ايقونة الميلاد
إن الرسم التقليدي لحدث ميلاد السيد له المجد، الذي نشاهده في الايقونات المطبوعة والذي بدأ مع الايقونة الروسية من القرن الخامس عشر، نجد انموذجها الأول مرسوماً على قارورات القرنين الخامس والسادس التي اعتاد الحجاج أن يحملوا فيها زيتاً من القناديل المضاءة في كنيسة المهد المقدس في بيت لحم في الارض المقدسة.
من الناحية الوصفية تُظهر لنا الأيقونة بالألوان ماننشده في صلاة العيد
“اليوم البتول تلد الفائق الجوهر والارض تقرب المغارة لمن هو غير مُقتَرَبٍ اليه، الملائكة مع الرعاة يمجدون والمجوس مع الكوكب في الطريق يسيرون لأنه قد وُلِدَ من اجلنا صبي جديد. الاله الذي قبل الدهور”.(قنداق العيد)
يضاف الى ذلك في الزاوية السفلى من الأيقونة مشهد آخر مبني على التقليد وعلى النص الانجيلي،”يوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ ان يشَّهرها أراد تخليتها سراً.” (متى 1:19).

اما من ناحية المضمون فلهذه الأيقونة وجهان أساسيان
إنها أولاً وقبل كل شيء تكشف جوهر الحدث الحادث بالذات. تجسد الله. وتضعنا أمام شهادة مرئية لعقيدة الايمان المسيحي الأساسية مبرزة بتفاصيلها في آن واحد ألوهة الكلمة الذي صار جسداً وناسوته.
وهي ثانياً تظهر لنا تأثير الموت على حياة العالم الطبيعية. وكأنما تُعطس رؤية شمولية لكل ذيوله. فميلاد المسيح على قول القديس غريغوريوس اللاهوتي الحديث” ليس عيد الخلق بل عيد إعادة الخلق”، عيد تجدد يقدس العالم أجمع. وقد جاء في كتاب سير الشهداء الروماني: ” لقد وافى الكلمة ليقدس الكون وليكرس لنفسه”.
بتجسد الله تكتسب الخليقة كلها معنى جديداً يكمن في القصد الالهي من وجودها ألا وهو تجليها الأخير. لذا فالخليقة بأسرها تشترك في الحدث، وحول الطفل الإلهي نشاهد في الأيقونة ممثلين عن العالم المخلوق بكامله. كل يؤدي خدمته الملائمة، وكما تنشد الكنيسة، كل يؤدي شكراً على طريقته:
” ماذا نقدم لك ايها المسيح لأنك ظهرت على الأرض كإنسان لأجلنا. فكل فرد من المبرؤات التي ابدعتها يقدم لك شكراً: فالملائكة التسبيخ. والسماوات الكواكب. والمجوس الهدايا. والرعاة التعجب . والارض المغارة . والفقر المذود . واما نحن فأمّاً بتولاً”.
وتضيف الأيقونةالى ذلك هدايا من عالميّْ الحيوان والنبات.
وأما من ناحية التركيب والمعاني فإن وسط الأيقونة الذي ترتبط به كل التفاصيل بشكلٍ او بآخر هو الطفل المقمط بأقمطة مضجعاً في المذود. والمغارة المظلمة صورة خلفية له.
في عظة منسوبة الى القديس غريغوريوس النيصصي نجد مقارنة بين ولادة المسيح في المغارة والنور الروحي المُشْرِقْ في ظلال الموت الذي يكتنف البشرية. ان فوهة المغارة السوداء في الأيقونة ترمز الى هذا العالم المبتلي بالخطيئة بسبب سقوط الانسان والذي أشرقَ فيه ” شمس الحق”.
إنجيل لوقا يتكلم عن المذود والأقمطة قائلاً: “وقمتطه وأضجعته في المذود” (لوقا 7:2). ثمالقفر للطفل الالهي. يذكرها فيما بعد كعلامة مميزة أعطاها الملاك للرعاة ليعرفوا من خلالها في الطفل مخلصهم ( لوقا 2 : 12). ويقول لنا سيتخرون العيد أن المذود كان تقدمة القفر للكفل الإلهي. وقد كشف هذه التقدمة القديس غريغوريوس اللاهوتي الحديث حين كتب :”انحنوا أمام المذاود التي من خلالها أنتم يامن كنتم اصحاء تترعرعون الآن بالكلمة”.
اي انكم تنمون متغذين بخبز الأفخارستيا. فالقفر ( وهو مكان غير مأهول ) الذي قدم مأوى للمخلص كان تحقيقاً لرسم العهد القديم. أعني القفر الذي أعطي فيه بنو اسرائيل مّناً من السماء. ان ذاكالذي أمطر المن خبزاً من السماء على الشعب المتجه من عبودية مصر الى ارض الميعاد أصبح هو نفسه خبزاً سماوياً لنا نتناوله في سر الشكر. فالمذبح في بناء الكنيسة يرمز الى القفر والحمل المقرب عليه تقدمة شعب العهد الجديد. أي الكنيسة. المتجه من عبودية الخطيئة الى الملكوت. المغارة والمذود والأقمطة، هذه كلها دلالة على اسحاق الله وتواضعه المتناهي إذ أنه، وهو غير المنظور بطبيعته، يصبح منظوراً في الجسد:
” يسوع… الذي إذ كان في صورة الله يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس، واذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت. موت الصليب” (فيليبي 2 : 5 – 8 ).
من أجلنا نحن يولد الله طفلاً في مغارة ويلف بأقمطة رامماً بذلك صورة مسبوقة لموته ودفنه ( المغارة رسم للقبر والأقمطة رسم للأكفان).
وفي المغارة بالقرب من المذود يقف ثور وحمار . الأناجيل لاتذكرهما ومع هذا فإنهما يظهران في كل ايقونات الميلاد بالقرب من الطفل الالهي مباشرة. تضعهما الكنيسة في وسط الايقونة مشيرة بذلك الى تحقيق ما ورد في نبوءة أشعياء النبي:”الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما اسرائيل فلا يعرف. شعبي لايفهم” (أشعياء 1: 3). في الميلاد تمت النبوءة. تذكرنا الأيقونة بهذا النص الكتابي وتدعونا مع يوحنا الانجيلي الى رؤية سر التدبير الإلهي وفهمه:
” كان النور الحقيقي الذي ينير كل انسان آتياً الى العالم. كان في العالم وكُّوِّنَ العالم به ولم يعرفه العالم الى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة رجل بل من الله”. (يوحنا 1 : 9 – 13 ).
ومما يلفت انتباهنا في الايقونة أيضاً هو وضع والدة الاله والمكان الذي تحتل في الرسم. انها في ” عيد إعادة الخلق هذا تجدد كل مولود على الأرض”.
إنها حواء الجديدة. فكما ان حواء الأولى أم الانسانية الخاطئة. فالعذراء مريم حواء الجديدة أم الانسانية المتججدة والمتألهة في المسيح المتجسد. “نقدم لك…أماً بتولاً” العذراء تقدمة الانسانية ذبيحة شكر على مذبح الله. بها يقبل الجنس البشري خلاثه إذ يذعن لعمل الله فيه ” ها أنذا أمة للرب”. ايقونة الميلاد تشير الى” العذراء الكنيسة” التي تتبتل الى الرب. ثوب العذراء في الأيقونة بلون الأرض . الانسان الترابي . وهي تتوسط الأيقونة محاطة بخدر أحمر وهو رمز آلام النفس العذريةفي جهادها المستمر في القداسة والتطهر. والعذراء مضطجعة قرب الطفل مباشرة وانما خارج المغارة إشارة إلى كلمات يسوع الأخيرة لتلاميذه:
“قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم … أيها الآب… الذين اعطيتني حفظتهم… أنا قد أعطيتهم كلامك والعالم أبغضهم لأنهم ليسوا من العالم… لست أسأل أن تأخذهم من العالمبل أن تحفظهم من الشرير. ليسوا من العالم كما اني انا لست من العالم. ولأجلهم أقدس انا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق. ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل من اجل الذين يؤمنون بي بكلامهم. ليكون الجميع واحداً كما انك انت ايها الآب فيّ وانا فيك ليكونوا هم ايضاً واحداً فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني” (يوحنا اصحاح 17).

تجتمع تفاصيل الرسم حول الطفل الالهي وامه تشهد لحدث التجسد ولتأثيره في العالم المخلوق بأسره ” لكي لايؤخذ التجسد على انه وهم” كما يقول لنا نيقولا ميزارتين.
اما الملائكة في الأيقونة فإنهم يقومون بخدمة مزدوجة: انهم يمجدون الله ويحملون البشرى السارة الى المسكونة . لذا فالبعض منهم يتطلعون الى فوق مسيحين الله والبعض الآخر يتجهون الى أسفل الى رجل منتصب وسط خراف يمثل الرعاة.
وينبعث شعاع طويل من النجم البادي في أعلى الأيقونة وهو يشير من جهة مباشرة الى المغارة في ثلاثة خطوط من نور ومن الجهة الأخرى يشير الى مجد الآب بخط مور واحد يربط النجم بهالة من نور تمتد الى خارج الصورة: الإله الواحد غير المدرك بطبيعته يتجلى لنا إلهاً ثالوثياً أباً وابناً وروحاً قدساً.
وفي الزاوية السفلى من الايقونة تفصيل آخر يؤكد ان ميلاد السيد له المجد “غلب نظام الطبيعة”. يبدو لنا يوسف الخطيب في الأيقونة على حدة خارج مجموعة الوسط أي الطفل وأمه . انه ليس الأب لمن “حبل به من الروح القدس بحال لاتفسر”. وامام يوسف راعٍ عجوز محني الظهر. إنه الشيطان يقف مجرباً. إن حضولار الشيطان ودوره كمجرب يكتسب معنى عميقاً بليغاً في ” عيد إعادة الخلق” هذا. فالأيقونة هنا تنقل فحوى بعض النصوص الطقسية المقتبسة من التقليد وهي تحدثنا عن شكوك يوسف وعن حالة نفسه المضطربة. وتُعّبِّر الايقونة عن حالته هذه بمظهره المغتم تزيد في إظهار ذلك فوهة المغارة السويداء والقفر المحيط به:
” هكذا يقول يوسف للبتول: يامريم ماهذا الأمر الذي أُشاهده فيكِ؟ انني أنذهل وأتحيَّرْ وعقلي يندهش، فكوني منذ الآن منتزحة عني في السر سريعاً. مريم ماهذا الأمر الذي أشاهده فيك؟ فقد جعلتِ لي عوضَ الكرامةِ خزياً. عوض السرور حزماً، وعوض أن أكون ممدوحاً جعلتِ لي الذمْ، فلا أطيق اذا أن أحتمل تعيير الناس، لأني من هيكل الرب قد تسلمتك من الكهنة كمنزَّهةْ عن كل لوم، فما هذا الأمر المشاهد؟.” (في صلاة الساعة الاولى من سواعي العيد).
تكشف لنا الأيقونة في يوسف الخطيب مأساة البشرية كلها ألا وهي صعوبة قبول مايفوق الطبيعة ويخرج بسنته عن العقل والمنطق أي سر التجسد.
الكنيسة الممثلة هنا بالعذراء مريم ترنو الى الطفل حافظة هذا السر في قلبها ولكن في نفس الوقت تتجه متطلعة أمامها الى العالم الخارجي، تتجه نحو كل يوسف، نحو كل مشكك معلنة حقيقة التجسد:
” إن يوسف لما كان ماضياً الى بيت لحم جرحه الحزن فهتفت نحوه البتول قائلةً: لماذا تعبس مقّطباً وتضطرب عندما تراني حبلى.غير عالم بالكلية السر الرهيب الذي فيَّ. فأقصِ عنك كل جزع متفهماً الأمر المستغرب . لأن الاله لأجل رحمته قد انحدر على الارض واتخذ الآن جسداً في حشايْ. وستعاينه مولوداً كما سرَُّ هو فتمتليء فرحاً وتسجد له بما انه خالقك. وهو الذي يسبحه الملائكة بغير فتور ويمجدونه مع الآب والروح القدس”. (صلاة الساعة التاسعة من سواعي العيد).
تأملات في طقس الميلاد
في أسفل الرسم مغارة الميلاد يعلوها النجم: ” النجم يخبر بالمسيح، الشمس للذين في الظلام… السماء كرزت بك للجميع إذ جعلت النجم بمنزلة فم لها”.
ثم ان الحمار والثور يحيطان بالمذود وهما يشيران الى الخليفة التي ” تتهلل بأسرها لأجل الرب المخلص المولود في بيت لحم. فإن ضلالة الأصنام كلها قد بطلت والمسيح يملك الى الدهر”.
وفوق المغارة” الملائكة أجمعون يتباشرون في السماء ويبتهجون”. ورؤساء الملائكة ميخائيل وجبرائيل ورافائيل يمثلون الأجناد السماوية هنا. تعيد لهم الكنيسة في 8 تشرين الثاني مشيرة الى ان الخلاص قدبشر به في المسكونة جمعاء:” اليوم رئيس مراتب القوات الالهية العلوية يستدعي مصاف الأمم ليلتئموا ويقيموا باجتماعهم الإلهي مع الملائكة عيداً بهيجاً” (في صلاة السحر لعيد رؤساء الملائكة).
وينتصب الصليب في الرسم وكأنه ينمو من المغارة، والمصلوب عليه طفل:” ان آلة الخطيئة التي سببت الموت لكل جسد (شجرة الفردوس) صارت باكورة الخلاص لكل العالم… لأن الاله الكلي الكمال… بأقمطة حل سلاسل جطايانا وبطفوليته شفى اوجاع حواء وأحزانها”.
الصليب هنا شجرة كونية أفرغت من المغارة بها نرتقي الى السماء المشار اليها في الرسم بالشمس والقمر اللذين يبدوان في أعلى الصليب:” عدن تتقدم المغارة… المغارة سماء مفتوحة”.
ويحيط الانجيليون الأربعة بالصليب رمزاً الى البشارة التي أعلنت للعالم بأسره. يشير اليهم الرسم مستخدماً رمزية الحيوانات الأربعة المذكورة في رؤيا حزقيال النبي (حزقيال 1 : 4-10) الأسد المجنح يشير الى القديس مرقس، والثور المجنح الى القديس لوقا، والنسر الى القديس يوحنا، والانسان المجنح الى القديس متى.

الميلاد طقسياً
تدعونا الكنيسة خلال الفترة الميلادية في ماتحتويه من طقوس ونراتيل وقراءات الى الدخول في سر الحياة، في تيار جمالها وفي ماتوحي به من عالم آخر يأتي الينا وبالتالي نذهب نحن اليه فتلامسنا نغمات من نسيح الملكوت ونبيض قلوبنابنعمة القداسة والطهر والفرح ذلك الفرح الآخر الذي يشمل كل كياننا في لحظة واحدة، في طرفة عينتشفي وتعزي بالتعجب والتسبيح والاستغفار والتهليل. في طقوس الميلاد دعوة لنا لننضم الى الكنيسة فنسير الى وجه الآب باستمرار لأن الله يأتي الينا الى الأبد.
نقول في الأودية الخامسة من اراميس الميلاد:
” ايها المحب البشر أنت إله السلام وأبو المراحم أرسلت لنا رسول رأيك العظيم مانحاً ايانا سلامك. فلذا إذ قد اهتدينا الى نور المعرفة الالهية فنحن ندلج من الليل ممجدين لك.”
نّلج من الليل ممجدين لك. انه لقاء الإنسان بالإله. ندّلج من الليل من بعيد نحو البعيد الآتي الينا. إن المغارة في أبقونة الميلاد التراثية تمثل تلك اللجة، لجة الليل التي ندلج منها نحو الطفل المضطجع فيها يشير اليه النجم المضيء من السماء. مغارة سوداء عميقة، قائمة في وسط الجبل، في وسط عمق الأرض. ندّلج منها، من ليل شهواتنا العديدة الهائمة، وأنانيتنا العمياء الثقيلة علينا كالجبال وعنجهيتنا الفارغة، ووجودنا الصغير المحدود المتأرجح بين الحياة والموت، ندلج نحو الكائن. تقول التراتيل ” الكائن الذي صار الى ما لم يكن”.
ندّلج نحو من يفوق الإدراك، القدوس الذي ” صلاحه لايفسّر “. ندّلج نحو الحيّ الوحيد والحيّ في المجد، نحو الآتي الينا طفلاً، إنساناً مثلنا، لأن صلاحه لايفسرّ” ، نحن ندّلج نحو الحي الوحيد والحي في المجد، نحو الآتي الينا طفلاً، إنساناً مثلنا، لأن صلاحه لا يفسّر. لجة تنادي لجة:
” نفسي جاشت في لذلك أذكرك في ارض الأردن من التل الصغير على جبل حرمون، لجة تنادي لجة على هدير شلالاتك. جميع تياراتك وامواجك جازت عليّ”. (مزمور 41 – 6)
دورة كاملة دورة الكون التي تكتمل في الميلاد. الحياة الطقسية تتدرج بنا الى ” المسيح الاله غي الموسوع في مكان”. سر عجيب مستغرب نحياه معاً، ” المغارة سماء والبتول عرشاً شاروبيميا والمذود محلاً شريفاً”. لجة تنادي لجة.
العراء مريم مثال لمسيرتنا الروحية هذه . يقع عيد دخول السيدة الى الهيكل ضمن دورة الميلاد الطقسية (21تشرين الثاني). انه استعداد بعيد ولكنه مهم. العذراء هنا تدخل الى الهيكل منذ طفولتها لتنشأ فيه وتنذر للرب المزمع ان يتجسد منها وفيها. إنها تمثل الشوق الصميم في سويداء القلب لكل ماهو طاهر وأصيل، وتمثل التكريس الذي لابد منه ليأتي الرب الينا. العذراءؤ في هذا العيد نتأمل فيها على انها المثال لنا والصورة والنموذج المتوق اليها. تقول عنها التراتيل أنها ” هيكل الرب… تدخل الهيكل” لجة تنادي لجة.
ثم يأتي الى الذهن هنا عيد البشارة وان كان لايقع طقسياً في الفترة الميلادية. إنه عيد القبول بعد الانتظار والشوق. القبول الشخصي الكامل المطلق بملء الوعي، ” ها أنذا أمة للرب”. تقبل الانسان الله كلياً. سر التجسد يتم في النفس العذرية:
“تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي. لأنه نظر الى تواضع أمته . فها منذ الآن تطوبني جميع الاجيال. لأن القدير صنع عظائم واسمه قدوس ورحمته الى جيل فجيل للذين يتقونه. صنع عزاً بساعده وشتت المتكبرين بذهن قلوبهم. حط المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين. أشبع الجياع من الخيرات والأغنياء ارسلهم فارغين” (تسبحة العذراء. لوقا 1 : 46 — 53 ).
المهم أن نكون في هذا الجو النفسي العام، هذا الموقف العميق الذي نتطلع فيه الى الله من حيث نحن في صغرنا مرحومين ومعظمين. سرّ عجيب مستغرب.

عيد الميلاد ورود الله. الورود بالجسد. نتوق فيه الى ماسيا المنتظر بملء جوارحنا، وهو يأتي الينا إن التمسناه هكذا مثل العذراء مريم، ” ها أنذا أمة للرب”. تحت وطأة الروح تنقّى النفس وترتفع الى الله عذرية فتخصب وتحبل بالله طفلاً وتقربه الى العالم. انه الاله الانسان والانسان الاله. الاتحاد الذي هو غاية الحياة. الارثوذكسية تؤكد على الروح القدس قائلة بأن اقتناء الروح القدس هو غاية الحياة المسيحية. ذلك لأنه هو الذي يتمم فينا سر التجسد وهو الذي يوحدنا مع الله.
هذا كله يكتمل باكتمال الدورة الطقسية السنوية ويكتمل بعودة الدورة الطقسية كل عام: الميلاد والآلام والصليب والقبر والقيامة والمجيء الثاني. إنه ” الانطباع” التدريجي بالرب وبخلاصه في حركة نمو وتعمق. انه تجسيد التجسد إذا جاز القول.
ميلاد المسيح على الصعيد الشخصي هو دخولنا في سر الفداء، ولادة جديدة وألم وصراع وأمانة وعطاء وقيامة. الحياة المسيحية مسيرة شخصية في سر الفداء. حياة الايمان توغل في هذا السير. القيامة تسطع في قلوبنا كما يسطع الطفل في مغارة الميلاد.
