المسيحية والاسلام اُخُّوةْ ام تضادْ؟
جوهر الاختلاف العقدي بين الإيمان المسيحي والرؤية الإسلامية لشخص المسيح وعقائد الخلاص.
1- عقيدة الثالوث المقدس
في المسيحية
الإيمان بالله الواحد في ثلاثة أقانيم (الآب، الابن، الروح القدس). ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد في ثلاثة أقانيم متمايزة في العلاقة، متحدة في الجوهر.
في الاسلام
يرفض القرآن عقيدة التثليث ويرى فيها شركًا (انظر: النساء ١٧١، المائدة ٧٣). المسلمون يفهمون الثالوث على أنه تعدد للآلهة، وهو ما ينفيه الإسلام جذريًا.
2- تجسد الأقنوم الثاني والفداء
في المسيحية
ابن الله (الكلمة) تجسّد في شخص يسوع المسيح. ابن الله لم يتخلَّ عن لاهوته، بل اتحد اللاهوت بالناسوت في شخص يسوع المسيح: أي أن يسوع هو “إله كامل وإنسان كامل”. ضعفه البشري وآلامه وموته على الصليب كان من جهة ناسوته، بينما لاهوته لا يتغير ولا يتألم. والغاية من التجسد هي الفداء: موت المسيح كذبيحة كفّارة لإعادة الإنسان إلى شركة البنوة لله.
في الاسلام
يرفض فكرة التجسد والفداء. الله، بحسب القرآن، لا يُصلب ولا يُقتل، والسيد المسيح لم يُصلب بل شُبِّه لهم (النساء ١٥٧). ويرى المسلمون أن كل إنسان مسؤول عن خطيئته، ولا يُحمَّل أحد خطايا غيره (الأنعام ١٦٤).
3- جهل الابن بموعد النهاية (مرقس ١٣:٣٢)
“…لا احد يعرف الازمنة التي يحددها الله حتى الابن …”
في المسيحية
يُفهم النص بأن المسيح، كإنسان، قَبِل أن يحدّ معرفته في بعض الأمور الزمنية ضمن خطة الخلاص (ما يُسمّى “kenosis” أي إخلاء الذات). أما كإله، فهو عليم بكل شيء. أي أن الجهل وعدم المعرفة هنا متعلق بالناسوت لا باللاهوت.
في الاسلام
المسلمون يتمسكون بحرفية النص ويقولون: لو كان المسيح إلهاً أو ابناً لله لما جهل شيئًا مما يعلمه الآب. هذا بالنسبة لهم دليل على بشريته المحضة.
4- دور السيد المسيح في الدينونة ( المجيء الآخر في الاسلام)
في المسيحية
الإيمان بأن السيد المسيح سيأتي في “المجد ليدين الأحياء والأموات”، وهذا جزء من قانون الإيمان النيقاوي- القسطنطيني” دستور ايمان المسيحيين.
في الاسلام
يؤمن المسلمون أيضًا أن السيد المسيح سيعود آخر الزمان، لكنه عندهم لا يعود كإله أو ديّان بذاته، بل كـ”عبد لله ورسوله” ليكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويملأ الأرض عدلاً، ثم يموت موتًا طبيعيًا ويُدفن. الدينونة النهائية لله وحده، لا للمسيح ولا للمحمد، وإن كان السيد المسيح يؤدي دورًا مميّزًا في آخر الزمان.
5- الكلمة
نقول مسيحيا في اللاهوت عن المسيح انه” الكلمة” اللوغوس وكذلك القرآن يقول عن المسيح انه كلمة الله القاها الى مريم فحبلت به اذن ثمة توافق لكن في الواقع ثمة تعارض جوهري
المسيح “الكلمة” (اللوغوس)
في اللاهوت المسيحي
إنجيل يوحنا يبدأ بالقول: “في البدء كان الكلمة (اللوغوس)، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله… والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا” (يو 1:1، 14).
اللوغوس = عقل الله الناطق أو تعبير الله عن ذاته.
في الفهم المسيحي: المسيح هو “الكلمة الأزلي” الذي به خُلق كل شيء، وهو الذي تجسّد في يسوع الناصري.
إذن: المسيح ليس مجرد “كلمة” مخلوقة، بل الكلمة الإلهي الأزلي المتجسد.
في القرآن الآية المحورية
“إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم…” (آل عمران 45).
وأيضاً
“…وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه…” (النساء 171).
المفسرون المسلمون قالوا: معنى “كلمة” هنا أي أنه خُلق بأمر الله المباشر (“كن فيكون”)، من دون أب بشري.
إذن: المسيح “كلمة الله” = تعبير عن الخلق الإلهي المباشر بغير وساطة.
أي أن “الكلمة” في الإسلام صفة مخلوقة، لا أقنوم إلهي.
ثانياً: المقارنة بين المفاهيم الأساسية
الموضوع | المسيحية | الإسلام |
---|---|---|
المسيح كلمة الله | اللوغوس الأزلي، الله المتجسد. | كلمة من الله أي خُلق بأمر “كن”، مخلوق معجزي. |
اللاهوت والناسوت | اتحاد اللاهوت بالناسوت: يسوع هو إله كامل وإنسان كامل. | بشر نبي عظيم، ليس إلهاً ولا ابن الله. |
الخطيئة | البشرية سقطت في آدم، والكل وارث للخطيئة الأصلية. الخلاص يحتاج فداء المسيح. | لا خطيئة أصلية؛ كل إنسان يولد بريئاً ويحاسب على عمله فقط. |
الخلاص | بالنعمة والإيمان بيسوع المسيح المصلوب والقائم. | بالأعمال الصالحة والإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. |
الصلب والفداء | موت المسيح على الصليب كفارة عن خطايا البشر. | لم يُصلب بل رفعه الله، والفداء مرفوض. |
الدينونة | المسيح الديّان في المجيء الثاني. | الله وحده هو الديّان، والمسيح يعود آخر الزمان بدور إصلاحي قبل موته. |
اليوم الآخر | قيامة الموتى، الدينونة أمام المسيح، الأبرار للحياة الأبدية، الأشرار للهلاك. | البعث، الحساب أمام الله، الجنة والنار، شفاعة الأنبياء (ومحمد ﷺ خصوصاً). |
ثالثاً: ملامح مشتركة
رغم الخلاف الجذري، هناك نقاط التقاء مهمة
-
المسيح “كلمة من الله” وُلد بمعجزة من العذراء.
-
معجزاته عظيمة وموهوبة من الله.
-
عودته آخر الزمان للإصلاح.
-
أهمية التوبة والإيمان بالله والعيش بالبر.
-
الإيمان باليوم الآخر والقيامة والحساب.
الخلاصة
المسيحيون يرون في السيد المسيح الإله المتجسد والفادي.
المسلمون يرون فيه نبيًّا عظيماً ومسيحاً بشراً بلا لاهوت ولا فداء.
جوهر الخلاف يكمن في هوية السيد المسيح: هل هو ابن الله المتجسد (بحسب المسيحية)، أم رسول الله المخلوق (بحسب الإسلام).
في المسيحية: “الكلمة” هو الله الأزلي الذي صار إنساناً في يسوع المسيح، ليتم الخلاص عبر الصليب والقيامة.
في الإسلام: “كلمة الله” تعني أمر الله بالخلق المباشر، فالمسيح مخلوق عجيب بقدرة الله، لكنه ليس إلهاً ولا ابن الله.
حول الخطيئة والخلاص: المسيحية تركز على الفداء بالنعمة، بينما الإسلام يركز على المسؤولية الفردية والعمل الصالح.
حول الدينونة: المسيحية تجعلها بيد المسيح، والإسلام يجعلها بيد الله وحده.
العرض المقارن بين العقيدتين
أولاً: طبيعة الله والثالوث
المسيحية
الله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب، الابن، الروح القدس. وحدة في الجوهر وتمايز في الأقانيم. هذا ليس تعدداً للآلهة بل سرّ في ذات الله.
الاسلام
الله واحد أحد، لا شريك له ولا مثيل. رفض قاطع لأي تصور للثالوث، إذ يُفهم على أنه شرك بالله.
ثانياً: شخص السيد المسيح
المسيحية
السيد المسيح هو “الله الكلمة” المتجسد. يجمع في شخصه الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية دون اختلاط أو انفصال.
الاسلام
السيد المسيح عبد الله ورسوله، كلمة ألقاها إلى مريم وروح منه. وُلد بمعجزة بلا أب، لكنه بشر نبي، وليس إلهاً ولا ابن الله.
ثالثاً: التجسد والفداء
المسيحية
التجسد غايته الفداء. السيد المسيح ببشريته مات على الصليب كذبيحة كفارية عن خطايا البشر، وقام من بين الأموات بألوهيته ليمنح الحياة الأبدية لآدم الساقط وذريته بموجب قول الرب له بسبب عصيانه وعدم طاعته للرب وهو يطرده من الفردوس اي من بنوته للخالق “موتاً تموت” والمسيح لبس جسداً بشرياً ليموت كما قال الرب وهنا الكفارة وهي الموت للخلاص.
الاسلام
لا تجسد ولا فداء. الله لا يُجسد ذاته في بشر. السيد المسيح لم يُصلب بل رفعه الله إليه. كل إنسان يُحاسب على عمله ولا يحمل خطيئة غيره.
رابعاً: المعرفة والسلطان
المسيحية
بعض أقوال السيد المسيح التي تشير إلى جهل أو ضعف تُفهم من جهة ناسوته، بينما لاهوته كامل الصفات (العلم، القدرة، الأزلية).
الاسلام
تُفهم نصوص الجهل والضعف على أنها دليل على بشرية السيد المسيح المحضة. فهو لا يعلم الغيب إلا ما علّمه الله.
خامساً: المسيح في الدينونة والآخرة
المسيحية
السيد المسيح هو الديّان الذي سيأتي في المجد ليدين العالم لأنه الرب.
الاسلام
السيد المسيح سيعود آخر الزمان، لكنه يؤدي دورًا إصلاحيًا: قتل الدجال، إقرار العدل، ثم يموت. الدينونة النهائية بيد الله وحده.
الخلاصة العامة
المسيحية: ترى في السيد المسيح له المجد محور الإيمان: الله المتجسد، المصلوب والقائم، الفادي والدّيّان.
الإسلام: يكرّم السيد المسيح كنبيٍّ عظيم ومسيحٍ مرسل، لكنه بشر، بلا لاهوت ولا صلب ولا فداء.
نلخص بالعرض المقارن هذا
الموضوع | الرؤية المسيحية | الرؤية الإسلامية |
---|---|---|
طبيعة الله | إله واحد في ثلاثة أقانيم (الآب – الابن – الروح القدس). | إله واحد أحد، بلا شريك ولا أقانيم. |
هوية المسيح | ابن الله، الكلمة المتجسد: إله كامل وإنسان كامل. | نبيٌّ كريم، عبد لله ورسوله، كلمة من الله وروح منه. |
التجسد | الله تجسّد في شخص السيد المسيح لاتحاد اللاهوت بالناسوت. | الله لا يتجسد، السيد المسيح مخلوق مكرّم. |
الصلب والفداء | السيد المسيح صُلِب وفدى البشرية بموته وقيامته. | لم يُصلب، بل رفعه الله. لا فداء بالنيابة: كل نفس تُجازى بعملها. |
المعرفة والسلطان | أقوال عدم المعرفة والجهل والضعف تخص ناسوته، أما لاهوته فعليم وقدير. | دلالة على بشريته، لا يعلم الغيب إلا بإذن الله. |
الدينونة والآخرة | السيد المسيح سيأتي ليدين العالم. | السيد المسيح يعود آخر الزمان، يكسر الصليب ويقتل الدجال ويقيم العدل، ثم يموت. الدينونة لله وحده. |
نقاط التوافق بين الطرفين
رغم عمق الاختلاف العقدي، هناك مساحات التقاء مهمة
-
الإيمان بالله الواحد
كلا الطرفين يرفضان تعدد الآلهة ويؤكدان وحدانية الله. -
تكريم المسيح ومكانته الفريدة
المسيحية: السيد المسيح محور الخلاص.
- الإسلام: السيد المسيح وجيه في الدنيا والآخرة، وكلمة من الله.
-
الميلاد العذراوي
المسيحيون والمسلمون معًا يؤمنون أن يسوع وُلد من مريم العذراء بمعجزة إلهية. -
المعجزات
كلاهما يؤمن بأن المسيح أجرى معجزات عظيمة بسلطانه وفي الاسلام بقوة الله. -
العودة في آخر الزمان
الإيمان المشترك بأن المسيح سيعود، وإن اختلفت التفاصيل اللاهوتية. - القيم الأخلاقية المشتركة
- المحبة، الرحمة، الإيمان، رفض الشر، الدعوة إلى التوبة والعبادة الصادقة لله.