الموسيقى البيزنطية بيزنطية(1)
مدخلنا
– رد من الشماس د. يوحنا اللاطي على رأي السيد المهندس ملاتيوس جبرائيل جغنون (جغنون من الآن فصاعداً) في ان ” الموسيقى البيزنطية ليست بيزنطية بل سورية” مقال جغنون نشر في النشرة البطريركية (1 العدد، عام 2000) ورد الشماس اللاطي في النشرة البطريركية (4 العدد، عام2000)
الرد: الدافع أننا وجدنا في رأيه هذا شيئاً من قسوة تاريخية وشيئاً من تسرع في الاستنتاج التاريخي. الهدف من ردنا، إقامة البرهان على ان الموسيقى الرومية لايمكن ان تكون سورية رغم تأثرها الجذري بالسوريين. لذلك نلخص مقالة جغنون في القسم الاول، وفي القسم الثاني، نقَّيم أقواله ونقوِّمَها مبرهنين على سمة موسيقانا الرومية، ونقدم في القسم الثالث، رأينا في خلاصة علمية.
اولا يرى جغنون أن النعت “بيزنطية” أُلصق بالموسيقى السورية لصقاً، وانه يجب استبداله لأن فيه تشويهاً للتاريخ الذي يقول أن موسيقانا الكنائسية اسسها سوريون وطورها سوريون في البلاد السورية، ويدعو في الخاتمة الى نزع اللصيقة “بيزنطية” التي حملتها وتحملها الكنيسة كمسلمة تاريخية.
بقدم جغنون أولاً عرضاً عن بيزنطية التاريخية، وكيف صارت مدلولاً على الامتداد الاحتلالي الذي شمل فيما شمل البلاد السورية(2) ثم يذكر حريصاً التبادل الثقافي الذي نتج من جراء ذلك والذي كان فيه للسوريين إسهام كبير في كافة الفنون كالعمارة ورسم الايقونة والموسيقى.
ينتقل جغنون بعد ذلك ليؤكد على ان “ماسمي بيزنطياً” اذا ما اعتبرنا فن العمارة لم يكن بيزنطياً بل كان سورياً صرفاً أو يكاد، انتجته قرائح سوريين معروفين بأسمائهم،انما خلال الفترة البيزنطية، ويعمم ويقول إن ” مايسمى بالموسيقى البيزنطية فهي الأخرى ليست بيزنطية. ولكي يبرهن على ذلك استعرض سريعاً هذه الموسيقى في تطورها التاريخي، ووافياً في انواعها الأدبية الليتورجية ( الطروبارية والقنداق والقانون مع الاكتفاء بذكر الاستيخن والايباكويي والأفشين كأنواع أخرى. ويعود ليؤكد من جديد على ان هذا الارث يوناني بلسانه لسان ذلك العصر، غير انه سوري بروحه.

ثانياً ان جغنون يستند في كل هذا فقط على ماذكرته الموسوعة البريطانية (والاميركية)، رغم انه يذكر شيئاً عن مراجع أخرى تؤيد أقواله أهمل ذكرها لضيق الوقت. لذلك، سنعتبر في ردنا المرجعينْ السالف ذكرهما فقط.
من وجهة نظر منهجية، عندنا مآخذ على ماتفضل به جغنون
أ) إنه كباحث ، يبدو انه باحث جيد، وهذا الأمر لايجب ان يخفاه، في تنظير على مسألة من هذا النوع وبهذا المستوى ، لايكفي أن يستند فيه على مرجع واحد أو اثنين، هما، فوق ذلك، مرجعان شعبيان Ouvrages de vulgarisation
ويتوجهان الى العموم وليس الى المختصين.
ب) هناك فرق بين الاقتباس والترجمة: إن المعلومات العديدة التي ذكرها جغنون والتي تختص بالموسيقى البيزنطية( تحت العناوين:”ماهي بيزنطة؟، نشأة الموسيقى البيزنطية”. “نبذة عن المكونات الرئيسية للتراتيل البيزنطية”) ليست سوى ترجمة من باب المسؤولية والأمانة العلميتين.
ج) في معرض حديثه عن نشأة الموسيقى البيزنطية، وهذا مأخذنا الأهم ، ترجم جغنون فقط جزءاً من نص الموسوعة البريطانية الذي يحكي عن هذا الشيء، قال: “قبل حل رموز التنويط والتدوين للجملة الأساس للتراتيل الليتورجية البيزنطية في الربع الثاني من القرن 20(3) كان يُعتقد ان الموسيقى البيزنطية تحدرت من الموسيقى الاغريقية (اليونانية القديمة). وفي الحقيقة ان الترتيل البيزنطي شأنه شأن الترتيل الذي ينحدر اساساً من الليتورجيا السورية-الفلسطينية…”، وتوقف هنا. لكن النص الأصلي لايتوقف هنا بل يضيف ماترجمته ” التي ورثت ممارسة المجمع اليهودي…”
اذا كان جغنون مصيباً فيما يذهب اليه فهذا يعني ان الموسيقى السورية يهودية وليست سورية، وان الموسيقى اليهودية مصرية وليست يهوديةنظراً لتأثرها الشديد بالموسيقى المصرية الفرعونية…
فيما خص الشكلين الليتورجيين الطروبارية والقنداق، فهما عموماً متحدران من اصل سوري كما يقول جغنون. وهذا تؤكده (بتحفظ) كافة المراجع ( راجع الموسوعات المذكورة Cwellesz (1971) و Grosdidier de Matons 1977 ولكن ليس من جزم (كما ان جغنون لايقول شيئاً) في مصدر القانون.
غي اننا نعلم علم اليقين أن الكنيسة السريانية أخذته عن الكنيسة الرومية كما أخذت أنواعاً أخرى كالقوفوليون والكاثشماطات (راجع يوحنا ابراهيم1996 وحبيب العرب 1995).
بعد القرن التاسع وبسبب الاسلام انتقلت المركزية الرومية من سورية الى القسطنطينية الى دير الاستوديون وهناك ازدهر النظم من جديد . الف الكثير من القوانين وكافة انواع الليتورجية الأخرى الأيوثينات والاكسبستريات والأنافثمي والايذيوملات والاستيشيرات. الناظمون كانوا قسطنطينيين في غالبيتهم ، وكان هناك الصقليون. كان هناك البطاركة القسطنطينيون وحتى الاباطرة الروم كلاون الحكيم في القرن التاسع الف الأيوثسنات الأحدى عشرة، وقسطنطين القرن العاشر الأكسبستلاريات الأحدى عشر، وهناك الموسيقية المبدعة كاسياني. هؤلاء ليسوا بسوريين، وألفوا الكثير الكثير( راجع الاسقف يوحنا يازجي و Wellesz 1971 )
ثم هناك فترة المركزية الايطالية بعد القرن 11 في دير الكريبتو فاريس، وفي صقلية حيث استمر النظم والتلحين رغم منع الكنيسة ذلك حينها، وهذا الدير الى اليوم مركز دراسات رومية مهم جداً لما حفظه لنا من مخطوطات ويؤكد الأسقف يوحنا يازجي أن الذين وُجدوا هناك في تلك الفترة لم يكونوا فقط سوريين. كان هناك المصريون ايضاً والصقليون. ليست الموسيقى الرومية نظماً شعرياً ملحناً وحسب لكن هي كذلك تلحيناً، اذ انه بعد القرن 11 كانت تكرست فترة الموسيقيين أو المايسترو. ازدهر التلحين الموسيقي واعتنت النصوص القديمة في تلحينها، وتطوير التدوين من اعلاني الى مقطعي الى اختزالي وتطور الايصون كثيراً، وفي هذه الفترة لعبت الاديرة اليونانية – وخاصة في جبل آثوس – دوراً كبيراً في الحفاظ على التراث. وبعد القرن 16، مع الاتراك، عادت المركزية بقوة الى القسطنطينية (الفنار او بطريركية القسطنطينية) وعاد التراث باللغة اليونانية الى الحياة. في هذه المرحلة ، تطورت الألحان أكثر فأكثر وحصل الاصلاح الخريسانثي ( القرن19). ونقل عدد كبير من المخطوطات القديمة (ذات التدوين الاختزالي) الى التدوين الجديد ( التحليل الخطي) ولاتزال القسطنطينية الى اليوم مركز الاشعاع الموسيقي الرومي، فإن غالبية بروتوبسالت اليونان تتلمذوا فيها.

في القرن 20 ، وبسبب السياسة التركية المحاصرة للقسطنطينية، تحولت المركزية الى اليونان. رغم التعريب المِرّي (نسبة الى البروتسالتي متري المر) والنهضة الناشئة عموماً في كنيستنا الانطاكية، لاتزال عيون كل من يحب الترتيل ويجيده تنظر الى اليونان والى آثوس كمركز للالهام الموسيقي( رغم هذا الواقع فإن المرتلين اليونان اليوم يهتمون جداً بطريقة التلحين الرومي السوري. وهذا نلمسه من احتكاكنا واحتكاك الآخرين بهم. متري المر السوري ( العربي) رغم انه أخذ النفس اليوناني عن معلمه الا انه مازال يُدهش اليونانيين ارباب الترتيل بما أنجزه من تلاحين واوزان…
هل سيأتي او سيعود يوم يُترجم فيه غيرُنا ألحاننا؟
ثالثا بعد هذا العرض المقتضب للمسيرة الموسيقية الرومية نخلص الى أنها
1- ولدت في سورية، في كنف السوريين بلغة يونانية.
2- أخذت أشكالها من السوريين ومن اليهود على الاقل.
3- تمت في القسطنطينية، وفي ايطاليا، وفي اليونان بلغة يونانية وربما احيانا بلغة سريانية.
4- عادت لتنمو من جديد في الأرض السورية بلفة عربية، بناء عليه لانرى سبباً مباشراً يضطرها لأن تكون سورية بدلاً من ان تكون رومية، خاصة وان ماكان سورياً في روحه – نعني القنداق – اندثر بشكل شبه كامل، وحل محله القانون الرومي الذي عليه نسجت الكنيسة اللاحقة اجمل ماتملكه اليوم. هناك الرومية إذا بروحها وبشكلها وهناك السورية بروحها وبشكلها وكلتا الأمتين استعارتا الواحدة من الأخرى.الابن ابن الأب لكنهما كيانان منفصلان ومستقلان.
الموسيقى السورية أو السريانية عظيمة ورائعة،لكن الرومية شيء مختلف انها اخت العظمة ( والبساطة) رفيقة الملوك ( والفقراء)، عشيرة الكاتدرائيات ( والقلالي) . في روما الجديدة القسطنطينية ايام يوستنيانوس القرن السادس، كانت آجيا صوفيا التي بناها عشرة آلاف حرفي تضم ستين كاهناً ومائة شماس، واربعين شماسة، وتسعين مبتدئاً، ومائة وعشرة قراء، وخمسة وعشرين مرتلاً ومائة حارس للابواب.
نحن روميون، ولن نترك ذلك لأن الله أراد أن تعيش الرومية، وان تكتب مجداً موسيقياً اشترك فيه الفقراء والاباطرة معاً. اشترك فيه كل من أحب المسيح حباً صادقاً ظاهراً نقياً حتى صار له ايقونة تعلق في كنائسه وصوتاً “يجلجل في جنبات كنائسنا” كما تفضل جغنون.
خاتمتنا نحن
في هذه التدوينة لمثلث الرحمات قدس الاب د. يوحنا اللاطي الصديق الحبيب، والصديق زميلنا ومساهمنا في قسم الابحاث والدراسات (سابقاً) في مجلس كنائس الشرق الأوسط المهندس الآثاري ملاتيوس جغنون مساجلة في غاية الاحترام رد فيها الاب يوحنا وكان شماسا بمقالته (تدوينتنا) “الموسيقى البيزنطية بيزنطية” على مقال المهندس ملاتيوس (تدوينتنا في موقعنا هنا) “الموسيقى البيزنطية ليست بيزنطية بل سورية”
ونشير هنا الى صفات الاب يوحنا فهو علم من اعلام الموسيقى الرومية ويكاد يكون الاول في كرسينا الانطاكي المقدس من حيث البحث والتدوين والتأريخ الموسيقي الرومي فلقد دون كل متروكات المرتل البروتوبسالتي ايليا الرومي ( في موقعنا هنا) اضافة الى كونه يحمل دكتوراة في اللسانيات وآداب اللغة الفرنسية لذا هنا رده بليغ الحجة، بينما صديقنا هو متميز بالاركيولوجيا وعلم الآثار واللغات اليونانية والارامية والفينيقية واللغات الميتة في بلاد الشام. ولكنه ليس بمقدرة الاب يوحنا في الموسيقى الرومية… اطال الله في عمره…
بينما ارتقى الاب يوحنا شابا مليئا بالحيوية والنشاط بداء الكورونا مأسوفا عليه ويقينا لو بقي على قيد الحياة لكان تابع في ايقظ التألق للموسيقى الرومية البديعة واذكر اني من حوالي 45 سنة ايتنجدت به ليقتني لي مجموعة كتب الموسيقى الرومية للبروتوبسالتي متري المر فاقتناها لي ومن دير البلمند وتزاملنا في الترتيل والبحث التاريخي والتدوين لاعلام كرسينا في الترتيل (هنا في موقعنا)
لروحه الرحمة المسيح قام وليكن ذكره مؤبدا.
حواشي
1- مقال للشماس يوحنا اللاطي ( الاب المرحوم الصديق د. يوحنا اللاطي نشره في العدد4 في النشرة البطريركية رداً على مقال للصديق الآثاري المميز الصديق المهندس ملاتيوس جغنون نشرته النشرة البطريركية في عددها 1 لعام 2000، (ونشرناه هنا في موقعناوننشر الرد عليه هنا) ونحن بتنا نرفض هذه التسمية المغرضة المدعوة بيزنطية بدءاً من الامبراطورية الرومية الى الكنيسة الرومية الى الموسيقى والعمارة واللليتورجيا والفنون… الرومية ونكرر انها تسمية مغرضة اطلقها علماء البابوية بعد سقوط القسطنطينية بغية نزع صفة القداسة عنها وهي رومة الثانية وابقاء رومة واحدة هي الاساس والبابا هو نائب المسيح على الارض ، لذلك وصفوا الرومية بالبيزنطية نسبة الى المدينة الاساس الغارقة التي بنى قسطنطين في موقعها القسطنطينية وجعلها مدينة الله العظمى ومنع اقامة اي معبد وثني فيها واي طقس وثني فيها اي انهم باطلاق اسم البيزطية يعودون الى الصاق وثنية بيزنطية على القسطنطينية عاصمة المسيحية وكانت روما تعج بمعابد الوثن واقامة الطقوس الوثنية/ وللامانة ابقينا العنوان الاصلي ولكننا في الداخل استبدلنا ها بالرومية كما فعلنا بنشرنا مقالة جغنون”الموسيقى البيزنطية ليست بيزنطية بل سورية” هو توضيحنا…
2-لن نناقش هنا سوى مايتعلق بالموسيقى لأن كل ماهو تاريخي او فني من نوع آخر لامعرفة تخصصية لنا به.
3- هذه الجملة مبهمة جداً في شكلها، ويصعب جداً فهمها على من لايعرف شيئاً عن الابحاث التي تمت في اوربة في الربع الاول من القرن 20