القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره

القديس يوحنا الذهبي الفم… حياته وآثاره

القديس يوحنا الذهبي الفم… حياته وآثاره

مقدمة

لقد عاش القديس يوحنا الذهبي الفم عيشة وعرة مضطربة، وكانت حياته حياة النساك الزاهدين، والمقاتلين والمستشهدين حباً بالرب يسوع المسيح، بيد ان المعركة التي خاض غمارها لم تكن وفق مفهوم المعارك الحربية، ولا في فيافي الصحراء، ولا حلبة الصراع، وحومة الوغى، وإنما خاضها في قلب هذا العالم، وهو على عرش رئيس الأساقفة، وفوق منبر الواعظين في الكنيسة، ولم يكن استشهاده بالسيف او بالدم، بل كان اضطهاداً متواصلاً مريراً، وأمّرَ ما فيه أن ظالميه لم يكونوا غرباء عنه، وإنما كانوا من ذويه وقومه ومن يزعمون له الأخُّوةْ الزائفة، والقربى الكاذبة، فقضى أواخر حياته مسجوناً، مقيداً، محروماً، منفياً، مضطهداً من قبل المسيحيين من أجل المسيح، ومن أجل الإنجيل الذي طوى العمر مبشراً به وحياً سماوياً ونظاماً دنيوياً.

القديس يوحنا الذهبي الفم

القديس يوحنا الذهبي الفم (347- 407م) هو  البطريرك المسكوني ورئيس اساقفة القسطنطينية العظمى، اشتهر ببلاغته الوعظية (لقب بفم الذهب) وترك إرثاً ضخماً من العظات التفسيرية، المقالات النسكية، والرسائل، بالإضافة إلى القداس الرومي الشهير. تميزت حياته بالنسك، الإصلاح الرعوي، والدفاع عن الحق، مما قاده للنفي والموت شهيداً.

القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره
القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره

السيرة الذاتية باختصار

النشأة والتعليم: وُلد في أنطاكية لأبوين مسيحيين، وتتلمذ على يد بلاغي شهير (ليبانوس) قبل أن يكرس حياته للرهبنة والنسك.

الخدمة الكهنوتية: رُسم كاهناً في أنطاكية عام 386م، حيث سطع نجمه كواعظ ومفسر للكتاب المقدس.

رئاسة الأسقفية: عُيّن بطريركاً للقسطنطينية عام 397م، وعمل على إصلاح رجال الدين وحياة الشعب، مما جلب عليه عداوة الأثرياء والبلاط.

النفي والاستشهاد: نُفي مرتين بسبب مواقفه الصارمة، خاصة ضد الملكة أوذوكسيا، وتوفي في منفاه عام 407م قائلاً: “المجد لله على كل حال”.

تعليمه

اذا شئنا أن نفهم المعنى العميق الصحيح لتعاليمه، لم يكن لنا بُدٌّ من وضعها في إطار تاريخها، فقد كان يعيش بين قوم يزعمون التدين والصلاح، ويقولون أن الكنيسة قد داخلت حياتهم وتغلغلت فيها فأكسبتهم راحة وطمأنينة، ويرى قديسنا ذلك فيتناوله بالنقد والتقييم ويُصدر على هذا الزيف أحكاماً شديدة مبنية على مبادئ الانجيل الحقة.

كان القديس يوحنا الذهبي الفم واعظًا قويًا. كان مولعًا بالوعظ، واعتبره واجبًا على الكاهن المسيحي. الكهنوت سلطة، لكنه سلطة الكلمة والإقناع. هذه هي السمة المميزة للسلطة المسيحية. الملوك يُلزمون، والرعاة يُقنعون. الأولون يُلزمون بالأوامر، والثانيون بالحثّ. الرعاة يحتكمون إلى حرية الإنسان وإرادته، ويطالبون باتخاذ القرارات. وكما كان القديس يوحنا الذهبي الفم يقول: “علينا أن نُحقق خلاص البشر بالكلام والوداعة والحثّ”. كان المعنى الكامل للحياة البشرية عند القديس يوحنا الذهبي الفم يكمن في أنها كانت، ويجب أن تكون، حياة حرية، وبالتالي حياة خدمة. في وعظه، كان يُلحّ على الحرية والقرار. كانت الحرية بالنسبة له صورة الله في الإنسان. جاء المسيح، كما كان القديس يوحنا الذهبي الفم يُذكّر، تحديدًا ليُشفي إرادة الإنسان. الله يتصرف دائمًا بطريقة لا تُدمّر حريتنا. الله نفسه يتصرف بالدعوات والحثّات، لا بالإكراه. إنه يُرشد إلى الطريق الصحيح، ويدعو ويدعو، ويُحذّر من مخاطر الشر، لكنه لا يُجبر. على الرعاة المسيحيين أن يتصرفوا وفقًا لذلك. كان خريسوستموس، بطبعه، مُتطرفًا، حادًا وصارمًا، لكنه كان دائمًا ضد الإكراه، حتى في صراعه مع الهراطقة. كان يُصرّ على أن المسيحيين ممنوعون من استخدام العنف حتى لأهداف نبيلة: “حربنا لا تُميت الأحياء، بل تُحيي الأموات، لأنها تُدار بروح الوداعة والتواضع. أنا أضطهد بالكلام لا بالأفعال. أنا أضطهد الهرطقة، لا الهراطقة. من حقي أن أُضطهد أكثر من أن أضطهد. لذلك انتصر المسيح كمصلوب، لا كصليب”. كانت قوة المسيحية بالنسبة له في التواضع والتسامح، لا في السلطة. كان على المرء أن يكون صارمًا مع نفسه، ووديعًا مع الآخرين.
ومع ذلك، لم يكن متفائلاً عاطفياً بأي حال من الأحوال. كان تشخيصه للوضع الإنساني صارماً وقاتماً. عاش في زمنٍ غُزيت فيه الكنيسة فجأةً بحشودٍ من المتحولين الاسميين. كان لديه انطباع بأنه يُبشر الأموات. راقب قلة المحبة والظلم المُتساهل، فرأى كليهما في منظورٍ يكاد يكون كارثياً: “لقد أطفأنا الحماس، ومات جسد المسيح”. كان لديه انطباع بأنه يُخاطب أناساً كانت المسيحية بالنسبة لهم مجرد أسلوبٍ تقليدي، شكلٍ فارغ، أسلوبٍ لا أكثر: “من بين الآلاف، بالكاد نجد أكثر من مئة منهم يُخلَّصون، وحتى في ذلك أشك”. كان يشعر بالحرج من العدد الكبير من المسيحيين المزعومين: “طعامٌ إضافيٌّ للنار”.

القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره
القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره

لذلك كما نلاحظ ان تعاليمه فيها الصرامة والشدة، مع انه هو الداعي الى المحبة في كل أوان ومكان. وكيف لا يشتد ويقسو عندما ينظر الى سامعيه فيراهم نُصباً مسنّدة وجثثاً هامدة يسمعون ولا يعون، وعندما يجول ببصره في العالم المسيحي، يتجلى له فيه الكذب  والخداع والضغينة والبغض والشحناء، وفي صور مخوفة فاجعة وكأنها منتزعة من سفر الرؤيا. فيقول متألماً ” لقد أطفأنا نار الحماس والمحبة.لقد قتلنا جسد المسيح فهو ميتٌ مُسجى. ان هؤلاء الناس الذين خلوا من الحب يرون الحب عبئاً ثقيلاً. وهو لو يعلمون ، خفيف لطيف.

لذلك كله لقي الألم والعنت. وحل به الاضطهاد الشديد من أجل الحقيقة،والى ذلك أشار بقوله: “لأجل هذا يبغضك الناس بغضاً.”

انطاكيته وثقافته اليونانية

هو أنطاكي المولد، بل هو أكمل مثال للأنطاكي فكراً ونفسية وديناً. ولا يُعرفْ تاريخ مولده على وجه الدقة، وإنما هو بين عامي 344 و 354مسيحية. وهو متحدر من عائلة مسيحية ذات مقام وسراوة وثراء، فهو من حيث النسب والتربية، ينتمي الى تلك الأوساط اليونانية الهلينية الرفيعة الثقافة في آسية الصغرى.

ولعل في ذلك كله تفسيراً لما كان على سيمائه من مسحة ارستقراطية نبيلة، وما في مسلكه من أناقة أصيلة، وفي ثقافته من اتساعٍ وتسامٍ. فهو رجل أدب وثقافة، وبقي كذلك طول حياته. حتى عندما تخلى عن الدنيا وكل مافيها، لم يتخلَّ لحظة عن الأدب والثقافة. فهو مثقف هلينيّ أصيل كل الأصالة. وقد تلقى دراسة واسعة متنوعة، وتتلمذ لليسانيوس الشهير. لكنه لم يَغْدُ يوماً فيلسوفاً، وإذا شئنا تحديد مكانه بين فئات المثقفين في العالم القديم وجدنا أنه مكان الخطيب المسيحي ليس إلا، وإذا قلنا( المسيحي) فنحن نعني، بالنسبة لتلك الحقبة من الزمن، المعلم والمرشد الأخلاقي. ذلك كان القديس يوحنا الذهبي الفم.

وتتجلى ثقافته اليونانية الهلينية في لغته وفي اسلوبه وإنشائه، وهو في خطابه وبيانه أشبه بأفلاطون وكزنفون، فأحيى بنصاعة  اسلوبه كل ما في بلاغة جبابرة الأدب اليوناني من قوة ووضوح وإشراق، وقد أدرك معاصروه ذلك فرأوا فيه واحداً من اليونانيين الكلاسيكيين الأصليين.

وقد ذهب بعضهم الى أن الطابع الهليني لم يتعَّدَ في أدبه اللفظ الظاهر والمبنى الخارجي. وفي هذا الرأي تجنّ كثير عليه، لأن هذا الطابع قد جاوز الألفاظ والصيغ الى أساليب القول وفنون البلاغة.

ومع ذلك فلا مجال للشك في أنه لم يُعانِ مطلقاً ما في أعماق الفكر اليوناني من مشاكل وفلسفات، ولم يحاول قط أن يلائم في نفسه بين الفكر اليوناني والفكر المسيحي، على أن هذا لم يكن مقصوراً عليه دون سواه، بل كان ذلك هو الفارق المميّز للمثقفين من أهل أنطاكية، بل للثقافة كلها في آسيا الصغرى وهي ثقافة لغوية أكثر منها ثقافة فلسفية.

القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره
القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره

هلينيته والاخلاق

ومهما يكن من أمر فقد ظل طوال حياته هيلينياً، ونلاحظ هذه الهلينية في مبدئه الأخلاقي، إذ أن الأخلاقية تشكل الحقيقة الأصيلة الوحيدة في المجتمع القديم، ولما جاءت المسيحية تقبلت الأخلاقية الرواقية لكن بعدما حوَّرتها وسمت بهذه الحقيقة الطبيعية البسيطة حتى بلغت بها تلك القمم الرفيعة التي تسود فيها النعمة الإلهية. وفي يوحنا الذهبي الفم آثار واضحة من هذه الرواقية المتسامية، فكان يعلم دائماً الحكمة الأخلاقية والنبل الأخلاقي وكان فكره يدور دائماً في قلك القيم الأخلاقية، بيد أنه لا يرضى بغير القيم التي تكلمت بالمثل العليا الانجيلية. ثم أن هذه الأخلاقية لا تتنافى مطلقاً مع الصوفية، فكان قديسنا صوفياً رغم ما زعم بعضهم، لكنه صوفيّ أخلاقي، صوفيّ خير وصلاح وفضيلة.

اما النواحي الجمالية فكانت أقل وضوحاً في نفسية الذهبي الفم، الذي كان يعتبر الجمال فئة من فئات الخير أكثر منها بديعية، وهو لا يرى الجمال الا في الخير، ولذلك كان يعتبر الانجيل كتاباً عن جمال الخير متجلياً في المسيح.

كان القديس يوحنا الذهبي الفم واعظًا أخلاقيًا في المقام الأول، لكن أخلاقياته كانت متجذرة في الإيمان. اعتاد تفسير الكتاب المقدس لرعيته، وكان كاتبه المفضل هو الرسول القديس بولس. في رسائله، كان المرء يرى هذه الصلة العضوية بين الإيمان والحياة. كان لدى القديس يوحنا الذهبي الفم موضوعه العقائدي المفضل، الذي كان يعود إليه باستمرار – أولًا، موضوع الكنيسة، المرتبط ارتباطًا وثيقًا بعقيدة الفداء، كونه ذبيحة المسيح رئيس الكهنة؛ فالكنيسة هي الكائن الجديد، الحياة في المسيح، وحياة المسيح في البشر. ثانيًا، موضوع القربان المقدس، سرٌّ وذبيحة. من الإنصاف أن نسمي القديس يوحنا الذهبي الفم، كما كان يُلقب في الواقع، “معلم القربان المقدس”، دكتور إفخارستيكوس. كان كلا الموضوعين مرتبطين ببعضهما البعض. ففي القربان المقدس، ومن خلاله، تحيا الكنيسة.

توقه للتنسك

وهذا الطابع الاخلاقي الذي اتسم بهمنذ صباه المبكر، إنما كان نتيجة لتأثير أمه، واساتذته بالروح كملاتيوس الأنطاكي وكارتيراس الناسك. ولذلك لم يرتض لنفسه الحياة الاجتماعية فأخذ يمارس التنسك والتقشف وهو لم يزل في بيت أبويه. فلما توفيت أمه عام 354 مسيحية استطاع أن يعتكف في أحد الأديرة القريبة من أنطاكية فقضى فيها اربع سنوات،اتبعها بسنتين أخريين امضاهما في الصحراء.

وعاد بعد ذلك الى المجتمع ليناضل فيه. فالتنسك كان عنده وضعية روحية أكثر من مسلك خارجي معين. بل كان يعتبره استقلالاً عن العالم الخارجي وظروف الحياة.واذا كان قد عاد الى العالم فقد عاد اليه ليبشر فيه بالتنسك، ولكنه تنسك بمفهوم خاص، فلم يدعُ مطلقاً الى هجر العالم وترك المدينة بل كان يقول: لطالما صليت من أجل أن تزول من الدنيا الحاجة الى الأديرة، من أجل أن تصبح المدن حالة من الصلاح بحيث لن يكون فيها من يفكر بالهرب منها الى الصحاري والأديرة”.

القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره
القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره

الرجاء الذي يعتنقه

كان الرخاء بالنسبة له خطرًا، أسوأ أنواع الاضطهاد، أسوأ من الاضطهاد العلني. لا أحد يرى المخاطر. الرخاء يُولّد الإهمال. ينام الناس، والشيطان يُميت النائم. انزعج بشكل خاص من التخفيض العلني والمتعمد للمعايير والمتطلبات، حتى بين رجال الدين. كان الملح يفقد نكهته. لم يرد على هذا بكلمة توبيخ وتأنيب فحسب، بل بأعمال البر والمحبة. كان مهتمًا بشدة بتجديد المجتمع، وبشفاء الآفات الاجتماعية. كان يُبشر ويمارس البر، ويؤسس المستشفيات ودور الأيتام، ويساعد الفقراء والمحتاجين. أراد استعادة روح المحبة. أراد المزيد من النشاط والالتزام بين المسيحيين. كانت المسيحية بالنسبة له هي “الطريق” بالضبط، كما وُصفت أحيانًا في العصور الرسولية، وكان المسيح نفسه هو “الطريق”. كان دائمًا ضد كل التنازلات، ضد سياسة الاسترضاء والتسوية. كان نبيًا للمسيحية الكاملة.

وهكذا أخذ يعمل ليحسن حياة المدن ويبني مجتمعاتها على مبادئ الانجيل وأسمى أنواع الفلسفة. ولهذا أصبح كاهناً وواعظاً.

حياته الاكليريكية

رُسم شماساً في عام 381 مسيحية على يد ملاتيوس الأنطاكي، ثم كاهناً على يد خلفه فلافيانوس سنة 386 مسيحية، وقد تحدث عن دعوته الكهنوتية في كتبه الشهيرة ” في الكهنوت”، وآراؤه  فيها مبنية في الغالب على أساس مستمد من القديس غريغوريوس اللاهوتي، وتدور كلها حول موضوعين رئيسين

– الأول هو وظيفة الكاهن وعظمتها من حيث استكمال لتحقيق  الأسرار المقدسة. فيقول في ذلك:” صحيح ان الكاهن يقوم بخدمة القداس على ارضنا هذه. لكن خدمته تحتل مكاناً خاصاً بين القواتالسماوية،وهل يمكن ان نظل على الأرض عندما نرى السيد المسيح، في كل قداس،يُسَّلم من جديد لأعدائه،ويُضحى امامنا حتى تكاد دماؤه المقدسة تصبغنا بحمرتها. إن المذبح الذي يقدس عليه الكاهن هو في وسط السماوات وليس من السلطان السماوي ما ليس للملائكة انفسهم، أليس ان المسيح هو الذي أسس الكهنوت؟

– الثاني هو وظيفة الكاهن من حيث هو معلم ومرشد للنفوس، وهو يجعله أعلى مرتبة من الراهب، ففي عمل كاهن الرعية من المحبة ما  لا نجده في وحدة الأديرة. فهو لذلك جدير بأن يتعود قسوة الحياة وشظف العيش.

وفي هذا المعنى يقول الذهبي الفم: إن ما افسد الدنيا بكاملها هو ذلك الاعتقاد الخاطئ بأن الرهبان دون سواهم بحاجة الى الحياة القاسية الصعبة، وأن الكهنة يستطيعون أن يعيشوا عيشة راحة وهناءة ودعة.

وهو نفسه كان قبل كل شيء مرشداً وواعظاً، ككاهن وأب لرعيته، ومن الصعب ان نحصي المواضيع التي طرقها في مواعظه، وإنما نكتفي  بذكر عدد من مواعظه عن التماثيل، وسلسلة من مواعظ التفسير التي تناولت أناجيل متى ويوحنا والرسائل الى تيطس وأهل أفسس وكورنثوس وغلاطيه، والرومانيين وبعض الخطب ضد اليهود وضد الهراطقة الأونوميين.

أسقفيته

في عام 398 مسيحية دُ عي الى سدة القسطنطينية، ليكون فيها راعياً ومعلماً، طبقاً لما طلبه رجال البلاط والكنيسة وجماعة المؤمنين فذهب الى القسطنطينية واستمر في إلقاء العظات.

وقد روي عنه أنه كان يعظ جالساً على مقعد قارئ الكنيسة، متوسطاً جماعة المصلين المتراصين حوله، فكانت عظاته أقرب الى الأحاديث العادية منها الى الخطب والمواعظ. وقد ألقى في هذه الفترة مواعظ عن أعمال الرسل والمزامير ورسائل بولس. وأكثر ما كان يشغل باله هو وجوبتهذيب المجتمع والكنيسة تهذيباً خلقياً مجدداً.فقد كان يُخيّل اليه أن هؤلاء المستمعين اليه ليسوا مسيحيين بل رجال يتخذون المسيحية رداءً على الزي الشائع المرغوب. وهو يقول عنهم: ليس بين هذه الآلاف المؤلفة سوى مائة يمكن أن نخلص نفوسَهم، بل أشك في وجود مائة كاملة…

وكان يقلقه حتى ازدياد عدد المسيحيين، فكلما ازدادوا ازداد الهشيم اليابس المعد للنار.

القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره
القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره

كان القديس يوحنا الذهبي الفم شاهدًا على الإيمان الحي، ولذلك كان صوته مسموعًا بشغف، في الشرق والغرب على حد سواء؛ لكن الإيمان بالنسبة له كان قاعدة حياة، وليس مجرد نظرية. يجب تطبيق العقائد. كان القديس يوحنا الذهبي الفم يبشر بإنجيل الخلاص، ببشارة الحياة الجديدة. لم يكن واعظًا بالأخلاق المستقلة. بل بشر بالمسيح، وبه مصلوبًا وقائمًا، الحمل ورئيس الكهنة. كانت الحياة الصحيحة بالنسبة له هي المعيار الوحيد الفعال للمعتقدات الصحيحة. يكتمل الإيمان بالأعمال، أعمال المحبة والصدقة. فبدون المحبة، يستحيل الإيمان والتأمل ورؤية أسرار الله. كان القديس يوحنا الذهبي الفم يراقب الصراع المستميت من أجل الحقيقة في مجتمع عصره. كان دائمًا مهتمًا بالنفوس الحية؛ كان يخاطب البشر، الأحياء. كان دائمًا يخاطب قطيعًا يشعر بالمسؤولية تجاهه. كان دائمًا يناقش حالات ومواقف ملموسة.
لم يؤمن القديس يوحنا الذهبي الفم بالمخططات المجردة، بل كان لديه إيمانٌ مُتقدٌّ بالقوة الخلاقة للمحبة المسيحية. ولذلك أصبح مُعلّمًا ونبيًا لجميع العصور في الكنيسة. في شبابه، أمضى بضع سنوات في البرية، لكنه لم يُبقِ فيها. كانت العزلة الرهبانية بالنسبة له مجرد فترة تدريب. عاد إلى العالم ليُعلن قوة الإنجيل. كان مُبشّرًا بدعوته، كانت لديه حماسة رسولية وتبشيرية. أراد أن يُشارك إلهامه مع إخوته. أراد أن يعمل من أجل إقامة ملكوت الله. صلى من أجل هذه الأمور في الحياة العامة حتى لا يضطر أحد إلى التقاعد في البرية بحثًا عن الكمال، لأن الفرصة ستكون مُماثلة في المدن. أراد إصلاح المدينة نفسها، ولهذا الغرض اختار لنفسه طريق الكهنوت والرسالة.
هل كان هذا حلمًا طوباويًا؟ هل كان من الممكن إعادة تشكيل العالم، والتغلب على دنيويته؟ هل نجح في رسالته؟ كانت حياته عاصفةً وشاقة، حياة صبرٍ واستشهاد. اضطُهد ونُبذ ليس من قِبل الوثنيين، بل من قِبل الإخوة الكذبة، ومات سجينًا بلا مأوى في المنفى. كل ما أُعطي له ليتحمله، قبله بروح الفرح، كما لو كان من يد المسيح، الذي رُفض وأُعدم هو الآخر. اعترفت الكنيسة بامتنان بهذه الشهادة، وأشادت رسميًا به كأحد “المعلمين المسكونيين” لجميع الأجيال القادمة.
هناك نكهة حداثية غير مألوفة في كتاباته. كان عالمه كعالمنا، عالمًا من التوترات، عالمًا من المشاكل العالقة في جميع مناحي الحياة. قد تروق نصيحته لعصرنا بقدر ما أهدت لعصره. لكن نصيحته الرئيسية هي دعوة إلى المسيحية المتكاملة، حيث يرتبط الإيمان والمحبة، والعقيدة والممارسة، ارتباطًا عضويًا باستسلام الإنسان غير المشروط لمحبة الله الغامرة، وثقة غير مشروطة برحمته، والتزام غير مشروط بخدمته، من خلال يسوع المسيح، ربنا.

وأما الازدهار المادي السائد في ذلك الزمان، فكان يتكلم عنه بشدة وحدة. ليس هنالك ما هو أشد إيذاءً للبر من الرخاء والأمن، إذ يغفل الناس عن الخطر فلا يدرك همنهم أحد، لأن الرفاه يولد الأمن، والأمن يولد عدم المبالاة وضعف النفوي. فتهجع الأفئدة وتنام، إن الشيطان للنائمين بالمرصاد فهو يفتك بهم فتكاً ذريعاً. فليس كل هؤلاء الناس غير هشيم يابس لا يصلخ لشيء إلا وقوداً للنيران.

ومما يشجي قديسنا كثيراً هو مايراه حوله من الانحطاط الخلقي، وما هذا الانحطاط رذيلة وفساداً فحسب، بل هو أخطر منهما واشد: هو تخلي الناس كلهم من رعية ورعاة، عن مطالب النفوس الكبيرةوعن المثل العليا. ولم يكن يقنع بالخطب والمواعظ أسلحة في نضاله بل كان يكافح بالأمل والاحسان، وكان يقول: لو كنا مسيحيين حقيقيين لما بقي في الدنيا كلها وثني واحد. فأخذ يوالي العمل المثمر البنّاء، ويطلب من كل فرد ان يشترك في ذلك بعمله وجهده، وطفق يُنشئ المستشفيات، ويشيد الملاجئ، ويجذب اليه جميع القوى العاملة في البر والخير. فأثار كل ذلك معارضة البعض واستياء البعض الآخر في القسطنطينية وغيرها من الابرشيات.

القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره
القديس يوحنا الذهبي الفم حياته وآثاره

وفي مراتٍ كثيرة انفجرت الأحقاد على قديسنا يوحنا، وكان خلافه مع الأمبراطورة اوذوكسيا Eudoxia حجة أخيرة لانفجار النقمة.فأعداؤه كثيرون ومنتشرون في كل مكان، وخاصة بين رجال الكهنوت والرهبان المتجولين ورجال البلاطالامبراطوري وطبقات الموسرين.

ولسنا نتصدى هنا لتلك الرواية المحزنة وهي رواية عزله بداية باتهامه من قبل المجمع المخزي الذي عرف باسم مجمع السنديانة. فقد كان بين الأساقفة خونة كثيرون على رأسهم ثيوفيلوس الاسكندري ومن زعمائهم اكاميوس وسيفريان وانطيوخوس، فقد جرحتهم عظات قديسنا البار فنقموا عليه وكافحوه اشد الكفاح. ووجهوا اليه تهماً كثيرة، منها تهمة انحرافهالى إحدى الهرطقات. فصدر عليه الحكم بالعزل. وصدق الأمبراطور هذا الحكم، وأُبعدَ عن كرسيه، بيد أن نفيه لم يكن طويل الأمد فلم يلبث أن عاد واستقبله الشعب بفرحٍ عظيم، إلا ان أعداءه لم يستكينوا ولم يستسلموا فأخذوا عليهأنه عاد قبل ان يُلغى الحكم الصادر عليه بالنفي،وذلك جرم تعاقبه القاعدة الرابعة من قواعد مجمع أنطاكية بالحرمان من جميع الحقوق، حتى ولو كان الحكم جائراً لا مبرر له. الا ان أعداءه لم يستكينوا ولم يستسلموا فأخذوا عليه انه عاد قبل أن يُلغى الحكم الصادر عليه، وذلك جرم تعاقبه القاعدة الرابعة من قواعد مجمع أنطاكية بالحرمان من جميع الحقوق، وحتى ولو كان الحكم جائراً لا مبررله. إلا أن يوحنا لم يكن يعترف بشرعية المجمع الذي حاكمه ولا بالقاعدة الرابعة المذكورة آنفاً، بل يطالب بعقد مجمع خاص ليبرر نفسه أمامه، لكنه لم يفلح. وحكم عليه الأساقفة مجدداً فلم يأبه لحكمهم وظل يمارس عمله. ثم تفاقمت الاضطرابات والنزاعات، فنفي في حزيران عام 404 مسيحية وارسل الى ارمينيا وغيرها، لكنه لم يتحمل عناء السفر ومشاق الطرق فتوفي في الرابع عشر من ايلول عام 407 مسيحية.

وبعد وفاته بمدة وجيزة تبين تماماً ان الحكم الصادر عليه كان جائراً فأعاد أسقف القسطنطينية اسمه الى قائمة أساقفة الكرسي، مستجيباً لرغبة الشعب. لكن اسقف الاسكندرية احتج على هذا التدبير قائلاً:” اذا كان يوحنا من الأساقفة فلماذا لايكون ابليس من الرسل؟ واذا كان يهوذا يُحسب من التلاميذ فأين إذن مكان متى؟”. الا ان هذا الأسقف رجع عن معارضته عام 419 مسيحية. وفي سنة 483 مسيحية نقلت رفاته الى القسطنطينية ودُفنَ في كاتدرائية الرسل القديسين. وهكذا جاء إجماع الكنيسة مبطلاً حكم مجمع السنديانة الجائر.

وقد خلّف القديس يوحنا آثاراً ضخمة تصعب الإحاطة بها. وبلغت شهرته على تتابع العصور مبلغاً عظيماً حتى انهم نسبوا اليه أقوالاً وأحاديث لم يتفوه بها، او يكتبها. على انه من الممكن نخلُ الكاذب والصحيح مما نُسِبَ اليه، فبعضه لا شك في نسبته اليه. وبعضها تُرجّحُ نسبته ترجيحاً. أكثره عبارة عن أحاديث وعظات وخطب أهمها وأجلها شأناً في موضوع التفسير الى جانب مواضيع متعددة منها مواعظ أعياد القديسين. تلكم هي آثاره الخطابية.

والى جانبها سلسلة من المقالات المعدة للقراءة نذكر منها كتاباته عن الكهنوت والتنسك، وهي من مؤلفات صباه، كما نذكر مائتين وأربعين رسالة كتبها في منفاه الثاني وهي عظيمة الأهمية لدراسة شخصية هذا القديس.

بقي ان نذكر شيئاً عن مؤلفه( الطقوس الدينية) الذي نُسِبَ اليه، ذلك أن في هذا الأمر شيئاً من التعقيد لأن كُتَّاب القرن السادس المسيحي لم يذكروا له شيئاً من هذا القبيل، في حين أن الشائع بين رواة القرن السابع يؤكد نسبة الكتاب اليه. وعلى كل حال فإذا كان متعذراً أن نعرف القسم الذي نجزم بصحة نسبته، فهنالك أمر لا يرتقي الشك اليه وهو أنه، منذ صباه، كان دائم الانشغال بقضية ترتيب الطقوس وبخاصة تلك المتعلقة بسر الافخارستيا.

وكان لقديسنا الذهبي الفم تأثير عظيم جداً وسرعان ما أصبح الحَبْر والعلامة العالمي، إن لم يكن رسمياً فواقعياً على الأقل، ومنذ القرن السادس اطلقوا عليه لقب ” فم الذهب” وشاع هذا اللقب عليه وحده في جميع أنحاء العالم واضحى يوحنا حجة في التفسير ومثالاً يُنسجُ على منواله، ولم يكن كبار المفسرين والشارحين من الروم القسطنطينيين وخاصة تيوفيل البلغاري، إلا خلفاء له متتبعين لمثاله.

اما الاب جورج فلوروفسكي وهو المفكر واللاهوتي والمؤرخ الروسي الشهير (1893-1979) الذي تناول القديس يوحنا فم الذهب بعنايته وكتاباته ومنه استقينا، فيؤكد أن يوحنا الذهبي الفم لم يكن لاهوتياً أكاديمياً فحسب، بل كان واعظاً يطبق الإيمان كحياة، وفي الحق أنه قبل كل شيء كان منادياً بالايمان مبشراً بالانجيل، ومع ذلك، ظل يبدو لمعاصريه رجلاً عملياً يعيش في واقعهم وحاضرهم، مهتماً بحاجات يومه ويومهم وهو ما يظهر في

العظات التفسيرية آلاف العظات التفسيرية لرسائل بولس الرسول، متى، يوحنا، وسفر التكوين.

القداس الالهي: “قداس القديس يوحنا الذهبي الفم” المستخدم حالياً في الكنائس الأرثوذكسية.

المقالات النسكية والرعوية: كتاب “الكهنوت”، ومقالات حول العناية الإلهية، الألم، وتربية الأطفال.

الرسائل: مجموعة من الرسائل التي كتبها أثناء نفيه، خاصة للشماسة أولمبياس.

وخاتمة القول في القديس يوحنا الذهبي الفم ان أدب يوحنا الذهبي الفم يُعّدُ بحق أعظم وألمع صفحة في تاريخ الأدب المسيحي وتقليد آباء الكنيسة، كانت رسالته الاكليريكية النقية التي عاشها ومارسها تركز على تطبيق الإنجيل المقدس في الحياة اليومية، ومحاربة الأخلاق الفاسدة، وتعزيز الحياة النسكية والخدمة الرعوية.