الشعار الرومي

اللغة المحكيّة

اللغة المحكيّة

اللغة المحكيّة ليست بالضرورة هي المعيار الوحيد الذي يُحدِّد هويتك وقوميتك ويعكس من أي شعبٍ أنت وإلى أيّة حضارة وثقافة تنتمي.
يهود العراق واليمن وسورية يتكلمون العربية بطلاقة، لأنها لغة المحيط الذي يعيشون فيه منذ قرون، ولكن تحدّثهم بالعربية لا يغيّر شيء من حقيقة هويتهم التاريخية، فهم ليسوا عرباً أبداً بل “يهود” بينما في كُنُسِهِم (جمع كنيس) يحافظون على صلواتهم باللغة العبريّة، لغتهم التاريخية، ولغتهم الطقسية، لغة آبائهم وأجدادهم التي تعكس انتماءهم القوميّ والثقافي.
سكان المكسيك يتكلمون الإسبانية، ولكنها ليست لغتهم الأمّ بل لغة “ناواتل” (Nahuatle)، أما الإسبانية فهي اللغة التي فرضها عليهم الإحتلال الإسباني لبلادهم الذي دام أكثر من ثلاثة قرون (1821- 1519) وتحدّثهم بالإسبانية لم يُحوّلهم إلى “إسبان” ولم يُفقِدهم هويتهم التاريخية ولم يُغيّر من جذورهم الحضاريّة.
والبريطانيون إحتلوا الهند نحو مائتي سنة، وما زلنا نلحظ الحضور القوي للغة الإنجليزية على الأرض بين السكان، كلغة ثانية في البلاد، رغم أنهم ليسوا إنجليز بل هنود، ولغتهم الأصليّة هي الهندية.
واستعمرت فرنسا لبنان ثلاثة وعشرون سنة، ورغم أن المدة الزمنية قصيرة نسبياً، إلا أننا ما زلنا نلحظ تأثير اللغة الفرنسية على ثقافة الشعب اللبناني.
والأمر نفسه ينطبق على تونس والمغرب والجزائر..
فما بالك إذاً إن كنا نتحدّث عن إحتلال لمشرقنا عمره أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن؟؟؟
الروم في المشرق (سورية، لبنان، فلسطين، الأردن) يتكلّمون العربية منذ نحو ألف وأربعمائة عام لأنها اللغة التي فرضت نفسها على الأرض تدريجياً بعد الغزو العربي الإسلامي للمشرق، في القرن السابع الميلادي. ومع تعاقب القرون الطويلة، فقدت غالبيتهم العظمى التكلّم باللغة اليونانية، لسانهم الأمّ، ولغتهم التاريخية، وللسبب ذاته تعرَّبت كل كُتبنا وصلواتنا الطقسيّة من الأصل اليوناني إلى العربية، لأن الشعب بغالبيته لم يَعُد يفهمهما، ولكن الروم، إلى حدٍّ ما، نجحوا في مناطق كثيرة، في الحفاظ داخل كنائسهم، على حدٍّ أدنى من لغتهم الأصليّة، لغة آبائهم وأجدادهم، يُصلّون ويرتّلون بها، فتبقى شاهدةً صارخة على حقيقة أصلهم وهويتهم التاريخية، وانتمائهم الحضاري والثقافي، في وجه كل من يحاول تذويبهم في بودقة العروبة.
نحن “روم” ولسنا “عَرَباً” !
بقلم: الأب رومانوس الكريتي
نسور الروم

 

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *