الراعي الذي رفض ترك خرافه.. الأب الشهيد فرانس فاندرلخت: “الهولندي” الذي صار قلب حمص
في حي بستان الديوان بمدينة حمص القديمة، وبينما كانت القذائف تمطر السماء رماداً والجوع ينهش أجساد المحاصرين، كان هناك رجل سبعيني ذو ملامح أوروبية، يركب دراجته الهوائية المتواضعة، يتنقل بين الأنقاض ليطمئن على جيرانه، مسلمين ومسيحيين. لم يكن مجرد كاهن، بل كان “أبونا فرانس”، الرجل الذي أحب سورية حتى الرمق الأخير.
متى جاء إلي سورية ؟
وصل الأب اليسوعي فرانس فاندرلخت (Frans van der Lugt) إلى سورية قادماً من هولندا في عام 1966. لم يأتِ ليكون “خواجة” يعيش في برج عاجي، بل انغمس في الطين السوري حرفياً ومجازياً. درس اللغة العربية وأتقنها بلهجتها المحلية، ودرس العلاج النفسي ليطبب جراح الناس الخفية.
تصفه المقالات في الصحف اللبنانية بأنه كان “نسكاً متحركاً”.
الاب الشهيد فرانتز الهولندي
أسس في الثمانينيات مشروع “الأرض” خارج حمص، وهو مركز للاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، ومكان للتلاقي الروحي والزراعة. كان يؤمن بأن “الأرض” تجمع البشر كما تجمع الجذور النبات؛ فكان ينظم مسيرات (نزهات طويلة) في الجبال السورية يشارك فيها آلاف الشباب من مختلف الطوائف، يمشون معاً، يأكلون معاً، ويصلون معاً، ليعلمهم أن “الطريق شاق، لكننا نصل إذا كنا معاً”.
حصار الجسد وحرية الروح
عندما اندلعت الحرب، وتحولت حمص القديمة إلى ساحة معركة وحصار خانق في عام 2011، كان بإمكان الأب فرانس أن يغادر ببساطة. جواز سفره الهولندي كان تذكرته للنجاة. عرضت عليه سفارته والمنظمات الدولية إجلاءه مراراً وتكراراً.
لكن “عظمة” هذا الرجل، كما ترويها شهادات من عايشوه، تجلت في قراره الصادم: “أنا لا أرى نفسي إلا مع هؤلاء الناس.. كيف أتركهم وهم يتألمون؟ أنا راعي هذا القطيع، والراعي لا يهرب عند قدوم الذئاب”.
نعم حظي فاندرلخت بفرصة الخروج من حمص القديمة التي فرضت الحرب على أهلها موتًا وتهجيرًا وجوعًا، لكنّه أصرّ على البقاء. رفض الأب فرانتز ترك من تبقّى، خصوصًا أولئك الذين لجؤوا إلى الدير وأقاموا عنده.
لم تنتظر رصاصة الكراهية التي اخترقت جسد فاندرلخت تنفيذ اتفاق الانسحاب ووقف الاشتباك بعد نحو شهر من مقتله. هكذا، خسرت سورية قامةً في الفكر والعلم، بل قامةً في حبّ الإنسان، زرعت غراس الحياة في البلاد لنحو نصف قرن، وسقتها أخيرًا بدمها.
بقي الأب فرانس محاصراً لعامين كاملين. أكل ما أكله الناس من حشائش الأرض وعدس مسوس، وشرب مما شربوه. تحول ديره في حمص القديمة إلى ملجأ للمسلمين قبل المسيحيين. يروي الناجون كيف كان يوزع حصته الضئيلة من الطعام على الجوعى، وكيف كان يبتسم في وجه الموت ليعطي الأمل لليائسين. اشتهر بفيديو قصير هز العالم قال فيه بلهجة سورية مكسرة ومؤلمة: “نحن ما بدنا نموت من الجوع والألم.. نحن نحب الحياة ونحب العيش.. ولكننا لا نجد ما نأكله”.
رصاصة في الرأس.. وزرع في الأرض
استشهاده
في حوالي الساعة 09:30 صباحا من يوم الاثنين 7 نيسان 2014 وعن عمر 75 سنة من العمر تمت عملية اغتياله. وذكر محافظ محافظة حمص، طلال برازي، أنه قتل على أيدي متطرفين من جبهة النصرة. وعبر المتحدث باسم الفاتيكان عن «الالم الشديد بسبب وفاته»، وفقا لما ذكرت بي بي سي، وزير الخارجية الهولندي فرانز تيميرامنس وصف قتله «بالجبان».
تم قتله قبل أيام قليلة من خروج المسلحين وفك الحصار، اقتحم ملثم دير الآباء اليسوعيين. أخرج الأب فرانس إلى الحديقة، وأطلق رصاصتين على رأسه.
سقط الأب فرانس مضرجا بدمائه على الأرض التي أحبها. لم يقتلوه في كنيسة، بل في الحديقة، وكأن قدره أن يمتزج بتراب سوريا فعلياً.
تقول النعيات التي صدرت عن الرهبنة اليسوعية والبطريركيات الشرقية: “لقد مات الرجل الذي كان يمثل ضمير حمص”. رفضت الرهبنة نقل جثمانه إلى أوروبا، ونفذت وصيته بدفنه في حمص. تحول قبره اليوم إلى مزار، لا للمسيحيين فقط، بل لكل من عرف معنى “الإنسانية” في زمن التوحش.
ضريح الاب الشهيد
وفور إعلان استشهاد فرنسيس، كما يحب أهل المدينة أن يطلقوا على مقتله، بث ناشطون شريطاً مصوراً قالوا إنه كان السبب في مقتل الأب فرنسيس. وفي الشريط، يناشد رجل الدين الهولندي العالمَ لفك الحصار عن حمص قائلاً “أنا الأب فرنسيس أتكلم معكم من حمص المحاصرة وأمثل مجموعة مسيحية لا تقل عن 66 مسيحياً، بالإضافة لإخوتنا المسلمين المدنيين”. ويتابع “نجتمع هنا في الكنيسة أو على كاسة شاي بلا سكر لأنه لا يوجد سكر، نحن المسيحيين والمسلمين في حمص نعاني من الجوع لأننا لا نجد طعاماً”. وأردف قائلاً “ليس أصعب من أن نرى الإنسان يبحث عن لقمة العيش لأولاده ، نريد حلاً لمشاكلنا بعد سنة ونصف السنة من الحصار، نحن نحب الحياة ولا نحب أن نموت من الألم”.
لماذا هو عظيم؟
عظمة الأب فرانس، كما تستقيها من رثاء عارفيه، لا تكمن في أنه مات مقتولاً، بل في أنه عاش موهوباً.
* علم السوريين أن الاختلاف غنى وليس سبباً للقتال.
* كسر صورة “رجل الدين” التقليدية، ليكون “رجل الله” الذي يخدم الإنسان أياً كان دينه.
* أثبت أن “الوفاء” عملة نادرة دفع حياته ثمناً لها، رافضاً أن يترك شعبه وحيداً في مواجهة الموت.
لقد كان “هولندياً” بالولادة، لكنه مات كواحد من أنبل “السوريين” في التاريخ الحديث.
كلمتي به
لن أتكلم عن تجربتي الشخصية معه اذ كان يطلب مساعدتي في رئاسة مجلس الوزراء حينما كنت مديرا عاماً فيها في حياتي الوظيفية في الوظيفة العامة بسورية، وكان هو يراجع الرئاسة وفقاً للأصول القانونية التي تربط الكنائس المسيحية برئيس مجلس الوزراء في سورية كونه وزيراً للاديان غير المسلمة اضافة الى دوره الرئاسي، هذه العلاقة التي طالت مدتها في حقل الخدمة وتسيير امور رعيته، انقلبت الى صداقة متجذرة ولم تتح لي فرصة زيارته في مركز الآباء اليسوعيين في حمص /بستان الديوان.
المسيح قام وليكن ذكرك موبدا ايها الخادم الامين لكل من عرفك ولم يعرفك…