انجيل برنابا المزعوم في ىداب اللغة العربية

انجيل برنابا المزعوم في آداب اللغة العربية

انجيل برنابا المزعوم في آداب اللغة العربية

“ذلك عيسى ابن مريم قولَ الحقِّ الذي فيه يَمترونَ”

(من سورة مريم)

تمهيد

يطلق اسم ” انجيل” ويونانيته “افنجليون” “Evangelion” عرفاً على تلك الأخبار والقصص التي وجدت بعد زمان السيد المسيح له المجد تقص اخباره واعماله واقواله التي وعظ بها، ومعجزاته وخوارق العادات التي قام بها مدة اقامته على الأرض.

والكنيسة في كل فروعها الارثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية لا تعترف الا بأربعة منها، هي على التتابع:

البشائر بحسب: متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا.

يقول عبد الوهاب النجار، صاحب كتاب ” قصص الأنبياء” في هذه البشائر ” الاناجيل” الأربعة، انه “لم يكتب منها شيء في زمان المسيح، الا بعد انتهاء امره – بالخاتمة التي انتهى بها – حتى قام بعض التلاميذ وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم وكتبوا قصصاً كثيرة. وكل واحد يسمي ما كتبه ” انجيلاً” حتى لقد قيل ان الاناجيل بلغت: نيفاً ومائة انجيل” (صفحة ٣٩٩). الى ان يقول “بأن انجيل برنابا كان واحداً من تلك الاناجيل التي أُلفتْ في قصة المسيح وان كان يمتاز عن سائرها بالبلاغة ودقة التعبير ويصرح بأمور لعلها هي التي “زهدت الكنيسة فيه حتى حرمه البابا جلاسيوس” (ص٤٠٤).

ونحن نرد بأن هذا الزعم هو باطل والدليل هو اجماع كل الكنائس بالرغم من اختلافها العقائدي بينها على البشائر الأربع لموثوقيتها سيما وان هذا الانجيل المدعى به لم يظهر الا في القرن السادس عشر ولم يظهر قبله…! وفي تدوينتنا عن هذا الانجيل الكاذب هنا في موقعنا بيّنا كما بيّن غيرنا كذب كاتبه الذي كان جاهلا بارض فلسطين وعادات اليهود وكل مجريات أيام وجود السيد وهو استمرار للهرطقات التي حاولت ضرب المسيحية بنسب كاتبه لاسم رسول عظيم الايمان هو قديس قبرص الرومية الذي باع حقله وطرح ثمنه عند اقدام الرسل ليستخدموه في التبشير بيسوع المسيح الاله المتجسد والفادي بجسده البشري كفارة على الصليب لجنسنا الخاطيء، كما في الكتب والنبؤات والعهد القديم فليعد من يريد معرفة كذب هذا المؤلف المزعوم الى تدوينتنا عنه وتدوينتنا عن الاناجيل المنحولة هنا في موقعنا.

مشى كثيرون على نهج النجار قديما وحاضرا ومعاصرا في نقض انجيلنا الإلهي وتحريفه باتهامهم للمسيحية بالابتعاد عن المصدر السليم  الا وهو كما يزعمون “انجيل برنابا” فهو الصحيح والقانوني عندهم، وكان منهم محمد أبو زهرة في كتاب ” محاضراته في النصرانية” طبعة القاهرة لسنة ١٩٤٢م و١٣٦١ ه، حيث يقول بالحرف الواحد:” لقد كتبنا خلاصة ما بَّينه المسيحيون في اناجيلهم الأربعة، واستنبطنا منها ما يدل على وجود انجيل أصيل، هي منه الفرع من الأصل…ويجدر بنا ان نتكلم في انجيل جديد قد كشف عنه البحث العلمي، وقد حمل من الامارات ما يدل على انه في نشأته  يمتد الى ابعد أعماق التاريخ المسيحي، وابعد اغواره، وهو يشبه الاناجيل القائمة في انه قصة المسيح من ولادته الى “اتهامه”. ويحكي محاوراته ومناقشاته وخطبه، ولكن الكنيسة لم تعترف به ونكرته فليس معتبراً عند المسيحيين مصدراً دينياً، ولكنه متداول بين علماء الأمم الاوربية، وقد اتجهوا اليه بالبحث والعناية والاهتمام ولم يمنعهم من ذلك انكار الكنيسة له، وذلك الانجيل هو انجيل برنابا…” (ص ٥٤ -٥٥ ).

جاء ذكر برنابا في اعمال الرسل أكثر من مرة، وهكذا في بعض رسائل رسول الجهاد الأمين بولس الرسول الى اهل كورنثس وغلاطية.

القديس الرسول برنابا
القديس الرسول برنابا

من هو برنابا، هذه هي خلاصة سيرته كما هي واردة في اعمال الرسل:

” وان يوسف الذي لقبه الرسل برنابا الذي تأويله ابن العزاء اللاوي القبرصي الأصل، كان له حقل فباعه واتى بثمنه وألقاه عند اقدام الرسل” ( اعمال ٤: ٣٦ و٣٧) بعد ان اعتنق المسيحية وترك علاقاته العالمية وابتدأ جهاده في نشر بشرى الخلاص بين العالم، وهو الذي عرَّفَ التلاميذ ببولس بعد ان اهتدى ورجع الى اورشليم: ” ولما اقبل بولس الى اورشليم، التمس ان يتصل بالتلاميذ لكنهم كانوا يخافون منه ولم يصدقوا بأنه تلميذ. فأخذه برنابا ودخل به على الرسل وبيّن لهم كيف رأى الرب في الطريق وانه كلّمه وكيف بشر باسم يسوع في دمشق بجرأة”(اعمال ٩ : ٢٦ و٢٧). ثم بعد ذلك ” اخذ بولس من طرسوس الى انطاكية، وترددا معاً سنة كاملة في كنيستها وعلما جمعاً كثيراً حتى ان التلاميذ دعيوا مسيحيين في انطاكية اولاً” (اعمال ١١ : ٢٥ و٢٦)، ثم حضرا مجمع اورشليم ( اعمال ١٥ : ٢٢ وغلاطية ٢ :١).

وذهبا مع ” يهوذا المسمى برسابا وسيلا الى انطاكية” ( اعمال ١٥ : ٢٣ – ٣٤). ثم ” أخذ برنابا مرقس (ابن اخته) واقلع الى قبرص” (اعمال ١٥ : ٣٩) بعد ان تشاجر مع بولس وانفصل عنه (اعمال١٥ : ٣٩ ـ٤٠).

ولا نعلم عن برنابا على وجه التحقيق غير ما تقدم الا ما ذكر بطريق العرض، كما توجد روايات كثيرة عنه، ولكن لايمكن ارجاع واحدة منها الى ما قبل القرن السادس .ومن جملتها انه حاول التبشير في مجمع سلمينا في قبرص (سلاميس) فجروه الى الخارج ورجموه حتى مات، وان جماعة حاولت احراق جسده فحبط مسعاهم، وان مرقس خلص الجسد ودفنه في مغارة، فثار اضطهاد تفرّق به المسيحيون ففُقِدَ مكان دفنه. وبعد ذلك بمدة أربعة قرون حاول بعض الهراطقة ان يعزلوا اسقف سلمينا الأرثوذكسي، فظهر برنابا ثلاث مرات للأسقف في الرؤيا وأخبره بالمكان الذي يمكنه ان يجد فيه جثمانه مع نسخة من انجيل متى موضوعة عليه، وبعد البحث وُجِد الجثمان مع الكتاب بخط برنابا. وربما اعتماداً الى هذه الرواية شكلت رواية انجيل برنابا. ويقال من دون سند راسخ ان برنابا كان اول اسقف لميلان، غير ان امبروسيوس لا يذكره مع الأساقفة الذين تقدموه في ذلك الكرسي. والكنيسة المسيحية تقوم باحتفال عيده في ١١ حزيران، وتدّعي كنيسة تولون بأن جسده عندها، وكذلك تفعل كنيسة قبرص التي اتخذت هذا القديس شفيعها وهو من أبنائها البررة، ولهذه الكنيسة مجلة دينية علمية باسم القديس برنابا (Ayos Varnavas)

وتدَّعي ثماني او تسع كنائس أخَرْ بأن رأسه موجود فيها، ونسب اليه رسالة معنونة باسمه، وكذلك انجيل مزور ولنا كلام فيهما كما يأتي.

رسالة برنابا

هي ليست رسالة، فلا عنوان لها ولا تحية، ولا خاتمة، ولا إمضاء، وهذه الاصطلاحات الأربعة من المميزات الخاصة بكل رسالة. غير انها كانت معروفة في أوائل الكنيسة واقتبس منها اكليمندس الاسكندري واوريجانس، وذكرها يوسيفوس المؤرخ والقديس ايرونيموس، وبقيت عدة قرون منسية حتى ظهرت بين المسيحيين في القرن السابع عشر في آخر نسخة مخطوطة لرسالة من رسائل القديس بوليكربوس، وفي الوقت نفسه ظهرت نسخة لاتينية منها طُبعت في باريس سنة ١٦٤٥. ولهذه النسخة اليونانية – اللاتينية طبعات كثيرة مع ترجمتين الواحدة الى الإنكليزية والثانية الى الألمانية.

وفي سنة ١٨٥٤ احضر “تيشندروف” من جبل طور سينا نسخة يونانية كاملة قد قسمت الى ٢١ فصلاً. واحسن نسخة لهذه الرسالة هي نسخة “هِنجنَفِلد” مع النسخة اللاتينية القديمة وحواش وتفسير، وقد طبعت في ليبيسيك سنة ١٨٦٤ ونشرت بالطبع للمرة الثانية في مجلة أمريكية سنة ١٨٦٥. وقد اختلف العلماء في صحة نسبتها الى برنابا او عدم ذلك. وعلى كل حال فان موضوعها لا يخالف أمانة المسيحيين وتعاليمهم. وهذه الرسالة بصورتها الحاضرة تنطوي على بابين:

احدهما نظري من سبعة عشر فصلاً ( ١- ١٧) والآخر علمي من الفصل رقم ١٨ الى ٢١.

هذا كلام وجيز في الرسالة المنسوبة الى القديس برنابا، شفيع الكنيسة القبرصية الرومية.

رسالة برنابا المزعومة
رسالة برنابا المزعومة

الانجيل الهرطوقي المنسوب الى القديس برنابا

امامنا منه الترجمة العربية التي قام بنقلها للعربية عن الإنكليزية  الدكتور خليل سعادة، ونشرت على نفقة مطبعة المنار لصاحبها محمد رشاد رضا منشيء مجلة المنار، وتم طبعها في مصر سنة ١٩٠٧. وهي في ٣٢٥ صفحة وعدد فصولها ٢٢١ فصلاً، ولتلك الفصول مقدمة هذا نصها بالحرف:

١-برنابا رسول يسوع الناصري المسمى المسيح يتمنى لجميع سكان الأرض سلاماً عزاء.

٢-أيها الأعزاء ان الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اخذها الشيطان لتضليل كثيرين بدعوى التقوى.

٣-مبشرين بتعليم شديد الكفر.

٤-داعين المسيح ابن الله

٥-ورافضين الختان الذي امر به الله دائماً

٦- مجوزّين كل لحم نجس

٧- الذين ضل في عدادهم ايضاً بولس الذي لا أتكلم عنه الا مع الأسى.

٨-وهو السبب الذي لأجله أُسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله.

٩-وعليه فاحذروا كل احد يبشركم بتعليم جديد مضاداً لما اكتبه لتخلصوا إخلاصاً ابدياً.

١٠-وليكن الله العظيم معكم ليحرسكم من الشيطان ومن كل شر آمين.

بمثل هذه المقدمة افتتح المدعو برنابا انجيله المزور بكلام الحاقد على بولس الرسول رسول الجهاد الأمين، مقدما هامة الرسل هذا بين الضالين والذين يضلون اتباع يسوع وقد سمى يسوع “النبي” فلو كان حقا رسول كما سمى ذاته وعايش يسوع لتذكر اعتراف هامة الرسل بطرس للرب يسوع:” انت هو المسيح ابن الله الحي”

وهؤلاء الضالين الذين يتحدث عنهم هذا المسخ” لا يتكلم عنهم الا مع الأسى” ومدعياً انه عاشر المسيح، ولذا فإنه “يتكلم الحق الذي رآه وسمعه” مباشرة من فم سيده.

والآن نسأل: هل كان هذا المدّعي الكاذب حقاً من معاشري المسيح كما يدعي؟ ومن الذي عَّرَّفَ تلاميذ الرب ببولس بعد ان اهتدى ورجع الى اورشليم، وأصبح فيما بعد رسول الجهاد ” المختار”؟

ان الرد على هذين السؤالين يدل بصورة قاطعة على فساد الانجيل المنسوب الى برنابا من المقدمة لغاية نهاية الفصل الأخير من هذا الكتاب، الذي بحق يعد عجيباً في بابه، وغريباً في وضعه، وهذا الكتاب يدعى “انجيل برنابا” والذين يدافعون عنه ويعترفون بصحة أقواله، لا شك فإنهم يفعلون ذلك لغرض في النفس، وغالباً فإن عمر الأغراض لم يطلْ مهما كانت محاطة تلك بأنواع الحماسة واشكال المسببات. فلنتصفح الآن الكتب العربية ابتداء من الدعوة المحمدية لغاية أواخر القرن السادس عشر، فلربما نجد بين طياتها كلاماً او شبه كلام يدل او يشير بالتلميح الى كتاب باسم “انجيل برنابا”.

في القرآن آيات كثيرة في اكثر من سورة تتكلم في شؤون لها علاقة قريبة او بعيدة ب “النصرانية” وشخصية مؤسسها من يوم ما “قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى” وهو “وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين” (سورة آل عمران)، الى أن ” قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق والذين كفروا الى يوم القيامة” (سورة آل عمران) وتتخلل هاتين الآيتين آيات كثيرة تتكلم في حمل مريم بالمسيح وولادتها إياه” فحملته (مريم) فانتبذت به مكاناً قصياً” (سورة مريم)، وكيف كانت مريم تفكر في أمر “فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئتِ شيئاً فرياً” (سورة مريم أيضاً)، وعن الانجيل “وقفينا (على آثارهم) بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه ومن التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور”. ومما يهمنا ان كلمة ” انجيل” جاءت في القرآن عدة مرات، بدون إشارة او تلميح الى “انجيل” باسم برنابا او منسوب اليه، وذلك لأنه لم يكن في زمن الدعوة المحمدية “انجيل” بهذا الاسم، ولو كان لأتت آية بذكره، كما يذكر القرآن بوضوح كلمات: “انجيل” (في السور: آل عمران، الفتح، المائدة، الأعراف الحديد) و”توراة” (في السور: آل عمران، المائدة، الصف، الفتح، الجمعة) و”زبور” (في السور: الأنبياء، النساء، اسرى). وبخصوص الزبور لدينا آيتان فيهما ذكر واضع هذا السفر:” وآتينا داود زبوراً” واننا نتوقع ان يقال: ” وآتينا برناباً انجيلاً” لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

انجيل برنابا المزعوم
انجيل برنابا المزعوم

في عصور تلت الدعوة المحمدية، من القرن العاشر حتى القرن السادس عشر الميلادي، لم ولا نجد فقرة تاريخية تشير الى وجود ” انجيل” للقديس برنابا. فهذا الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير من مؤرخي القرن العاشر (٨٣٩ – ٩٢٢م)، من ثقات المؤرخين العرب، وقد اشتهر بتاريخه المعروف باسم ” أخبار الرسل والملوك” في عدة أجزاء كبيرة. وله تفسير كبير للقرآن ” جامع البيان في تفسير القرآن” في ٣١ جزءاً، لم يذكر شيئاً عن انجيل باسم برنابا، غير انه في الجزء الثاني من تاريخه يخص النصرانية بثلاث صفحات، ذكر فيها اخباراً كثيرة عن يوحنا السابق ويسوع المسيح وتلاميذه، كما ذكر أسماء بعض الرسل وحادث صلب المسيح وموته وقيامته ورسالة ” الحواريين” لنشر الدعوة المسيحية. ولم يُذكر اسم برنابا وانجيله لأن انجيلاً باسم برناباً لم يكن اذ ذاك موجوداً ومعروفاً ” طبعة مصر سنة ١٣٣٦ه صفحة ٢٢ -٢٤”.

وفي القرن الحادي عشر للميلاد عاش الامام ابن حزم الاندلسي صاحب تاريخ عقائد الفلا سفة ومذاهبهم المعروف بكتاب “الملل والنحل” رصد في الجزء الثاني منه قسماً كبيراً ليكيل فيه على المسيحية وما اليها مجموعة ضخمة من الشتائم والإزدراءات ولكنه لم يذكر شيئاً عن انجيل باسم برنابا مع انه كتب عن الأناجيل المنسوبة كتابتها الى متى ولوقا ومرقس ويوحنا وسواهم. ولمّ ذلك؟ الجواب واضح، لأنه لم يكن اذ ذاك كتاب او انجيل باسم برنابا. ولو كان لقال بصراحة: هذا هو انجيل المسيحيين الأصيل والصحيح. وابن حزم معروف بسفاهته في كتاباته عن المسيحية وغير المسيحية وقد قال عنه تاج الدين السبكي المتوفي سنة ٧٥٦ه (١٣٥٥م) في طبقات الصوفية ان كتابه في ” الملل والنحل” من شر الكتب لما فيه من الازدراء بأهل السنة.

وأبو الفتح محمد الشهرستاني في خراسان، المتوفي سنة ٥٤٨ ه (١١٥٣م) أي في القرن المسيحي الثاني عشر، له كتاب قيّم في تاريخ الآراء والعقائد الفلسفية باسم ” الملل والنحل” حكي فيه بيان اعتقاد كل ملة بدون تعرض الى الذبّ او الانتقاد، وهكذا يتكلم عن الحواريين والاناجيل والانجيليين، ولم يذكر شيئاً عن انجيل برنابا لأنه لم يكن موجوداً ومعروفاً في أيامه ولا في الأيام التي سبقته بسنوات وأجيال.

وهذا أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي المتوفي سنة ٧٣٢ه (١٣٣٢م) له ” تفسير القرآن” كبير الفائدة، وتاريخ لغاية سنة ١٣٢٨ بعنوان سنة ١٣٢٨ بعنوان ” اخبار البشر” طبعة أولى بالمطبعة الحسينية المصرية (جزء اول) يحكي حكاية مفصلة عن الاسرة المقدسة، مستعيناً بكتب ابي عيسى المغربي وابن الأثير والشهرستاني، ويذكر فيما يكتبه ان ” الحواريين الذين اتبعوه اثنا عشر رجلاً وهم شمعون الصفا وشمعون القناني ويعقوب بن زندي (هكذا في الأصل) ويعقوب ابن حلقي (هكذا في الأصل) وقولوس (عن الأصل) ومارقوس واندراوس وتمريلا (؟) ويوحنا ولوتا (بدلاً من لوقا) وتوما ومتى وهؤلاء سألوه عن نزول المائدة…” الى ان يقول، نقلاً عن الشهرستاني ” ان أربعة من الحواريين وهم متى ولوقا ومرقس ويوحنا اجتمعوا وجمع كل واحد منهم انجيلاً، وخاتمة انجيل متى ان المسيح قال: ” اني ارسلتكم الى الأمم كما ارسلني ابي اليكم فاذهبوا وادعوا كل الأمم باسم الآب والابن وروح القدس…” (جزء اول صفحة ٣٥ و٣٦)، وها نحن نسأل: اين برنابا وانجيله في مصنفات ابي الفداء؟.

ومن مؤرخي العرب الذين ذاع صيتهم في القرن الخامس عشر، وتركوا لنا إرثاً أدبياً ضخماً منها: ” كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار” و ” رسالة في الأوزان والمكاييل الشرعية” و ” القول الإبريزي” وغيرها تقي الدين احمد المقريزي (١٣٥٩ -١٤٤١). وما يهمنا في تدوينتنا هنا من مؤلفات المقريزي كتابه الأخير “القول الإبريزي” المطبوع في القاهرة على نفقة مرقس جرجس. وفي هذا الكتاب حكاية مستوفية للمسيحية وما اليها من الآثار والأخبار المسيحية الخاصة بالديار المصرية وسواها. ويذكر المقريزي في كتابه هذا اناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا واعمال الرسل، وكتاب اكليمنضوس الذي يحوي بين طياته أوامر وتحريمات وغيرها، غير انه لم يشرْ الى انجيل باسم برنابا لعدم وجوده اذ ذاك.

ومؤرخو العرب المسيحيون الذين تركوا لنا مؤلفات هامة في شؤون دينية كنسية أمثال سعيد ابن البطريق (٨٧٧ – ٩٤٠)، واولاد العسال (القرن الثالث عشر)، وابن كبر (القرن الرابع عشر) وسواهم يجهلون تماماً انجيلاً باسم برنابا.

ولدينا طائفة كبيرة من رجال البحث الأجانب من سنة ١٨٤٠ لغاية ١٩٤٠ أجمعت في خلاصة ابحاثها المستفيضة عن شخصية المدعو برنابا المزعوم، وما تركه من الكتب بان له رسالة فقط، أما الانجيل المنسوب اليه فهو دخيل أي مزور من نوع الابوكريفا، وهاك بعض أسماء من هؤلاء البحاثة اللاهوتيين:

Hefele (1840)- Neitzacher (1863) – Kayser (1866) – Muller (1869) – Wieseler (1870) – Riggenbach (1873) – Heydecke (1874) – Bransberger (1876) – Cuntingham (1877) – Funk (1884) – Loman (1884) –  Weles (1888) – Hightfood (1890) – Harmis (1891) – Duchesne (1892) – Kadenze  (1900) – Bang (1900) – Georgesj.Dervos (1903) – Demitrios S. Mpalanos (1940).

ومما سبق يتبين لنا بوضوح جليّان “الانجيل” المنسوب الى القديس برنابا لم يكن معروفاً في مصنفات آداب اللغة العربية منذ الدعوة المحمدية، الموافقة لسنة ٥٨٥م لغاية القرن االسادس عشر او السابع عشر للمسيح، وكذلك يجهل وجوده ومعرفته علماء اوربه من لاهوتيين ومؤرخين، وقد اقتصرنا على ذكر أسماء عشرين منهم، عاشوا وصنفوا اثناء قرن بتمامه (١٨٤٠ – ١٩٤٠). اما اكتشاف اول مخطوط لهذا ” الانجيل” الغريب فيرجع تاريخه الى سنة ١٧٠٩ وهو باللغة الإيطالية موجود بين مخطوطات المكتبة الإمبراطورية في فيينا. غير ان (جورج صال  (Georges Sal

ناقل القرآن الى الإنكليزية (١٧٣٤) يزعم انه شاهد انجيلاً لبرنابا اقدم من الآنف الذكر ولغته اسبانية، ونعرف اليوم لهذا الكتاب المزيف غير الترجمتين السابقتين ترجمة بالإنكليزية ومنها الى العربية (١٩٠٧) وقام د. ميخائيليديس بنقل قسم كبير من هذه الترجمة العربية الى اليونانية، نشره في مجلة البطريركية الإسكندرية الارثوذكسية” إكليسيا ستكوس فاروس”١٩٤٤.

ويقول البستاني في دائرة المعارف بهذا الشأن: ” يوجد انجيل مزور منسوب الى برنابا في اللغة العربية، وقد ترجم الى اللغة الإنكليزية والاسبانية والإيطالية، والظاهر ان طائفة هرطوقية هي من زوّره، وقد جعله فوتيليريوس في قانونه الرسولي بين الكتب الأبوكريفية وقد حرمه البابا جيلاسيوس الثاني…”

لاشك ان هذا الكتاب ” الانجيل” مزّور. ولكن من الذي زوّره ونسج من مخيلته فصوله ال٢٢٢؟ حقاً بين طياته نلمس خيلاً وشعراً من الكوميديا الإلهية لدانتي، وجمالاً في الوصف، حيث يقول المزَّوِّر في الفصل (التاسع والستين بعد المائة): ” انظروا ما أجمل العالم في زمن الصيف حين تحمل كل الأشياء ثمراً؟ حتى ان الفلاح نفسه يثمل من الحبور بالحصاد الذي اتى فيجعل الاودية والجبال وترجّع غناءه، لأنه يحب أعماله كل الحب. الا فارفعوا اذاً قلبكم هكذا الى الجنة حيث تثمر كل الأشياء ثماراً على قدر الذي حرثها…”

جمال شعري ما فوقه جمال. ولمسنا ايضاً في هذا ” الانجيل” خلطاً ما فوقه خلط: أليس من فئة الخلط، وقلة او عدم معرفة صاحب ” الانجيل” لجغرافية وطوبوغرافية فلسطين ان يقول ويكتب في “إنجيله”: ” في هذا الزمن ذهبنا ويسوع الى جبل سينا عملاً بكلمة الملاك الطاهر وحفظ هناك يسوع الأربعين يوماً مع تلاميذه. فلما انقضت اقترب يسوع من نهر الأردن ليذهب الى اورشليم”. ( الفصل الثاني والتسعون).

نقول ما علاقة جبل سيناء ونهر الأردن هنا، والمسافة بينهما ليست بالصورة التي يصورها صاحب الانجيل المزعوم الذي كما يقول عن نفسه انه عايش السيد المسيح؟ ومن نوع هذا الخلط أمثلة كثيرة في الانجيل المنسوب الى برنابا.

ان إخواننا المسلمين لا يعترفون الا بهذا ” الانجيل” ويقولون بصحته فقط ويفضلونه على كل انجيل خلافه.  لا يمكن عد مناصريه والقائلين بتحريف انجيلنا الحقيقي والمؤسف ان هؤلاء من دكاترة الشريعة الإسلامية وأصحاب كتب مرموقة ونسج على منوالهم حتى الذين يسيرون على كلامهم من البسطاء، ولا يخجلون من المسيحيين بالجهر بالصوت ان انجيلكم مزور، او محرف والصحيح هو انجيل برنابا، حتى اني في ذات مرة كنت اكتب تدوينة لموسوعة رسمية عن الانجيل، وعندما راجعت مسودة المقال المنضد في مشروع الموسوعة فوجئت بإضافة ” انجيل برنابا” الى مقالي ولما سألت بانزعاج اجبت من مدير المشروع بأنه هو من أضاف تلك الإضافة، ومن الطبيعي رفضت وبقيت زمنا في نقاش تارة حاد وطورا صاخب واصر على الإضافة عندها سحبت مقالي واعتذرت عن الكتابة للموسوعة المذكورة.

وللعلم فان انجيل برنابا المزعوم ليس فقط يخالف الانجيل الذي تتبناه كنائس الدنيا ومليارات المسيحيين بل حتى يخالف القرآن الكريم…!

يقول القرآن

١-ان مريم حملت عيسى” فانتبذت به مكاناً قصياً. فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت ياليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً” (سورة مريم). اما كتاب برنابا فيقول ان مريم “ولدت ابنها بدون الم ووضعته في المذود” ( فصل ثالث ورابع).

٢- ” ان الله خلق سبع سموات” (سور: نوح والبقرة وحم السجدة والطلاق والأسرى).

اما برنابا فيقول: “ان السموات تسع وان بعضها يبعد عن بعض كما تبعد السماء الأولى عن الأرض التي تبعد عن الأرض سفر خمسمائة سنة”(الفصل الخامس بعد المائة والفصل الثامن والسبعون بعد المائة).

٣-القرآن يحرم “الخمر” (راجع السور: المائدة والبقرة والنور وسواها).

اما برنابا فيتلذذ بذكر الكرمة وعصيرها ومعصرتها(قابل الفصول: “وكما ان الخمر الجديدة توضع في اوعية جديدة، هكذا يترتب عليكم ان تكونوا رجالاً جدداً اذا اردتم ان تعوا التعاليم التي ستخرج من فمي(السادس عشر).

“غرس رب بيت كرماً وجعل له سياجاً لكي لا تدوسه الحيوانات، وبنى في وسطه معصرة للخمر واجّرّه لكرامين…” (السادس والاربعون)، وانجيل برنابا مليء بذكر الخمر والكرم والكرامين…

٤-ان القرآن يحرم قطعياً تناول بعض الأطعمة لأنها تدنسه حيث يقول: ” قل لا اجد في ما اوصي الي محرماً على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دماً مسفوحاً او لحم خنزير فانه رجس” ( سورة الانعام). اما برنابا فانه يعلم في انجيله المدسوس ” ان كل ما يدخل فم الانسان لا يدنسه، انما يدنسه كل ما يخرج من فمه”.

٥-ان القرآن الكريم يسمح بتعدد الزوجات بشرط، اذ يقول: “ان خفتم الا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” (سورة النساء)، انما كتاب برنابا المزّوّر لا يسمح الا بزوجة واحدة.

القديس برنابا الرسول
القديس برنابا الرسول

وخلاصة القول

ان من تدبر موضوع “انجيل برنابا” بتدقيق وإمعان، فإنه يجد فيه مادة كثيرة تخالف تعاليم القرآن الكريم، ولذا فان الدفاع عنه من وجهة إسلامية تأتي بعكس ما يرغب فيه الإسلام مع تبنيه. ان “انجيل برنابا” بصورته الراهنة من نسج القرن السادس عشر او القرن السابع عشر، ونرجح كما في بحثنا هنا في موقعنا ” انجيل برنابا في الميزان” و ” الاناجيل المنحولة” و…

ان واضعه كان راهباً ايطالياً قد اعتنق الإسلام لغرض في النفس، وقام بتحوير جذري للإنجيل المقدس المتبع اليوم ومنذ فجر التاريخ المسيحي، والا كيف دخلته فصول من الكوميديا الإلهية لدانتي المعاصرة لظهور “انجيل برنابا”.

كذلك فعل ببعض تعاليم القرآن. ان “انجيل برنابا” الزائف ليس بالكتاب المسيحي، إذ انه يشوه كثيراَ من آيات انجيل ربنا يسوع المسيح ببشاراته الأربع.

وفي ذات الوقت هو ليس بالكتاب الإسلامي، لأنه في قسم كبير من تعاليمه يخالف تعاليم القرآن، انه كتاب دخيل على النصرانية، مدسوس، ومن الكتب المعروفة بالأبوكريفا  (Apocryphoe)

انه كتاب لا يصلح لشيء الا للقراءة من باب التسلية والروايات التي يتصفحها القوم لتمضية الوقت وليس غير.

مراجع البحث

١-القرآن الكريم

٢-انجيل برنابا المدسوس من ترجمته العربية التي قام بها الدكتور خليل سعادة ونشرها منشئ مجلة المنار المصرية محمد رضا طبعة مصر ١٩٠٧.

٣-مقالة للدكتور نجيب ميخائيل ساعاتي بعنوان “انجيل برنابا في آداب اللغة العربية” باليونانية والعربية في مجلة المنارة الكنسية اليونانية الإسكندرية ١٩٤٤ و١٩٥٧ وفي مجلة النعمة البطريركية الأنطاكية ١٩٦٥.

٤- دائرة المعارف للبستاني، مجلد خاص في كلمة “برنابا”.

٥- كتاب “انجيل برنابا في الميزان” للاب الياس زحلاوي طباعة دمشق.

٦-محاضرات في النصرانية لمحمد أبو زهرة طبعة مصر سنة ١٩٤٢.

٧- كتاب “قصص الأنبياء” تأليف عبد الوهاب النجار طبعة مصر ١٩٥٣.

٨- مجلة ” المسرة ” الكاثوليكية سنة ١٩٦٥ عدد٥٠٢ بحث:” انجيل برنابا في الميزان”، للاب جورج فاخوري البولسي في توطئته:

” حدث في سنة ١٧٠٩، ان كريمر، أحد مستشاري ملك بروسية (المانيا)، عثر في احدى خزائن الكتب الخاصة في أمستردام، على مخطوطة بهذا العنوان” انجيل برنابا”، وفي سنة ١٧٣٨ اُهديتْ المخطوطة الى خزانة كتب البلاط الملكي في فيينا (النمسا) وفي أوائل القرن الثامن عشر، عثر على مخطوطة أخرى باللغة الاسبانية منقولة عن الإيطالية منقولة عن الإيطالية، قيل ان ناقلها رجل مسلم اسمه “مصطفى العرندي”.

وفي سنة ١٧٨٤ نقل “الدكتور منكهوس” الإنكليزي المخطوطة الاسبانية الى اللغة الإنكليزية. وكانت هذه الترجمة الإنكليزية هي التي نقلها الدكتور خليل سعادة الى اللغة العربية سنة ١٩٠٧، وتولت طبعها دار المنار في مصر لصاحبها محمد رشيد رضا، ثم اعادت طبعها مرة أولى سنة ١٩٥٤، ومرة أخرى سنة ١٩٥٨”.

انتهى الاقتباس من مقدمة الاب جورج فاخوري البولسي في جريدة المسرة الكاثوليكية سنة ١٩٦٥.

٩-” خلاصة الدين المسيحي” للأب  بولس الياس اليسوعي طبعة بيروت سنة ١٩٦٤، فيها كلام عن الاناجيل المزيفة وخصوصاً      “انجيل برنابا” ( صفحة ١٦-٢١)، ونقتبس منها ما يفيد تدوينتنا كما ترى: ” لقد تضاربت الآراء حول مؤلف انجيل برنابا. فقال بعضهم ان مؤلفه احد مسلمي الاندلس الذين ارغموا على اعتناق المسيحية او ترك البلاد الاسبانية بعد سقوط غرناطة بيد الاسبانيين في أواخر القرن الخامس عشر او يهودي اجبر على اعتناق المسيحية فأراد تشويه المسيحية ضداً بالإسبان المسيحيين ونشير الى ان الحكم الإسلامي في الاندلس اعطى الحرية الكاملة لليهود بينما كانوا محرومين منها قبل دخول الإسلام، وبعد انتصار الاسبان واسترجاع اسبانيا من المسلمين، ويتساوى الغرض في هذين المثالين مسلم ويهودي اندلسي وهو تشويه المسيحية.

وقال غيرهم ان مؤلفه راهب مسيحي إيطالي يدعى مارينو ترك الرهبنة واعتنق الإسلام في أوائل القرن السادس عشر، وقد الف هذا الكتاب المسخ غيرة منه على دينه الجديد، وقد نسبه بتسمية “انجيل” و”برنابا” وهو الرسول الغيور على الايمان المسيحي ورفيق بولس الرسول في التبشير به وهو قبرصي الأصل لكي يضفي عليه جلال القِدَمْ ويدعم نظريته “الهدامة”.

وهذا الرأي الأخير هو الاصح لأن النص الذي وصل الينا هو نص إيطالي يدل على انه وضع مباشرة بالإيطالية، ويتزامن مع دانتي الإيطالي وكوميدياه الإلهية التي أضاف كاتب هذا الانجيل الزائف أجزاء وفصول منها اليه!!!

يعني انه نص إيطالي وليس اسباني ونقل من الاسبانية للإيطالية.

عُثر على هذا المخطوط لأول مرة سنة ١٧٠٩ في أمستردام بهولندا وطبع لأول مرة بالإنكليزية في اوكسفورد ببريطانيا سنة ١٩٠٧، وتناولته جريدة النار المصرية بترجمته العربية للدكتور خليل سعادة وطبعه صاحب المنار محمد رشيد رضا على نفقته بشغف ولأول وهلة وعلق عليه رشيد رضا واعوانه بحيث وجدوا فيه دعامة جديدة للإسلام، لكنهم ما لبثوا ان نبذوه بعد ان تبينوا ما فيه من الاساطير والخرافات والاخطاء الجغرافية والتاريخية الفظيعة المنافية للإسلام.