركية وهنأني بحصولي على الدكتوراه في القانون الدولي وزاد لما عرف بحصولي على الدكتوراه الثانية في التاريخ العام. وكان سروره عظيماً لما ذكرته بأننا كنا معاً في مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات بحضور عدد من الوزراء لدراسة مشروع تنفيذ هبة الجالية الحصنية المغتربة التي قدمت مستشفى الحصن في وادي النصارى / الحواش للبطريركية بدمشق وفق الاصول القانونية، وكان بصفته الوكيل عن البطريرك اغناطيوس الرابع وانا كنت بحكم كوني مسؤولاً عن ملفات الرئاسات المسيحية في المكتب القانوني في رئاسة مجلس الوزراء التي وفق احكام الدستور السوري مرتبطة برئيس مجلس الوزراء، وكلانا كان له الدور المحوري في قبول هذه الهبة ونقل ملكيتها وادارتها الى اسم بطريرك انطاكية انا كنت ماقبل الاجتماع اسعى لاقناع اعضاء اللجنة من الوزراء المختصين بقبول الهبة لاسيما وان انتماء الجالية هذه هو لكنيسة الروم الارثوذكس من جانب، ومن جانب آخر في مقيمة في الوطن وعندها خبرات ادارية وقيادية بعدما كادت المستشفى ان تفلس من خلال المدراء المعينين من قبلها…
ولم اعد اراه بعدها كونه انتقل الى بيروت بينما كنت التقي بولده المحامي يوسف في اجتماعات الجمعية فنتبادل السلام لأستاذنا الكبير الدكتور جاك حكيم…

كان الدكتور جاك رائداً في مجال القانون التجاري وعُرف بـ “عراب القانون التجاري” في سورية. هو مؤسس أعرق مكتب محاماة في دمشق وما زال يعمل حتى اليوم (Hakim Law Firm). تولى منصب رئيس قسم القانون التجاري في جامعة دمشق لسنوات، كما حاضر في جامعات بيروت وباريس.
المسيرة الأكاديمية والمنجزات
حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة ليون (فرنسا)، وشهادة التأهيل للأستاذية (Agrégation) من كليات الحقوق الفرنسية عام 1973، إضافة إلى دبلوم في الاقتصاد من الولايات المتحدة. يُعد إسهامه الأبرز هو دوره الرئيس في صياغة قانون الأحوال الشخصية والميراث للطوائف المسيحية في سورية عام 2007.
المؤلفات والمشاركات الدولية
ترك إرثاً علمياً غنياً، حيث أصدر العديد من المؤلفات في القانون التجاري والبحري والجنائي، من أبرزها: “العقود الشائعة والمسماة عقد البيع” (1970) و “شرح الحقوق التجارية” (في 3 أجزاء). كما كان عضواً بارزاً في مجلس إدارة مركز تحكيم دبي ومحاضراً في مراكز تحكيم دولية مرموقة.
وقد كان شاهداً أميناً على تاريخ سورية، ومعاصراً لأبيه القاضي الوزير يوسف بك الحكيم، أوّل نائب رئيس لمحكمة النقض (التمييز)، والوزير في العهد الفيصليّ، وفي زمن الثورة السوريّة الكبرى. وله يعود الفضل بمساعدة أبيه على جمع أوراقه وذكرياته في سلسلة مذكّرات هي الأشهر في المكتبة السوريّة: “بيروت ولبنان في عهد بني عثمان” – “سورية والعهد العثمانيّ” – “سورية والحكم الفيصليّ” – “سورية والانتداب الفرنسيّ”.
الانتماء الارثوذكسي
كان كأبيه الابن البار ااكرسي الانطاكي المقدس، وتابع في العطاء ذاته لمن عاصرهم من بطاركة انطاكية وسائر المشرق منذ عهد البطريرك ثيوذوسيوس السادس (1958-1970) الى الياس الرابع 1970- 1978 والبطريرك اغناطيوس الرابع1978 -2012
انتمى الى “جمعية القديس غريغوريوس الارثوذكسية لتربية الايتام ورعاية المسنين في دمشق” وكان من ابرز اعضائها وعميداً لهم، وكان ابنه يوسف قد انتسب الى هذه الجمعية وصار كوالده من كبار اعضائها، ومن المدافعين عن مصالحها في القضاء. وكما اسلفت كان دوره شديد الأثر الايجابي بوكالته عن البطريرك اغناطيوس الرابع في مشروع مستشفى الحصن البطريركي.
وفاته
ظلّ الدكتور جاك يعمل حتّى مرحلة متقدّمة من عمره، إلى أن وافاه الأجل في 3 تشرين الثاني 2023. كانت مغادرته الأخيرة الى بيروت قبل عشر سنوات ونيّف قد كسرت قلبه، لأنها أبعدته عن دمشق.
يوم الثلاثاء المقبل، عاد البروفيسور الدكتور جاك الحكيم إلى دمشق للمرّة الأخيرة في حياته. عاد بصمت كما غادرها بصمت، وشُيع جثمانه من الكاتدرائيّة المريميّة في طالع الفضّة، ورئس خدمة الجناز غبطة ابينا البطريرك يوحنا العاشر وكل الاكليروس البطريركي، وبحضور ممثلين اكليريكيين عن كل الكنائس والرئاسات الروحية في سورية وبحضور جمع غفير جدا من اساتذة القانون والمحامين رفاق دربه وتلاميذه. وبغيابه فقدت سورية والكرسي الانطاكي حجّة بالقانون وعلماً قلّ مثيله في عالمنا العربيّ.
الخاتمة
بكلمة واحدة اقول كم انتعشت سورية عبر تاريخها الحديث والمعاصر من هذه النجوم المضيئة في سمائها بالرغم من الاعاصير السياسية الضاربة في كيانها، وكم خسرت بانطفاء بريق هذه النجوم، ومن هذا المنطلق نعود في مدونتنا هنا وعبر تدويناتنا المعتمدة في كم واسع منها على ذكرياتنا الشخصية لنذكر الوطن وابنائه بهم وبما حققوه لأجل اسم سورية الحبيبة ومجدها وهم من زادونا عشقاً بهذا الوطن ورفعوا من حس الانتماء لديه ووجوب خدمتنا له.
رحمات الله عليهم.
