القديس غريغوريوس بالاماس

شهادة الكتب المقدسة عن المسيح

شهادة الكتب المقدسة عن المسيح

وعند سؤاله (للقديس غريغوريوس بالاماس) من الأتراك، وكان إسماعيل، حفيد الأمير أورخان، قد سأله قبلاً السؤال ذاته، لماذا لا تؤمنون بنَبيّنا ولا تحبّونه، مع أنّنا نقبل كلّ الأنبياء ومن بينهم المسيح ونحبّه ونعتبره كلمة الله وروحه؟ أجاب غريغوريوس: «كلّ مَن لا يؤمن بكلام المعلِّم لا يكون قادرًا أن يُحبّ المعلم (يو ٢٣:١٤)، إنه لهذا السبب لا نُحبّ محمد. ربّنا وإلهنا يسوع المسيح قال إنّه سيأتي ثانية ليَدين العالم كلّه، وقد أعلن لنا ألّا نقبل آخر إلى أن يجيء (مت ٥:٢٤، مر ٦:١٣، ٢١، ۲۲؛ لو ۸:۲۱). وقال مسيحنا أيضًا لأولئك الذين لم يؤمنوا به: «أنا قد أتيتُ باسم أبي ولستم تقبلونني، إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه» (يو ٥: ٤٣). لهذا كَتب إلينا تلميذ المسيح: «إذا … بشركم ملاك من السماء بإنجيل آخر غير الذي بشَّرناكم به فَليَكُن أناثيما» (غلا۸:۱). وفي موضع آخر يُجيب بالاماس أحد الشيوخ المُسلمين، أنّه في ما يختصّ بحالة محمّد، لا توجد أية علامات من السماء تؤيد دعوته، كتلك التي لموسى وللمسيح، كما أنّه لا توجد أيّة شهادة من الأنبياء تخبر عنه”.
هذا الشيخ المسلم نفسه، الذي، خلال دفن أحد الموتى المسلمين في مدينة نيقية، كان يرفع يديه إلى السماء ويصلّي للمَيت، سأله بالاماس بعد انتهاء الدفن، ما هذا الذي كنت تقوله متوجِّهاً إلى الله؟ أجابه الشيخ المسلم، كنت أطلب من الله المغفرة لهذا المائت عن جميع زلّاته. حينها أجابه بالاماس: «الديّان له الحق أن يمنح الغفران، وبحسب ديانتكم نفسها، سيأتي المسيح ليَدين كل جنس البشر»، الأحياء والأموات. «تاليا، إليه ينبغي أن يرفع المرء صلواته وتضرّعاته»، الكتب المقدسة تشهد لهذا، كإبراهيم، الذي تؤمنون به، يقول عن الله إنه “ديّان كل الأرض”(تك ٢٥:١٨). هذا يعني أنّ المسيح غير مختلف عن الآب بحسب الألوهة، كما بريق الإشعاع، بحسب النور، ليس مختلفاً عن الشمس”.
وذكر المسلمون تلك المقولة، التي ما زالوا مقتنعين بها إلى اليوم، رغم كل الدراسات والوثائق القديمة التي اكتشفت ونقضتها، والتي تقول إن الإنجيل أخبر عن محمّد لكن المسيحيّين حذفوا ذكره.
أما قدّيسنا بالاماس فكانت حججه كتابيّةً وتاريخيّةً واقعية. يقول: “إن كتابنا لم يحذف شيئًا ممّا كُتب. ففعلُ أمرٍ كهذا يجلب لعنات مخيفة ومهلكة (رؤ۱۸:۲۲-۱۹). لدينا شهادات عديدة وبلُغات مختلفة، أنّ الإنجيل تُرجم من لغته الأصلية منذ استلامه. وكيف كان ممكناً الحفاظ على هذا التوافق في مواضيع الإيمان بين الأمم، الأمر الذي يوجد حتى اليوم، لو أنّ تلاعباً حصل في الكتب المقدسة”.
الآن يوجد بعض الهراطقة الذين يوافقونكم في بعض المواضيع، لكن لم يذكروا أبداً هذا الحذف لإسم محمّد من إنجيل المسيح. ما يوجد في إنجيلنا معاكس لكل التعليم الذي أتى به محمّد وكل ما يوجد في إنجيلنا سبق وأخبر عنه الأنبياء، الذين لو كان عندهم شيئاً يقولونه عن محمّد، حتماً لَما كانوا أهملوا هذا الأمر. على أيّ حال، الكتاب المقدس سبق فأنبا عن مجيء مُسَحاء دجّالون وأنبياء كَذَبة، الّذين سيضلّون كثيرين، “وسيتبع كثيرون تهلكاتهم”(٢بط ٢:٢).
وكان المسلمون يستعملون حججاً أخرى يواجهون بها بالاماس، مثلاً، إنّ أَسْرَه في أيديهم هو في حدّ ذاته دليل على عدمِ فعاليّة المسيحيّة. فبالنِّسبة للمسلمين، انتشار الإسلام من الشرق إلى الغرب، هو بدون شكّ أعجوبة تفوق ما كان لموسى أو للمسيح.
يُجيب بالاماس قائلاً، صحيح أنّ محمّد حقّق انتصارات عديدة، لكنه حقّق انتصاراته “بالحروب والسَّيف والسَّلب والإستعباد والقتل، وأفعال ليست من الإله الصالح ….”. أَلَم يحقِّق الإسكندر الكبير انتصارات أعظم مكتسحاً العالم من الغرب إلى الشرق؟ وكثيرون غيره وفي أوقات أخرى عديدة اجتاحوا العالم كلّه بالحملات العسكرية. مع هذا ما من شعب أسلم نفسه لقائده كما تفعلون أنتم مع محمّد. “أمّا تعليم المسيح، رغم أنه لا يقدّم أيّ شيء، من رغائب وملذّات هذا العالم، فقد انتشر حتى أقاصي الأرض، وهو موجود حتى بين أعدائه، بدون استعمال القوة، لا بل قَهَر القوّة. هذه هي الغلبة التي تغلب العالم”(١يو ٥:٤). فهؤلاء الأتراك، “الجنس الشرّير”، كما يسمّيهم، “يفتخرون بأنّهم انتصروا على الروم بسبب تقواهم. هؤلاء يجهلون أنّ «هذا العالم قد وُضع في الشرّير» (١يو: ١٩:٥)، وأنّ أشراراً هم الذين يسيطرون على القسم الأعظم منه…”.
في حواراته مع الأتراك، كان بعضهم، في كثير من الأحيان، يوافقونه على ردوده اللاهوتية، لكن في إحدى المرّات أهان أحدهم القديس بالاماس وضربَه على وجهه، فأوقفه الآخرون واقتادوه إلى الأمير. وفي حواره مع الشيخ المسلم في مدينة نيقية، وبعد أن رأى القدّيس بالاماس أنّ الأتراك بدأ يظهر عليهم الغضب من كلامه، قال لهم بالاماس مبتسماَ: «بالطبع، لو كُنّا اتَّفقنا بالكلام، لَكُنّا أصبحنا منتمين إلى عقيدة واحدة». فقال أحد المسلمين حينها، “إنّ يوماً سيأتي حيث سنصل إلى اتّفاق معاً”. فأكَّد بالاماس هذا الأمر مُصَلِّياً بأن يأتي ذلك اليوم سريعًا. “أوافق بالطبع”، قالها القدّيس غريغوريوس ذاكرًا أنّ ذلك اليوم سيأتي، عاجلاً أم آجلاً، بحسب قول بولس الرسول: “لكي تجثو باسم يسوع كلّ ركبة، ويعترف كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب”(فيل۲: ۱۰-۱۱). ويُكمل قديسنا قائلاً: «هذا الأمر سيتحقّق بالتأكيد في المجيء الثاني لربنا يسوع المسيح”.
(من كتاب “أعمدة الإيمان الأرثوذكسي” للأرشمندريت غريغوريوس اسطفان ص١٠٨-١٠٩-١١٠-١١١)
☦️مجموعة مواضيع عقائدية وروحية☦️