الاطفال الملوك

الاطفال الملوك…

الاطفال الملوك…

مدخل للبحث

شهد التاريخ البشري صغاراً جلسوا على سدة الحكم ورغم هشاشتهم الجسدية والعاطفية أصبحوا رموزاً

من الناحية العملية، التاريخ لا يتذكر أعمار الحكام، بل نتائج حكمهم. لكن حين يكون الحاكم طفلاً، يصبح السؤال أكثر قسوة وانصافاً للحاكم والمحكوم؟

ام هل كان ضحية العرش أم صنيعة الدولة التي لم يصنعها ولا قدر ان يغيرها؟

في عالم اليوم،مع ازدياد الوسائل العلمية حتى كاد كل شيء ان يكون سهلا وبالمجان واخر الظواهر الذكاء البشري الذي وفر كل شيء وبدون جهد، فيتوقف معه التفكير والعمل الفكري لأن الذكاء عوض كل ذلك!!! لذا يبدو مفهوم “النضج” لدى الأطفال في عالمنا، وبلا شك في المستقبل أقل وضوحاً من أي وقت مضى، صغارنا يكافحون مع تشتت الانتباه، ويعانون صعوبة في تحمل مسؤوليات بسيطة كانت متوقعة بصورة طبيعية من أقرانهم قبل عقود، حتى النقاشات القانونية بدأت تدار حول رفع سن الرشد من 18 إلى 21 سنة في بعض الدول، خشية عدم تمتع الشباب بالأهلية الكاملة. وفي المقابل، أصدرت دولة الإمارات بداية العام قانوناً مدنياً يخفض سن الرشد من 21 سنة قمرية إلى 18 سنة ميلادية، في خطوة تعكس تعقيدات تحديد مرحلة النضج القانونية والاجتماعية.

لكن، على امتداد التاريخ شهدت البشرية ظواهر أكثر إثارة: أطفال جلسوا على سدة الحكم، أحياناً من دون أن يديروا شؤون دولتهم بأنفسهم، وفي أحيان أخرى تولوا مسؤوليات ضخمة في أعمار لم تتجاوز سنوات قليلة، هؤلاء الصغار، على رغم هشاشتهم الجسدية والعاطفية، أصبحوا رموزاً للسلطة، وجعلوا من الطفولة فصلاً استثنائياً في كتب التاريخ.

ما حقيقة وصول أطفال إلى الحكم؟

ماذا يحدث للسلطة عندما يتجه سن من يجلس فيها إلى الخلف؟ هل يكون الطفل حاكما فعلاً، أم مجرد واجهة تدار باسمها الدولة من قبل البطانة والمستشارين؟ هذا السؤال يلاحق كل صفحة من صفحات التاريخ حين يجلس صغار على العروش.

لنكون دقيقين، لا بد من توضيح ما نعنيه بـ”الوصول إلى سدة الحكم”، هل هو حق دستوري أو وراثي يتيح للطفل أن يصبح ملكاً أو إمبراطوراً؟ أم مجرد لقب رمزي، إذ يقوم وصي أو مجلس حكم بإدارة شؤون الدولة بالكامل؟ هناك فروق أساسية بين الحكم الرمزي، حين لا يملك الطفل سلطة فعلية، والحكم الفعلي بمساعدة البطانة، عندما يجري إصدار القرارات باسمه لكن بالاعتماد على مستشاريه، وأخيراً الحكم الشخصي المبكر، حين يبدأ الطفل تدريجاً في اتخاذ القرارات بنفسه. هذه التفرقة ستبرر اختياراتنا وتوضح سياق كل حال من حالات الأطفال على العرش، قبل أن ننتقل إلى قائمة تضم 10 أطفال حملوا مسؤوليات الدولة في أعمار لم تتجاوز أعواماً قليلة.

ملك منذ مولده
ملك منذ مولده

تيجان أكبر من رؤوس أصحابها

تخيلوا طفلاً يولد ليصبح ملكاً منذ لحظة وصوله إلى الحياة، هذا ما حدث لألفونسو الثالث عشر في إسبانيا، الذي ولد عام 1886، واعتبر ملكاً منذ ولادته، فيما كان مستشاروه يديرون شؤون الدولة بالنيابة عنه، يمسكون بخيوط السلطة بينما هو يلهو بعالمه الصغير.

وليس بعيداً، في إنجلترا، لم يكن هنري السادس أكبر سناً عندما صعد العرش، إذ ولد في السادس من ديسمبر (كانون الأول) عام 1421 وتولى العرش في الثاني من سبتمبر (أيلول) عام 1422، أي كان رضيعاً بالكاد يفهم العالم من حوله ولم يكمل عامه الأول بعد، ومع ذلك أصبح اسمه محور صراع بين البارونات وحروب الوراثة المتشابكة، لتصبح طفولته شرارة تشعل واحدة من أكثر الحروب الأهلية شهرة في التاريخ.

ثم هناك محمد الرابع العثماني، الذي ولد عام 1642، وتولى التاج عام 1648 عن عمر يقارب ست سنوات، لم يكن يعرف ما يعنيه أن يكون سلطاناً، لكن البلاط والأمهات الوصيات والقادة العسكريين أدوا دوره بدقة، ومع مرور الأعوام، بدأت أذرع السلطة تمتد إليه شيئاً فشيئاً، ليصبح رمزاً للحكم في إمبراطورية شاسعة، حتى لو أنه كان في صغره مجرد واجهة للقرارات الكبرى.

أما إيزابيلا الثانية في إسبانيا فقد ولدت عام 1830، وجلست على العرش عام 1833 بعمر ثلاث سنوات فقط، في ممرات القصور ودهاليز السلطة كان الأوصياء عليها يديرون الصراعات السياسية، بينما هي تمثل البراءة والشرعية في آن، نقطة التوازن التي حاولت الفئات المتصارعة الاستناد إليها لتحقيق مصالحها.

على الجانب الآخر من العالم، ولد الحاكم بأمر الله الفاطمي في عام 985 ميلادية، وتولى الخلافة عام 996 ميلادية وهو في الـ11 من عمره تقريباً، بدأ تحت وصاية البطانة، لكنه سرعان ما استولى على زمام القرار بنفسه، ليصبح أحد أوائل الأطفال الذين تحولوا من واجهة رمزية إلى حاكم فعلي قادر على فرض إرادته على الدولة.

الحاكم بأمر الله الفاطمي أحد أوائل الأطفال الذين تحولوا من واجهة رمزية إلى حاكم فعلي

الملك الطفل تشارلز
الملك الطفل تشارلز

وفي الصين، ولد كانغشي المعروف بلقب “الإمبراطور الصغير” عام 1654، وتولى العرش عام 1661 وهو في السابعة من عمره، مع كل قرار بسيط كان يتعلم كيف يمسك الدولة بيده الصغيرة، حتى صار لاحقاً واحداً من أعظم الأباطرة في التاريخ الصيني، حكماً وإصلاحاً، وأثبت أن صغر السن ليس دائماً عائقاً أمام العظمة.

أما الفرنسي لويس الرابع عشر فقد ولد عام 1638 وتولى العرش عام 1643، وهو لم يتجاوز السنوات الأربع من عمره، بدأ حكمه تحت وصاية والدته الملكة آنا النمساوية ومستشاري البلاط، لكنه نضج سريعاً ليصبح الملك المهيب، زعيماً يتربع على مركزية فرنسا ويعيد تشكيلها وفق رؤيته الخاصة، تاركاً طفولته وراءه، لكنها بقيت محفوظة في ذاكرة التاريخ.

ولم تكن الحضارات الأوروبية وحدها تعرف هذه الظاهرة، توت عنخ آمون، فرعون مصر، جلس على العرش وهو بالكاد يبلغ التاسعة من عمره، محاطاً بالكهنة والقادة الذين وجهوا كل خطواته، وأصبحت قصته، على رغم قصر حكمه، أسطورة بعد اكتشاف قبره، وشاهدة على أن السلطة يمكن أن تكون صفة رمزية قبل أن تصبح فعلاً.

حتى في الأزمنة القديمة، كما في حال بيبي الثاني، فرعون الأسرة السادسة، أو شاه شابور الثاني من الساسانيين، جلس الأطفال على العروش قبل ولادتهم أحياناً، لتصبح أسماؤهم رمزاً للشرعية، بينما البطانة الحقيقية تدير الدولة خلف الكواليس.

البطانة: السلطة غير المرئية

بين كل قصة من قصص الأطفال على العرش، يتكرر سؤال محوري: متى يتوقف الطفل عن كونه مجرد وجه للسلطة، ويبدأ في ممارسة الحكم فعلياً؟ لم تكن الإجابة مطلقة أو مرتبطة بسن معينة أبداً، لأنها تتوقف على سياق البلاط وقوة البطانة والصراعات المحيطة.

في معظم الحالات كانت البطانة هي السلطة الحقيقية غير المرئية، الأمهات الوصيات كن بمثابة اليد القوية خلف العرش: يحرسن الأطفال ويحمينهم، لكن في الوقت نفسه يتحكمن بالقرار السياسي تبعاً لمصالحهن أو مصالح البلاط، القادة العسكريون أيضاً أدوا دوراً مزدوجاً، فقد كانوا يحرسون العرش من الخارج، لكنهم يستخدمون الصغار أحياناً لتقوية نفوذهم داخل الدولة، كذلك فإن رجال الدين والكهنة، سواء في مصر القديمة أو في أوروبا المسيحية، جعلوا الأطفال رموزاً للشرعية، وضمنوا أن يجري تبني شرعية كل قرار باسم الملك الصغير.

أما مجالس الوصاية فقد كانت أشبه بساحة تنافس: كل عضو يحاول أن يوازن بين حماية الطفل وحماية سلطته ومصالحه الخاصة، في هذه اللعبة يصبح الطفل في الغالب أداة أو رمزاً أكثر من كونه صاحب قرار، حتى تأتي اللحظة التي ينضج فيها ويبدأ في تحويل اسمه إلى سلطة حقيقية.

في بعض الأحيان لم تكتف البطانة بالوصاية على الأطفال، بل انقلبت على الملك الصغير نفسه واستولت على العرش، في نابولي في القرن الـ15 سيطرت الملكة مارغريت على مقاليد الحكم بالكامل خلال طفولة ابنها ألفونسو الخامس، وحكمت باسمها أعواماً طويلة قبل أن يقدر على المطالبة بحقه، وفي فرنسا حاول بعض وزراء البلاط خلال عهد لويس الرابع عشر السيطرة على السلطة، مستغلين صغر سنه، قبل أن يستعيد الملك نفوذه لاحقاً.

في النهاية، يظل السؤال قائماً: هل كانت البطانة تحمي الطفل من أخطار السلطة؟ أم كانت تحتمي به لتحافظ على سلطتها؟

حال الدول تحت سلطة الصغار

حين يعتلي طفل سدة الحكم، لا تكون القصة مجرد حدث سلبي أو إيجابي بحد ذاته، بل انعكاساً لظروف معقدة داخل الدولة نفسها، لقد شهد التاريخ حالات تتراجع فيها الدولة تحت حكم قاصر، ليس لأنه طفل، بل لأن صراع النخبة حول السلطة يتحول إلى حرب مفتوحة، في إنجلترا خلال القرن الـ15، بعد وفاة الملك هنري الخامس وترك العرش لابنه الرضيع هنري السادس اشتدت صراعات البطانة والبارونات إلى حد أن ذلك أسهم في اندلاع حروب الورد التي امتدت لعقود وشوهت الاستقرار السياسي في البلاد.

من ناحية أخرى انحرفت السياسة الفرنسية في أواخر العصور الوسطى حين تسلمت البرجوازية والنبلاء زمام المبادرة أثناء حكم الملوك غير الناضجين، مما أدى إلى أزمات سياسية وصراع مستمر بين الفصائل بدلاً من وحدة القرار. في المقابل، لا يعني وجود طفل على العرش الفوضى دائماً، فأحياناً يمكن أن يمنح ذلك الحديث الوصاية القوية والإدارة المؤسسية وقتاً لإعادة ترتيب السلطة داخل الدولة، مما يقلل من احتمالات الصراع الكارثي.

حين يكبر الطفل وهو “الدولة”

أن تكبر وأنت “الدولة” ليس أمراً عادياً على الإطلاق، الأطفال الذين جلسوا على العرش لم ينشأوا كبقية أقرانهم، كل لعبة وكل رغبة في اللهو وكل حركة بريئة، كانت مراقبة من مجلس البلاط، وكل ضحكة أو بكاء كان له ثمن سياسي، لويس الرابع عشر الذي أصبح ملكاً وهو بعمر أربع سنوات، حمل في قلبه منذ البداية شعوراً بأن العالم كله يترقب كل خطوة له، هذا الضغط المبكر صقل شخصيته، وجعله يميل أحياناً إلى القسوة، وأحياناً إلى التدين الشديد، وفي حالات نادرة إلى الجنون، كما يشير مؤرخو القرن الـ17 مثل جان دومينيك كوتريل.

كذلك فإن الحاكم بأمر الله الفاطمي، الذي تولى العرش في سن الـ11، لم يكن ملكاً على الدولة فحسب، بل أيضاً على نفسه، حين أصبح كل قرار، صغيراً كان أم كبيراً، اختباراً لشخصيته وقدرته على الصمود. وكان الأطفال على العروش في غالب الأحيان ضحايا صراعات السلطة والتوقعات الكبيرة، وأحياناً الجنون المستعر المحيط بهم، فشكلت تلك التجربة هويتهم بالكامل قبل أن يعرفوا معنى الحياة خارج الجدران الملكية.

ومن الناحية العملية، التاريخ لا يتذكر أعمار الحكام، بل نتائج حكمهم، لكن حين يكون الحاكم طفلاً، يصبح السؤال أكثر قسوة: هل كان ضحية العرش أم صنيعة الدولة؟

مما يدفعنا إلى التساؤل اليوم، عن وضع العالم المعاصر، إذ يقودنا زعماء كبار يتمسكون بالسلطة حتى آخر نفس: ترمب يقترب من الـ80، بوتين شارف على الـ74، خامنئي في الـ85، وحتى رئيس الكاميرون تجاوز الـ90، بينما الأجيال المتوسطة تائهة، وتلك التي تكبر الآن تكافح مع فرط التشتت والعجز عن تحمل المسؤولية، فهل نعيش في عالم لا يترك العروش لغير المسنين، أم أن العالم نفسه أصبح طفلاً تائهاً؟

 


Posted

in

by