المئذنة العمرية بجانب الصرح البطريركي قبل تجديده في عام ١٩٥٣ ويبدو بجانب المئذنة جانب من المطبعة البطريركية

المطبعة البطريركية الانطاكية الارثوذكسية بدمشق

المطبعة البطريركية الانطاكية الارثوذكسية بدمشق

مدخل

تم انتخاب وتنصيب مطران ابرشية طرابلس والكورة وتوابعهما  غريغوريوس حداد  (ابن عبيه في جبل لبنان) في مطلع عام ١٩٠٦ بطريركا على كرسي انطاكية وسائر المشرق بعد وفاة البطريرك ملاتيوس الدوماني (١٨٩٩-١٩٠٦ المفاجئة بالسكتة الدماغية، وسط حزن عارم على البطريرك البناء والمعمار الراحل الذي كان قد خدم ابرشية اللاذقية روحيا وعمرانيا من ١٨٦٤ الى ١٨٩٩، وبالرغم من هذا الحزن الا انه قابله فرح عارم ساد الاوساط الارثوذكسية الانطاكية في كل ارجاء الكرسي الانطاكي وخاصة الرعية الدمشقية بانتخاب خير خلف لخير سلف، بالرغم من المقاطعة الارثوذكسية من بطريركيات القسطنطينية والاسكندرية واورشليم …منذ  انتخاب البطريرك الدوماني ١٨٩٩ كون انطاكية العظمى خرجت عن المظلة والتقليد السائد منذ ١٧٢٤ بانتخاب يوناني على سدتها البطريركية…

هم الطباعة والنشر

مد البطريرك غريغوريوس اليد كما فعل سلفه مثلث الرحمات البطريرك ملاتيوس الدوماني للبطريركيات المحكي عنها ولكن المقاطعة استمرت في عهده الى عام ١٩١٠، وقد حاول اعادة الزهو للكرسي الانطاكي، ولما كان الكرسي الانطاكي قد فقد المطبعة البطريركية التي احضرها البطريرك اثناسيوس بن الدباس ١٧٠٠والتي كان قد طبع فيها العديد من الكتب الطقسية وكانت غاية امير رومانيا  الارثوذكسي الغيور والحسن العبادة يوحنا من تقديمها للكرسي الانطاكي طرح الكتب الطقسية الارثوذكسية في الكرسي الانطاكي بديلا عن المخطوطات وهي قليلة ومهترئة نتيجة كثرة الاستعمال طقسياً ولتحصين الكرسي الانطاكي بتوفي الكتب التعليمية المطبوعة بين ايدي الرعية الارثوذكسية وتحصينها امام الدعاية الغربية وبكل اسف اختفت المطبعة مع الشماس عبد الله زاخر الذي تعلم الطباعة بيد معلمه البطريرك اثناسيوس الدباس على هذه المطبعة لما كان مطرانا على حلب، لتظهر  بعد فترة زمنية في ديرمار يوحنا الشوير   الكاثوليكي مع الشماس المذكور الذي  سبق بحدود ١٧٢٤ ان اعلن الكثلكة مع الرهبنة الحلبية المعاصرة من البلمند وانتقلوا الى دير الشير، وقيل كثيرا في حينه والى وقتنا الحاضر ان هذه المطبعة انشأها الشماس المذكور، وسرت الدعايات (وحتى الان) من انه رائد الطباعة العربية في بلاد الشام واول من ادخل المطبعة العربية الى المشرق العربي، بينما تؤكد الوقائع وذكريات اهل الكورة المحيطة بالبلمند والدراسات العديدة في المنار والهدية وتاريخ انطاكية العظمى  (د. اسد رستم) . وتاريخ انطاكية خريسوستوس بابا دوبولس تعريب الاسقف استفانوس حداد الى انها ذات مطبعة ابن الدباس المختفية من البلمند وان الشماس زاخر هو من اختلسها ومعه الرهبنة الحلبية وقد اعلنوا الكثلكة وتركوا دير البلمند واقاموا في دير الشير الكاثوليكي…

كان هم البطريرك غريغوريوس اعادة احداث مطبعة ارثوذكسية انطاكية في الصرح البطريركي بدمشق تنفيذاً لحلم الخوري الدمشقي الشهيد يوسف مهنا الحداد في مشروع جامعة الاسية، “القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي المستشهد في ١٠ تموز عام ١٨٦٠”، وان تكون  على غرار مطبعة القديس جاورجيوس الارثوذكسية الشهيرة في بيروت لصاحبها الخوري يوحنا الدوماني شقيق البطريرك ملاتيوس وهذه المطبعة كانت من المطابع الرائدة في ” ابرشية بيروت ولبنان” في طباعة الكتب الطقسية وسواها، ولتعم الطباعة الارثوذكسية ارجاء االكرسي الانطاكي المقدس (ما امكن) ولنشر الكتب المطبوعة حتى في اصغر الرعايا الانطاكية، كما تابع متروبوليت حمص وتوابعها المتقدس اثناسيوس عطا الله بتأسيس مطبعة حمص وطبع فيها جريدة حمص الابرشية الرعائية الارثوذكسية عام ١٩٠٩، وكما سبقتها مجلة المحبة الرعائية البيروتية ١٨٨٥ لمؤسسها متروبوليت ولبنان المتقدس غفرئيل شاتيلا، وجردة المنار الارثوذكسية في بيروت التي كانت بادارة الشماس ارسانيوس حداد ١٨٩٢( مطران اللاذقية لاحقا ١٨٩٩).

غلاف العدد الاول من مجلة النعمة البطريركية عام ١٩٠٩ التي طبعت في المطبعة البطريركية
غلاف العدد الاول من مجلة النعمة البطريركية عام ١٩٠٩ التي طبعت في المطبعة البطريركية

وفي عام ١٩٠٨  طلب البطريرك غريغوريوس من والي دمشق ناظم باشا وهو من الولاة المنفتحين وله بصمات عظيمة في الكثير من المشارع المفيدة لدمشق وصديق للرئاسات الروحية واهمهم البطريرك غريغوريوس المساعدة في احداث مطبعة واصدار دورية النعمة، وبتوصية من والي دمشق حسين ناظم باشا المذكور  تم رفع كتاب من البطريرك غريغوريوس الى الصدر الاعظم ( رئيس الوزراء) في القسطنطينية للحصول على رخصة باحداث مطبعة بطريركية في الصرح البطريركي وترخيص اصدار مجلة النعمة البطريركية مشفوعا بتأييد من الوالي وكان قبلها ممنوع اصدار مجلات محلية وممنوع ادخال المطابع وكانت توصية ناظم باشا بالاشادة بوطنية البطريرك غريغوريوس وكي لايتم استيرادد كتب مطبوعة خارجيا، وقام وكيله في الاستانة المحامي كمال بك قزح الدمشقي خليفة الوكيل السابق حبيب بك ابوشعر منذ ١٨٩٩-١٩٠٦.

تميز المحامي كما بك قزح اللامع في مجال المحاماة والذي درس الحقوق في معهد الحقوق العثماني في اسطنبول وتخرج بدرجة امتياز ويقيم في الاستانة ويعمل فيها والذي كان قد سبق ان وكله قانونيا  البطريرك ملاتيوس عنه  خلفا للوكيل حبيب بك ابوشعر  عام ١٩٠٦ قبل وفاته وكيلا عنه في عاصمة السلطنة لتسيير مصالح الكرسي الانطاكي التي توقفت بعد القطيعة الشاملة من البطريرك المسكوني عندما اعتلى السدة الانطاكية بصفته بطريركاً وطنياً، وكان لشخصية البطريرك غريغوريوس والتاييد الخطي من الوالي ناظم باشا والدعم الروسي ودينامية الوكيل الانطاكي المحامي كمال قزح الذي تمتع بمصداقية في الاوساط السياسية والادارية العثمانية،وبعد جهد دؤوب  لعدة اشهر صدرت الارادة السلطانية بالترخيص لاحداث مطبعة في الصرح البطريركي والترخيص من نظارة العدلية والمذاهب مؤيدة بفرمان عثماني عالي لاصدار مجلة بطريركية باسم مجلة النعمة تطبع في هذه المطبعة كان ذلك في عام ١٩٠٨.

وكان لدخول المطبعة افتخار عظيم عند ابناء ابرشية دمشق والكرسي الانطاكي فقد تحقق حلمها وحلم الشهيد في الكهنة القديس يوسف الدمشقي الذي اراد بمعونة تلميذه النجيب والغيور الارثوذكسي العظيم الخواجا ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي رفد مدارس الاسية بمطبعة حجرية ( ليثوغرافية) لتسهيل طباعة الكتب للمدرسة ومشروع تحويلها الى جامعة والذي اندثر بمذبحة عام ١٨٦٠ واستشهاد القديس يوسف وكادر المدرسة ودمارها….

مكان المطبعة

المئذنة العمرية بجانب الصرح البطريركي قبل تجديده في عام ١٩٥٣ ويبدو بجانب المئذنة جانب من المطبعة البطريركية
المئذنة العمرية بجانب الصرح البطريركي قبل تجديده في عام ١٩٥٣ ويبدو بجانب المئذنة جانب من المطبعة البطريركية

خصص مكان المطبعة خارج الصرح البطريركي القديم  في الدكاكين المفتوحة على بعضها وتقع في واجهة الصرح البطريركي المطلة على الشارع المستقيم في منطقة طالع الفضة كي لايكون دخول وخروج الزبائن والمطبوعات من داخل الصرح البطريركي، وكان بجانبها الاسطبل الخاص بالخيول وعربة غبطته وتلاصق اعتاب المئذنة العمرية والجامع القديم حيث كان الدخل للبطريركية والمريمية يتم من تحت قنطرة المئذنة….

ونرى في الوثائق البطريركية العديد من الاوراق التي تمت طباعتها في المطبعة البطريركية قبل الحرب العالمية الاولى كدفاتر جباية رسوم الماء ( مصلحة مياه عين الفيجة) والكهرباء (شركة الجر والتنوير البلجيكية في دمشق) واستمرت بعد نهاية الحرب بطباعة الكتب الدينية والطقسية كالمزامير والتيبيكون والسواعي الكبير … اضافة الى مطبوعات المجمع العلمي ( مجمع اللغة العربية) برئاسة العلامة محمد كردعلي حيث كان المجمع يطبع اصداراته في المطبعة البطريركية نظرا لتميز الطباعة، وكتب مدرسية لمدارس دمشق الارثوذكسية بالعربية والفرنسية وكتب التعليم المسيحي… الى حين توقيفها وتصفيتها عام ١٩٣٣.

وتحدثنا السجلات الوثائقية البطريركية المحفوظة مع الوثائق البطريركية في المكتبة والوثائق والمخطوطات البطريركية قليلا عن المطبعة البطريركية…

سجل مراسلات بطريركي copie توجيه من البطريرك غريغوريوس لتسليم الشماس نوما ديبو المعلوف ادارة المطبعة ومجلة النعمة البطريركية
سجل مراسلات بطريركي copie توجيه من البطريرك غريغوريوس لتسليم الشماس نوما ديبو المعلوف ادارة المطبعة ومجلة النعمة البطريركية

منها سجل حسابات المطبعة البطريركية ورقمه الوثائقي ٢٦٧٨ السنة ١٩١٣  وهو بعنوان ” بيلانجو ( الميزانية) المطبعة البطريركية الارثوذكسية من اول ايلول لغاية ٣١ كانون الاول ١٩١٣، وفي العام ذاته امر البطريرك غريغوريوس الرابع من دير سيدة البلمند، امر الارشيدياكون ميخائيل شحادة في البطريركية بدمشق بالرسالة البطريركية ( رقم وثائقي ٢٢٩٣ ) تاريخ بلا، بتسليم ادارة مجلة النعمة والمطبعة البطريركية للشماس توما ديبو المعلوف الذي كان يشتغل فيها مع الخوري اغناطيوس بلا تذمر ومكافأة من البطريرك للشماس توما على اتعابه.

كما ورد ذكر للمطبعة في سجل حسابات البطريركية والميزانية اليومية فيها ( رقم وثائقي ٢٦١٢) والذي يتضمن ايرادات ونفقات المقر البطريركي… بدون تاريخ…

وفي الوثيقة المؤرخة في ١٧ تشرين الاول ١٩١٩ (رقم وثائقي ٢١٧٣) كتاب تاريخي قومي رفعه رئيس “النادي العربي بدمشق” يرفع فيه الشكر والتقدير الى البطريرك غريغوريوس الرابع على طبع جريدة “حرمون” التي يصدرها النادي العربي في دمشق زمن الامير فيصل بن الحسين في المطبعة البطريركية، مع الاشادة بما يكتبه الكاتب توفيق مفرج من مقالات وطنية وقومية عربية باسم شباب الامة العربية.

كتاب شكر من رئيس النادي العربي بدمشق مرفوع للبطريرك غريغوريوس الرابع لى طباعة جريدة حرمون في المطبعة البطريركية بدمشق.
كتاب شكر من رئيس النادي العربي بدمشق مرفوع للبطريرك غريغوريوس الرابع لى طباعة جريدة حرمون في المطبعة البطريركية بدمشق.

ويتناول دفتر حسابات المطبعة البطريركية ( رقم وثائقي ٢٤١٤)  حسابات المطبعة مابين ايرادات ونفقات بين عامي ١٩٢٤-١٩٢٧… اما في السجل البطريركي ( الرقم الوثائقي ٢٩٦٦ )فقد تم ادراج حسابات البطريركية لعام ١٩٢٨ ومنها حسابات المطبعة البطريركية وكان ذلك في السنة الاخيرة لبطريركية السيد غريغوريوس الرابع المتوفي عامئذ ١٩٢٨.

في الكتاب ( رقم وثائقي ٢٧٣٣ ) تاريخه ٢٩ ايار ١٩٣٣ الموجه من تاجر الورق ولوازم الطباعة  البيروتي السيد محمد خليل الداعوق من بيروت جوابا عن استفسار مدير المطبعة ميخائيل حموي ( ميشيل)  يبين في الكتاب الجوابي ماله من ذمة على المطبعة البطريركية ثمنا لورق وحبر وبطاقات اعراس ومغلفات ومن هذه الذمم مايعود الى زمن بطريركية السيد غريغوريوس الرابع المتوفي عام ١٩٢٨، ليرفع السيد ميشيل يوسف حموي ( ميخائيل ) الى البطريرك الكسندروس بصفته اخر مدير للمطبعة اعلاما عن دينه على المطبعة البطريركية عن رواتبه المتراكمة كمدير لها والبالغة ٣٢٨٠٠ غرشا عثمانيا ذهبيا محسوبا على سعر صرف الليرة العثمانية ٢٥٠ غرشا لليرة العثمانية الذهبية.

غلاف العدد الاول من مجلة النعمة البطريركية عام ١٩٠٩ التي طبعت في المطبعة البطريركية
غلاف العدد الاول من مجلة النعمة البطريركية عام ١٩٠٩ التي طبعت في المطبعة البطريركية

وميخائيل هذا تربى في المطبعة على يد الشماس توما ديبو المعلوف منذ كان صبيا صغيرا تم تعيينه للخدمة فتعلم اصول الطباعة من معلمه الحاذق الشماس توما منذ ١٩١٣ وحت ى تصفية المطبعة وبيعها من قبل لجنة تصفية ديون البطريرك غريغوريوس حداد التي شكلها خليفته البطريرك الكسندروس طحان منذ توليه السدة البطريركية ١٩٣١ لحصر الديون التي ترتبت على البطريرك غريغوريوس نتيجة افعال الرحمة واطعام الجياع في فترة مجاعة سفر برلك بين ١٩١٤-١٩١٨ ورهن اوقاف البطريركية والاستدانة بفوائد فاحشة وخاصة من اغنياء مسيحيين ومرابين يهود ورهن او باع مقتنيات الكنائس والادير البطريركية الذهبية والفضية ومنها على سبيل المثال لا الحصر صليب لاطية ماسي هدية من القيصر الروسي نقولا ( الشهيد بيد البلاشفة ١٩١٧مع عائلته) اهداه اياه عام ١٩١٣ لرئاسة البطريرك غريغوريوس احتفالات ال رومانوف باعتلاء كري روسيا منذ ٣٠٠ سنة وقد رهنه على الف ليرة ذهبية عند صائغ يهودي وفك رهنيته تاجر ثري مسلم دمشقي كان صديقا للبطريرك واعاده الى البطريرك بقوله ” او هل يليق بغير البطريرك غريغوريوس ان يتتوج بهذا الصليب؟” ولكن البطريرك مالبث ان باعه خلسة مجددا ليطعم الجياع واقتنى صليبا من الزجاج للتورية. ونشير على ان مطالبات الدائنين لم تتوقف منذ تاريخ الاستدانة الى وفاة البطريرك غريغوريوس الرابع والازمة البطريركية من ١٩٢٨- ١٩٣١ الى حين بطريركية السيد الكسندروس واستقرار الاوضاع له بعد وفاة البطريرك ارسانيوس حداد ١٩٣٣ لذا شكل لجنة لحصر الديون وكان منها رواتب العاملين في البطريركية والكهنة والديون بانواعها وقر الرأي على بيع مايمكن بيعه وهو بات خاسرا وكان منها المطبعة البطريركية التي لم تعد تطبع مجلة النعمة منذ ١٩١٤ بدء الحرب العالمية الاولى… لذا بيعت المطبعة لصاحب مطبعة ابن زيدون الدمشقي السيد بيضون… وكان من الشيعة سكان محلة الامين في الشارع المستقيم وكانت مطبعته في تلك المنطقة، وقد توقفت هذه المطبعة كذلك، اما مدير المطبعة البطريركية السيد ميشيل حموي فبعدما استوفى ديونه وهي عبارة عن رواتبه المتراكمة وتعويضه عن فترة خدمته المطبعة البطريركية طيلة الفترة من ١٩١٢- ١٩٣٣ قام بتأسيس مطبعة خاصة باسم مطبعة باب توما الحالية والشهيرة حالياً بمطبعة اسطفان وقد عمل عنده السيد وليم اسطفان الذي صاهره بعد ذلك وهي اليوم من المطابع الدمشقية المتميزة.