د. جوزيف زيتون

العرب المسيحيون : جدلية الجذور والانتشار والاندثار

العرب المسيحيون: جدلية الجذور والانتشار والاندثار

مؤتمر العرب المسيحيين الأول “الجذور، الأدوار، والمسار النهضوي”.
جمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية /عمان/ الاردن من ٢٤ الى ٢٦ تشرين الاول ٢٠٢٥

د.جوزيف زيتون
د.جوزيف زيتون

مداخلتي

يسعدني أن أشارككم في هذا المؤتمر الهام بورقة تحمل عنوان: العرب المسيحيون: جدلية الجذور والانتشار والاندثار. ويأتي هذا الموضوع من حساسيته وأهميته في قراءة ماضي المنطقة العربية وحاضرها، واستشراف مستقبلها أيضاً، حيث يتقاطع التاريخ الديني والثقافي مع أسئلة الهوية والمواطنة والتنوع والبقاء.

مؤتمر العرب المسيحيون عمان
مؤتمر العرب المسيحيون عمان

مقدمة لابد منها

” المسيحية العربية تواجه اليوم خطر الاقتلاع، من المشرق العربي. وهي تكافح من أجل البقاء في اماكن وجودها الاصيل وإقامتها المحاصرة دينياً التي تزداد اصولية واقصاء الآخر. هذا الكفاح الذي يجاهد المسيحيون للصمود في وجه اعصاره المتفاقم!!! له إحدى ثلاث نهايات: الهجرة. القبول بمواطنة من الدرجة الثانية. او مواجهة الاستئصال الجماعي بالحزام الناسف..

مجتمعاتنا العربية والمشرقية المسيحية،  اليوم ومنذ  احداث ايلول 2001،  مسكونة بهاجس الخوف من أن يتحول الحزام الإسلامي متصاعد التشدد الذي يلفها ويزنِّرها، إلى حزام ناسف لوجود المسيحية التاريخية في المشرق العربي، قبل ولادة الإسلام بسبعة قرون” فينسفها ويقتلعها من جذورها لتمسي مجرد آثار لمسيحية اندثرت…

تهدد المسيحين العرب اليوم مخاطر عدة:

1- إفراغ المشرق من الحضور المسيحي بالهجرات المتتالية إلى اوطان جديدة.

2- تجفيف دورهم التاريخي الذي اضطلعوا به منذ 2025 سنة. فهم على مشارف الخطر الوجودي وزوال هذا الوجود، العراق، سورية وهي تدريجياً تنزف   بدءاً من 2011 وحتى آننا الحاضرالمتسم بفداحة خسارة المكون المسيحي الاصيل.

استهداف المسيحيين اليوم يعني سيادة الفكر المتطرف والممارسات المتعصبة، وسيساهم في زيادة الهجرة المسيحية التي تعني تفريغ مجتمعات المشرق العربي من المسيحيين، وهذا يعني تجفيف التنوير وينابيع المحبة منها، وهذا، في حد ذاته، إعلان عن شح فرص الحرية، لا سيما حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية والمواطنة. وتفيد توقعاتٌ أنّ عدد المسيحيين في المشرق العربي سينخفض إلى نحو اقل من 5 ملايين في ختام السنة الحالية 2025، إذا استمرت معدلات الهجرة ترتفع بذات الوتيرة المؤسفة.
ففي سورية، بلد المسيحية الأولى بعد القدس مع حنانيا الرسول وبولس في دمشق منطلق التبشير مع انطاكية…  موطن المناضل عن استقامة الكنيسة  القديس يوحنا الدمشقي وكنائسها الاقدم في العالم” المريمية” و”حنانيا الرسول 35م” وهامة القديس يوحنا المعمدان في كاتدرائية دمشق العظمى ( الجامع الأموي)  والرهبانيات الأولى المنتشرة اديارها في كل مكان  واولها دير القديسة تقلا معادلة الرسل في معلولا، ودير سيدة صيدنايا المكان الاقدس بعد المهد والقبر المقدسين لأن العذراء بنته بيد يوستنيانوس  الاول، ودير رؤية القديس بولس في كوكب عندما جندل الرب شاول المغتصب فصيَّره  بولس رسول المسيحية الاول ومشرعها…حتى حدود سورية الشمالية وسط اسيا الصغرى والاناضول مع كيليكيا وديار بكر وارضروم.

د.جوزيف زيتون
د.جوزيف زيتون

في سورية وهي موطن المسيحية الثاني بعد فلسطين المقدسة ومنطلق البشارة الى العالم، اصبحت بحاجة الى معجزة الهية لتبقي جذوة بشارتها مشتعلة… حيث تتفاقم هجرة المسيحيين بشكل مأسوي، فقد تم تدمير أحياءهم وقراهم ومدنهم التاريخية واديرتهم مثل معلولا وكنائسهم، حاضرا كما في الماضي الحالك والمستقبل الغامض، وكأن مسيحيي سورية يعيشون اليوم فعلاً في عنق زجاجة طويل وضيق اسود اللون مجهول المخرج، وقتل العديد من  كهنتهم واختطف مطرانا حلب بولس يازجي ويوحنا ابراهيم وتغييبهما، والصمت العالمي المقيت المرافق منذ 13 سنة، وكانا يجهدان لاسترجاع الكهنة المخطوفين والمغيبين…، ما يجعل الفرار من هذا الجحيم مخرجاً إجبارياً. فقد أدت أعمال العنف والقتل والدمار التي تعرضت لها سورية، منذ انطلاق ثورة شعبها، في آذار 2011، التي حُرفت عن مسارها  في تحقيق كرامة الانسان، إلى تصاعد هجرة المسيحيين، بصورة لم تشهد لها مثيلاً من قبل، وعزّزتها عمليات التهديد والخطف والابتزاز التي أصابت أعداداً منهم وقتلت جهاتٌ متخفية ومجهولة، بعضهم، وتكرر هُدر كرامة الانسان السوري، وفق مطالب الانتفاضة،  التي نادت بوطن حر معافى بعيدا عن التسلط والمحسوبيات ومحاربة الفساد واحتكار السلطة  حُرفت عن مسارها التحرري من قبل من اعَّدَّ لهذه التي سميت كذبا  “الربيع العربي” وامتطتها الحركات الاصولية بأذرع خارجية لها المصلحة في تدمير سورية، ليس فقط بالفكر بل بالممارسة المسلحة كما بات مسلما به، وظهور التزمت الطائفي بشكل خطير جداً منعكسا على الاقليات عموما  وبالذات المسيحيين المسالمين بشكل حاد، وعلى بقية الطوائف والمذاهب المندرجة تحت عباءة الاسلام. فهل نحن الآن في الربيع العربي ؟

تجربة1860 الكارثية على الوجود المسيحي وخاصة الدمشقي ومحيطه ومتصرفية لبنان… ايا كانت اسبابها البعيدة والمباشرة، الا ان نتائجها كان مدمرة  للوجود المسيحي! فقد قضت على نصف الوجود المسيحي الدمشقي مثلا وكانت نسبتهم خمس عدد السكان البالغ 125000 نسمة، وادت الى فرار الربع الى بيروت ومنها الى مصر والسودان وبعد هنيهة بسيطة الى العالم الجديد، فيما بقيت قلة مرتاعة هي الربع…وتم تدمير القسم المسيحي بأكمله وفق الوثائق البطريركية ومحاضر  لجنة التحقيق الدولية وقتذاك.

في القرن العشرين كانت النكبة المسيحية الاكبر من نصيب فلسطين المسيحية، فقد دفع المسيحيون الثمن غالياً، حيث وقعوا ضحية المخططات الصهيونية وابعادها المتعصبة، فالمسيحيون كانوا يشكلون، قبل موجات الهجرة اليهودية المكثفة إلى فلسطين، نحو 20 % من حجم سكان فلسطين التاريخية. أما الآن فتكاد نسبتهم تصل إلى 9% من سكان الضفة والقطاع. وبيت لحم، التي ولد فيها السيد المسيح، كانت نسبة المسيحيين فيها 85% في عام 1948، في حين لم يعد فيها، الآن، سوى 12% منهم. أما في مدينة القدس التي كان يسكنها 53% من المسيحيين في 1922 فلم يعد فيها، اليوم، من المسيحيين إلا 2% من السكان و1 % وفق افادةشخصية لي من مستشار مسيحي للسلطة الفلسطينية عام 2014.

بما أنّ إسرائيل ستكون دينية يهودية، فلا مكان للمسيحيين فيها، وحتماً للمسلمين وغيرهم فيها ايضاً، لأنها تقوم على قاعدتين أصوليتين: أولاهما، فلسطين أرض “الميعاد”. وثانيتهما، أنهم “شعب الله المختار”. وهو ما دأبت إسرائيل على العمل وفقاً له، منذ قيامها في 1948، وخصوصاً إزاء المسيحيين، بهدف تفريغ فلسطين منهم، ولا سيما من القدس. وكما حصل  لاحقا في العراق كتداعيات لغزوه ونمو داعش منذ 2003، ثم في سورية من 2011 مع بدء الثورة وكانت في البداية سلمية فكرية، ولبنان قبلهما في الحرب الاهلية اللبنانية1975 -1990..، وساهم  تخلُّف واستبداد الأنظمة العربية في استعار نار هذه الكوارث بحق المكون العربي المسيحي.

د.جوزيف زيتون
د.جوزيف زيتون

يعاني المشرق اليوم من ثلاثة أمور: صعود الأصوليات المتطرفة، والدولة التسلطية، وفظاعة إسرائيل الصهيونية. أما صعود الأصوليات، فقد أدى إلى انهيار المجموعات التضامنية التي عاشت معاً وتصرفت معاً، لأنّ التعصب، هجومياً أم انعزالياً، حال ويحول دون وجود المبادرات المشتركة التي كانت قائمة ضمن العيش الواحد. كما أنّ الدولة الاستبدادية القائمة منذ نيف وخمسة عقود، ضربت كل حراك سياسي واجتماعي، فجعلت المجتمع لقمة سائغة للأصوليات، ونشرت الفتن بين الناس بتقريب هذه الأقلية وإبعاد تلك. وجاء الاستيلاء نتيجة العدوان الصهيوني، ذو الأبعاد الاستيطانية، فنشر حالة من العجز وانتهاك الكرامة وحقوق الإنسان الأساسية. ومع أنّ كل هذه الظواهر نالت من المسلمين والمسيحيين، على حد سواء، فإنّ المسيحيين شعروا بها أكثر، وتأثروا بها أكثر.
نعم فلقد كشفت الأحداث أوهاماً كثيرة، أهمها وهم الوحدة الوطنية الذي قامت عليه الدولة العربية الحديثة، فمجتمعات لا تزال موغلة في تقليديتها لا يمكن أن تنتج ما يشكل عصب هذه الوحدة التي تظل أهم مقومات الاجتماع السياسي الحديث، بل تعمل، بكل الوسائل، على توظيف بنياتها ما قبل الوطنية (الطائفية والإثنية والقبلية والعشائرية) بغاية بناء وتشكيل هويات فرعية متناحرة، تقف في وجه الهوية الوطنية التي يُفترض أن تكون جامعة وغنية بثراء روافدها وتعددها، ما يعني الانخراط في تشغيل العصبيات المذهبية التقليدية، وتخدم “السلطوية” التي تعمل كل ما في وسعها على الاحتفاظ بتوجيه موارد السلطة والثروة لخدمة الطائفة أو العصبة أو العائلة الحاكمة، مستفيدة في ذلك من سيطرتها على مختلف مقدَّرات الوطن الاقتصادية والاجتماعية وبدعم خارجي مهول.
وبذلك، تعمل الطائفية، بكل تجلياتها الثقافية والسلوكية، على مجابهة قيم الحداثة والتسامح والعيش المشترك، لأنّ إشاعتها ونشرها يؤدي، بالضرورة، إلى التفكك التدريجي للأسس والمرتكزات التي تقوم الطائفية عليها.
وبصرف النظر عن السيناريوهات المحتملة،نكرر يأن تنامي الحركات الإسلامية المتطرفة رسخ هواجس المسيحية المشرقية. فالأسلمة التي نجدها في السياقات المجتمعية والثقافية وحتى السياسية، تجبر المسيحيين في مواطنهم على الانسحاب التدريجي: إما عبر الهجرة، أو عبر التقوقع على الذات، أو عبر الاحتماء بالدين للتصدي للأسلمة المتزايدة، التي تعتبر رد فعل على فشل المشروع السياسي عند الحركات الإسلامية، وهو الواقع الحالي.
وقد كان فشل بناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية التعددية، سبباً حاسماً في إيجاد مناخات من التمييز ضد شرائح أساسية من المواطنين والمكوّنات. ولقد عانى مسيحيوا هذه البلدان من أشكال شتى من هذا التمييز، على المستويين، الدستوري والقانوني، أو على مستوى المشاركة والتمثيل السياسيين، والدراسة والعمل، أو لجهة تمتعهم بحد ادنى من الحقوق والحريات.

مؤتمر العرب المسيحيون عمان
مؤتمر العرب المسيحيون عمان

جدلية الجذور

سادت عبر العصور محاولات شتى لطمس معالم المسيحية العربية، وتغييبها عن الأذهان والوجود،وكأنها لم تكن اصلاً!!! وقد تعددت الاغراض في نفوس المغرضين.  فدأبت المؤسسات الثقافية والتربوية والتعليمية في العالم العربي على سلب المسيحيين حقهم في التاريخ العربي، فجاءت مناهجها الدراسية منصبة كلياً في خانة الاسلام وجودا وحضارة، مما حشا فكر الأجيال  المتعاقبة، بأن تاريخ العرب لم يكن يوما يخص سوى  الاسلام والمسلمين، وان المسيحيين لم يكونوا سوى ذميين او بقايا  الروم والصليبيين الغزاة.
ولم يزل إلى اليوم الصمت يحوم وسط المجتمع العربي بكل طبقاته حول الدور التاريخي للمسيحيين العرب، وهو صمت عاد  بكل اسف ينطق بمفهوم اهل الذمة المتكرس  عن جهل بالتاريخ، بقدر ما هو تجاهل متعمد يعود بنا الى عصر الانحطاط العثماني. فالمسيحية أصيلة في المشرق العربي ليست دينا دخيلاً فهي عاشت 635 سنة قبل ان تفد اليها جيوش المسلمين فاتحة، لتستقبلها صدور وادرع اخوتهم المسيحيين العرب المفتوحة مرحبة للعيش معا.

اكد معلمنا سيادة المتروبوليت جورج خضر  مؤَكَّدْ معرفتنا بأن نسبة المسيحيين كانت قبيل حروب الفرنجة  منذ اواخر القرن الحادي عشر 60% من مجموع سكان بلاد الشام، وبعد طرد الفرنجة، انخفضت الى 20% بمجازر المماليك بحقهم بقيادة الظاهر بيبرس، الذي دمر مدينة انطاكية مركز كرسينا الرسولي وقتل اهلنا 1267م (والكثير من التجمعات المسيحية في سورية) لذا انتقل الكرسي الانطاكي الى دمشق عام 1345 بعد تيه مضنٍ،  ففي المفهوم الاسلامي العام ان “النصارى” (وهي التسمية الاسلامية المغلوطة للمسيحيين) صليبيون، كونهم على دين الغزاة الفرنج،علما ان كل المسيحيين المشرقيين رأوا في حملات الفرنج الصليبية  وخاصة منذ الحملة الرابعة وماتلاها بوجه خاص اعتداءً خارجياً يستهدفهم هم بقدر مايستهدف المسلمين. واستمر ذلك الكره فيما نسميه عصر الانحطاط والذمية بحق المسيحيين حتى الانتدابين  الانكليزي والفرنسي وفقاً لسايكس بيكو…لنفس الذريعة، حتى المجازر  المحكي عنها من 1849- 1860، وحتى بكل اسف الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين بين 1925-1927 كانت كارثتها افراغ عشرات القرى المسيحية، وأَرتقاء العديد من ابنائها وخروجهم  من قراهم وبيوتهم وكنائسهم للأبد، وان بقيت اطلال منها تنعق بها الغربان  حتى اليوم، ذنبهم انهم كالفرنسيين على “دين الصليب”.

ومع ذلك تمثّل صورة المسيحيين في الخطاب الإسلامي المعاصر حالياً امتدادًا وجزءًا من الخيال العام. إذ لم يستطع المسلمون بكل اسف تخليص ذاكرتهم التاريخية الجمعية، والفصل بين مضمون الغرب الحضاري – الثقافي وتاريخه الاستعماري، كما أنهم يواجهون صعوبة في فهم أن المسيحية العربية جزء أصيل من بلادهم وجغرافيتها، وان المسيحيين قبلهم فيها بسبعة قرون، ولم تكن المسيحية غريبة عن العرب منذ قبل الاسلام، وأنه لا يجوز أن تقتصر العلاقة معهم على التسامح  والتعايش في أفضل الحالات.

ومن جانب آخر، حكمت تطورات خطاب الإسلام السياسي المعاصر كما اسلفنا الى عودة مفهوم  “أهل الذمة”. وحين يتطور الخطاب الإسلامي في اتجاه المواطنة، لا يلبث أن يرتد إلى الخلف، خلال التنافس مع الحركات الإسلامية السلفية والأشد تطرفًا وهو السائد حالياً.

د.جوزيف زيتون
د.جوزيف زيتون

لاشك ان الوقت والموضوع لايتيحان لنا التحدث عن ذلك، ولكن من واجبنا وخاصة في مثل هذا المؤتمر المهم جداً، الا ان نؤكد رؤى من سبقنا من الزملاء   التي تناولت الوجود المسيحي منذ فجر التاريخ، واسهاماته في الحضارة العربية، عبر الامبراطوريتين الاموية والعباسية دون ان نتعرض لذكر الاعلام وما اكثرهم، كعائلة قديسنا يوحنا الدمشقي، ثم في اظهار مفهوم القومية العربية مع المتنورين الشوام 1885 الذين ضُحيَّ بنسبة كبيرة منهم ومنهم كهنة على اعواد مشانق 6 ايار 1916.

 الجذور
لقد ولدت المسيحية في المشرق ومنه بشرت العالم بالانجيل والمعجزة، وكان انتشارها الطبيعي منذ البدء في فلسطين وسورية الطبيعية والرافدين وشبه الجزيرة العربية واليمن. ومع انتشارها المبكر، انغرس المسيحيون في نسيج المنطقة، و هم اساساً من نسيجها ما قبل مسيحيتهم، فهم من لحمتها وسداها التاريخيين.
وقد ارتبطت هويتهم بالعربية منذ البدايات فهي لم تكن غريبة عن العرب قبل الاسلام وفي عهده (وحالياً واكيداً مستقبلاً بلا شك)، حيث لعبوا دوراً في صياغة اللغة والثقافة والحضارة، وأسهموا في إنتاج الأدب والفلسفة، ونقلوا العلوم عبر حركة الترجمة من اليونانية  الى السريانية إلى العربية. وكانوا امناء في خدمة الدولة الاسلامية حيث لم يروا انفسهم الا ابناء بررة فيها، ولعل ابرزهم القديس يوحنا الدمشقي، وبطريرك اورشليم صفرونيوس الدمشقي الذي سلم مفاتيح القدس باليد للخليفة الراشدي عمر بن الخطاب محملا اياه الامانة تجاه اقدس المدن اورشليم  عاصمة المسيحية الكونية وهي في قلب الدولة الاسلامية الوليدة.
وفي العصر الحديث، برز حضور المسيحيين الفاعل في النهضة العربية: فأسسوا  المطابع  وكانت اول مطبعة عربية هي  للبطريركاثناسيوس ابن الدباس الرومانية- في حلب 1702 ثم في البلمند 1720لطباعة الكتب العربية، واسسوا الصحف الأولى، وأنشأوا المدارس الحديثة فكانت الآسية الارثوذكسية الدمشقية المؤسسة عام 1635 والمعاد تأسيسها عامي 1836و 1840 بيد شهيد دمشق القديس يوسف الدمشقي وجعلها نواة جامعة بثلاث كليات عام 1851، ولولا استشهاده و دمارها في فتنة 1860 الضارية لكانت اول واقدم جامعة في المشرق العربي، ومدرسة المصلبة الارثوذكسية في القدس 1851  بهمة البطريرك  الاورشليمي المصلح كيرلس الثاني، والكلية الارثوذكسية  (الغسانية) بحمص اواخر القرن 19بهمة المطران اثناسيوس عطا الله،ونظيرتها بحماة بهمة المطران غريغوريوس جبارة، و في بيروت ولبنان كلية بطينا الارثوذكسية بهمة المطران غفرئيل شاتيلا، والكلية السورية الانجيلية اي الجامعة الاميركية في العقد السابع من القرن 19 ثم الجامعة اليسوعية، وكلها وان كان التأسيس والرعاية بلون كنسي الا انها كانت وطنية محضة، تخرج منها كبار علماء وادباء ورواد النهضة ببلاد الشام وخاصة منهم المسلمون وارباب الحكم، وقد ساهمت في الحركات الفكرية والإصلاحية، وكان المسيحيون شركاء في صناعة وعي عربي جامع يتجاوز حدود الدين والطائفة.

نفتخر بأن البطريرك الأنطاكي غريغوريوس حداد كان قد جيش كل المسيحيين في دمشق وسورية الكبرى وراء ملك العرب حسين الهاشمي شريف مكة المكرمة في الثورة العربية الكبرى، للتحرر من الاتراك بطلب من الشريف، وعن كل المسيحيين بايع غبطته الامير فيصل بن الحسين ملكا على سورية1920، وقد قيلت في المؤتمر السوري 1920 الذي اعلن الاستقلال وقيام المملكة السورية، كلمتان الاولى لأمين سر المؤتمر محمد عزة دروزة الفلسطيني باعلان استقلال سورية بمملكة دستورية ملكها فيصل الأول، و الثانية الجامعة كانت كلمة البطريرك غريغوريوس الذي اجمع المسلمون الدمشقيون  على تسميته (بطريرك النصارى وامام المسلمين لأنه اطعم الجميع خلال المجاعة ولاربع سنوات من مائدة البطريركية بدمشق) وقد بايع بالصوت العالي جلالته ملكا تأكيدا لصك المبايعة الخطية بتوقيعه وتواقيع كل رؤساء الطوائف المسيحية والطائفة اليهودية المنشور اصولاً.

مع كل ماجرى من ذكريات اليمة  في سورية منذ 1860 وحتى اللحظة،  الا اننا نفاخر بالكثير الكثير من مواقف المسيحيين فيها بقيادة  الكنيسة في الحفاظ على سورية الطبيعية مستقلة منذ 1918، وسورية الحالية منذ 1920، وحتى الجلاء عام 1946 ومقارعة الاستعمار.

لقد اثبت المسيحيون عموما في سورية بشتى الطرق  للأخوة المسلمين انهم  بالفعل شركاء في العبودية لله وخدمة الوطن حتى بالشهادة وبذل الدم في حروب 1948. و1956 وفي العدوان الثلاثي على مصر كان الاستشهادي العربي الاول في العصر الحديث هو الطالب الضابط البحري الموفد للأكاديمية البحرية المصرية الشهيد جول جمال  المسيحي ابن اللاذقية، الذي اصر على القتال مع رفاق السلاح المصريين، ودمر البارجة الفرنسية الأكبر جان دارك وقد اقتحمها بزورق الطوربيد الذي كان يقوده بعملية استشهادية غير مسبوقة، فقلب الموازين من خسارة الحرب الى الانتصار فيها….وفي حرب 1967 و1973 وفي مقاومة غزو لبنان 1982…وفي المواطنة بكافة معاييرها.

وهنا افاخر بحادثة تاريخية اسوقها كمثال في معرض نضالنا المسيحي المشهود داخل لواء الاسكندرون السليب، لمنع سلب الاتراك له. بأن كاهن كاتدرائية انطاكية الارثوذكسية في عام 1939 ابرق الى البطريرك الكسندروس بدمشق بأن الاتراك اغلقوا مساجد انطاكية يوم الجمعة امام المصلين لايهام (لجنة تقصي الحقائق وتقرير مصير السكان) المرسلة من عصبة الامم بأن تركيا دولة علمانية، فاستأذن كاهن انطاكية البطريرك بفتح ابواب الكاتدرائية وكل كنائس لواء الاسكندرون ليؤدي اخوتهم مسلمي اللواء الصلاة فيها فوافق البطريرك فورا مع الثناء، وكان هذا الفعل من اروع الملاحم الوطنية السورية في العصر الحديث.

وهنا  لابد ان يحضرنا جميعا مسلمين كنا ام مسيحيين هذا السؤال الوجودي: هل المسيحية اصيلة متجذرة بالعروبة والمشرق، او  أنها دين دخيل؟

د.جوزيف زيتون
د.جوزيف زيتون

الجواب

لم تكن المسيحية يوماً غريبة عن  العرب، ولكننا نؤكد  انه لا ينبغي للتعايش والنمو اللافت للديموغرافيا المسيحية في الحقبة العثمانية أن ينسينا أن نظام الملل، والذي يوصَف الآن بأنه “نظام متسامح” مع المسيحيين، فهو كان يعمل بقاعدة عهود “أهل الذمة” في التاريخ الإسلامي، وهو يتعارض جوهريًّا مع الدولة الديمقراطية الحديثة التي تقول دساتيرها بـ “حقوق المواطنة” و”المساواة” بين المواطنين. كما أن الحقبة العثمانية المتأخرة، والحروب التي خاضتها الدولة العثمانية مع الدول المسيحية غير المشرقية، خلّفت أسئلة وشكوكًا عن الولاء المسيحي للدولة العثمانية، لكن هذا التاريخ المتأخر هو نفسه تاريخ تفكك الأطر الإمبراطورية للسلطة العثمانية وتقوم بتقويض نخبها المركزية، فيه ظهر دعاة التنوير العربي والقومية العربية الذي اعدته النخب الوطنية والمسيحيون في مقدمها، وكان منهم مؤسسوا الاحزاب الوطنية والقومية والتقدمية زمن الاستقلال وصولا الى النضال الفلسطيني ومنظماتها وامنائها.

وفي الحقيقة، لقد جرت في المنطقة عملية طويلة ومعقدة لترحيل المسيحية من موطنها الأصلي، والنظر إليها على أنها لا تنتمي إلى البيئة العربية حصرا والمشرقية بشكل عام، وتغذية التعصب ضدها. وهي سردية اشترك في إنتاجها أبناءُ الشرق والغرب على حد سواء، ولكل سردية منها دوافع وأسباب كثيرة. لم تشكّل هذه العلاقة المعقدة نفسها الرؤيةَ الإسلامية للمسيحية فحسب، بل حتى رؤية المسيحية لذاتها أيضًا، فتكيفت المجتمعات المسيحية المحلية التي تعيش ضمن البيئة الإسلامية، وحاولت التأقلم مع التطورات المستمرة للمجتمع الإسلامي، بل قامت بدور فاعل في تنمية هذه المجتمعات.

ولعل المذابح التي ارتُكبت بحق المسيحيين قبل وخلال الحرب العالمية الأولى وقبلها، إنما ارتبطت بشكوك في ولائهم للنخب القومية العثمانية الجديدة التي تخلت عن النهج الإمبراطوري التعددي في تركيا الفتاة وحكومة الاتحاد والترقي، وتبنت النموذج الصهري لنمط الدولة – الأمّة التقليدي الطوراني، وفرضت القومنة المركزية التركية المنغلقة ليس ضد المسيحيين فحسب، بل ضد أبناء الإمبراطورية الآخرين من عرب مسلمين وغيرهم.

قادت هذه العملية إلى إضعاف المنظومة المسيحية المشرقية؛ فأصبحت ديانة الغرب مسيحية مقابل ديانة إسلامية في المشرق، في إطار صناعة ثنائية الشرق/ الغرب الاستعمارية. هذا مع أن كثيرًا من رموز الثقافة العربية من المسيحيين، والمسلمين كذلك، سعوا لإعادة بناء الرابطة العثمانية على أساس الحرية والمساواة والمواطنة من دون تمييز بسبب الدين أو اللغة أو العرق عبر المناداة باللامركزية.

تكريم د. جوزيف زيتون في ختام المؤتمر
تكريم د. جوزيف زيتون في ختام المؤتمر

 الانتشار
مع تتابع القرون، شهدت الجماعات المسيحية العربية من جهة أشكالاً متعددة من الانتشار، بحثاً عن فرص أفضل أو فراراً من ظروف سياسية واقتصادية وطائفية مضطربة.
ومن جهة أخرى، اتسعت موجات الهجرة الخارجية منذ القرن التاسع عشر إلى الأميركيتين وأوروبة وأستراليا. وقد أسفرت هذه الهجرات عن تكوين جاليات عربية مسيحية نشطة حافظت على روابطها مع أوطانها الأم، وأسهمت في إيصال صورة عن التنوع الحضاري للعرب إلى العالم وابرزت الوجه المشرق للعروبة والاسلام هناك. ولم يكن هذا الانتشار مجرد انتقال جغرافي، بل كان أيضاً انتقالاً للثقافة واللغة والهوية، ودعم الاهل والكنيسة والوطن بالمعونات التي ساهمت وخاصة في وقتنا في ابقاء المسيحيين بكرامتهم، سورية مثال حي يعاش.

الاندثار والتحديات
رغم هذه الجذور الراسخة وذلك الانتشار الواسع، يواجه المسيحيون اليوم تحديات جِّدّية تهدد وجودهم في أوطانهم المتأصلين فيها. فالحروب والنزاعات الطائفية والسياسية أدت إلى موجات هجرة قسرية، وإلى تراجع ديموغرافي ملحوظ في بلدان مثل العراق وسورية ولبنان وفلسطين. فقد كان الحضور المسيحي منذ عقدين في بلادنا واقصد سورية الكبرى والعراق حوالي 14 مليونا بينما اليوم في احسن حالاته لايصل الى اربعة ملايين وفي سورية تحديدا كانت النسبة الحقيقية 20% والمعلنة 12% اي مايقارب 4 ملايين واليوم بحدود 900 الف  فقط مقتصرا على كبار السن الرافضين للهجرة متشبثين بالجذور.بناء على عيشنا ومشاهداتنا ونحن منهم، وتقارير كنسية محلية وعالمية موثقة…
تضاف إلى ذلك ضغوط اجتماعية واقتصادية وسياسية تجعل كثيرين وخاصة الشباب يرون في الهجرة خياراً وحيداً. لافتقادهم الأمن والأمان والعيش الكريم… وهكذا تبرز إشكالية “الاندثار”، ليس بمعنى الزوال الكلي، بل بمعنى تقلّص الحضور الفعلي للمسيحيين في المشهد العربي، وهو ما يثير القلق على مستقبل التنوع الثقافي والديني في المنطقة. وهي الكارثة الأكبر للشرق بتحذير من المتنورين المسلمين كمحمد حسنين هيكل، وفريق الحوار العربي الاسلامي- المسيحي الشامل.

رئيس الجمعية يفتتح المؤتمر
رئيس الجمعية يفتتح المؤتمر

هل ثمة ازمة مواطنة؟

تمثّل الموجة الراهنة الأحدث من هجرةٍ وتهجيرٍ للمسيحيين والأقليات الدينية والإثنية الأخرى جزءًا من الصراع بين الأطراف المحلية، وربما أحد أعراضه، إذ استُضعف المسيحيون بتسمية “أقليات دينية”، أو اُستخدموا أوراقًا سياسية في صراع الطائفيات السياسية، واضطروا إلى النزوح والهجرة غير مرة.

ومثلما كان تهجير المسيحيين فعلًا مسيّسًا، كان الخطابُ عن هجرتهم، في كثير من الأحيان، مسيّسًا كذلك، سواء بادعاء حمايتهم، أو بتحديد الأرقام والوقائع في هذا المجال. وقد اشتركت الأطراف السياسية المحلية الداخلية والجهات والمنظمات الدولية في هذا التسييس. فاستعملت الأطرافُ المحلية المسيحيين في نزاعاتها، وجعلت وضعَهم جزءًا من تصورات سياسية لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية، كما في حالة الدعوة إلى منطقة حكم ذاتي، أو محافظة مسيحية، أو إقليم مسيحي،  او علوي او درزي. أما الجهات والمنظمات الدولية، فمنها ما يقدم الدعم، ومنها ما يحث المسيحيين على مغادرة المنطقة، وذلك عبر حزمة من التسهيلات والتمييزات التي يقدمها عدد من الدول الغربية لهم في حالات اللجوء والهجرة. ومثال ذلك قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في كانون الثاني/ يناير 2017، بإيقاف معاملات قبول اللاجئين السوريين، وإعلانه في الوقت نفسه أن الأولوية ستكون للمسيحيين منهم، أو ما تؤديه برامج استقبال اللاجئين من منطقة المشرق العربي (ولا سيما القادمون من سورية والعراق)، في الدول الأوروبية وكندا وأستراليا، من دور في تشجيع المسيحيين على الهجرة.

وحتى إن بدت هذه السياسة ردَّ فعل على وقائع استهداف المسيحيين، فإنها تبطن تصورات أيديولوجية/ استشراقية، لا يمكنها أن تتخيل أن المجتمعات المشرقية تعددية، وليست مقتصرة على المسلمين. ومن المؤكد أن هذه الديناميكية قد تسارعت بعد أحداث 11 ايلول 2001. ويحاجج كثير من الناشطين المسيحيين بأن هجرة مسيحيي المشرق العربي ليست مشكلة مسيحية فحسب، بل هي عربية إسلامية عامة أيضًا؛ ذلك أنهم لم يطلبوا الحماية من الغرب.

خيار الهجرة

تمثّل الهجرة الخيارَ الأخير لدى العرب المسيحيين. وحتى لا تستمر الهجرة جرحًا نازفًا، يرى جزء مهم من النخب المسيحية أن عليه مسؤولية تنبيه الأجيال اللاحقة من مسيحيي المشرق وخاصة الشباب، إلى أهمية الارتباط الوجداني والكياني بالأرض والطبيعة والمجتمع.

يجمل بعض الباحثين الخيارات السياسية للمسيحيين في ثلاثة، ما عدا الهجرة: دولة المواطنة الديمقراطية، وهي الخيار الأول والأنجع والأهم، أو نظام استبدادي يفرض الحماية (مع أنه ليس ثمة ضمان لسلوك هذه الأنظمة)، أو ترتيبات سياسية – إدارية تضمن للمسيحيين شكلًا من أشكال الحكم الذاتي.

لقد شهدت المنطقة (ولا سيما بلاد الشام) أكثر من موجة كبيرة من موجات الهجرة المسيحية إلى الخارج، منذ القرن التاسع عشر. وكان معظمها لأسباب اقتصادية – سياسية، وارتبط بعضها جزئيًا بالحروب الأهلية في بلاد الشام، وقد اتجه جزء مهم من هذه الهجرات إلى الأميركتين. وكذلك، أثّرت نكبة فلسطين عام 1948 في الوجود المسيحي في المنطقة، حتى إن بعض الباحثين يراها نكبة مسيحية وفق كل المعايير.

وتعدّ الهجرة إلى الداخل من مظاهر الهجرة المسيحية غير الملحوظة، إذ يلاحظ بعض الباحثين أنّ نسبة هجرة سكان الأرياف المسيحيين إلى المدن أعلى من نسبة هجرة المسلمين، وذلك لأنّ المسيحي المهاجر إلى المدن، ولا سيما الكبيرة منها، تتراجع عنده عقدة الأقلية التي يعانيها في القرى والبلدات الصغيرة. أما موجة الهجرة الراهنة لمسيحيي المشرق، فهي مختلفة بكل المقاييس، إذ هي على مستوى الحجم أكبر من النزوح الداخلي، ذلك أنها هجرة شاملة، تستأصل الوجود المسيحي، وتغذيها العديد من الوكالات الدولية، وقد بدأت تتشكل بين مسيحيي المشرق قناعات بأن بلدانهم قد تغيرت ولن تعود كما كانت.

د.جوزيف زيتون
د.جوزيف زيتون

العرب المسيحيون وجدلية الجذور والانتشار والاندثار

عود على بدئ، واخيراً  إن جدلية “الجذور والانتشار والاندثار” ليست مجرد سردية تاريخية، بل هي قضية راهنة تلامس المستقبل. فبقاء المسيحيين واستمرارهم في المشرق العربي ليس مطلباً طائفياً ضيقاً، بل هو ركيزة من ركائز الهوية العربية الجامعة، وقد حذر كبار المتنورين المسلمين من افراغ المنطقة العربية من مسيحييها، فهم ضمانة لبقاء التنوع الذي ميّز حضارة المشرق العربي عبر القرون، ولايتم ذلك/ فضلا عن المواطنة/ الا بالمشاركة في الدولة الديمقراطية العلمانية، حيث فيها يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والطائفة والمذهب والاصل العرقي، فطالما ان المواطنة للجميع بموجب اركان العقد الاجتماعي  فهم يشتركون بالواجبات الواحدة، كذلك في الحقوق الواحدة. وهي واجب نحوهم من الدولة والشريك في الوطن بموجب العقد الاجتماعي للدولة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم المواطنة والعيش الواحد، بوصفهما المدخل الحقيقي لصون التعددية الدينية والثقافية واحترامهما، وحماية المشرق العربي من اختزال هويته.

إن  المسيحيين، بما يمثلونه من عمق حضاري وإنساني محب ومسالم ومعطاء، يشكلون جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المنطقة التاريخية، تاريخ اديم أرضها، وواقعها الحالي، ومستقبلها، والحفاظ عليهم هو في جوهره حفاظ على الذات العربية كلها، انه نسيج بشري رائع ذاك التلون الفسيفسائي الموجود في المشرق العربي، وغني…

لايعقل بعد 2025 سنة عمر المسيحية، وانطلاقتها من هذه الارض  المباركة، وهم كوجود بشري  متجذر الا يستمروا فيها لمجرد انهم مسيحيون، ويخرجوا من الاوطان، بينماصمدوا في اشد عصور  الشعوبية وبقوا، وان يشرفوا اليوم على الاضمحلال في عصر يفترض فيه ان يكون عصر تنوير وحق للجميع.

العرب المسيحيون لم يكونوا مجرد ارقام، او “جالية”!!!، او “أقلية”، او ” الطائفة المسيحية” لأنه يعني الغاءً جذرياً لكل تاريخهم، واسهامهم في “الحضارة العربية” وفي اطلاق “فكرة القومية العربية”، ثم النضال من اجل فلسطين والقدس. كما جهر بهذه الحقيقة  بطريرك العرب الياس معوض، المدافع الاشرس عن فلسطين والقدس امام مؤتمر لاهور الاسلامي الاول1974، وخليفته بطريرك العرب اغناطيوس هزيم في مؤتمر الطائف الاسلامي الذي وعى حجم الاخطار الطائفية وصراع الاديان والحضارات التي نعيشها فنظم الندوات والمؤتمرات لمدة ربع قرن في سبيل العيش الواحد وليس المشترك، وآخرها كانت ندوة: “نحيا معا في وطن واحد”، وكما يفعل بطريرك العرب حالياً غبطة البطريرك يوحنا يازجي الذي يعيش هموم كل مواطن عربي مسيحي كان ام مسلم  في اعقاب التداعيات الدامية بمجزرة كنيسة مار الياس في منطقة الطبالة بدمشق والاغتيالات المتنفلة كما في وادي النصارى مؤخرا.

شعار جمعية الثقافة والتعليم الارثوذكسية عمان
شعار جمعية الثقافة والتعليم الارثوذكسية عمان

لقد مد يده للسلطة الجديدة  من على المنبر وبالصوت للعمل معا، مبينا الدور البناء الذي لعبته الكنيسة، وتمثله كجسر للحوار الوطني، وفي بُعدها الوطني والاقليمي والعالمي، وفي التعبير عن رؤيتها لدولة المواطنة والديمقراطية حيث تتساوى الحقوق والواجبات بين جميع مكونات الدولة، واطلاقها مبادرات اقتصادية تدعم الشباب لعدم الهجرة و الحض على الزواج وعلى الانجاب، لعلاج هذا الواقع القلق المضطرب،  الذي يجتازه كل مشرقنا بكل بلدانه ومكوننا المسيحي تحديدا من تهجير وتهميش  وفتن طائفية ودماء ودمار واقتلاع وهجرات جماعية.

ان مفاهيم الطائفة والاقلية والجالية والارقام والدين الاعلى… تناقض مفهوم التنوع الجميل في الوطن والتشارك في العقد الاجتماعي، اذ ليس في الدولة بعقدها الاجتماعي من اغلبية واقلية، فالدولة ام للجميع وليس لابن ان يكون من الاقلية والآخر ان يكون من الأكثرية، فكلاهما ابن امهما الواحدة التي تظللهما معا بأمومتها الواحدة.

افتتاح المؤتمر
افتتاح المؤتمر

ان الهجرة كأمر واقع وخاصة في وقتنا الراهن تكاد ان تضرب ماتبقى من الوجود العربي المسيحي المرتاع، الذي لم يعد يفكر مع تنامي التداعيات والتعصب المفتت للحمة الوطنية، الا بالهجرة من وطن الاباء والاجداد وترابه المتكون من رفاتهم، عندها يمسي وطنهم حقيبة سفر ويتحقق القهر مع “ضب الشناتي” والرحيل.

د. جوزيف زيتون

عمان، 24-25 تشرين الاول 2025