الصحافة والصحفيون الأرثوذكس (1870-1890)
أول صحيفة أطلقها أرثوذكسي كانت “المهماز”، التي ظهرت في بيروت بتاريخ 25 شباط 1870 لمنشئها خليل عطية. هي نشرة دينية أدبية تاريخية روائية، ذات ثماني صفحات بحجمٍ صغير، كانت تصدر مرتين في الشهر حتى احتجابها، بعد صدور العدد الثاني عشر منها. كانت معتدلة المشرب واحتوت على شذراتٍ مفيدة ونصائحَ حكمية وأشعارٍ لطيفة. ولما ظهرت جريدة «الهدية» عام 1883، تولّى خليل عطية كتابة فصولها مدة سنتين كاملتين.
ظهرت «الهدية» في بادئ أمرها باسم «هدية إلى أولاد مدارس الأحد الأرثوذكسية»، وأنشئت في بيروت بإيعاز المطران المصلح غفرئيل شاتيلا الدمشقي مطران لبنان (1870-1902)، وكان عددها الأول بلا تاريخ، ثم صدر العدد الثاني مؤرخًا في غرة كانون الثاني 1883، وظلت تصدر شهرياً بهذه الهيئة كنشرة دينية ذات صفحتَين صغيرتَين لثلاثة أعوامٍ كاملة، حيث كانت تنشر قصصًا وحوادثَ دينية توافق ذوق الأولاد التي كانت تُهدى إليهم من «جمعية التعليم المسيحي الأرثوذكسية». وكان يُحرِّر فيها تبرعًا بعض أعضائها، الذين نذكر منهم: وديع فياض وسامي قصيري وفضل الله أبي حلقة ، وكان الشيخ إسكندر العازار معتنيًا بكتابة مقالاتها الجدلية.

وفي بدء عام 1886 أُطلق عليها اسم «الهدية» فترقَّت أحوالها وتحسَّنت مواضيعها وصارت تصدر مرتَين في الشهر بهيئة مجلة، فتولَّت تحريرها لجنة من «جمعية التعليم المسيحي» تتألف من الشماس غريغوريوس حداد (مطران طرابلس فالبطريرك الأنطاكي لاحقًا) ويوسف ترزي ، والشيخ رشيد نفاع. ثم أضيف إلى محرريها واعظ الكرسي الأنطاكي الشماس جراسيموس مسرة (مطران بيروت لاحقًا)، وهو أول حائز على شهادة اللاهوت من مدرسة خالكي في الآستانة (تبعه ثلاثة من تلامذة المتروبوليت أثناسيوس الدمشقيين: القديس رفائيل هواويني، البطريرك ألكسندروس طحان والمطران بولس أبو عضل).
وفي أثناء ذلك جرت على صفحاتها مناظراته المشهورة مع «البشير» للآباء اليسوعيّين إلى أواخر السنة 1888، ثم مع «النشرة الأسبوعية» للمرسلين البروتستانت في عام 1889، وكان لهذه المناظرات، التي تناولت شتى المواضيع المختلف عليها بين الكنيستين الشرقية والغربية، شأنٌ كبير من الوجهتَين الدينية والتاريخية، فزاد الإقبال على «الهدية» حتى أنها بإدارة الشيخ رشيد نفاع صارت أسبوعيّة.
في نفس العام الذي احتجبت فيه «الهدية» (1889)، ظهرت في بيروت بدلًا منها مجلة «المنار» الأسبوعية لصاحب امتيازها الشماس أرسانيوس حداد (مطران اللاذقية لاحقًا)، فكانت هذه ثالث الصحف الدينية التي أنشأها أبناء الطائفة الأرثوذكسية، وكان رشيد نفاع مديرها ورئيس تحريرها ما بين عامي 1900-1907. ومن مميزاتها أنها أنعشت في قلوب الأرثوذكسيين روح النهضة الأدبية وحملتهم على التنقيب عن مفاخر أجدادهم وعتائق تواريخ كنيستهم، ومن ذلك الحين انتشرت الصحف الدينية الرسمية عندهم أكثر من سائر الطوائف الشرقية.
الجزء الثاني
بالإضافة إلى المحررين، وإلى الصحف والمجلات السابق الحديث عنها: “المهماز” (1870)، «الهدية» (1886)، و«المنار» (1889)، التي عرّفت كل منها عن نفسها في افتتاحيتها على أنها “جريدة دينية علمية إخبارية”، نشط في هذه الفترة عينها صحفيون أرثوذكس آخرون في تحرير وإدارة بعض الدوريات المتخصصة. نذكر منها:
أولاً- «الطبيب»، المجلة الشهرية الطبية والصيدلية، التي ظهرت في غرة كانون الثاني 1878 وغرضها نشر كل ما يهم الأطباء والصيادلة من معرفة مهنتهم وممارستها، فكانت مباحثها تتناول علم الكيمياء والنبات والحيوان والجماد والتشريح والمواد الطبية والطب الشرعي وغيرها، وبقي صاحب امتيازها الدكتور جورج بوست قائمًا بإدارتها وتحريرها في أعوامها الثلاثة الأولى، ومنذ العام الرابع تسلَّم إدارتها شاهين مكاريوس الذي اتخذ له مساعدين في التحرير، من أهمهم الدكتور خليل بك سعادة (والد الزعيم) من الشوير.

ثانياً- «ديوان الفكاهة»، المجلة الشهرية المشتملة على رواياتٍ تاريخية وغرامية وأدبية، فكانت أول مجلةٍ روائية صدرت باللسان العربي. أنشأها في غرة سنة 1885 الوجيهان الأرثوذكسيان سليم ميخائيل شحادة وسليم بولس طراد، وهما من أخصِّ أعيان مدينة بيروت وأقدم عائلاتها. وبعد عامها الرابع احتجبت مدة ثلاث سنين ثم استقلَّ بها إلى نهاية أجلها سنة 1893 سليم طراد وحده. وكان «ديوان الفكاهة» مجموعًا حسن الوضع والترتيب، حاويًا أجود الروايات وأشهر الرحلات على أكثرها فائدةً، مع آداب الحكايات والقصص، أدناها مأخذًا وألطفها مشربًا وأرقِّها أسلوبًا. وكان بوجه الإجمال لا يتعرَّض لمذهبٍ ديني، ولا يلمح لأمرٍ سياسي. وكان إقبال الناس على مطالعة رواياته المنزَّهة من الشوائب الأدبية كبيرً،. لأنه ينشر فقط ما يُوافق طرحه بين أيدي القوم، كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالًا.
وختاماً، عند الحديث عن تاريخ الصحافة العربية لا يمكن بحال من الأحوال إغفال الأرثوذكسي خليل الخوري أحد أعظم روّادها، الكاتب والشاعر والأديب، الذي قيل فيه:
يا هلالًا قد أرانا في الدجى وجهًا جميلًا
سوف نلقى منك بدرًا كاملًا يُدعى خليلًا

إنه ابن الشويفات في جبل لبنان الذي أنشأ صحيفة «حديقة الأخبار» في غرة كانون الثاني 1858، فكانت أول جريدةٍ عربية خارجًا عن عاصمة السلطنة صدرت برخصةٍ رسمية من طرف الحكومة العثمانية، يوم كان في الثَّانية والعشرين من سني حياته، وظلَّ يصدرها حتَّى وفاته سنة 1907. لقد ساهم خليل الخوري في تأسيس كتابة الرِّواية العربيَّة من جهة، كما أسَّس تقليد نشر الرِّواية بحلقات متسلسلة في العالم العربي عبر الصحيفة، فقدَّم أنموذجاً عن الرِّواية التي تسعى إلى التزام منحى مُعَيَّن في الفهم الحضاري الاجتماعي لطبيعة الحياة المعاصرة في زمنه. كانت «حديقة الأخبار» الصَّحيفة الدَّوريَّة الأولى في دنيا العرب، وبما نشره على صفحات جريدته من النُّبذ المفيدة والمباحث المختلفة، كان خليل الخوري من أخصِّ رجال عصر النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر في سوريا والمشرق العربي.
(يُشار أيضاً إلى سليم الخوري الذي ساعد أخاه خليل الخوري في تحرير جريدة «حديقة الأخبار» في قسمَيها العربي والفرنسي مدة خمس عشرة سنة. كما أنه أنشأ رواية «أمراء لبنان» مع سميِّه سليم ميخائيل شحادة، المحرر في جريدة «حديقة الأخبار» ومنشئ مجلة «ديوان الفكاهة»).
