بيلاطوس

بيلاطوس…

بيلاطوس

ليس في البشارات الاربع للانجيليين متى ومرقس ولوقا ويوحنا، ولا في الرسائل عن ممثل رومه في فلسطين ما يروي الغليل. فقد جاءت اخباره في اسفارنا الالهية مقتضبة تقتصر على القول انه كان ممثل السلطة الرومانية في فلسطين، وانه قال لرؤساء الكهنة واقطاب الشعب:” ان يسوع لم يأت شيئاً يستوجب الموت” وأنه يؤثِر إطلاقه.
وجاء أيضاً انه لما رأى جهوده في سبيل إطلاق يسوع تذهب سدىً مع أقطاب الشعب بل، بالحري يتفاقم البلبال، أخذ ماءً وغسل يديه على مشهد من الجميع قائلاً: “أنا بريء من دم هذا الصديق فأبصروا انتم” بمعنى أنت وماتريدون فعله به…!

من هو

هو بونطيوس بيلاطوس وليس بيلاطس البنطي كما جاء في الترجمة الأورشليمية، وفي الترجمة البروتستانتية، والترجمة اليسوعية (لوقا ٣ : ١) فاسمه “Pontius” وكنيته ” Pilatus” اي حامل الرمح. ويجب علينا والحالة هذه أن نقول: ” وصُلِبَعنا في عهد بونطيوس بيلاطوس” لا كما نقول:(في عهد بيلاطس البنطي…) ولا ندري كيف نشأ هذا الخطأ في الترجمة! ولعل السبب في ذلك ان اسمه ورد في الأناجيل بالكنية فقط ثلاث عشرة مرة ولم يرد كاملاً الا مرة واحدة في انجيل لوقا (٣ : ١) وانه ورد في سفر أعمال الرسل ثلاث مرات، فجاء بالكنية مرتين وكاملاً مرة واحدة ( ٤ : ٢٧ ). وورد مرة واحدة  في الرسالة الاولى الى تيموثاوس فجاء فيها كاملاً (٦ : ١٣). ومن هنا في نظرنا خطأ المترجم، واعتباره الكنية اسماً والاسم كنية.
ويُستدَلُ من مراجع أخرى أنه ولد في ايطاليا (الحالية) وقد مّثّلَ سلطة الامبراطورية الرومانية في فلسطين من السنة ٢٦ ب.م حتى السنة ٣٦ ب.م، ثم قضى نحبه في فينة غالية في السنة ٣٩ ب.م  وجاء في هذه المراجع انه كان محصلاًللضرائب (Procurator) لرومة في فلسطين. ولكن النصوص الانجيلية الطاهرة لم تعتبره محصِّلاً للضرائب باليونانية أي  “Epitropos”بل قائداً  “Egemon”.
في الواقع ان اوغوسطوس آثرَ اللقب ناظراً “Eparchos” في عهده في ولايات الشرق الرومانية على غيره من الألقاب ثم حلَّ محله اللقب ” المحصِّلْ” تدريجياً فغلب، في عهد كلوديوس قيصر.
وللعلم بالشيء فإن بعثة أثرية إيطالية كانت تعمل في صيف ١٩٦١ في منطقة قيصرية فلسطين عثرت ، وهي تكشف عما تبقى من آثار مدرج روماني، على حجر مشَّوَهْ يحمل نقشاً باسم بيلاطس ولقبه، وهو كما يلي: S TIBERIEVM…PON[ TIVS  PILATVS …PRAEF] ECTVS  IVDA [EA] E
والكلمة ” Tiberieum” الواردة في السطر الأول تشير الى بناء على اسم الامبراطور الروماني طيباريوس. ولعل الكلمة السابقة لها التي لم يبق منها سوى الحرفs الأخير  هي Caeserien  s s  ibus ) اي طيبارية القيصريين اي سكان قيصرية. والسطر الثاني واضح  لامجال لاختلاف الرأي فيه. فهو اسم ممثل السلطة الامبراطورية الرومانية في فلسطين الذي عني بتشييد البناء ” Pontus Pilatus” والسطر هو لقبه ناظر اليهودية ” Prafctus  Iudaeae “.ولعل اللفظ الانجيلي  “Egemon ” اعتُبِرَ معادلاً للفظ اللاتيني ” Orafectus:.
ورب معترض يقول ان طيباريوس قيصر لم يرضَ عن إنشاء المعابد على اسمه فخالف اوغوسطوس في ذلك. والجواب هو ان طيباريوس منع ذلك في الغرب، ولكنه تغاضى عنه في الشرق. ومن الأدلة على ذلك ورود اللفظ “Tibarieum” في هذا النقش الذي وجد في قيصرية فلسطين. (يلي ادناه).
إذن كان بيلاطس البنطي الحاكم الروماني لليهودية من عام 26 إلى 36 مسيحية، تحت إمرة الإمبراطور طيباريوس. وهو معروف انجيلياً بشكل رئيس بدوره في إدانة  الرب يسوع بالموت على الصليب.خارج الأناجيل الأربعة، ذكر بيلاطس البنطي من قبل تاسيتوس وفيلو ويوسيفوس. بالإضافة إلى ذلك، تم اكتشاف “حجر بيلاطس” في عام 1961 (كما اوردنا اعلاه) والمُؤرخ حوالي 30 مسيحية ، ويتضمن وصفًا لبيلاطس البنطي ويذكره كـ “حاكم” لليهودية. كما يُذكر بيلاطس في الكتابات الأبوكريفية، ولكن هذه الكتابات كتبت في تواريخ لاحقة.في الكتاب المقدس، يُذكر بيلاطس البنطي فقط في سياق محاكمة وصلب يسوع. فتصوره الأناجيل الإزائية (متى، مرقس، ولوقا) على أنه كان مترددًا في صلب يسوع. يصف بيلاطس التهم الموجهة ضد الرب يسوع بأنها “لا أساس لها” (لوقا 23: 14) وأعلن عدة مرات أن يسوع بريء: “أي جريمة ارتكب هذا الرجل؟ لم أجد فيه أي سبب لعقوبة الموت” (لوقا 23: 22).كان ضمير بيلاطس يزعجه بالفعل عندما أرسلت له زوجته رسالة عاجلة بخصوص يسوع. وكانت الرسالة تحثه قائلة: “لا تتعامل مع هذا الرجل البريء، فقد عانيت كثيرًا اليوم في حلم من أجله” (متى 27: 19).يقدم إنجيل يوحنا بعض التفاصيل الإضافية عن المحاكمة، بما في ذلك حوار إضافي بين بيلاطس ويسوع. يعترف يسوع بكونه ملكًا ويدّعي أنه يتحدث مباشرة من أجل الحقيقة. يرد بيلاطس بالسؤال الشهير: “ما هي الحقيقة؟” (يوحنا 18: 38). كان السؤال يحمل معاني متعددة. و كان هناك موقف تم فيه التلاعب بالحقيقة من أجل إدانة رجل بريء. بيلاطس، الذي كان يزعم أنه يبحث عن الحقيقة، يسأل السؤال من الشخص الذي هو “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14: 6). كان القاضي البشري، الذي كان في حيرة من أمره بشأن الحقيقة، على وشك إدانة القاضي العادل للعالم.

في النهاية، سعى بيلاطس إلى التوصل إلى حل وسط. فمستشعرًا أن يسوع قد تم تسليمه من قبل القادة الدينيين بسبب الحسد، عرض على الجمهور في عيد الفصح اليهودي سؤالًا عن أي “مجرم” يجب أن يُفرج عنه، يسوع أم باراباس؟ أقنع القادة الجمهور بالصراخ من أجل باراباس (متى 27: 20-21). ومع الخضوع للضغط السياسي، سمح بيلاطس بتعذيب يسوع وصلبه: “ورغبة في إرضاء الجمهور، أطلق بيلاطس باراباس لهم. ثم أمر بأن يُعذب يسوع، وسلمه ليصلب” (مرقس 15:15).

وضع بيلاطس التهمة ضد يسوع على الصليب فوق رأسه: “هذا هو يسوع ملك اليهود” (متى 27: 37). وعندما مات يسوع، طلب يوسف الرامي وهو عضو في مجلس السنهدريم ومعه نيقوديموس من بيلاطس جسد يسوع ليدفنه، فأجاب بيلاطس الطلب (يوحنا 19: 38). وكان آخر ظهور لبيلاطس البنطي عندما عين حراسًا لقبر يسوع (متى 27: 64-66).

إن ظهور بيلاطس البنطي القصير في الكتاب المقدس مليء بالمأساة. فقد تجاهل ضميره، وأهمل النصيحة الجيدة من زوجته، واختار المصلحة السياسية على الاستقامة العامة، وفشل في التعرف على الحقيقة حتى عندما كانت الحقيقة واقفة أمامه مباشرة. بيلاطوس ناظر فلسطين لا محصلها

حجر بيلاطس: الدليل الأثري الحاسم على وجود بيلاطس البنطي (Pontius Pilatus) والي اليهودية كشخصية تاريخية حقيقية

يُعد حجر بيلاطس (Pilate Stone) واحدًا من أهم الاكتشافات الأثرية المتعلقة بتاريخ القرن الأول المسيحي، لما يحمله من نقش روماني أصيل يذكر اسم بيلاطس البنطي (Pontius Pilatus)، الوالي الروماني لمقاطعة اليهودية (Judaea / Iudaea). وقد اكتُشف هذا الحجر في مدينة قيصرية ماريتيما (Caesarea Maritima) صيف عام 1961م اثناء تنقيب البعثة الاثرية الايطالية عن مدرج روماني في تلك المدينة ، ليقدم دليلًا ماديًا معاصرًا يؤكد وجود بيلاطس ومنصبه الإداري، كما تذكره المصادر التاريخية والكتاب المقدس.

وصف حجر بيلاطس (Description of the Pilate Stone)

حجر بيلاطس هو كتلة من الحجر الجيري المنحوت، متضررة جزئيًا، تبلغ أبعادها 82 سم × 65 سم. ويحمل الحجر نقشًا لاتينيًا محفوظًا جزئيًا، يُنسب إلى بيلاطس البنطي (Pontius Pilatus)، الذي شغل منصب والي ( Praefectus) المقاطعة الرومانية اليهودية (Judaea) في القرن الأول الميلادي.
وقد تم اكتشاف الحجر في الموقع الأثري لمدينة قيصرية ماريتيما (Caesarea Maritima)، وهي المدينة التي كانت تمثل المركز الإداري الروماني في المنطقة.

ظروف الاكتشاف الأثري

تم اكتشاف الحجر في حزيران عام 1961م على يد عالمة الآثار الإيطالية ماريا تيريزا فورتونا كانيفيت (Maria Teresa Fortuna Canivet)، وذلك خلال حملة تنقيب أثرية قادها عالم الآثار الإيطالي أنطونيو فروفا (Antonio Frova).
جاء الاكتشاف أثناء أعمال الحفر في منطقة مسرح روماني قديم شُيّد بأمر من الملك هيرودس الكبير (Herod the Great / Herodes Magnus) في الفترة ما بين 22–10 قبل الميلاد، ضمن مشروعه العمراني الضخم الذي شمل مدينة قيصرية بأكملها.

الأصل المعماري للحجر وإعادة استخدامه

يمثل الحجر جزءًا من نقش إهدائي كان يخص مبنى أُقيم في القرن الأول المسيحي، ويُرجّح أن هذا المبنى كان معبدًا أو منشأة رسمية رومانية، وربما كان مكرّسًا للإمبراطور طيباريوس (Tiberius Caesar).
وفي القرن الرابع المسيحي، أُعيد استخدام الحجر كعنصر بناء ضمن درج حجري تابع لمنشأة أُقيمت خلف مبنى المسرح الهيرودي. وقد عُثر على الحجر وهو لا يزال مثبتًا في مكانه الأصلي ضمن الدرج، ما ساهم في حفظه حتى العصر الحديث.

تفسير النقش اللاتيني على حجر بيلاطس ومعناه التاريخي

يحمل حجر بيلاطس نقشًا لاتينيًا رسميًا يعود إلى القرن الأول المسيحي، كُتب بالأسلوب الإداري الروماني المتّبع في النقوش العامة، حيث تُستخدم الأحرف الكبيرة والاختصارات دون علامات ترقيم. وعلى الرغم من أن أجزاءً من النص قد فُقدت بسبب تلف الحجر، فإن ما تبقّى منه يسمح بإعادة بناء مضمونه بدقة علمية. يبدأ النقش بإهداء موجّه إلى «الآلهة الأوغسطية»، في إشارة إلى الإمبراطور المؤلَّه أوغوسطوس وزوجته ليفيا، وهو إهداء شائع في المنشآت الرسمية التي أُقيمت في عهد الإمبراطور طيباريوس. ثم يذكر النقش اسم بيلاطس البنطي صراحة، متبوعًا بلقبه الإداري الرسمي «والي اليهودية»، وهو اللقب الصحيح المستخدم في تلك الفترة التاريخية. ويختتم النص بعبارة تفيد بأن بيلاطس هو الذي أنشأ هذا المبنى وكرّسه رسميًا. وبذلك يوضح النقش أن الحجر كان جزءًا من مبنى رسمي روماني، على الأرجح معبدًا أو منشأة مكرّسة لطيباريوس، وأن بيلاطس البنطي، بوصفه الوالي الروماني، هو صاحب هذا العمل. ويكمن ثقل هذا النقش في كونه شهادة أثرية معاصرة تؤكد اسم بيلاطس ومنصبه ودوره الإداري ضمن الإطار السياسي الروماني لمقاطعة اليهودية.

الأهمية التاريخية لحجر بيلاطس

تنبع أهمية حجر بيلاطس من كونه نقشًا رومانيًا أصيلًا يعود إلى القرن الأول المسيحي، ويذكر صراحة اسم «[بُن]طيوس بيلاطس – Pontius Pilatus». ويُعد هذا النقش معاصرًا لحياة بيلاطس، ويتوافق بدقة مع المعلومات المعروفة عن مسيرته السياسية والإدارية.
ويمثل هذا الحجر أقدم سجل أثري باقٍ ووحيد معاصر لبيلاطس البنطي، الذي يُعرف في غير ذلك من خلال:
-العهد الجديد (New Testament)
-المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس (Flavius Josephus)
-الفيلسوف اليهودي الإسكندري فيلون الاسكندري (Philo of Alexandria)
-والمؤرخ الروماني تاسيتوس (Tacitus)

قيصرية ماريتيما مقرّ الحكم الروماني

من المرجّح أن بيلاطس البنطي (Pontius Pilatus) اتخذ من قيصرية ماريتيما (Caesarea Maritima) مقرًا رسميًا لإدارته، إذ كانت المدينة قد أصبحت منذ عام 6م العاصمة الإدارية والمقر العسكري لمقاطعة اليهودية، بديلًا عن أورشليم (Jerusalem).
وكان بيلاطس، على الأرجح، يتوجه إلى اورشليم فقط عند الضرورة، خاصة في الأعياد اليهودية أو عند حدوث اضطرابات سياسية أو دينية.

مكان حفظ الحجر في العصر الحديث

-يُحفظ حجر بيلاطس (Pilate Stone) حاليًا في متحف إسرائيل (Israel Museum) في القدس.
كما توجد نسخ جبسية (Plaster Casts) منه معروضة في:
-المتحف الأثري في ميلانو (Archaeological Museum of Milan) – إيطاليا
-الموقع الأثري لمدينة قيصرية ماريتيما (Caesarea Maritima)

النقش اللاتيني على حجر بيلاطس

يحمل الحجر نقشًا مكرّسًا لـ الإمبراطور المؤلَّه أوغوسطوس (Divus Augustus) وزوجته ليفيا (Livia)، وهما زوج الأم وأم الإمبراطور طيباريوس (Tiberius)، ويُشار إليهما باسم الآلهة الأوغوسطية (Divi Augusti).
وكان النقش موضوعًا داخل مبنى يُعرف باسم تيبيرييوم (Tiberieum)، وهو على الأرجح معبد مكرّس للإمبراطور طيباريوس.

توضيح الصور الأربع (الصورة المشتركة)

حجر بيلاطس
حجر بيلاطس
يُلاحظ تآكل الحجر نتيجة مرور الزمن، إضافة إلى إعادة استخدامه في البناء في العصور اللاحقة.
بيلاطس
بيلاطس
مدينة قيصرية ماريتيما – Caesarea Maritima
مدينة قيصرية ماريتيما – Caesarea Maritima
كانت مدينة قيصرية
-العاصمة الإدارية الرومانية لمقاطعة اليهودية.
-مقر الحاكم الروماني (الوالي).
-القاعدة العسكرية الرئيسية للمقاطعة.
وتُظهر الصورة المسرح الروماني المطلّ على البحر المتوسط، وهو جزء من المجمع العمراني الروماني في قيصرية، وليس مقرًا إداريًا بحد ذاته.
وهذا هو الموقع الأثري الذي عُثر فيه على حجر بيلاطس.
وظيفة المسرح
لم يكن ساحة قتال (على عكس الكولوسيوم في روما).
بل كان مخصصًا لـلعروض المسرحية، الخطب الرسمية، الاحتفالات الامبراطورية والمناسبات العامة
نقش توضيحي للاسم
نقش توضيحي للاسم
رسم توضيحي للنقش اللاتيني مع إعادة البناء والترجمة
يوضح الشكل التقريبي للنقش الأصلي قبل تعرضه للتلف.
يُظهر بوضوح:
-الاسم: Pontius Pilatus
-اللقب الرسمي: Praefectus Iudaeae
(والي اليهودية)
يُستخدم هذا النوع من الرسوم في الكتب الاكاديمية، المتاحف، والدراسات التاريخية المتخصصة.

 خلاصة توضيحية

تُبرز هذه الصور مجتمعةً القيمة التاريخية والأثرية لحجر بيلاطس، وتؤكد أن النقش المكتشف في قيصرية ماريتيما يمثل دليلًا مادّيًا مباشرًا على وجود بيلاطس البنطي (Pontius Pilatus) ومنصبه الرسمي كوالي لمقاطعة اليهودية في القرن الأول الميلادي، ضمن الإطار الإداري الروماني الحقيقي لتلك الفترة.

خاتمة

يعد حجر بيلاطس (Pilate Stone) اكتشافًا أثريًا فريدًا يجمع بين التاريخ والآثار والكتابات القديمة، فهو يقدم دليلًا مادّيًا مباشرًا على وجود بيلاطس البنطي (Pontius Pilatus) كوالي لمقاطعة اليهودية (Judaea) في القرن الأول الميلادي. هذا الحجر لا يؤكد فقط تفاصيل ما ذكرته المصادر التاريخية مثل يوسيفوس (Josephus) وفيلون (Philo) وتاسيتوس (Tacitus)، بل يدعم أيضًا الرواية الإنجيلية التي تصف محاكمة يسوع المسيح في سياق الحكم الروماني التاريخي.
باختصار، يشكّل حجر بيلاطس جسرًا بين النصوص التاريخية والواقع الأثري، ويؤكد أن الأحداث والشخصيات التي وردت في المصادر القديمة لم تكن أساطير، بل جزءًا من الواقع السياسي والاجتماعي للرومان في فلسطين. إن هذا الاكتشاف يجعلنا ندرك قيمة الأثر التاريخي في تدعيم المعرفة العلمية والأدلة الواقعية حول حياة الأشخاص التاريخيين والأحداث الكتابية.

تقرير بيلاطس البنطي عن يسوع الناصري

نشر  موقع كفن المسيح مايلي

“النصّ منحول، أي أنّه لا يوجد دليل علمي ثابت على أنّه كتب فعلاً بيد بيلاطس البنطي، الوالي الروماني على اليهودية، في زمن المسيح يسوع، ومن الأرجح أنّه يعود إلى القرن الرابع أو الخامس.

أوردناه هنا نظرًا لانتشاره بين الناس، الذين يتداولون في ما بينهم بعض رواياته، ويستندون إليها في تقواهم العاطفية.

لكنّنا ننبّه إلى عدم استعماله كمرجع علمي دقيق وموثوق.”

نص الرسالة

“جلالة الملك طيباريوس قيصر الملك المفخم

بعد تقديم ما يجب لسامي المقام من السَّلام والإكرام أعرض

إنّ الحوادث التي حصلت في ولايتي في هذه الأيّام هي ذات شأن عظيم حتى رأيتُ من المناسب أن أحرّر لجلالتكم تفصيلاتها لأنّه لا عجب إذا كانت تغيّر مستقبل أمّتنا مع مرّ الأيّام وكرّ الأعوام. لأنّه يظهر لي أنّ الآلهة غضّت الطرف وتخلَّت عنّا في هذه الأيّام، حتّى إنّي أكاد ألعن اليوم الذي استلمتُ فيه زمام حكومة اليهودية عقب “فاليريوس جراتيوس”، ولكنّ هكذا قدّر وهكذا صار.

عند وصولي إلى أورشليم استلمتُ محلّ القضاء، وأمرتُ بإعداد  وليمة فاخرة دعوتُ إليها رئيس ربع الجليل ورئيس الكهنة وحاشيته ومعيته. ولكن لم يحضر أحد منهم في الميعاد المقرّر للحضور، فاعتبرتُ ذلك سبّة وإهانة لمركزي ومقامي. وبعد أيّام قليلة تنازل جناب رئيس الكهنة وزارني. وكانت تلوح على وجهه الهيبة والخداع، وادّعى أنّ ديانته لا تبيح ولا تجيز له ولا لحاشيته الجلوس على مائدة الرومانيين، وإهراق السكائب معهم. فرأيتُ أنّ الأقرب إلى الصواب والسياسة قبول اعتذاره. ولكن تأكدتُ من هذه اللحظة أنّ هذه الأمّة المقهورة التابعة لنا أضمرت العدوان والمناوأة لأسيادها المستولين عليها. ويظهر لي أنّ مدينة أورشليم هي المدينة الوحيدة التي يصعب حكمها، بخلاف باقي المدن التي استولينا عليها، فإن دأب سكانها الميل إلى العدوان والهيجان والاضطراب، بحيث أنّني دائمًا في أرق وقلق وجزع وفزع لئلا يخلعوا دثار الطاعة، ويحدثوا القلاقل والفتن. وليس عندي لقمعهم وإخضاعهم سوى قائد مائة وشرذمة قليلة من العساكر تعدّ بالأصابع. وطلبتُ من والي سورية أن يرسل لي إمدادات، فأخبرني أنّه لا يستغني عن نفر واحد من عساكره، فإنّهم غير كافين لحماية ولايته وحفظ الأمن إلاّ بشقّ الأنفس. وأخشى أنّ التولّع الزائد لفتح البلاد وتدويخ العباد وتوسيع مملكتنا بزيادة فاحشة حتى نعجز عن حمايتها والدفاع عنها، يكون سببًا في ضعضعة أركان حكومتنا الفخيمة.

ومن الإشاعات التي طرقت أذني واستلفتت أنظاري بنوع خصوصي، هذه الإشاعة: وهي أنّ شابًا ظهر في الجليل، يدعو الناس، بمسحة ولهجة شريفة، إلى شريعة جديدة. وكنتُ أخشى، في مبدأ الأمر، أن تكون غايته توغير الصدور على الرومانيين، وإغراءهم على القيام عليهم. ولكن زال ما كان يختلج فؤادي من الريب، وانقشعت مخاوفي. فكان يؤخذ من كلام يسوع الناصري أنّه يميل إلى الرومانيين أكثر من ميله إلى اليهود.

وفي ذات يوم، لَمّا كنتُ مارًا في جهة «سلوا» حيث كان مجتمعًا جمهور من الناس، رأيتُ في بهوة الحلقة شابًا متوكئا على شجرة، يخاطب الجمهور بهدوء وسكون. فقلتُ بعد الاستفهام إنّ هذا الشخص هو يسوع، وهو ما كنتُ أنتظره وأتوقعه ويلهمني إليه وجداني. فإنّه كان يوجد بينه وبين السامعين بون عظيم، وفرق جسيم، فلون شعره الذهبي، ولحيته اللطيفة، جعلت هيأته سماويّة، ويظهر أنّه بلغ من العمر ثلاثين سنة. ولم أر في حياتي وجهًا صبوحًا أحلى أو أصفى أو أنقى من وجهه. وما أعظم الفرق بينه وبين سامعيه ذوي اللحى السوداء واللون الأسمر.

ولَمّا كنتُ لا أريد أن أشوش عليه، استمررتُ في السير، ولكنّي أوعزتُ إلى كاتبي «مانيليوس» حفيد زعيم المتآمرين الذين حلّوا في «اتروبه» في انتظار «كاتلين»، وكان مانيليوس سابقًا من اليهودية، وله إلمام تامّ باللغة العبريّة، وأظهر الولاء والأمانة لي، وهو جدير بثقتي. ولَمّا دخلتُ محلّ القضاء، لقيت مانيليوس، فقصّ عليّ أقوال يسوع التي نطق بها في «سلوا»، ولم أسمع في خطب الخطباء، ولا في مؤلفات الفلاسفة، كلامُا يشبه كلام المسيح وجوامع كلمه.

فسأله أحد اليهود القساة العصاة – فإنّ أمثال هذا العاتي كثيرون في أورشليم– وقال له: هل يجوز أن نعطي الجزية والجباية لقيصر أم لا؟ فأجاب يسوع: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه. فلذا أعطيتُ هذا الناصري، بسبب حكمة أقواله، حريّة تامّة، لأنّه كان في استطاعتي وإمكاني إلقاء القبض عليه، ونفيه إلى بنطس، ولكن لو فعلت هذا لكان منافيًا للإنصاف والعدل اللذين اشتهر بهما الرومان. فلم يكن هذا الرجل من المفسدين، ولا من العصاة، وجعلته تحت ظلّ حمايتي ورعايتي، وإن لم أطلعه على ذلك، فيجوز له أن يفعل كيف شاء، ويتكلّم مع من يشاء، ويجتمع مع الناس ويخاطبهم ويختار تلاميذه بلا تضييق عليه ولا قيد. فإذا قدّر – لا سمحت الآلهة بوقوع هذا الفال– بأن تنسخ ديانة يسوع ديانة أسلافنا وجدودنا، يكون سبب دفن ديانة رومية في الرمس، وزوالها من الوجود، وإطلاق عنان الحريّة للناس في الديانة، وأكون أنا الرجل التعيس آلة ووسيلة فيما يسمّيه المسيحيّون العناية، ونسمّيه نحن بالمكتوب المقدّر.

ولكنّ إطلاق الحريّة ليسوع هيّج اليهود الأغنياء والأقوياء، لا البائسين الفقراء – ولا ينكر أنّ يسوع كان صارمًا على الأغنياء الأقوياء– ومن رأيي أنّ عدم تقييد حريّة الناصري هو لحكمة سياسية مفيدة، فكان يقول للكتبة والفريسيين ما نصّه: يا أولاد الأفاعي، أنتم تشبهون القبور المبيضّة. وكان يزدري  بصدقة العشارين الصادرة عن الكبرياء، وأوضح لهم أنّ فلس الأرملة هو عند الله خير، وأبقى وأثمن وأغلى. وكانت تقام شكاوى جديدة كلّ يوم، في محلّ القضاء، على وقاحة اليهود. وبلغني أنّهم عزموا على الفتك به، وليست هذه المرّة الأولى التي رجمت فيها أورشليم أنبياءها. وبلغ عتوهم أن قالوا إذا لم تنصفهم الولاية رفعوا دعواهم إلى قيصر.

ومع كلّ هذا فوقع سلوكي من مجلس «السناتو» في رومية موقع الاستحسان، ووعدوني بإرسال الإمدادات بعد الحرب «البارتيانية». وبما أنّه إذا استفحل الأمر وحصلت ثورة فليس في استطاعتي إخمادها لعدم وجود القوة الكافية، فلذلك عزمتُ على اتخاذ هذه الطريقة التي تتكفل باستتباب الهدوء والسكون في المدينة، بدون تعريض الولاية للذلّ والاستكانة بالرضوخ لمقترحاتهم.

فأرسلتُ خطابًا إلى يسوع، طالبًا مقابلته في محلّ القضاء للتحدث معه، فلبّى الطلب. ولا يخافكم أنّ في عروقي يجري الدم الإسبانيولي المختلط بالدم الروماني، بحيث لا أخشى من اضطراب الجأش. ولَمّا وصل، كنتُ أتمشى في المحكمة، وظهر أنّ قدمي ربطتا بيد من حديد، بأرض المحكمة المبلّط بالرخام، وارتعدت فرائصي كأنّي مجرم، مع أنّ الناصري كان هادئًا ساكنًا. ولَمّا دنا منّي وقف وأشار إليّ كأنّه يقول لي: ها أنا قد أتيت. فتفرّست بالإنذهال والهيبة، في هذا الرجل العجيب الصورة والهيئة، التي لم يكن لقرائح المصوّرين والنقّاشين أن يأتوا بمثل هذا الشكل البديع، مع تفنّنهم في رسم صور الآلهة والأبطال. وأخيرًا قلتُ له ولساني متلعثم:

 « يا يسوع الناصري، قد منحتك في الثلاث سنين الماضية حريّة وافرة لتخاطب الناس، وإنّني غير متأسّف على هذا، فإنّ أقوالك هي أقوال حكيم، ولا أعرف إذا كنتَ طالعتَ كتب سقراط أو أفلاطون أو غيرهما. ولكنّ الأمر الأكيد عندي هو أنّ خطاباتك وأقوالك مشهورة بالبساطة السامية التي ترفع قدرك على أولئك الفلاسفة. وبلغ الإمبراطور خبر هذا، وبما أنّني النائب عنه في الحكم على هذه الأمّة، فأنا منشرح لأنّي منحتُكَ هذه الحريّة فإنّك جدير بها. ومع ذلك فلا أخفي عنك أنّ أقوالك وخطاباتك أحدثت لكَ أعداء أقوياء ألداء، ولا عجب في هذا، فقد كان لسقراط أعداء، ومن شدّة بغضهم له جرعوه غصص المنون. وأعداؤك يستاءون منك لسببين: أوّلهما أقوالك، وثانيهما الحريّة التي خولتها لك. بل اتهموني بالاتحاد معك سرًا لنجرّد العبرانيين من السلطة الطفيفة التي تركَتها رومية لهم. فغاية ما ألتمسه منك، ولا أقول على سبيل الأمر، هو أن تزداد تبصرًا واحتياطًا في المستقبل، وأن لا توغر صدور أعدائك لئلا يهيجوا عليك الأوباش، ويحملوني على استعمال آلات العدل».

فأجاب يسوع الناصري بهدوء

 « يا حضرة أمير الأرض، إنّ أقوالك هذه ليست صادرة من الحكمة الحقيقيّة. أيجوز أن تقول للتيار: قف في وسط الجبل، لأنّه يستأصل أشجار الوادي؟ إذن لأجابَكَ هذا التيار الجارف قائلاً: يجب عليّ أن أطيع نواميس الخالق، فالله هو الذي يعرف وحده المحل الذي يصبّ فيه التيار. الحقّ أقول لكَ إنّه قبل أن يزهر نرجس شارون يهرق دم البار».

فأجبته بروعة وقلتُ له

 « لا يسفك دمك فإنّ منزلتك عندي بالنظر إلى حكمتك هي أسمى من منزلة جميع الفريسيين المتغطرسين الميالين إلى الهيجان والعدوان، الذين لم يعرفوا قيمة الحريّة التي خولتها لهم الرومان، بل تألبوا على القيصر وتآمروا عليه وتوهموا أنّ ما أظهرناه لهم من اللين هو خوف. ولم يدر هؤلاء الأسافل الوقحاء أنّه قد يلبس أحيانًا ذئب الأحراش جلد الغنم. وعلى كلّ حال إنني سأحميك من مكائدهم، وسراي عدالتي هي مفتوحة لك تلتجئ إليها في أيّ وقت شئت».

فأطرق يسوع رأسه بلا مبالاة ولا اهتمام وقال بلطف وتبسم

 « إلهي، متى حلَّ يوم ابن الإنسان لا يكون له ملجأ في الأرض ولا تحت السماء، وإنّ ملجأ البار هو هناك».

قال هذا مشيرًا إلى السماوات وأنّه ينبغي أن يتمّ ما هو مكتوب في كتب الأنبياء. فأجبته بتؤدة وقلت له

 « أيّها الشاب إنك تلزمني على تغيير طلبي إلى أمر، فإنّ سلامة الولاية التي فوّض لي الاهتمام بشأنها تستلزم ذلك، والواجب عليك أن تراعي زيادة الاعتدال في خطاباتك، واتبع أوامري ولا تنقضها، ولترافقك السعادة، وأودعك في أمان الله».

Article Image

فأجاب يسوع وقال

 « يا أمير هذه الأرض، إنّي لم آت بحرب إلى هذا العالم بل أتيتُ بسلام ومحبّة. وولدتُ في اليوم الذي أعطى فيه أغسطس قيصر سلامًا للعالم الروماني، فالاضطهاد لا يصدر منّي بل من غيري، وسألاقيه طاعة لإرادة أبي الذي أراني الطريق. إذًا اكظم تبصرك الدنيوي فليس في طاقتك ولا في استطاعتك أن تحجز الذبيحة عن الفداء».

قال هذا واختفى كظلّ لامع خلف ستار السراي.

فالتجأ اليهود، أعداء يسوع، إلى هيرودس، الذي كان واليًا على الجليل، وطلبوا منه أن ينفث انتقامه على الناصري. فلو فوّض الأمر لهيرودس لأمرَ بقتل المسيح حالاً. ولكن مع تباهيه وافتخاره بمقامه الملوكي كان يخشى من الإقدام على عمل يحطّ من نفوذه.

وفي ذات يوم زارني هيرودس في محلّ الولاية. ولَمّا عزم على الانصراف بعد أحاديث تافهة، استفهم منّي عما أراه بخصوص الناصري فأجبته قائلاً: «يظهر لي أنّ يسوع هو من كبار الفلاسفة الذين يندر ظهور مثله في الأمم العظيمة، وأنّ تعاليمه لا تمسّ حرمة الدين مطلقًا. وأنّ غاية رومية أن تطلق له عنان الحريّة في الخطابة، فإنّ سلوكه وتصرفه يجعلان له حقًا في ذلك». فتبسّم هيرودس تبسّم الحقد والخبث وانصرف إلى حال سبيله بعد أن سَلّم عليّ سلام متهكم.

وبما أنّه قرب عيد اليهود العظيم كان غرض أئمة ديانة اليهود انتهاز فرصة ضجة ورجة وهرج ومرج الشعب، التي كانوا دائمًا يظهرونها في احتفالات الفصح لدرك مآربهم. وكانت المدينة غاصّة برعاع اليهود أصحاب الشغب والاضطراب الذين كانوا يصيحون طالبين قتل الناصري. وأفادني رسلي بأنّ خزينة الهيكل صرفت على إغراء القوم على الهياج، والخطب جسيم، حتى تطاولوا على قائد مائة روماني بالشتم. وطلبتُ من والي سورية أن يرسل إليّ مائة عسكري من المشاة ومائة أخرى من العساكر الخيالة فلم يسعفني، فرأيتُ نفسي فريدًا بشرذمة من العساكر يعدون على الأصابع في وسط مدينة عاصية، وليس في استطاعتي تسكين هذا الاضطراب وإخماد نيران الشغب. ولم يبق سبيل سوى ترك الأمور تجري في مجاريها، فألقى الأوباش الهائجون القبض على يسوع. ولَمّا آنسوا عدم الخوف من الحكومة إذ ظنّوا مع زعمائهم أنّني جزع فزع من ثورتهم، تمادوا على الصياح قائلين: أصلبه، أصلبه…

وقد تحالف وتآمر في هذا الوقت ثلاثة أحزاب أقوياء. وبيان ذلك أنّ الهيرودسيين اتحدوا مع الصدوقيين على إحداث الشغب والاضطراب لسببين: أولهما، تعصبهم للناصري؛ وثانيهما، تولعهم لخلع نير رومية والتحرّر من سلطانها. فلم يغتفروا إلى دخول مدينتهم  المقدسة بالبنادر والأعلام المرسوم عليها صورة امبراطور رومية، وقد وقعت في هذا الخطأ المشئوم جهلاً منّي بعاداتهم، فاستبشعوا واستعظموا هذا الأمر، وعَدّوه انتهاكًا لحرمة الدين. والأمر الثاني الذي أوغر صدورهم وزاد حقدهم وكيدهم هو أنني كنتُ أشَرتُ بصرف جانب من خزينة الهيكل في تشييد أبنية ذات منافع عمومية فنبذوا هذه الإشارة ظهريًا.

وأيضًا كان الفريسيون أعداء يسوع الألداء، ولم يكترثوا بحكومتنا، وتجرّعوا غصص التوبيخات والتنديدات الصارمة، التي رجمهم بها الناصري مدّة ثلاث سنين، حيثما تَوجّه، ولَمّا كانوا على جانب عظيم من النذالة والجبن وخور العزيمة ولجوا باشتياق وتولع أبواب مشاحنات الهيرودسيين والصدوقيين. وزيادة على هذه الأحزاب الثلاثة تَعيّن عليّ أن أكافح الأوباش والرعاع الجامحين في الغوايات، والميالين إلى الانحياز إلى الثورات والفتن، لأنّهم يستفيدون من الفوضى والاختلال الناشئ عن هذه الفتن.

فساقوا يسوع إلى أن أتوا به أمام رئيس الكهنة الذي كان وقتئذ “قيافا”، فأبدى رئيس الكهنة عملاً دَلّ على خضوعه السخري، فإنّه لو كان خاضعًا لنا خضوعًا حقيقيًا، وممتثلاً امتثالاً صادقًا، لَما حكمَ على يسوع بالموت. فأرسل إليّ لأنطق بالحكم عليه فأجبته قائلاً: بما أنّ يسوع كان جليليًا فهذه القضية هي من اختصاصات هيرودس. وبناءً عليه أمرتُ بإرساله إلى الجليل، فتظاهر رئيس الربع، هذا الخداع المكار، محتجًا باحترامه لمقامي، بصفة كوني وكيل القيصر، وفَوّض أمر هذا لي. وفي الحال، صارت هيئة سراي كهيئة قلعة محصورة. وكان يزداد عدد الثائرين كلّ لحظة، وغصّت أورشليم بالأفواج الكثيرة الآتين من جبال الناصرة، وظهر لي أنّ كلّ اليهودية انسكبت في أورشليم انسكابًا. وكنتُ اقترنتُ بزوجة من «الغال» ادّعت أنّ لها علمًا بالمستقبل، فبكت وألقت بنفسها عند قدميّ وقالت لي: «إحترس ولا تمسّ هذا الرجل لأنّه قدّوس، فقد رأيته البارحة في رؤيا الليل ماشيًا على الماء، وطائرًا على أجنحة الرياح، وكَلّم العاصفة وأسماك البحيرة، وكان الكلّ مطيعًا له، ممتثلاً لأمره، وها هو ذا سيل جبل قدرون جاريًا بالدم، وتماثيل القيصر ملآنة بأقذار حيمونية، وأعمدة الأنتربيم سقطت، وسترت الشمس حدادًا كالعذارى الباكيات على القبر. فيا بيلاطس، إذا لم تنصت لالتماس زوجتك، لا بدّ أن يلاقيك الشرّ، واخش لعنة السناتو الروماني وبأس القيصر».

وفي هذه الأثناء كادت سلالم الرخام أن تسقط من ثقل الأفواج الكثيرة. فأتوا ثانية بالناصري إليّ، فتوجّهتُ إلى كرسي القضاء، يتبعني حرسي، وسألتُ المتجمهرين بصوت صارم عما يطلبونه، فأجابوا: نطلب موت الناصري. فقلتُ لهم: وأيّ ذنب اقترفه؟ فأجابوا قائلين: إنّه قد جَدّف وتنبأ عن خراب الهيكل وقال إنّه ابن الله وإنّه الماسيا ملك اليهود. فقلتُ لهم إنّ القانون لم يقدّر عقابًا بالموت على مثل هذه الذنوب. فصاح هؤلاء الجماهير العتاة القساة قائليبن: أصلبه، أصلبه. وكاد صياح هذه الجماهير الهائجين المائجين أن يزعزع أساس القصر. وكان في وسط هذه الجماهير الكثيرة، شخص ساكن هادئ، وهذا الشخص هو الناصري. وبعد أن بذلتُ جهدي مرارًا عديدة لوقايته وحمايته من مضطهديه القساة المجردين من الشفقة والرحمة، لم يُجدِ ذلك نفعًا، فاتخذتُ هذه الطريقة التي ظهر لي أنّها الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياته، وهي أنني أمرتُ بجلده. ثمّ طلبتُ طشتًا وغسلتُ يدي أمام الجمهور مشيرًا بذلك إلى استهجان عملهم، ولكن لم يأت ذلك بثمرة ولا فائدة، فإنّ نفوس أولئك الأشقياء ظمآنة لقتله.

وكثيرًا ما رأيتُ في ثوراتنا الداخلية هيجان الجماهير وأحقادهم، ولكن ليست بشيء بالنسبة لما رأيت من اليهود في هذه الحالة، حتى يمكن أن يقال إنّه قد اجتمعت جميع الأرواح الجهنمية في أورشليم. وكان يلوح لي أنّ هؤلاء الجماهير غير ماشين على الأرض بل محمولين على الأمواج المتلاطمة من أبواب محلّ القضاء لغاية جبل صهيون يعجّون ويصيحون ويجأرون ويزأرون مما لم يسمع بمثله في فتن «البانوتية» أو في ميدان رومية.

فأخذ النهار يعتم ويظلم بالتدريج مثل شفق الشتاء وكان مثاله مثل الظلام الذي شوهد عند موت يوليوس قيصر العظيم الذي كان في 15 مارس. أمّا من جهتي أنا، والي هذه البلاد، فكنتُ متوكئًا على عمود من أعمدة قصري، شاخصًا من الظلام المخيف إلى زبانية العذاب، يجذبون الناصري البريء ليجرعوه غصص المنون. وخلا جميع الجهات التي حولي فإنّ أورشليم تقيأت جميع الساكنين فيها إلى بوابة الجنازة التي تؤدي إلى «جيمونيكه» واكتنفتني هيئة الخراب والتحسّر، وانضمّ حرسي إلى الخيالة وقائد المئة لإظهار ظلّ القوّة، باذلين الجهد لحفظ النظام، فصرت وحيدًا منفردًا. وناجاني فؤادي بأنّ هذه الأمور الحاصلة الآن هي من متعلقات الآلهة وليست من متعلقات إنسان. وسمع صياح وصراخ عال من الجلجثة محمولاً على الرياح، منبئًا بكرب لم يطرق أذن إنسان مثله، فنزلت سحب مظلمة معتمة على أجنحة الهيكل واستقرّت على المدينة وكأنّها سَتَرَتها بحجاب. وكانت العلامات التي ظهرت في السماوات والأرض هائلة مخيفة، حتّى صاح ديونيسيوس الأريوباغي1 قائلاً: إمّا أن يكون خالق الطبيعة متألّم أو أنّ العالم آخذ في التمزق.

وفي الساعة الأولى من الليل خلعتُ ردائي ونزلتُ إلى المدينة وتوجهتُ إلى بوابة الجلجثة، وكان قد مضى الأمر وتَمّت الذبيحة. وعادت الجماهير، وإن كانت هائجة مائجة إلاّ أنّه كان يلوح على وجوههم الكمد واليأس واشتغال البال، لأنّه اعتراهم التحسّر والفزع مما شاهدوه. وكذلك رأيت فرقتي الرومانية مارة وعليها هيئة الاكتئاب، وغطى رافع اللواء صورة النسر (وهي علامة بيرق الرومانيين) علامةً على الحداد والغَمّ. وكان بعض العساكر يهمسون بعض ألفاظ غريبة لم أفهم معناها، وكان البعض الآخر يروون عجائب وغرائب تكاد أن تشبه الغرائب التي كثيرًا ما أصابت الرومانيين بإرادة الآلهة، وكانت تقف أحيانًا زمر من الرجال والنساء ساكنين باهتين موجهين أنظارهم إلى جبل الجلجثة منتظرين طروء أمر عجيب آخر.

فرجعتُ إلى كرسي القضاء كاسف البال كثير التفكير والبلبال. ولَمّا طلعتُ على السلالم التي كانت لا تزال ملوثة بدم الناصري، شاهدتُ رجلاً هرمًا في حالة الاستغاثة والتوسّل، وكان خلفه جملة من النساء باكيات فألقى نفسه عند قدميّ وبكى بكاءً مرًّا. ولعمري إنّه يوجعني ويؤلمني رؤية رجل هرم يبكي، فقلت له بلطف: «يا أبي، من أنت وما هي طلبتك؟» فأجاب قائلاً: «أنا يوسف من أرماثا أتيتُ متعطفًا حضرتكم وأنا جاثٍ على ركبتي أن تأذن لي بدفن يسوع الناصري». فقلتُ له: «قد أجبت طلبك». وفي الحال أمرتُ ماتليوس أن يأخذ بعض عساكر معه ليلاحظ ويباشر دفنه لئلا يتعرّض أحد له.

وبعد ذلك بأيّام قليلة وجد القبر فارغًا وأذاع تلاميذ يسوع في أطراف البلاد وأكنافها أنّ يسوع قام من بين الأموات كما تنبأ. فبقي عليّ القيام بهذا الواجب وهو إبلاغ جلالة الإمبراطور هذه الحوادث المكدرة.

وبناءً عليه، بادرتُ بتحرير هذا. ولم أنته من تحرير هذا البلاغ إلاّ وبزغ نور النهار. وفي هذا الوقت طرق أذنيّ صوت نفير يضرب نغمة «ديانا» فوجهتُ نظري نحو بوابة قيصر، فشاهدتُ فرقة من العساكر، وسمعتُ من على بعد أبواقًا تضرب سلام القيصر، فاتضح لي أنّها الامدادات التي وعدتني الحكومة الرومانية بإرسالها، ويبلغ عددها نحو ألفَي نفَر، من نخبة العساكر، الذين مشوا طول الليل ليتيسّر لهم الوصول بسرعة، فصرختُ فاركًا يديّ: قد قدر وقوع هذا الإثم العظيم ولا رادّ للقضاء، ولو وصلت العساكر لَما حصل ما حصل، ولكن، هل نقول إنّ العساكر وصلوا اليوم لمنع حدوث فعلة البارحة؟

فتبًا لهذا الدهر الغدار الذي يعبث بأحوال البشر. ولعمري لقد صدق ما صرح به الناصري وهو معلّق على الصليب: «قد أكمل».

 المصادر

الانجيل المقدس

د. اسد رستم

كفن المسيح

Posted

in

by