السقيلبية: قصة ازدهار استثنائية من خلال عيون الرحالة الأوروبيين
في أواخر القرن التاسع عشر، وتحت ظل الحكم العثماني الذي شهد اضطرابات واضطهاداً للطوائف المختلفة، برزت قصة نجاح فريدة من نوعها في قلب سهل الغاب بمنطقة حماة. إنها قصة مدينة السقيلبية التي تحولت خلال عقود قليلة من “خربة” مهجورة إلى “قرية أرثوذكسية كبيرة ذات مظهر ثري ومزدهر”، على حد وصف أحد الرحالة. هذه القصة، التي سجلها بعناية رحالة أوروبيون جاءوا في مهمات علمية وسياسية، تقدم نموذجاً استثنائياً للاعتماد على الذات والازدهار الاقتصادي في ظروف صعبة.
الهجرة إلى المجهول: تأسيس مجتمع جديد
تعود جذور قصة السقيلبية إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما اضطرت عائلات مسيحية أرثوذكسية إلى مغادرة منطقة حوران (جنوب سوريا) هرباً من الاضطهاد العثماني. استقرت هذه العائلات مؤقتاً في عين الكروم بجبال الساحل، ثم نزلت لتستقر في موقع السقيلبية الحالي. انضم إليهم لاحقاً عائلات مسيحية أخرى قادمة من قرى جبلية مثل مرادش وعناب ودباشة.
ما يثير الدهشة هو اختيار هؤلاء المهاجرين لموقع الاستقرار. فتخلوا عن غاباتهم الكثيفة وينابيعهم الغزيرة في الجبال، واختاروا بدلاً من ذلك الاستقرار على “تل” أثري في السقيلبية. كان هذا الاختيار استراتيجياً بامتياز، إذ وفر لهم التل حصانة وموقعاً دفاعياً مهماً في منطقة كانت تشهد صراعات قبلية واضطرابات أمنية. والأكثر تميزاً في هذه الفترة أن أراضي السقيلبية كانت مملوكة لسكانها أنفسهم، وهي حالة نادرة في منطقة حماة التي كانت معظم أراضيها مملوكة للنخب الحضرية في حماة.
إدوارد زاخاو: عين ألمانيا على الشرق
في عام 1879، وبعد حوالي خمسين عاماً فقط من استقرار أولى العائلات المهاجرة، وصل إلى السقيلبية الرحالة والمستشرق الألماني إدوارد زاخاو. لكن زاخاو لم يكن مجرد رحالة عادي؛ بل كان أستاذاً للفلسفة السامية في برلين، وقد قام برحلته إلى سوريا والعراق بتكليف خاص من الإمبراطور فيلهلم الثاني نفسه.
كانت رحلة زاخاو أشبه بـ”مهمة استخباراتية” مدنية. فالهدف غير المعلن كان تزويد القيادة السياسية الألمانية بصورة دقيقة عن الدولة العثمانية (حليفة ألمانيا آنذاك) من جميع النواحي: الجغرافيا، الإثنوغرافيا، الصراعات الاجتماعية، اللغات، والأهم من ذلك، تحديد موازين القوى المحلية وعلاقاتها بالحكومة المركزية. ولعل هذا يفسر دقة ملاحظاته وتفصيلها.
عندما وصل زاخاو إلى السقيلبية، دوّن وصفاً دقيقاً لها: قرية مسيحية تضم 100 منزل و200 مسلح. هذا الرقم كان ملفتاً للغاية، إذ يشير إلى أن المجتمع الجديد كان مسلحاً وقادراً على حماية نفسه في منطقة لم يكن الأمن فيها مستقراً. ما يجعل وصف زاخاو ذا قيمة خاصة هو أنه كان من أوائل الأكاديميين الأوروبيين الذين أولوا اهتماماً غير معتاد للحياة المعاصرة للمسيحيين الشرقيين، في وقت كان فيه معظم المستشرقين الأوروبيين مهتمين فقط بالنصوص القديمة والمخطوطات.
لقد دوّن زاخاو رحلته في كتاب ضخم يقع في حوالي 500 صفحة تحت عنوان “Reise in Syrien und Mesopotamien” (رحلة في سوريا وبلاد الرافدين)، نُشر عام 1883. هذا الكتاب يُعتبر مصدراً من الدرجة الأولى لفهم المنطقة في تلك الفترة، لكنه مهمل أو غير معروف في الدراسات الثقافية الحديثة.
ماكس فان بيرشم: تأكيد الازدهار
بعد ست سنوات فقط من زيارة زاخاو، وتحديداً في عام 1885، وصل إلى السقيلبية الرحالة السويسري ماكس فان بيرشم. كان فان بيرشم شخصية لا تقل أهمية؛ فهو عالم نقوش شهير، مؤسس علم النقوش العربية في الغرب، والأهم من ذلك أنه كان قد تتلمذ على يد إدوارد زاخاو نفسه في برلين.
سافر فان بيرشم إلى سورية كجزء من مشروع علمي ضخم لتوثيق الآثار والنقوش الإسلامية قبل أن تندثر. وعندما وصل إلى السقيلبية، دوّن وصفاً بالغ الأهمية: “قرية أرثوذكسية كبيرة ذات مظهر ثري ومزدهر”.
هذا الوصف لم يكن مجرد انطباع سياحي عابر. فهو يؤكد أن ما رصده زاخاو قبل ست سنوات من وجود مجتمع مسلح قادر على حماية نفسه، قد تُرجم بنجاح إلى ازدهار اقتصادي حقيقي. خلال فترة زمنية قصيرة جداً (حوالي 50-60 سنة من الاستقرار الأول)، نجحت هذه العائلات المهاجرة في تحويل موقع أثري مهجور إلى مركز اقتصادي قوي في سهل الغاب الخصب.
التل الأثري: من تحصين إلى ازدهار
يبقى “التل الأثري” الذي استقر عليه المهاجرون عنصراً أساسياً في قصة السقيلبية. لكن المثير أن الرحالة الأوروبيين لم يركزوا عليه كموقع تاريخي بقدر ما رأوا فيه عامل دفاع استراتيجي. وجودهم على تل مرتفع كان علامة على الاعتماد على الذات وقدرة المجتمع الجديد على فرض سيطرته وحماية مزروعاته.
هذا التحصين الطبيعي، إلى جانب ملكية الأراضي للسكان أنفسهم (وهي ميزة نادرة في المنطقة)، خلق بيئة مواتية للازدهار الاقتصادي. فبدلاً من أن يكونوا مجرد مستأجرين أو فلاحين تابعين لنخب حضرية، أصبح سكان السقيلبية مالكين لأراضيهم، مما حفزهم على العمل الجاد والاستثمار في تحسين إنتاجهم الزراعي.
تقدم قصة السقيلبية كما رواها الرحالة زاخاو وفان بيرشم نموذجاً استثنائياً للمبادرة المجتمعية والاعتماد على الذات. ففي فترة زمنية قصيرة، ووسط ظروف إقليمية صعبة تحت الحكم العثماني، تمكنت مجموعة من العائلات المسيحية المهاجرة من بناء مجتمع آمن ومزدهر.
