المعاجم الثنائية اللغات وتاريخها ( الجزء الثاني)
تمهيد
موضوعنا بالرغم من أهميته وتشعب الأطراف قليل المراجع، ولكنه موضوع قيّم جدير بتسليط الضوء عليه…
وهو يظهر للمتابع مدى تطور اللغة العربية منذ ظهور اول قاموس عربي اجنبي او اجنبي عربي، ويلاحظ كيف اتسع صدر العربية للعديد من الالفاظ الدخيلة والمولّدة التي ساعدت كثيراً على تطور لغتنا الجميلة، وجدير ذكره بهذه المناسبة ان فريقا من علماء اللغة كانوا يظنون الى وقت قريب ان الدخيل او المولد الذي دخل اللغة في مراحلها المختلفة يحط من قدر العربية ويشينها، لأنهم يريدون بقاءها خالصة من الشوائب منزَّهة عما يسمونه فساداً، وهمُّهم ان تبقى اللغة كما تسلمناها من عرب البادية دون زيادة او نقصان. وهذا ولا ريب رأيٌ ملتَوٍ لا بد من تقويمه، لأن الباحث المدقق اذا نظر الى لغات البشر قديمها وحديثها ميته وحيّها، راقيها وسافلها واخذ في استقرائها، وجد انها تنمو وتتوالد وتتكاثر متأثرة ً بناموس التطور والارتقاء.
مقارنات
كان عدد مفردات اللغة الإنكليزية مثلاً منذ عهد غير بعيد لا يربو على الثلاثين الف كلمة فبلغت اليوم ما يزيد على ربع مليون كلمة أكثرها من لغات ٍ غير لغة الإنكليز وذلك بفضل قبولهم بما تسرب الى الإنكليزية من الفاظ غريبة وتعابير جديدة واصطلاحات مستحدثة من اللغة اللاتينية واليونانية والفرنسية وحتى من لغات افريقية، ولم يرى الإنكليز في ذلك انتقاصا من قدرهم او إضراراً بسمعتهم لأنهم يعتقدون ان اللغة وسيلة لا غاية وان الالفاظ آلات والمعاني غايات.
فاللغة بمثابة كائن حي، وهي خاضعة لناموس التغيّر والتحوّل، لذلك فهي تحيا وتنمو وتبلغ اشُدَّها، ثم تهرم وتموت ويتولد غيرها ليحل محلها كلما شاخت وبطل استعمالها.

تطور العربية
كانت اللغة العربية عند نشأتها كغيرها من اللغات مؤلفة من أصول قليلة والفاظ فطرية، ولولا أولئك اللغويون الذين توفروا على جمع شتاتها من افواه العرب الاصلاء، وادخارها في بطون أمهات الكتب اللغوية للحقت بما ضاع من الالفاظ وخاصة عند حملات التتريك، او تبعثرت في زوايا الإهمال والنسيان، واكثر من ذلك، اذ لولا أولئك اللغويون ومؤلفو المعاجم اللغوية (من الذين ذكرناهم في الجزء الأول من تدوينتنا هذه)، ولولا جهودهم الجبارة للم شتات اللغة وجمع اشتات العرب واخبارهم وأمثالهم والفاظهم وعلومهم وآدابهم لانقرضت هذه اللغة ، او على الأقل توارت مع شقيقاتها الساميات التي صنفت في اللغات الميتة ويعاد احياء مواتها الآن واستخراجها من بطون الكتب وخاصة الدينية منها…! فالى هؤلاء اللغويين الجهابذة يرجع الفضل في بقاء لغتنا العربية العزيزة التي هي فخر كل عربي صميم ومصدر اعتزازه وانفته وبالذات المتنورون المسيحيون الشوام في القرن التاسع عشر وتحديداً في اواخره الذين نادوا بالقومية العربية واحيوا لغتنا وطوردوا وبعضهم علق على اعواد المشانق التركية ١٩١٥ و١٩١٦ في القدس وبيروت ودمشق بيد حكومة الاتحاد والترقي التركية الطورانية المتعصبة وابرز رموزها جمال السفاح.
لقد تهيأت للعربية أسباب النمو والارتقاء في صدر الإسلام، وعلى الرغم من ان اللغة كانت يومذاك غزيرة المادة والألفاظ إلا انها لم تكن كافية للتعبير عن حاجات الأمة المختلفة لأن الانقلاب الذي احدثه دين الإسلام الوليد لم يكن دينياً فحسب، بل كان سياسياً واجتماعياً اوجد متطلبات لم تكن موجودة من قبل في مجتمع مكة والمدينة ثم كل الجزيرة العربية، لذلك استُحدثت في عصره الفاظ للتعبير عن الاصطلاحات الدينية الجديدة ووُضعت مبادئ لبعض العلوم الطبيعية والرياضية والطبية والصناعية، وتهذبت الفاظ اللغة وذلك بتجنب حوشيّ الالفاظ محاكاةً للقرآن الكريم الذي ظهر في ذلك العهد، واتسعت مادة المعاني لارتقاء الفكر وتثقيفه بالنظر الصحيح في أمور الدين الجديد والملك، والاقتباس من حضارة الروم والفرس، وتنوعت صور الخيال، واتسعت دلالة الألفاظ وتولدت معانٍ حديثة من معانٍ قديمة، ودخلت الى اللغة طائفة كبيرة من الكلمات المعربة او الدخيلة، واعني بالدخيلة كل كلمة اعجمية أدخلت الى العربية.
ثم بدأ عصر التوسع الإسلامي خارج الجزيرة، فتوغلوا في بلاد واقطار لم يكونوا يعرفونها وحكموها، وتزاوجوا من شعوبها، ودخل الكثيرون من هذه الشعوب في الاسلام دين الحكم والحكام الجدد، وتم انشاء الدول الإسلامية وتنطيم اداراتها ودواوينها، ووضعت أسماء لهذا التنظيم السياسي والإداري لهذا النظام الجديد لم تكن معروفة من قبل، فاضطروا الى استعمال كلمات وتعابير دخيلة من تعابير الاقوام رومية في بلاد الشام وآسية الصغرى وفارسية في بلاد ما بين النهرين وفارس، ورومية وقبطية في مصر وشمال افريقيا وامازيغية في المغرب…ثم اسبانية في شبه الجزيرة الايبيرية، ومعظم هذه الارجاء كانت أنظمة الحكم فيها عريقة كالروم والفرس والاسبان…وفيها الكثير من التعابير والمصطلحات السياسة والإدارية…
ويمكن اختزال ذلك في العصرين الراشدي والاموي، واتى الطور الثالث وذلك زمن العصر العباسي وخاصة في عصر هارون الرشيد وابنه المأمون، عندها ترجمت الى العربية من اللغات اليونانية والفارسية والهندية والكلدانية والقبطية والاشورية والسريانية، كتب الفلسفة والمنطق والطب والنجوم والرياضيات والادب والتاريخ والكيمياء والتشريح وغيرها، ووُضع آنذاك كثير من مصطلحات العلوم والصناعات، وصيغت كلمات جديدة في جميع العلوم المعروفة في ذلك العهد وعُرِّبَ الكثير من الفاظ الأمم التي لاءمت الذوق العربي. وطرأ تطور كبير على العربية كان من نتائجه خلق لغة علمية تقاس بمعيار المنطق والبرهان العقلي، ولغة أدبية متعددة الصور والالوان تجلت فيها جزالة في اللفظ وانطلاق طرق التشبيه والكناية والاستعارة.
ثم ان هنالك عاملاً رابعاً طوّر العربية واوجد انقلاباً عظيماً فيها، وكان ذلك في عصر محمد علي باشا حاكم مصر عام ١٨٠٥، فقد نقل المعربون من علماء وأطباء ومهندسين عشرات الكتب من الإيطالية والفرنسية في العلوم الحديثة كالرياضيات والطبيعيات والجراحة والعسكرية، وقد ساهمت مدرسة “قصر العيني” في القاهرة بقسط كبير في هذا الانقلاب اذ قام فيها من جهابذة الأساتذة مَن نقلوا بعض ما كان ضرورياًً من العلوم العصرية الى العربية فوضعوا مصطلحات علمية تقابل المصطلحات الغربية.
اما العامل الخامس الهام فكان ما قام به المُرسَلون الأجانب من رهبنات لاتينية يسوعية وكرملية و… وارساليات بروتستانتية ايرلندية ودانماركية وانكليزية واميركية والجمعية الإمبراطورية الفلسطينية الروسية الارثوذكسية في بلاد الشام ( سورية الطبيعية) ما قبل مجزرة ١٨٦٠ واستشهاده فيها القديس يوسف الدمشقي ( الخوري يوسف مهنا الحداد الدمشقي) باعث المدارس الاسية الدمشقية الارثوذكسية المؤسسة عام ١٦٣٥، الذي كان ينقح معربات المرسلين البروتستانت من الكتاب المقدس عن اليونانية وقبل الطبع في مطبعتهم في مالطا وقد استشهد بمجزرة دمشق ١٨٦٠
وتابع هؤلاء المرسلون منذ عام ١٨٦٠ وما بعده في تأليف المعاجم العربية والثنائية ونقل الكتب العلمية الى العربية بالاشتراك مع عدد من المعلمين السوريين واللبنانيين في ذلك الحين كالدكتور بشارة زلزل والمعلم بطرس البستاني ورهطه من البستانيين والشيخ ناصيف اليازجي وابنه الشيخ إبراهيم والشيخ يوسف الأسير واحمد فارس الشدياق واديب اسحق والشيخ إبراهيم الحوراني وغيرهم …، فضلاً عما قام به كبار الأساتذة في الجامعة الأميركية ( الكلية السورية البروتستانتية آنذاك) وفي مقدمهم المستشرق الأميركي الدكتور فانديك من الجهود المشكورة في نقل عدد من الكتب العلمية الى اللغة العربية.
وثمة عامل سادس اليه يعود الفضل في إيجاد نهضة علمية لغوية كان لها اعظم الأثر على تطور اللغة العربية وعلى استحداث مصطلحات عربية في مختلف العلوم والآداب والفنون تقابل المصطلحات الغربية العصرية بل كان لها اعظم الأثر على امداد المعاجم الثنائية اللغات بكلمات جديدة ومصطلحات جديدة سهلت على المترجم ترجمته وعلى المؤلف تأليفه، وهذا العامل مردُّه اولاًً:
-حركة التعريب التي قامت في مصر وبعض البلاد العربية منذ العقد الثالث من القرن ٢٠، اذ تُرجم العديدُ من الكتب الإنكليزية والفرنسية في مختلف العلوم . واستحدث المعربون مصطلحات عربية تلائم المصطلحات الأجنبية.
-تأسيس المجامع اللغوية في كل من سورية ومصر والعراق بين ١٩٢٠ وكان مجمع دمشق أولها في عهد الملك فيصل وبين ١٩٣٢ فقد اخذت هذه المجامع على عاتقها المحافظة على سلامة اللغة العربية وجعلها وافيةً بمطالب العلوم والفنون في تطورها، وعين مجمع اللغة العربية المصري بين أعضائه العرب عدداً من المستشرقين الأجانب ينتمون الى جنسيات مختلفة وتعاونوا معاً على إيجاد الفاظ ومصطلحات عربية تتفق مع المصطلحات العلمية والفنية في اللغتين الإنكليزية والفرنسية.
انتهى الجزء الثاني من تدوينتنا عن المعاجم الثنائية.
