القسطنطينية عاصمة الامبراطورية الرومية

حضارة الروم وتاريخهم

حضارة الروم وتاريخهم

من هم الروم؟

االإمبراطورية الرومانية كانت تشكل وحدها العالم المتحضر القديم

شعار الروم
شعار الروم

تمهيد تاريخي

في القرن الاول للمسيح، كانت الدولة الرومانية تسيطر على كامل البحر الابيض المتوسط والأقطار التي تحيط بحوضه. صهرت هذه الدولة شعوب هذه البلاد في حضارة متجانسة، وجمعتهم تحت سلطة عسكرية وسياسية مركزية واحدة. وكان العالم المتحضِّر يقتصر حينذاك تقريباً على هذه الإمبراطورية التي كانت تدين بالوثنية وتدعى “المسكونة”. كانت لغة روما اللاتينية اللغة الرسمية للدولة، لكن اللغة اليونانية بقيت لغة العلم والفن والثقافة والدين وطغت على اللغة اللاتينية التي بقيت لغة الفتح والاخضاع العسكري للشعوب المحكومة، بينما سادت اليونانية حتى في وسط العاصمة روما لكونها لغة الثقافة والفن والادب والفلسفة واخيراً بها كُتب الانجيل المقدس وبها حصل انتشار المسيحية في كل المسكونة، وماكان ذلك الا  لأن الحضارة الإغريقية سبقت ظهور روما بقرون عدة مع الاسكندر الكبير الذي بلغت امبراطوريته شرقا حتى حدود الهند وفرضت لغتها وثقافتها على كل المنطقة التي شملتها  الامبراطورية الهلينية ومن بعدها الامبراطورية السلوقية وعاصمتها انطاكية في سورية وفارس …والقفقاس… وامبراطورية البطالسة في الاسكندرية وكل مصر ونواحي ليبيا والقيروان وقرطاج… التي اسسها بطليموس القائد الثاني من قادة الاسكندر، وفرضت ذاتها في مصر وكل الساحل الافريقي… ويكفي مكتبة الاسكندرية المنارة الاغريقية لكل الشمال الافريقي وحوض المتوسط الجنوبي والشرقي،لذا لم تستطع اللغة اللاتينية استبدالها بل بقيت لغة الثقافة والفلسفة والفكر والطب والادب…الى ان حصل التغيير بأفول نجم روما القديمة و سطوع نجم  روما الجديدة ( القسطنطينية)  330م محلها  بيد قسطنطين الكبير وثيوذوسيوس الكبير من قبل سقوط روما(476م بيد الجرمان)…

الاسكندر المقدوني
الاسكندر المقدوني

البشارة المسيحية عمت الإمبراطورية الرومانية

بين القرنين الأول والثالث المسيحيين، بعد دعوة الرب يسوع لهم، وحلول الروح القدس، إنطلق الرسل القديسون الى جميع الامم ،اي الى جميع أقطار الامبراطورية الرومانية، فلقيت البشارة المسيحية تقّبلاً عظيماً في العاصمة روما، وفي جميع المناطق، لاسيما سورية الكبرى وعاصمتها انطاكية وسائر المشرق والأناضول ومصر وليبيا والقيروان وافريقيا الشمالية، لكن انتشار المسيحية السلمي أثار حفيظة الوثنيين، وهدد سلطة الاباطرة الرومان ووحدة الدولة الرومانية القائمة على عبادة الوثن، حتى ان كبير كهنة الوثن في روما المرتبطة به الآلهة المعبودة في كل الامبراطورية، كان يلقب ” الحبر الأعظم” وهو اللقب ذاته الذي حمله بابا روما في عهود ليست بالبعيدة (اعترافاً بأولويته وخلافته لبطرس)، فعمدت السطات الرومانية الى انتهاج السياسة القمعية المفرطة بحق المسيحية ومن يغتنقها ، فسقط من المسيحيين عشراف لا بل مئات الآلاف شهداء بالرب يسوع، وخاصة في القرن الثالث المسيحي، وكات كل إمبراطور يتولى الحكم يتفنن في ابتكار اساليب أكثر وحشية للقضاء على المسيحية حتى انهم في عهد ديوكلتيانوس كانوا يصلبون في فسحات دار الامبراطورية  في روما، ودور الولايات ويشعلون احياء كالمشاعل. مع ذلك لم يواجه المسيحيون العزل الاضطهاد بالعنف على الاطلاق، بل قاوموه بإيمان ورجاء وهدوء.

سلوقوس مؤسس الامبراطورية السلوقية
سلوقوس مؤسس الامبراطورية السلوقية

قسطنطين الكبير غيَّر جذرياً توجهات الدولة الرومانية

في سنة 312مسيحية، وبينما كان القيصر قسطنطين يتصارع  حربياًمع خصمه ليكيانوس على السلطة في الدولة الرومانية، حصلت له رؤيا  وهي ظهور علامة الصليب وضاءة كالشمس في السماء في وسط النهار وعبارة مكتوبة باليونانية “بهذه تنتصر”، فدعته الى رفع الصليب فوق أعلامه. والعتاد الحربي فظفر سريعا بخصمه وانفرد بحكم الإمبراطورية الرومانية، وكانت اعظم انجازاته التي لاتعد وهي وقف حمامات الدم بحق المسيحيين، واطلاق حرية العبادة للمسيحيين واظهار دينهم بدون اضطهاد هي إنشاء عاصمة جديدة للإمبراطورية محظورة على الوثنية ومعابدها بل كانت مسيحية صرفة حملت اسمه وكان بناها في ساحل البوسفور على انقاض المدينة الاغريقية الوثنية (بيزنطة)، وكانت ا القسطنطينية ( التي لاتمت بصلة لهذه المدينة الوثنية)، ودعاها”مدينة الله العظمى روما الجديدة”، كما قام باعتناق المسيحية وتنظيم الكنيسة المسيحية وتوحيدها بدعوته الى المجمع المسكوني الأول السنة 325 في نيقية في الاناضول، وهذا المجمع هو الذي اصدر دستور الايمان الذي يردده كل مسيحيي الكون، ونتلوه في كل قداس الهي معترفين بصوت جهوري بايماننا المسيحي القويم.

قسطنطين الكبير
قسطنطين الكبير

دعوة قسطنطين كانت بداية دولة الروم المسيحية

كانت رؤيا قسطنطين المسيحية الاعجوبة التي غيَّرَت في العمق وجه الدولة الرومانية التي تحولت حينها الى دولة مسيحية: إمتزج التراث الروحي المسيحي بالتراث الحضاري الروماني، وكونّا معاً الحضارة المسيحية الجديدة وهي (حضارة الروم) والامبراطورية الرومانية الشرقية-امبراطورية الروم وليست الامبراطورية البيزنطية(1))، وبقيت هذه الحضارة متجلية الى اليوم في الوجود المسيحي العريق المنتشر في بلادنا والعالم. دُعيت أمتُها  أمة الروم لانتسابها الى عاصمتها روما الجديدة التي اطلق عليها شعبها إسم القسطنطينية، إكراماً واجلالاً لمؤسسها قسطنطين المعادل وامه هيلانة للرسل.

دولة الروم دامت 1123 سنة

بقيت القسطنطينية عاصمة الروم من سنة 330م الى سنة 1453م، حكمها 93 قيصراً وملكاً، وكانت إمبراطوريتها تشمل معظم اقطار البحر الأبيض المتوسط، بلغت اوجها في عهد الإمبراطور يوستنيانوس الكبير، وضمَّت عدة ولايات هي ذاتها التي بقيت الى اليوم تحمل أسماء البطريركيات الرسولية الخمس  ( روما القديمة، روما الجديدة اي القسطنطينية، الاسكندرية، إنطاكية، اورشليم). ويعود للروم فضلُ كبير في اكتمال العقيدة المسيحية عبر أعمال المجامع المسكونية، وفي بناء التقليد المسيحي الذي استمرينا عليه الى اليوم.

كاتدرائية آجيا صوفيا
كاتدرائية آجيا صوفيا

مقومات الحضارة الرومية

إتسمت الحضارة الرومية بالطابع السلمي، اذ ان الروم لم يسعوا يوماً الى احتلال او توسع قسري، ولم يفرضوا حضارتهم ودينهم بقوة السيف او الغزوات. اما مجتمعهم فكان أممياً متعدد الإثنيات واللغات، وان طغت عليه ثقافياً بعد القرن السادس المسيحي اللغة اليونانية كلغة رسمية. وتعتبر الثقافة الرومية ثقافة جامعة مُتَعَولْمةْ إستقت مصادرها من كل الثافات القديمة، فأنتجت حضارة متميزة، إنتقلت بعضُ مكوناتها الى العربية بعد انتشارهم في حملاتهم العسكرية، والى النهضة الغربية إبتداءً من القرن الثالث عشر المسيحي.

القسطنطينية عاصمة الروم الشهيدة
القسطنطينية عاصمة الروم الشهيدة

الخلافات المذهبية والغزوات الخارجية وراء إندثار الدولة

أضَّرَتْ الانقسامات المذهبية كثيراً باستقرار المجتمع الرومي ووحدة الدولة وقوتِّها، عندما انشق النساطرة الآشوريون والكلدان في المجمع الثالث 431م، وانشق اليعاقبة والاقباط والاحباش والارمن بنتيجة مجمع خلقيدونية 451م  فأضعفت الدولة الرومية،و أسهمت في دخول الغزاة من الشرق والغرب بمساهمة المنشقين، وظهر ذلك بمساعدة اليعاقبة السريان للعرب المسلمين في فتح دمشق ومعركة اليرموك وفي فتح المدن السورية.  ثم غزوات الفرنجة اواخر القرن الحادي عشر،واستيلائهم الدائم على الأراضي المقدسة ومناطق واسعة من الولايات الشرقية والغربية. أدَّتْ الغزوات الجرمانية في اوربه الغربية الى تباعُدِ كرسي روما القديمة وإنشقاقه سنة 1054 فيما يدعى ” الانشقاق الكبير”، والى حملة الفرنج (2)الرابعة 1202-1204 التي احتلت القسطنطينية ونهبتها  وارتكبت فيها المنكرات ممن لايصدر عمن يتسمون ” اخوة المسيح” واضعفتها بشدة، واساءت أكثر فأكثر الى العلاقات المتردية بين الشرق والغرب المسيحيين.

اما الهجمة العثمانية فانتهت بعد صمود اسطوري وبعد ضعفها بسبب حملة الفرنج الرابعة وكل الحملات الفرنجية سنة 1453 م باستباحة القسطنطينية وتدمير صروحها العلمية وتحويل كنائسها جوامع واستباحة النساء والغلمان والراهبات، واستشهاد بطريركها واساقفته وكهنته، وتشريد اهلها. ودفعت هاتان الغزوتان، الفرنجية والتركية بالعديد من العلماء والمفكرين والفنانين، الى الهجرة باتجاه اوربه الغربية، فكانوا اساس عصر النهضة فيها وانتهاء العصور الوسطى.

حضارة الروم وتاريخهم
حضارة الروم وتاريخهم

صمود الثقافة الرومية وديمومتها بعد 1453م

بعد سنة 1453م، خضع الروم في المشرق والأناضول واوربه الشرقية لسلطة الدولة العثمانيةكأهل ذمة، وحافظوا على بعض حقوقهم الدينية والاجتماعية والطائفية بواسطة النظام المليِّ المستحدث من قبل السلطان محمد الثاني. اما روسيا التي كانت خارج هذا الاحتلال الذياستمر قرونا للعالم الرومي الاصل، فعرفت نهضة كبيرة وصارت ولم تزل دولة عظمى، تُكملُ وديعة الإرث الرومي وتزيدُ عليه. وكان للكنيسة الارثوذكسية الروسية دورٌ عظيم في الحفاظ على هذا التراث، وحافظت بمؤسساتها اللاهوتية وجامعاتها وفي مدارس الجمعية الامبراطورية الفلسطينية- الروسية الارثوذكسية على ماامكنها من ارثوذكس المشرق في الكرسيين الانطاكي والاورشليمي وتحصينهم في حمى الهجوم الكاسح للارساليات الرهبانية البابوية التبشيرية والارساليات البروتستانتية التبشيرية.

لوحة العشاء الاخير من الفن الايقونوغرافي الرومي
لوحة العشاء الاخير من الفن الايقونوغرافي الرومي

الروم في العصر الحديث

العالم الرومي ليس من الماضي، بل هو واقعٌ وحضورٌ معاصرٌ يَذخَرُ بالمواهب والطاقات الكثيرة، من روحية وثقافية واجتماعية وسياسية وعلمية وفنية، وتبقى الارثوذكسية من أعظم أُسسِ وحدتِهِ العُضوية، بالرغم من اختيار البعض القليل مذهباً دينياً أو فكرياً مختلفاً. لكن الروم يتعرضون اليوم، في كافة بلدانهم وخصوصاً في المشرق العربي منبتهم وفي البلقان لهجمات سياسية فككت كياناتهم بشراسة وفي عالم الانتشار الحديث بعد الحرب الاهلية اللبنانية من 1974-1990 والحرب الشرسة بلباسها الطائفي في سورية منذ 2011- 2025 الى افقادهم هويتهم الروحية الارثوذكسية وتشتيتهم بين مخالب الالحاد والاحتواء الغربي بشقيه اللاتيني والبروتستانتي والمسيحية المتهودة، وكل هذا المتلازم مع اللجوء والفقر يتهدد ارثهم الحضاري وتماسكهم الثقافي الرومي والديني الارثوذكسي. ومن ابرز هذه المخاطر، الاضطهاد التكفيري والتفكك العائلي، والعولمة الثقافية، والتفتت القومي واللغوي والعلمنة الالحادية الخ…

حضارة الروم وتاريخهم
حضارة الروم وتاريخهم

حواشي البحث

1-الامبراطورية البيزنطية: مصطلح مدسوس فرضه علماء الغرب البابوي والبروتستانتي على الامبراطورية الرومانية لالغاء صفة الامبراطورية الرومانية الشرقية كي لاتكون الوريثة للامبراطورية الرومانية بعد سقوط روما وكي لاتكون روما الجديدة فلقبوا الامبراطورية بلقب الامبراطورية الوثنية بيزنطية وما استعمال هذا المصطلح من قبل الروم الا خيانة بحق انتمائهم وايمانهم الارثوذكسي لذلك ابتعدنا في كل منشوراتنا عن هذا المصطلح المنبوذ.

2- مصطلح الفرنج او الفرنجة هو الاصح بدلا عن مصطلح الصليبيين والحروب الصليبية، لأن راية الصليب التي حملها الغزاة لم تكن راية دينية بل راية حربية كالنسر الروماني والنسر الرومي ذي الرأسين، ولأن الصليب في ايماننا كان اداة حرية ومحبة وليس اداة قتل،ولان مصطلح الصليبيين مسيء لكل الديانة المسيحية القائمة على المحبة. ولان المؤرخين المسلمين المعاصرين لتلك الحملات اسموها باسمها الاصيل حروب الفرنجة والفرنجة هم الفرنج سكان محيط باريس الذين بداية التحقوا بشارلمان في حروبه هذه،