ختان السيد المسيح له المجد
تمهيد
الختن في اللغة اسم من خَتَنَ القطع (١). وختن الولد قطع غرلته وختن الشيء قطعه(٢).
والكلمة العبرية التي وردت في التوراة هي “ميلاه”. ووردت كلمة بيريتومي في الترجمة السبعينية ( اليونانية) وكلمة تشر كومنشيزيو في الترجمة اللاتينية المعممة المعروفة بالفولكاتا.
وكل من هذه الكلمات الثلاث مشتق من فعل معناه قطع دائر مدار (٣).
الختان عبر التاريخ
يقول بعضهم أن : أصل الختان سابق لعهد إبراهيم. وعلى مايظهر أنه كان يمارس قبل الأسرة المصرية الرابعة أي قبل المسيح ب ٢٤٠٠ سنة. والآثار الموجودة دليل على ذلك، وقد عُنِرَ في معبد الكرنكفي الهيكل الصغير لخوَنَس، رسم لمشهد ختان طفل يبلغ من العمر السادسة أو الثانية عشرة”. (٤)
ومن المؤكد أن الختان لم يكن مقتصراً على العبرانيين. لقد وجد عند غيرهم من الشعوب المجاورة لهم كالفينيقيين والأدوميين والمؤابيين والعمونيين والعرب.
ويقول بعض النقاد ان العبرانيين والقبائل السورية اتخذوا الختان عن المصريين وهؤلاء عن القبائل الأفريقية.(٥)
وذكر المؤرخ هيرودوت:”ان المصريين كانوا يمارسون الختان للطهارة، لأنهم كانوا يفضلون ان يكونوا طاهرين على أن يظهروا مظهراً أنيقاً”.(٦)
” وعند اكتشاف اميركا وجد الختان جارياً عند أهل مكسيكو وعند أهالي جزائر الأصدقاء والأرخبيل الهندي وسواحل افريقيا الغربية وماد كسكار وجزائر فيليبي”.(٧)
” وكان العرب يختتنون قبل الإسلام، وكان الختان من سنن العرب. (٨)
ويرى بعضهم أن القصد من الختان التمييز بين قبيلة وأخرى، غير ان المعنى الحقيقي للختان هو المعنى الديني الذي يقره اليوم أكثر العلماء.(٩)
اما الختان عند اليهود فإنه شعار ديني وقد ورد في سفر التكوين ما يلي: “تجلى الله لأبرام وقال له: …فاحفظ عهدي انت ونسلك من بعدك مدى اجيالهم. وهذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختن كل ذكر منكم مدى اجيالكم ، المولود في منازلكم والمشترى بفضة من كل غريب ليس من نسلكم”…وأي أقلف من الذكور لم يختن القلفة من بدنه تقطع تلك النفس من شعبها اذ قد نقض عهدي…” (١٧ : ٩ – ١٤).
وقد حافظ اليهود على هذه السنة ولم يهملوها الا في مدة أربعين سنة التي قضوها في البرية. ولما كان المولودون في هذه المدة غير مختتنين قال الرب ليشوع: ” اصنع لك سكاكين من صوّان واختن بني إسرائيل” (يشوع ٥ :٢).
وسبق وجدد موسى سنة الختان كما ورد ذلك في سفر الأحبار: ” وكلم الرب موسى قائلاً: … وفي اليوم الثامن تختن قلفة المولود” ( ١٢ : ٣).
وهكذا كان الختان عند اليهود سمة خارجية تدل على أن المختون هو من شعب الله وهذه العلامة دليل على أنه ابن إبراهيم بالروح كما انها شرط للخلاص.
ولما كان السيد المسيح قد ولد الجسد من مريم العذراء التي هي من سبط يهوذا وسلالة داود فإنه خاضع للناموس كما قال القديس بولس الرسول في رسالته الى أهل غلاطية ( ٤ : ٤). لذلك اختتن في اليوم الثامن من ولادته إطاعة للشريعة مع انه بغير خطيئة كما قال القديس يوحنا الإنجيلي في رسالته : ” ظهر ليرفع خطايانا ولا خطيئة له” (يوحنا ٣ : ٥). ولكن ليشبه أخوته في كل شيء” على حد قول بولس الرسول (عب ٢ : ١٧). ولو لم يختتن السيد المسيح لبقي منبوذا من اليهود من اول لحظة ولحرّم عليه دخول الهيكل لأن اليهود حسب شريعتهم يعتبرون نجساً كل من ليس مختوناً. ورغم ان بولس الرسول لم يعد يرى فائدة للختان بعد المعمودية فإنه ختن تلميذه تيموثاوس الذي كان ابوه يونانياً ليتمكن ويدخل مجامع اليهود ويبشر فيها. ( أع ١٦ : ٣). الأمر الذي لم يضطر التلميذ تيطس اليه أي ان يختتن، لأنه كان يبشر بين الأمم غير اليهود (غل ٢ : ٣)
للختان معنيان في العهد القديم
معنى مادي أي القيام بعملية جراحية ومعنى مجازي. وقد ورد في سفر ارميا:” قال الرب لرجال يهوذا …اختتنوا للرب وازيلوا قلف قلوبكم…” ( ٤ :٤). وورد المعنيان في آية واحدة أيضاً في سفر حزقيال النبي : ” قال السيد الرب لأل إسرائيل: حسبكم جميع ارجاسكم. وإدخالكم بني الغرباء الغلف القلوب الغلف الأجساد ليكونوا في مقدسي ويدنسوا بيتي…” (٤٤ : ٦ – ٧).
وحارب بولس الرسول المعنى المادي أو بالأحرى فضل المعنى الروحي على المعنى المادي بقوله: ” ليس اليهودي هو من كان في الظاهر، ولا الختان ما كان ظاهراً في اللحم. بل إنما اليهودي هو من كان في الباطن والختان هو ختان القلب بالروح لا بالحرف، ومدحه ليس من الناس بل من الله” (رومية٣: ٣٨ – ٢٩). ثم ان بولس الرسول لما رأى تعصب اليهود الداخلين في المسيحية واصرارهم على التمسك بحرفية الشريعة وانهم يفرضون الختان على الوثنيين الراغبين في المسيحية صرح حينئذ بدون تردد قائلاً: ” أدُعي أحد وهو مختون فلا يعد الى القلف. أدُعي أحد وهو مختون فلا يعد الى القلف. أدُعي أحد وهو في القلف فلا يختتن. ليس الختان بشيء ولا القلف بل حفظ وصايا الله. (١ كورنثوس ٧: ١٨– ١٩).وكاب الى أهل غلاطية يقول: “…ايها الذين تتبرروا بالناموس، سقطتم من النعمة. فإننا بالروح من الايمان نتوقع رجاء بر. لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة بل الايمان العامل بالمحبة” (١ كور ٥ :٤ -٦). وقال ايضاً:” جميع الذين يريدون أن يعملوا منظراً حسناً في الجسد هؤلاء يلزمونكم أن تختتنوا لئلا يُضطهدوا من أجل صليب المسيح فقط، لأن الذين يختتنون هم لا يحفظون الناموس بل يريدون ان تختتنوا انتم لكي يفتخروا بأجسادكم…في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة بل الخليقة الجديدة” (غلاطية ٦: ١٢ -١٥). وكلمة القديس بولس الرسول الفاصلة في هذه القضية والصريحة في تبيان الأفضلية بين العهد القديم والعهد الجديد قوله: ” فنحن اذن من الآن لا نعرف أحداً بحسب الجسد بل ان كنا عرفنا المسيح بحسب الجسد فالآن لا نعرفه كذلك. اذن ان كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. قد مضى القديم وها ان كل شيء قد تجدد، والكل من الله الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح وأعطانا خدمة المصالحة” (٢ كو ٥ :١٦ – ١٨).
قال القديس يوحنا الدمشقي: ” كان الختان هو قطع قسم من الجسد لا فائدة منه، فضله غير نافعة، كذلك المعمودية المقدسة تقطع الخطيئة منا. ومن البيّن ان الخطيئة هي منزلة فضلة من الشهوة زائدة. وليست شهوة يحتاج اليها”.
وقال اوريجانوس: ” أظن ان فحوى ختان يسوع هو ان نتطهر من خطايانا ونتجرد من تقاليدنا الفاسدة وتصرفاتنا السيئة وان نقله من نفوسنا رداءة السيرة والفجور وكل ما يخرج على قواعد الشرف والتقى”
نعم لقد قبل الرب يسوع الختان طائعاً ليعلمنا الخضوع الى الشريعة. “فإن الإله الكلي صلاحه لم يأنف ان يختتن ختانة جسدية، بل جعل ذاته رسماً ومثالاً للجميع للخلاص، فإن واضع الشريعة يتمم فرائض الشريعة” (ميناون) في اليوم الذي اختتن فيه المسيح سمّي يسوع كما سبق وبشّرَّ جبرائيل والدة الإلهبقوله:” ها انك تحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. وهكذا سيكون عظيماً وابن العلي يدعى” ( لوقا ١ :٣١-٣٢)
ولما كان يوسف مضطرباً لا يفقه كيف يمكن ان تحبل العذراء وتلد ابناً ظهر له الملاك وهو في الحلم وقال له: ” يا يوسف بن داود لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم فإن المولود فيها إنما هو من الروح القدس. وستلد ابناً وتسميه يسوع لأنه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم” (متى ١ : ٢٠ -٢١) وتعيد الكنيسة المقدسة لذكرى ختان السيد وتسميته في مطلع السنة الشمسية لأن السيد هو شمس إلهية ظهرت فأبادت الظلمات. وفرحنا نحن المؤمنين به عظيم لأنه أتاح لنا أن نعيش تحت شريعة سماوية جديدة، وأن نخاطب الله لا كعبيد لسيدهم بل كأبناء لأبيهم اذ نقول كما علمنا السيد له المجد: “أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك…” آمين.
حواشي البحث
١- ” لسان العرب” ابن منظور مصر ١٣٠٢ ه
٢- ” البستان” للشيخ عبد الله البستاني، بيروت ١٩٢٧
٣- Dictionnaire de la Bible, t. ll, col, 772.
٤- المصدر نفسه
5- Dictionnaire de la Thelogie Catholique, t . ll, col. 2519-2520.
6- Herodite , Histoire, livre ll, 37. Texte etabli et traduit par Ph . E. Legrand, Paris 1946. P. 36
٧- ” دائرة المعارف”للمعلم بطرس البستاني ، بيروت ١٨٨٣ (راجع كلمة ختان)
٨- ” دائرة المعارف الاسلامية” مجلد ٨ عدد ٦.
9- Dyc. de Theil. Cath. t,ll, c. 2520
