كنيسة القديس بطرس في انطاكية

المؤرخ يوحنا ملالا الانطاكي

المؤرخ يوحنا ملالا الانطاكي

تمهيد

من أعماق التاريخ الانطاكي…

لكل فرد ممتاز – مهما كانت درجته وسمعته في البيئة الثقافية- حياة حافلة في الضمير الواعي للإنسانية على تباين عصورها واجناسها. وبقدر تعدّد هذه الحياة وعمق تكوينها وتلوينها يكون خصبها وعظمة صاحبها. ولا جُناحْ عليها ان تتعاورها ضروب من التعديل والتبديل وفقاً لعوامل يتصل بعضها بالأسانيد والمراجع التاريخية، وبعضها الآخر ـ وهو الأهم ـ بالشعوب والأفراد الذين يتمثلون تلك الحياة لهذا الفرد. وإنه لمن السطحية التاريخية في الفهم الحضاري السليم أن نعد الانتحال او التزييف مدعاة حذر او علامة خطأ كان يمكن تجنبه. كلا، بل الضرورة عينها هي التي تفعل فعلها الضرورة عينها من قلب وإبدال وزيادة وحذف، وتلك مباحث او مبادئ علينا ان نجيد استخدامها وتطبيقها في ادراكنا للشخصيات مهما كانت درجتهم ورتبتهم وسمعتهم بين الناس وعلى السنة رجال البحث والنقد. تلك كانت رؤيتنا في المؤرخ – يوحنا ملالا – ومن سبقه او خلفه في تدوين “الحوليات”

هل كان مؤرخاً؟

لم يكن يوحنا ملالا مؤرخاً بمعنى الكلمة الأصلي، انما كان مسجلاً أو ناسخاً لبعض الأخبار والأحداث من مدنية او دينية منذ عهد آدم وحواء حتى عصر الملك يوستنيانوس الأول (٥٢٧ – ٥٦٥)، ويقال ان علامات البتر ظاهرة في اول وآخر كتابه المشهور “بالخرونوغرافيا” او “خرونيكون” بمعنى الكتابة أو تدوين الحوادث حسب سنوات وقوعها، ولذا فيحق لنا ان ندعو تاريخه ب”الحوليات”.

ان يوحنا ملالا، واحد من رجال سورية الذين كتبوا، ان لم نقل نبغوا في كتابة ” الحوليات” في عصر سبقه بسنوات وكانت مخلفاتهم الكتابية باللغة اليونانية السائدة اذ ذاك في الأصقاع السورية حتى الوجود العربي الإسلامي وما بعده بقرن أو أكثر. ومن هؤلاء مدوني ” الحوليات” (خرونيكا) والتاريخ الكنسي

 (١) يوليوس الأفريقي، من مواليد اورشليم في المستعمرة الرومانية العسكرية وله حوليات في تاريخ العالم منذ اقدم العصور حتى سنة 221 نشرت في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية ل (مين Migne)  المجلد الخامس.

 (٢) اوسيبيوس اسقف قيصرية فلسطين من مشاهير مؤرخي الكنيسة في القرن الرابع، وترى مؤلفاته مدونة في مجموعة (مين) Migne  لأباء الكنيسة اليونانيين مجلدات 19 -33).

(٣) المؤرخ سوزمينوس من مواليد فلسطين وتاريخه يبتدىء به من اعتناق قسطنطين الكبير المسيحية، ويختتمه بموت انوريوس ملك الغرب، أي من سنة 324 الى سنة 439 مسيحية. وكان له مختصر من صعود الرب يسوع الى زمن موت ليكينيوس السنة 323 مسيحية. وقد اهتم بنشر تاريخه الأول (Hessey) في لندن في ثلاثة أجزاء وواضع مجموعة آباء الكنيسة اليونانية (Migne) في مجلد رقم 67.

(٤) ثيودوريطوس اسقف قورش من نوابغ رجال كرسينا الانطاكي المقدس، له عدة مؤلفات في مواضيع شتى أهمها في تاريخ الكنيسة وهي منشورة في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية ل (مين) مجلد 80 لغاية 84. عاش في أواخر القرن المسيحي الرابع واوائل القرن الخامس المسيحي، وقد اهتم بنشر سيرة حياته وما يتعلق بها كل من المؤرخين(غولدننبينينغGuldenpenning/ 1889) و (Raeder 1904) و (Schulte 1904). هؤلاء قليلون من كثيرين من نوابغ سورية وكرسيها الانطاكي المقدس في الكتابة والتأليف، وقد عاشوا قبل المؤرخ يوحنا ملالا الأنطاكي بزمن ليس ببعيد بين القرنين المسيحيين الثالث والخامس.

انطاكية الرومية
انطاكية الرومية

بطاقة تعريفية

من هو يوحنا ملالاس  ( Malalas ) او يوحنا مليلس و ملالس، وهو من مواليد انطاكية، وقد عاصر من اباطرة القسطنطينية اسطاسيوس الأول (491-518) ويوستينوس الأول (518- 527) ويوستنيانوس الأول (527- 537) فيكون من رجال القرن السادس المسيحي الذين اهتموا بتدوين “الحوليات” المعروفة باليونانية كروغرافيا ومنها جاءت ف كثير من اللغات الأجنبية بنفس اللفظ على وجه التقريب كرونوغرافي أي تدوين حوادث التاريخ من حقبة الى حقبة بدون رابط تاريخي دقيق  او نقد علمي عميق. ودوَّن ملالا في حوادث العالم من خلقة آدم وحواء الى بعض الوقت من تملك يوستنيانوس الأول استنادا الى ” الحوليات” المدونة في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية لمين طبعة باريس سنة 1865 مجلد 97 من صفحة 65 لغاية صفحة 717.

” حوليات” يوحنا ملالا تبتدئ في مجموعة الآباء المذكورة. هكذا: ” سفر تكوين العالم في اليوم الذي صنع فيه الله آدم على صورته ومثاله. ةهكذا صنع الله الانسان الأول ذكراً وانثى…” (صفحة ٦٥) وتنتهي هكذا:

“وقد ثار الماوريتانيون في جهات افريقيا فاحتلوا بعض الأمكنة بعد ان قتلوا وشرَّدوا. اما الامبراطور يوستنيانوس فقد ارسل ابن شقيقه بالذات ماركيانوس (لمقاومتهم)”.

ويزعم البعض بأنكلمة ملالا تحريف معلولا فيكون يوحنا المعلولي، والواقع ان كلمة ملالا من اصل سرياني بمعنى المتكلم والخطيب والمفوه من فعل ميلتو أي تكلم وخطب وهكذا يتحول اسم يوحنا ملالا الى يوحنا الخطيب (الانطاكي). وربما يشير الى ذلك الدبس صاحب “تاريخ سورية”، بقوله:”…روى ذلك اغابيوس عن يوحنا ركتور (الخطيب او الفصيح)”. (الجزء الثاني – المجلد الرابع صفحة 468). والله اعلم.

وعلى كل فان ” حولياته” المنشورة في مجموعة مين، الآنفة الذكر، مبوبة وكل باب منها متّوج بكلمة ” لوغوس ” بمعنى كلمة وخطاب. وهاك كلمات أو أبواب ” الحوليات” بملخص لما تحواه كل كلمة منها:

– سفر تكوين البشر لغاية تاريخ المصريين وهذا القسم محشو بالترهات (صفحة 65-88)

– من تاريخ المصريين المحشو بالترهات الى : زمن ارتداد إبراهيم الى الاله الحق (صفحة 88- 132).

– عصر ارتداد إبراهيم الى الاله الحق ( صفحة 133-146).

– عصر ملك الأرغيين (قدماء اليونانيين)، ( ص146 – 176).

– عصر حروب اهل طرواده (ص176 -250).

– عصر الآشوريين (ص250 -274).

– بناء رومة (ص 275 -303).

– عصر المقدونيين (ص303 -333).

– عصر حكام رومه (ص333-352).

-عصر ملك أغسطس وتجسد الله(ص352-408).

– عصر تريان الملك ونكبة أنطاكيةالثالثة (ص408-438).

– عهد ملك كومودوس والألعاب الأولمبية (ص438-474).

– عصر الامبراطور قسطنطين (ص474-534).

– عصر ثيوذوسيوس الحديث لغاية حكم ليونيديوس الصغير (ص534 -560).

-عصر ملك زينون لغاية حكم انسطاسيوس (ص 561-580).

– عصر الامبراطور انسطاسيوس (ص580 —606).

– عصر الامبراطور يوستينوس (ص606 – 636).

– عصر الامبراطور يوستنيانوس (ص637 -718).

انتهى التبويب بصورة خاطفة، ومن مراجعة فحوى هذه الفصول المتفاوتة الصفحات نستخلص استنتاجات ذات أهمية، التي ان لم تشر الى شيء فانها في الواقع” توفي ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (متى22: 31) لأن رجال عشيرة مؤرخنا – ملالا- ومن اتبع خطواتهم في البحث الرخيص حكموا عليه ظلماً وبهتاناً بما له مساس بلهجة الكتاب وسرد الأخبار والمعلومات.

قالوا وفي مقدمة ما قالوه: انه كتب باللهجة اليونانية الدارجة ليكون كتابه في متناول العامة من مدنيين واكليريكيين. والحقيقة ان لهجة تدوينه متينة ومرتكزة على القواعد السليمة من حيث تركيب المفردات وربطها بعضها ببعض. إنها لهجة يونانية قديمة شائعة الاستعمال بين سكان اصقاع سورية اذ ذاك. لهجة سلسة مفهومة، إنما تختلف عن لهجة القديس يوحنا الذهبي الفم، الذي عاش وامتاز في الشطر الثاني من القرن الرابع واواخر القرن الخامس (345-407)، والقديس يوحنا الدمشقي من اعلام الارثوذكسية في القرن الثامن المسيحي، وكلاهما من أبناء الكنيسة الانطاكية العظيمة، وهي مسق رأس علمنا يوحنا ملالا، او يوحنا الخطيب المفوَّهْ.

ولا ننكر ان في ” حوليات” يوحنا الخطيب (ملالا) بعض الترهات والمغالطات. فلربما يرجع القسم الأكبر منها الى المصادر التي اعتُمِدَ عليها في سرد الحوادث والأخبار السابقة لعهده، وهنا مجال لسرد أسماء المؤرخين الذين اعتمد عليهم في نقل الأخبار، نخص منهم بالذكر كل من: يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير (37-98 مسيحية)، واريانوس (في القرن الثاني المسيحي)، وتاتيانوس(في القرن الثاني)، وثيوفيلوس (160 -177)، واكليمس (160-220)، واريجانس (185 -254)، والرحالة بافسانياس (في القرن المسيحي الثاني)، والمؤرخ اوسيبيوس (256-340)، وتيموثاوس (في القرن الرابع)، وافريقانوس ( المتوفي سنة 240 م)، وماغنوس (في القرن الرابع المسيحي)، ومثله في القرن الرابع افتروبيوس، ومعهما افستاثيوس كذلك في القرن الرابع المسيحي، ومن القرن الخامس المسيحي بؤيسكوس الأفريقي، وذومنيوس، وايريناوس ونسطوريانوس (؟).

وقد ذكر علمنا ملالا في تضاعيف “حولياته” اسم المؤرخ فوتيوس ولم نقف له على اثر بين واضعي ” الحوليات” أو التاريخ. وذلك علاوة على معلومات المؤرخ الشخصية، وماسمعه من شيوخ عصره او اقتبسه من الكتاب المقدس والكتب المزيفة (الابوكريفا).

وقد استعان “بحوليات” يوحنا ملالا كثيرون من المؤرخين اللاحقين نذكر منهم: يوحنا من مدينة افسس (قبل سنة 581)، وايفاغريوس الأنطاكي (قبل سنة 594)، ويوحنا الأنطاكي (سنة 610)، ويوحنا النيقاوي اسقف ابرشية منبوف مصر (في النصف الثاني من القرن السابع)، ويوحنا الدمشقي (740)، وثيوفانيس (في القرن التاسع)، والمتوحد يوحنا ( في القرن التاسع) وكندرينوس (في القرن الحادي عشر) وغيرهم.

شعار الكرسي الانطاكي المقدس
شعار الكرسي الانطاكي المقدس

هدف “حوليات” يوحنا ملالا (الخطيب)

ان حوليات ملالا على اختصارها مليئة بالفوائد المتشعبة ولا سيما الخاصة منها بتاريخ وحوادث ” انطاكية” مسقط رأس المرخ، وبوسعنا والحالة تلك ان نجزم بأن تلك ” الحوليات” وُضِعَتْ خصيصاً من مؤلفها لهدف واحد، وهو إحياء ذكرى “أنطاكية العظيمة السورية” كما يدعوها علمنا يوحنا ملالا في كل صفحة تقريباً من صفحاتها ونستخلص ايضاً من تضاعيف هذا الكتاب القيّم ان ابوابه الأولى من رقم 1) لغاية رقم (17) قد وُضعتْ في انطاكية، اما الرقم (18) فمكان تأليفه القسطنطينية وبيزوبولس كما يدَّعي المؤرخ ويشتق الاسم الأخير من كلمة فيزوس بزيادة بوليس أي مدينة (بوليس) فيزوس ( راجع صفحتي 400 و441 من الحوليات طبعة مين مجلد 97). ولهذه الحوليات على ما نعلم اربع طبعات أولها سنة 1691 مع ترجمة لاتينية وشروح مختلفة بمعرفة (Edm. Chilmeadus) في اوكسفورد/ إنكلترا، والثانية سنة 1733 في البندقية والثالثة سنة 1831 بمعرفة (l.Dindoref)

في بون الألمانية، اما الرابعة والأخيرة ففي سنة 1865 في باريس في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية تحت رقم97 ومع ترجمة لاتينية وشروح ومقدمات بمعرفة (مين) من صفحة 65 لغاية صفحة 718 وقد اعتمدنا عليها في بحثنا هذا. لكن ليس احد من المؤرخين العرب او السوريين اهتم بنقل تلك الحوليات من لغتها الاصلية اليونانية الى العربية، مع الإشارة بأنها تضم شتى المعلومات عن سورية عموماً و”أنطاكية العظيمة” بنوع خاص. ولتلك الحوليات ترجمات في اللغتين اللاتينية والسلافية لا بأس فيهما كما انه توجد عدة ابحاث حول شخصية المؤرخ يوحنا ملالا وحولياته ولهجته اليونانية، وترجمات كتابه الى السلافية.

وعلاوة على ذلك فاننا نرى ان من الواجب ان نسجل اسم البحاثة الألماني الشهير كارل كرومباخر واضع كتاب “تاريخ الاداب البيزنطية” وكتابه هذا يقع في ثلاثة أجزاء ضخمة وفيه فصل خاص يبحث في يوحنا الخطيب الانطاكي وحولياته وما يتعلق بها من شتى الأوجه.

ولما كنا لم نجد عنه منشوراً الا مجرد كلمات قليلة مشوبة بالأخطاء، لذا بادرنا الى ما كتبنا هنا مما لم نجد انه يغطي سيرته وانجازاته، لذا نأمل ممن يأتي مهتما بعدنا فينقب هنا وهناك عن سيرة حياة يوحنا ملالا فيبعثه للحياة في عالم العلم والتاريخ، وبهذا يسدي خدمة جليلة لتاريخ كرسينا الانطاكي المقدس.