شرح صلوات الأسبوع العظيم
1- مقدّمة وترتيب
تبدأ صلوات الأسبوع العظيم في الكنيسة الأرثوذكسيّة مساء أحد الشعانين وتمتد إلى قدّاس أحد الفصح.
– قبل البدء بتعداد هذه الصلوات وشرحها لا بد من لفت النظر إلى أنّ الخدم في هذا الأسبوع لا تقام في أوقاتها بل ترتيبها مختلف على الشكل التالي:
| صلاة الختن ( العروس باللغة العربية الفصحى تنصرف الى الجنسين) وهنا المقصود (العريس) التي تقام مساء أيام الأحد والإثنين والثلاثاء هي في الواقع سحر اليوم التالي. |
| صلاة الزيت التي تقام مساء الأربعاء هي في الواقع سحر يوم الخميس. |
| أناجيل الآلام التي تقرأ مساء الخميس هي من خدمة سحر الجمعة. |
| إنزال المصلوب التي تقام صباح الجمعة هي في الواقع غروب الجمعة. |
| قدّاس سبت النور مع خدمة الغروب الذي يُقام في صباح السبت هو بمثابة قدّاس السهرانيّة الذي كان يبدأ مساء السبت – الأحد ، وهناك من يعتقد أنّه كان قدّاس العيد. |
2- صلاة الختن: اللقاء بالعريس والاتّشاح بالنور
الختن كلمة من الآرامية الفلسطينية شقيقة العبرانية تعني العريس νυμφιος.
تأتي تسميةُ “صلاةِ الخَتَنِ” مِن مَثَلِ العذارى العَشْرِ الّذي يتكلّمُ فيه المسيحُ عن عُرسٍ رُوحِيٍّ يأتي فيه الخَتَنُ (العريسُ) في نصفِ الليل، وتكونُ بعضُ العذارى مستعدّاتٍ لاستقبالِهِ بالمصابيح، بينما تكون الأُخرَياتُ غيرَ مستعدّاتٍ، فَيُترَكْن، تالِيًا، خارجَ وَلِيمةِ العُرس (مت 1:25-13).
![]()
من هنا ترتّل الكنيسة: “ها هو ذا الختن يأتي في نضف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظًا…”
صلاة الختن هي خدمة ليتورجية مسائية تُصلى في الكنيسة الرومية الارثوذكسية مساء ايام احد الشعانين والاثنين العظيم المقدس والثلاثاء العظيم المقدس وتتمحور حول مثل العذارى العاقلات اللواتي جهزن مصابيحهن واسرجناها لاستقبل الختن ( العريس) وهو هنا المسيح بمحيئه الثاني والجاهلات اللواتي تغاضين عن ذلك . تعني “الختن” العريس، حيث يُصور المسيح كعريس للنفس يدعو للسهر والجهاد الروحي استعداداً لفرح القيامة.
تُقام صلوات الختن (خدمة البصخة) على مدار ثلاث ليالٍ متتالية في بداية الأسبوع العظيم، لتتناسب مع أبعاد روحية محددة:
صلاة الختن الأولى – يوسف وشجرة التين العقيمة
مع بدء الأسبوع العظيم، وعشيّة أحد الشعانين تحديدًا، نقيم صلاة الختن، التي تقام أيضًا عشيّتَي الإثنين والثلاثاء.
“ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً…:
هذه الطروبارية مأخوذة من مثل العذارى الوارد في إنجيل متى (١:٢٥-١٣) “حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ..”، وكلمة ختن هي كلمة سريانيّة تعني العريس.
نجد كلمة ختن أيضًا في صلاة نصف الليل.
هذا المثل يدعو إلى اليقظة الدائمة للقاء الرب يسوع المسيح عريس نفوسنا والجهاد لبقاء مصابيحنا مليئة بزيت الابتهاج زيت الروح القدس.
لذا نحن مدعوون إلى تكثيف صلواتنا وعدم الاسترسال في الخطيئة لئلا نستغرق في نوم الإهمال ونغفل عن خلاص نفوسنا. «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ» (أف ١٤:٥)
صلاةِ الخَتَنِ الأُولى مساء احد الشعانين
عشيَّةَ أحدِ الشَّعانين، نتذكَّرُ أبانا يوسُفَ، الابنَ المحبوبَ لِيَعقوب، كَصُورَةٍ بارزَةٍ لِلعَهدِ القديم.
نجدُ قصَّةَ يوسف في القسمِ الأخير من سفر التكوين (الإصحاحات ٣٧-٥٠). يُعتَبَرُ يوسُفُ، في التّقاليدِ الآبائيّةِ والليتُورجِيّة، رَمزًا للمسيحِ في حياتِهِ وموتِه، نَظَرًا لفضيلتِهِ وحياتِهِ المُمَيَّزة. قُيِّدَ يُوسُفُ، وَبِيعَ كَعَبدٍ إلى المصريّين، ولٰكنّه استعادَ كرامتَهُ في أرضِ مصر. كُلُّ هٰذا يُوضِحُ سِرَّ التّدبيرِ الإلٰهِيّ، والوَعدِ، والفِداء الّذي في المسيح. فَفِي هٰذه الرِّوايَةِ الكِتابِيَّةِ حَولَ حياةِ يُوسُف، وَكيفَ آلَ انسِحاقَهُ في مِصرَ إلى حياةٍ مجيدة، صُورةٌ مُسبَقَةٌ عَنِ المسيحِ الّذي تنازَلَ وانحدر إلى الجحيم كَعَبدٍ، فَحَوَّلَ عُبُودِيَّتَهُ ومَوتَهُ إلى حياةٍ أبديَّةٍ لِكُلِّ جنسِ البَشَر.
* وفي اليومِ نفسِهِ، تتذكَّرُ الكنيسةُ حادثةَ لَعنِ التّينةِ (متى١٩:٢١)، وحادثةَ تطهيرِ الهيكل، وهُما حادثَتانِ وَثِيقَتا الصِّلَةِ بالأُسبوعِ العظيم، لِما فِيهِما من إظهارٍ لِقُدرةِ يَسُوعَ وَسُلطَتِهِ الإلٰهِيّتَين، وَمِنِ استِشرافٍ لِدَينُونَةِ اللهِ الآتِيَةِ على عَدَمِ إيمانِ قادَةِ اليَهُودِ الدِّينِيِّين. ترمزُ التّينةُ إلى عُقمِ إسرائيلَ إذْ أَخفَقَ في قَبُولِ المسيحِ واستيعابِ تعالِيمِه. لَعنُ التّينةِ مَثَلٌ ولٰكِنَّهُ جاءَ بِفِعلٍ لا بِقِصّة، وفيهِ تلميحٌ إلى أنَّ كُلَّ التّقاليدِ الدّينيَّةِ الّتي لا تأتي بِأثمارٍ سوفَ تَيبَسُ وتموت، تمامًا كما جرى لِلتِّينةِ الّتي كانت ملأى بالأوراقِ الجميلةِ الغَضَّة، إلاّ أنّها كانت بِلا ثَمَر. ![]()
– الإنجيل: متى ١٨:٢١-٤٣
نقرأ في هذا المساء الإنجيل حيث يلعن يسوع التينة ويظهر سلطانه ويعطي مثَلين عن ملكوت السموات(الإبنان والكرم).
عبرة: فبسيطرة الروح على الجسد نقتدي بيوسف العفيف ولا نتشبه بالتينة العقيمة (أي غياب الأعمال الفاضلة). التي بأوراقها غطى آدم عريه.
السلطة الحقيقة التي يظهرها المخلص هي خلاف العالم: “من أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن آخر الكل”.
تحثّنا الكنيسة على السهر والاستعداد للقاء العريس: ” لنذهب مع المسيح إلى جبل الزيتون لنقم سريًا معه كما مع الرسل “استعدي يا نفسي لخروجك فإن مجيء الحاكم (الديّان) قد اقترب”(مِن كتاب التريودي، القانون لعشيّة الإثنين المقدّس).
صلاة الختن الثانية مساء الاثنين العظيم المقدس
صلاةِ الخَتَنِ الثانية، نقيم عشيّة الإثنين تذكار مثل العشر عذارى الوارد في إنجيل متى (١:٢٥-١٣)

في هذا المثل صورة جميلة جدًا للسهر من أجل استقبال عريس نفوسنا الذي هو المسيح.
ملكوت السماوات مفتوح للناس أجمعين، ولكن على الإنسان السهر والجهاد لاكتسابه. فهل نحن من العذارى الجاهلات أم العاقلات؟
هل نطهّر نفوسنا من الأهواء ونجاهد الجهاد الحسن لندخل الملكوت؟
هل نفعّل دائمًا شرارة الروح القدس فينا أم نطفئها بالخطايا وعدم التوبة؟
– الإنجيل: متى ١٥:٢٢-٤٦ و ١:٢٣-٣٩ ويتناول:
مكر الفريسيين: السؤال عن وجوب دفع الجزية حيث يجيب المسيح بضرورة التمّييز بين السلطتين قيصر والله.
مكر الصدوقيين: السؤال حول القيامة وجواب الرّب يسوع المسيح أنّه في القيامة تكون الناس كالملائكة.
سؤال أحد الكتبة: عن أعظم الوصايا، وجواب يسوع أنّها المحبّة: محبّة الله والقريب.
تأكيد هوية المسيح وألوهيّته: هو ابن داود والكائن الأزلي وقبل الدهور.
توبيخ المعلّمين الكذبة: الكذب والمراءات.
النبوءة بشأن أورشليم والخاتمة: لا ترونني بعد الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب.
العبرة: الصلاة الدائمة والبحث عن يسوع. وهذا ما ندعوه اليقظة الروحيّة من خلال الصلاة الدائمة وممارسة الفضائل والرحمة (الزيت في المصابيح)، مع التشديد على العفة والطهارة، والمحبّة والإيمان.
تجسيد مثل العذارى: يُرتل فيها “ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل” لتذكير المؤمنين بضرورة السهر والاستعداد الدائمين.
التركيز على آلام المسيح: صلوات مساء الاثنين والثلاثاء، بالإضافة إلى أحد الشعانين، تُركز على المسيح المتألم الذي يقترب من آلامه الطوعية.
الاستعداد الروحي: تهدف إلى تحذير النفس من الغفلة (مثل العذارى الجاهلات) وتشجيعها على اقتناء “الزيت” (الفضائل والأعمال الصالحة) للقاء العريس في الملكوت.
صلاة الختن الثالثة مساء الثلاثاء العظيم المقدس
الثلاثاء مساءً نرتّل الترنيمة الشهيرة: ” يارب إن المرأة التي سقطت في خطايا كثيرة “.
المرأة الزانية الحكيمة تقول: ” أقدّم لك ما عندي، أعطني ما عندك، طيبي يفسد، أمّا طيبك فهو الحياة “.
* بسكبها الطيب على جسد المسيح، استبقت الزانية تطييب حاملات الطيب ونيقوديموس ويوسف الرامي.
![]()
تقابل الترانيم بين فعل المرأة وتآمر يهوذا:
| الزانية | يهوذا |
| كانت تجهّز الطيب الباهظ الثمن. | باع الرّب بأرخص الأثمان. |
| كانت في فرح سكب الطيب الثمين. | كان في غضب ليكسب أكثر. |
| تترك شهوة المال لتلتقي الرّب. | يترك الرّب ليلتصق بشهوة المال. |
| تحرّرت من الفساد ووُلدت من جديد. | أصبح عبدًا للخيانة ومات فيها. |
– الإنجيل: يوحنا 17:12-50
يريدون ان يروا يسوع: لقد أقام لعازر من القبر
الموت والقيامة: يسوع يخبر عن ساعته ويصلّي
يسوع هو النور: لنكن أبناء النور
نكران يسوع: المجد الباطل والكبرياء.
خلاصة: إن لم نمت مع المسيح لا نقوم معه
تتصاعد الأحداث، إذ يجري الإعداد لتسليم الرّب يسوع للصلب .
أيقونة الختن
تُقدم أيقونة “يسوع المتألم” المُلقب بالختن لتأكيد عمق محبة الله وتجسيده، ودعوة المؤمنين للمشاركة في الآلام والمجد.
ابتداءً من عشيّةِ أحد الشّعانين وحتّى عشيّة الثّلاثاء العظيمِ المقدَّس، تَلحَظُ الكنيسةُ الأرثوذكسيّةُ خدمةً خاصّةً تُعرَفُ بِخدمةِ الخَتَن (العريس)، حيثُ نُنشِدُ، في كُلٍّ مِن العشيّاتِ الثّلاث صلاةَ السَّحَرِ الّتي لِليَومِ التّالي.
صُورةُ “الخَتَن” تُشِيرُ جَلِيًّا إلى حميميَّةِ محبّةِ المسيحِ لَنا جميعًا، إِذْ يُقارِنُ الرَّبُّ ملكوتَ اللهِ بِخِدرٍ عُرْسِيّ.
وفي تقليدِنا الآبائيّ أنَّ لهٰذا المَثَلِ علاقةً بالمجيءِ الثّاني للمسيح. وبهٰذا المعنى، يُعَلِّمُنا مَثَلُ العذارى العَشْرِ أنّنا بحاجةٍ إلى السَّهرِ والتأهُّب الرُّوحِيَّين، بِحَيثُ نتمكَّنُ من حفظِ الوصايا وتقبُّلِ بَرَكَةِ الاتّحادِ مَع الله في هٰذه الحياةِ وفي الدّهرِ الآتي.
وبالعودة إلى المثل، نلاحظ أنّ العذارى العاقلات دخلنَ وحدهنَ إلى العرس. وهنا يقوى معني اللقاء والاتّحاد بالمسيح، لنسمع في ترتيلة أخرى: “إنني أشاهد خدرك مزينًا يا مخلّصي”.
الخدر هو المخدع الزوجي، وكلّ نفس مؤمنة تسأل أن تصير عروسًا للمسيح، ولكن هل نحن حقًا نلبس لباس العرس؟
فتكمل الترتيلة:”ولست أمتلك لباسًا للدخول إليه فأبهج حلة نفسي يا مانح النور وخلّصني”، كما أتى في مثل عرس ابن الملك (مت1:22-14)
فالنفس المتواضعة تسأل الله أن يلقي عليها الحلّة لتدخل إلى العرس.
ملاحظة
أحيانًا نجد كلمة هُوذا الإنسان ό άνθρωπος على أيقونة الختن.
هذا مرتبط بما قاله قَيافا عن الرّبّ يسوع المسيح:”أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا وَلاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!” (يوحنا ٥٠:١١).
أدرك قَيافا أولم يدرك، فقد نطق بنبوءة.
جاء قول قَيافا بعد إقامة يسوع لعازر من الأموات وكان يؤمن به كثيرون، إذ تشاور رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ وَقَالُوا: “مَاذَا نَصْنَعُ؟ فَإِنَّ هذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً. إِنْ تَرَكْنَاهُ هكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ، فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا وَأُمَّتَنَا”.
3- مسيرة الصلوات:
فبعد أن شاهدنا وشهدنا إقامة لعازر من بين الأموات ودخول الرّب يسوع إلى أورشليم ليُصلب ويقوم في اليوم الثالث، كما سبق وتنبأ وقال لتلاميذه، ندخل مسيرة الجلجلة مع الرّب في صلوات وخدم جمالها يفوق الوصف والتعبير.
وفي الحقيقة هو عبور مع السيّد من الموت إلى الحياة، عبور من أورشليم الأرضيّة إلى أورشليم السماويّة، عبور أعلن فيه السيّد الظفر على الموت، كما سبق ورتلّنا في سبت لعازر وأحد الشعانين: “أيّها المسيح الإله، لمّا أقمت لعازر من بين الأموات قبل آلامك، حقّقت القيامة العامّة، لأجل ذلك ونحن كالأطفال نحمل علامات الغلبة والظفر، صارخين نحوك يا غالب الموت: أوصنّا في الأعالي، مباركٌ الآتي باسمِ الربّ”.
الموضوعُ المركزيُّ هُوَ الاستعداد الدائم لاستقبالِ المسيحِ، الّذي هُوَ العريسُ الحَتمِيُّ لِلبَشَرِيَّةِ جَمعاء.
العِبَرُ والتّرانيمُ والحَوادِثُ المُستَقاةُ من الكتابِ المقدَّس، تُسلِّطُ الضَّوءَ على مظاهِرَ هامَّةٍ مِن تاريخِ الخلاص، وذٰلِكَ عن طريقِ استدعائِها إلى أذهانِنا الوَقائعَ الّتي استَبَقَتِ آلام المسيح، وعن طريقِ إعلانِهِ حتمِيَّةَ مجيءِ الربّ وأهمّيَّتَه.
ملاحظة: القراءاتُ الكتابيّةُ الّتي تُتلى في صلواتِ المساءِ في الأسبوعِ العظيمِ مأخوذةٌ مِن سِفرَي الخروج وأيّوب. والسَّببُ في ذٰلكَ واضحٌ، ألا وهوَ أنَّ سِفرَ الخروج يَروي قصَّةَ العُبُورِ الّتي كانت رمزًا لِعُبُورِ الإنسانيَّةِ كُلِّها مِن عُبُوديّةِ الموت إلى الحياةِ الأبديّةِ، عَبرَ تضحيةِ المسيحِ بنفسِه، ثُمَّ قِيامتِه. أمّا في سِفرِ أيّوب، فَلَدَينا خبرةُ التّغلُّبِ على الموتِ بِواسطةِ الصَّبرِ والثّقةِ المطلَقَةِ بالله، من خلالِ قدّيسٍ نموذجِيٍّ لَم يَكُن منَ اليَهُود، تَقَبَّلَ الإعلانَ الإلٰهِيّ، وتمتّعَ برُؤيةِ الله، صائرًا صُورةً مسبَقَةً لآلامِ المسيحِ وقِيامَتِهِ، وَلِكَونِيَّةِ الخَلاص.
اربعاء الزيت المقدس مساء الاربعاء العظيم المقدس
صلاة الزيت المقدّس
1- تعريف
تقيم الكنيسة خدمة هذا السِّرّ مساء يوم الأربعاء المقدّس، غير أنها ترجو أن يعاد ممارسته وأن يتقبّله كلّ مريض في كلّ وقت وخاصة عندما تدعو الحاجة.
يحسَب هذا السِرّ من أسرار الكنيسة ويسّمى سِرّ الزيت المقدس. يقام دائمًا على رجاء شفاء النفس والجسد.
2- شهادات من الإنجيل حول هذا السِّرّ
مرقس الإنجيلي:
يروي الإنجيلي مرقس (مرقس7:6-13) كيف أن الرّب يسوع دعا التلاميذ الإثني عشر
![]()
وأرسلهم إثنين إثنين وأعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة، فخرجوا وعلّموا (كرزوا) من قَبِلَهم وبشّروهم بالرّب يسوع ودعوهم أن يعترفوا بخطاياهم ويتوبوا لينالوا الخلاص.
ويكمل الإنجيلي ليقول: وأخرجوا شياطين كثيرة ودهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم.
لنلاحظ هنا النقاط الأساسيّة في هذه الآيات الإنجيلية
– كان التلاميذ يبشّرون بكلام الرّب وبملكوت السَّموات والحياة الأبديّة.
– الارتباط الوثيق بين قبول الرّب يسوع وتعليمه وبين التوبة الصادقة والإقرار بالخطايا والرجوع عنها.
– عيش كلام الرّب حقيقةً وفعلاً وليس قولاً، وهذا معنى كلمة “كرازة” التي تأتي من اللغة اليونانيّة Kerygma.
فالكرازة المستقيمة وقبول الإنسان بالقلب لها يولّدان حياة جديدة بالرّب يسوع، وثمارهما شفاء النفس قبل الجسد. وهذا ما كان يركّز عليه ويقصده الرّب يسوع في حادثة شفاء المخلّع:” مغفورة لك خطاياك”.
صحيح أنّه عندما يصلّى على الزيت كما على الماء يصبحان مقدّسين، ولكن قبول النعمة هو الحافز للجهاد الروحيّ من أجل نوال الخلاص. فالله يعمل من جهة والإنسان من جهة أخرى، وهذا ما تعنيه الكنيسة الأرثوذكسية بتعليمها عن المؤازرة بين عمل النعمة وجهاد الإنسان Synergie.
– العمل الخلاصي الذي قام به التلاميذ لم يكن فرديًا بل جماعيًا ونابعًا من الرّب يسوع مباشرةً. وفي هذا الأمر إشارة واضحة إلى الجماعة الكنسية.
فالرّب يسوع حرص من اللحظة الأولى على تأسيس جماعة متماسكة مبنية على الإيمان الذي لا تقدر عليه أبواب الجحيم، وفي خطبته الوداعية في بستان الزيتون أعلن بوضوح في صلاته:” ليكونوا واحدًا”.
رسالة يعقوب
كتب القدّيس يعقوب في رسالته الجامعة: “أَعَلَى أحدٍ بينكم مشقّات فليصلِّ. أمسرور أحد فليرتّل. أمريض أحد بينكم فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيتٍ باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفي المريض والرب يقيمه وإن كان قد فعل خطيئة تُغفر له. اعترفوا بعضكم لبعض بالزلّات وصلّوا بعضكم لأجل بعض لكي تشفوا ” (5: 13-16).
يركّز القدّيس يعقوب في هذه الآيات على الأمور التالية
![]()
– الصلاة بروح الإيمان بالرّب يسوع.
– إستدعاء “شيوخ الكنيسة” أي الكهنة.
– العمل الجماعي.
– الشفاء باسم يسوع،.
– الإعتراف بالخطايا من أجل الشفاء.
من هنا نلاحظ أن لا إنفصال بتاتًا بين الجماعة والكنيسة والرّب يسوع، ولا إنفصال أيضًا بين شفاء النفس والجسد، ونعمة قبول الروح القدس هي للإنسان ككائن واحد متكامل وغير منقسم على نفسه.
وهذا بالضبط ما تأتيه كلّ صلاة في الكنيسة مرتبطة بالشفاءات، وتدل القراءات في هذا اليوم على الارتباط الوثيق بين سِرّ الزيت وسِرّ التوبة. وهذا ما تشير إليه الأفاشين (الصلوات) التي يتلوها الكاهن طالبًا إلى الرّب شفاء المريض.
شهادات من العصور الأولى والأباء القدّيسين:
يحوي هذا الكتاب الذي يعود إلى نهاية القرن الثاني ميلادي نصًّا حول إستعمال الزيت في الكنيسة: “أيها الرّب إلهنا، أنت قدِّس هذا الزيت وأغرس فيه موهبة التقديس للذين يوزّعونه والذين يقبلونه. به أشرت أن يُمسح الملوك والكهنة والأنبياء في القديم. هَبْنا نحن ايضا إذ نُمْسَح به صحةَ النفس والجسد”.
2- كثيرون من الأباء في الكنيسة والمعلّمين يذكرون هذا السِّرّ: القدّيس كيرلس الاسكندري وأوريجانس، وأوسابيوس اسقف قيصرية.
كما يوصي القدّيس يوحنا الذهبي الفم باستخدام الزيت المقدّس في حالات المرض كلّها، وبعدم حصره في حالات المرض القصوى اذ يشرف المريض على الموت عند احتضار المريض… فالسِّرّ ليس هو سِرّ “المسحة الأخيرة”، كما هو شائع، وإنما يتقبلّه من لم يقطع رجاءه بخلاص المسيح.
3- خدمة السِّرّ
يذكر ترتيب الخدمة أن إتمام سر الزيت المقدّس يجري في الكنيسة وسط الجماعة المخلَّصة، وفي حال تعذر حضور المريض الى الكنيسة يؤدّى السِّرّ في البيت.
تضم الخدمة سبع رسائل وسبع أناجيل وسبعة أفاشين لمباركة الزيت، وبالتالي يقيم الخدمة سبعة كهنة يمثلّون الكنيسة الجامعة الرسولية إلاّ أنّ الكنيسة أجازت تدبيريًّا إقامة عدد أقل من الكهنة أو حتى كاهن واحد.
في الأساس يمسح الكاهن المؤمن بالزيت سبع مرّات للدلالة على أن الكنيسة تعبّر عن حنانها الكامل للمريض بواسطة هذا السِّرّ، ولكن أيضًا ومن باب التدبير بات المؤمنون يُمسحون مرةً واحدة في الكنيسة.
بعد الإنجيل السابع يتناول المتقدّم في الكهنة الإنجيل المقدّس ويرفعه مفتوحًا فوق رؤؤس الحاضرين ويضع باقي الكهنة أيديهم على الإنجيل، ويتلو إفشين إلى الرّب يسوع.
هذا كله ليشير إلى أنّنا أبناء الرّب يسوع بالتبنّي والإنجيل دستور حياتنا.
4- الرحمة والزيت
كلمة “رحمة” في اليونانية هي έλεος وكلمة زيت هي έλαιον ، وهي تشير أيضًا إلى “المسحة”. وهذا يعبّر عن علاقة وارتباط بين الكلمتين من ناحية اللفظ والمعنى.
فصلاة الزيت هي صلاة الرحمة الإلهيّة. فكما أن الرحمة هي صفة من صفات الله، ينبغي أيضًا أن يتّصف بها أولاده كما قال السيّد المسيح: “فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم” (لو6: 36).
5- خلاصة
كم من مرة قال الرّب يسوع ” إيمانك قد شفاك” ؟
![]()
الرّب دائمًا مستعدٌ أن يدخل قلبنا، ولكن هل نحن مستعدون لفتح قلبنا له؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه كلّ إنسان على ذاته وهو يُدهن بالزيت: هل أقبل الرّب مخلّصًا حقيقيًا لي؟ هل أحفظ وصاياه وأعمل بها؟ هل أعترف بخطاياي وعلى كامل الإستعداد لأن أتوب توبًة صادقة وألا أعود إليها؟ وإن عدت وسقطت عن ضعفٍ مستعد أن أتوب من جديد؟ هل أنا مدرك لحالتي؟ هل أؤمن حقًا بالرّب يسوع إلهًا ومخلّصًا لي في حياتي وأؤمن بفعالية كل كلمة تقال في هذه الصلاة المباركة؟
لنقرّب قلوبنا ونفوسنا مع جبيننا ليمسَحوا بزيت الابتهاج فنشفى من أمراضنا النفسيّة والجسديّة ونضحى إناءً ينضح بالروح القدس.
مراجع مختلفة بتصرّف
كتاب الذيذاخي – كتاب زاد الأرثوذكسيّة – نشرة رعيتي 1997

