المؤرخ اللبناني فيليب حتي
مقدمة
مؤرخ إحتل مكانة عالية في مملكة المؤرخين العالميين، له من الأبحاث التاريخية إنتاج وإن كان قليلاً نسبياً، فهو عميق، يدل على سعة الثقافة التي كان يختزنها في عقله، حيث تبين له، أن التأليف التاريخي لا يمكن أن يبلغ مستوى لائقاً إلا إذا قام على أساس متين من الوثائق والمصادر الجدية الموثوقة، وإن لم يتوافر له ذلك، فلا يمكن أن يكون إنجازاً علمياً، بل مجهوداً أدبياً تتوقف قيمته على مواهب صاحبه. وهذا المؤرخ الموسوعي هو الدكتور فيليب حتي.
السيرة الذاتية

تاريخ العرب
في مقدمة الطبعة الأولى بالعربية لكتابه تاريخ العرب يقول: «لقد وُضع كتاب تاريخ العرب في الأصل باللغة الإنكليزية، وطُبع أول مرة في مطبعة مكملان في لندن العام 1937. ثم توالت طبعاته منذ ذلك العهد حتى بلغت أربعاً، آخرها سنة 1949، ونقل في خلال هذه السنوات إلى اللغات الألمانية والفرنسية والأوردية والتركية». أما بشأن الترجمة العربية لهذا الكتاب، فهي ذات ميزة خاصة، «سيظهر فيها للمرة الأولى قسم جديد، ترجمة الدكتور جبرائيل جبور، وهو القسم الذي يبحث تاريخ العرب منذ أول العهد العثماني حتى زمننا الحاضر». ويضيف الدكتور حتي موضحاً، لعل القارئ يلذ له أن يعرف أن للكتاب موجزاً صدر العام 1943 عن مطبعة جامعة برنستون. والجدير ذكره أن المؤلف ومساعديه جبرائيل جبور وإدوارد جرجي، بذلوا أقصى ما استطاعوا من جهد بحيث لم تكد تخلو صفحة من الكتاب كله من أثر التغيير فيها حذفاً أو زيادة أو تصحيحاً، سواء أكان ذلك في المتن أو في الهوامش أو في الخرائط أو الشواهد وغيرها. تناول تاريخ العرب على التوالي: عصر ما قبل الإسلام، وظهور الإسلام ودولة الخلافة، ومن ثم الدولتين الأموية والعباسية، وأخيراً العرب في أوروبا.
يلاحظ الدكتور فيليب حتي، أن المشهد العربي أخذ يتغير بتأثير الغرب، إذ نفذت الثقافة الأوروبية، ثم العالمية، إلى صميم الحياة العربية عبر المدارس والجامعات والكتب والصحف والإعلام والمعلوماتية أخيراً. وخلف النفوذ الغربي، كان يتقدم النفوذان الإقتصادي والسياسي، على إيقاع النفوذ الثقافي – الإعلامي العربي الخافت. فكان القرن العشرون عصر التحرر العربي، بتحرير الأرض وإقامة دولة فوقها، وأبرز ما في ثقافة عرب القرن العشرين: القومية. «لقد قامت القومية العربية على قاعدة واسعة، هي أن جميع الشعوب التي تتكلم العربية أمة واحدة».
تاريخ لبنان
عن كتابة تاريخ لبنان، يتذكر الدكتور حتي أن جميع الأخبار ووصف الأحداث التي حدثت عبر العصور التاريخية في البقعة التي نعرفها الآن بالجمهورية اللبنانية، وذكر المآثر المجيدة والخدمات الجلى التي قدمتها الشعوب المتتالية التي توطنت لبنان إلى الحضارة الإنسانية، نقول والحديث للدكتور حتي: «إن جميع هذه الأخبار الخطيرة، وتدوين هذه الأحداث ذات المغزى التاريخي في قصة واحدة متسلسلة محاولة جريئة يقوم بها المؤرخ». ويشير إلى أن المادة التاريخية في هذا المؤلف مستقاة من المصادر الأولية، ومعززة بآخر ما توصل إليه البحث التاريخي الحديث، غير أن عرض هذه الحقائق يهدف إلى وضعها في متناول طلاب التاريخ…
الدكتور فيليب حتي ثروة أدبية وفكرية وتاريخية أنتجها لبنان، لتكون ذخراً خالداً في المكتبة الثقافية العربية.
شملان كرّمت ابنها
في 4 تموز الجاري كرّم مجلس بلدية شملان (عاليه) المؤرخ فيليب حتي في احتفال أقيم أمام حديقة حملت اسمه ووضع فيها تمثال له.
حضر الاحتفال الدكتور فوزي عطوي ممثلاً وزير الثقافة طارق متري وعدد من النواب والشخصيات. وتوالى على الكلام في المناسبة كل من: مختار شملان غسان حتي، الأب الدكتور الياس عبدالمسيح (الرهبانية الانطونية) الدكتور سمير صيقلي (الجامعة الاميركية)، بيلي حتي، الدكتور فوزي عطوي، ورئيس بلدية شملان روبير الطبيب. ركزت الكلمات على عطاءات فيليب حتي «رائد البحث التاريخي العلمي والمنهجي الحديث في لبنان». وتناولت صفاته الشخصية وتواضعه وتعلقه ببلدته ووطنه.

يظل (فيليب حتّى) واحدًا من أهم المؤرخين الموسوعيين العرب الذين خدموا التاريخ العربى والحضارة العربية والإسلامية فى الغرب بكلمته وقلمه، فكان بحق خير سفير للعالم العربى فى بلد طغت عليه الدعايات المغرضة المسمومة التى تقلل من شأن الحضارة الإسلامية وعطائها فى مسيرة الحياة الإنسانية.
وهو من أشد المدافعين عن الحق العربى فى فلسطين، الذى تجلى فى المناظرة الشهيرة بينه وبين آينشتاين عام ١٩٤٤، حيث وقف الرجل مدافعًا بموضوعيته ومنهجيته عن تاريخنا وحضارتنا ومعتقداتنا الدينية. كان حتّى وافر العطاء غزير الإنتاج، حيث ألّف العديد من الكتب عن تاريخ العرب وحضارتهم ومعتقداتهم، حتى إن المتخصصين فى الجامعات الأمريكية اعتبروه الأول، بل والوحيد الذى استطاع بمهارة أن يقدم العرب وحضارتهم للعالم الغربى. واستحق بجدارة ما أطلقه عليه المؤرخون والنقاد فى الغرب لقب «مهندس الدراسات العربية فى الولايات المتحدة الأمريكية»، حيث لعب دورًا رئيسيًا فى تأسيس الدراسات العربية كمجال للدراسة الأكاديمية المنهجية فى الولايات المتحدة. وكان من الخبراء فى ثقافات وتاريخ ومعتقدات ولغات الشرق الأدنى، وبذل الكثير من الجهد لخلق تقدير وفهم بين الأمريكيين للثقافات العربية والإسلامية.

نكتب عن الدكتور فيليب حتّى الذى رحل عن عالمنا فى مدينة برنستون فى ٢٤ ديسمبر ١٩٧٨، تاركًا لنا عددًا ضخماً من المؤلفات العربية والإنجليزية، ولكن يبقى من بين مؤلفاته وأوسعها انتشارًا، كتابه الكلاسيكى «تاريخ العرب» الذى صدر فى ١٩٣٧، وتُرجم إلى أكثر من ٢٥ لغة، وهو الأكثر ارتباطًا باسمه، والذى يعتبره النقاد من أفضل كتبه، إذ صار مرجعًا أساسيًا فى دراسة ثقافة العرب، وأعيدت طباعته أكثر من مرة، وما يزال حتّى يومنا هذا المرجع الأول فى التاريخ العربى فى الولايات المتحدة. كما تشمل أعماله: «أسامة بن منجد: رجل عربى سورى ومحارب الحروب الصليبية»، «تاريخ سوريا»، «لبنان فى التاريخ»، و«صناع التاريخ العربي». واللافت أن الرجل ختم مسيرته التأريخية الغزيرة بكتاب عن الإسلام بوصفه: «منهج حياة» وعن «الإسلام فى نظر الغرب» (١٩٥٣). ورغم الانتقادات التى وجهت إلى أعماله، إلا أن كتاباته تتسم بإنصاف ملحوظ، وميل إلى الموضوعية. فإن أبحاثه وآرائه وتفانيه جديرة بالثناء.
الاوسمة والتقدير
وتقديرًا للخدمات التى قام بها حتّى فى التاريخ العربى والحضارة الإسلامية، فقد منحته عدة دول عربية بعض الأوسمة والميداليات الرفيعة. ففى عام ١٩٥٣ حصل على وسام الشرف من الجمهورية اللبنانية، وفى عام ١٩٥٤ حصل على وسام الاستحقاق السورى من الدرجة الأولى، وفى أبريل ١٩٥٦ منحته الحكومة اللبنانية أعلى وسام مدنى لديها – وسام الأرز من رتبة قائد. وفى ١٩٧٨ منحته الحكومة المصرية وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. ومؤخرًا فى أغسطس الماضى قامت الجامعة الأمريكية فى بيروت بإنشاء كرسى فيليب حتّى للدراسات الشرق أوسطية تكريمًا لشخصية بارزة فى الدراسات العربية والشرق أوسطية.
أما عن قصة صدور الكتاب «تاريخ العرب» الذى كان له دور كبير فى زيادة وعى أمريكا بالشرق الأدنى، ففى عام ١٩٢٧ كتب له دانييل ماكميلان، شقيق هارولد الذى كان رئيسًا للوزراء وأصبح رئيسًا لدار ماكميلان للنشر، رسالة يطلب منه فيها أن يقوم بإعداد كتاب عن تاريخ العرب. قال له حتّى: «بالتأكيد. سأسلمه لك بعد ثلاث سنوات». استغرق إعداد الكتاب عشر سنوات. كان دانييل صبورًا معه. وظهر الكتاب فى عام ١٩٣٧. يبحث الكتاب فى تاريخ العرب منذ أقدم العصور حتى القرن العشرين، ويتناول إلى جانب ذلك تطور الحضارة العربية والإسلامية فى مدها وجزرها، ويعرض لمختلف الفرق الإسلامية، وفى نهايته دراسة خاصة عن الشيخ محمد عبده دون غيره من رواد النهضة العربية.
وعن فضل الحضارة العربية على الحضارة الغربية، يؤكد حتّى أن الفترة من ٧٥٠ إلى ٨٥٠ ميلاديًا هى سنوات ذات أهمية خاصة فى تاريخ مساهمات العرب فى الثقافة الغربية. أوضح حتّى أنه كان العرب منهمكين فى الترجمة خلال تلك السنوات. وبحلول نهاية تلك الفترة، كان العالم العربى قد امتلك أهم الأعمال الفلسفية لأرسطو وأفلاطون، ومعظم المؤلفات الطبية لجالينوس، فضلاً عن أهم الأعمال العلمية الفارسية والهندية. لقد حافظ العرب على هذه الأعمال وأغنوها بترجمتها وتكييفها، ثم نقلوها إلى العلماء الأوروبيين. وكان هذا النقل مساهمة بالغة الأهمية فى الثقافة الغربية. ففى الفترة الممتدة من عام ٨٥٠ إلى عام ١١٥٠، أى فى فترة تمتد إلى نحو ٣٠٠ عام، كان العرب أكثر الشعوب ثقافة فى العالم. ولا شك فى ذلك. فقد نقل العرب معارفهم وثقافتهم، فضلاً عن العناصر اليونانية والفارسية والهندية، من خلال كتب تُرجمت إلى اللاتينية واُستخدمت فى الجامعات الأوروبية. إن الأدب العربى من أغنى الآداب فى العالم، وحتى اليوم لا يدرك ذلك إلا قلة من الناس. فقد توصل أحد أساتذة جامعة ييل بعد سنوات من الدراسة إلى أن الأدب العربى حتى عام ١٩٠٠ كان أغنى بكثير من الأدب الإنجليزى. لقد كان العرب فى وقت ما سادة إمبراطورية امتدت من جبال البرانس فى إسبانيا إلى حدود الصين. وكانت اللغة العربية هى اللغة الرئيسية للتعلم فى شمال أفريقيا وجنوب غرب أوروبا وغرب ووسط آسيا وتركيا وبلاد فارس وفى كل مكان. ويواصل حتّى تفسيره قائلاً: «تخيلوا ما كان عليه الحال فى التاريخ والفلسفة والعلوم والأدب!» بالطبع، كانت هناك اختلافات وتأثيرات من اللغة والثقافة الأصليتين فى كل منطقة. ولكن اللغة العربية كانت اللغة المكتوبة رسميًا.
القضية الفلسطينية
لم يقتصر نشاط فيليب حتّى على العمل الأكاديمى، بل امتد إلى النشاط العام. كان من أشد المدافعين عن الحق العربى فى فلسطين، ولعل أبرز ما يُذكر فى هذا السياق هو المناظرة الشهيرة بينه وبين آينشتاين عام ١٩٤٤، والتى دارت داخل مبنى الكونغرس بواشنطن. فى تلك المناظرة، دافع حتّى عن حقوق العرب فى فلسطين، مؤكداً أنهم جزء من أرضها منذ مئات السنين، فى مواجهة مؤامرة كبرى بريطانية صهيونية. سعى فيليب حتّى، من خلال تأريخه لعودة العرب إلى ماضيهم، إلى استعادة وعيهم ومعرفة إرثهم الثقافى، واستكشاف هويتهم العميقة.