صحوة روحيّة شبابيّة؟

صحوة روحيّة شبابيّة؟

صحوة روحيّة شبابيّة؟

بعد منتصف القرن الماضي ظهرت حركة إصلاح في الكنيسة الكاثوليكية دُعيت “Aggiornamento” . كانت هذه الحركة وليدة عالم متغيّر سريع وُلد بعد الحرب العالمية الثانية. واكبت هذه الحركة العالم الجديد ساعية إلى “تحديث” الكنيسة أو “عصرنتها”، بغية تفعيل أفضل لبشارة الخلاص.
بدأت أنماط العيش والقيم تتغّير بسرعة، بدءاً من الأزياء وصولاً إلى أقدس القيم التي كانت سائدة حتّى ذلك الوقت. ظهرت فعالية هذا الإصلاح Aggiornamento في الكنيسة الكاثوليكية بسرعة خلال المجمع الفاتيكاني الثاني وبعده ، أمّا في الكنائس البروتستانتية فتسارعت حركات التحرر واعتماد القيم الدهرية (من لفظة “الدهر وتعني تدبير أمورنا من دون الله”) الجديدة أساساً للنظر في القضايا الدينية والرعائية. بينما بقيت هذه الحركة في الكنيسة الأرثوذكسية في تجازب بين فريق يدعو إلى إصلاح مشابه وفريق يدعو إلى التمسك بالتقليد الأرثوذكسي، وما بينهما قلّة تدعو إلى التفريق بين التقليد الشريف والتقاليد التي لحقت به عبر تغيّر الأزمان والثقافات.
تطورت علوم الكتاب المقدس كثيراً في تلك الفترة، وانتشر الأسلوب النقدي وقراءة النصوص الدينية على ضوء الثقافات القديمة والعلوم اللغوية والتاريخية الحديثة، حتّى صار الكثير من مؤسسات التعليم اللاهوتي يدعو إلى التفريق بين الكلمة الموحاة إلهيّاً وقصد الكاتب البشري وأسلوبه. وهكذا ساهمت هذه العلوم في انتشار تفسير جديد غير تقليدي لهذه النصوص المقدّسة. بعض المفّسرين وصل إلى إنكار كلّ ما هو غير موسوع في العقل البشري كالتجّسد الإلهي والقيامة والصعود وما إلى ذلك. وللقارئ أن يتصّور انعكاس هذه الأفكار على أرض الواقع الكنسي والتعليم الروحي والأخلاقي.
انفصلت فئة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني عن الكنيسة الكاثوليكية ورفضت التحديث الذي جاء به ذلك المجمع. في أيام البابا يوحنا بولس الثاني جرت محاولة إعادة الوحدة، لكن مع البابا بندكتوس السادس عشر ظهرت حركة منتقدي هذا التحديث بوضوح، منذ أن استلم رئاسة مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان. وبدأت معالم صراع داخلي بين فريق تقليدي وآخر ليبرالي، لكنّه بقي صراعاً هادئاً ومضبوطاً.
أمّا في الكنائس البروتستانتية فذهبت موجة التحديث بعيداً، ممّا سبّب ظهور ما سُمي بكنائس تقليدية وأخرى ليبرالية. في خضّم هذا الحراك ظهرت فئة تبحث عن الكنيسة الأصلية. هكذا بدأت حركة الارتداد الجماعي إلى الكنيسة الأرثوذكسية في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان قد سبقها في ذلك بعض حالات ارتداد فردية في أوربا، خاصة من قبل آباء كاثوليكيين كبار، كالأبوين ليف جيله وبلاسيد ديسّيل، على سبيل المثال لا الحصر.
في أبرشيتنا تسارعت حركة العودة هذه بشكل ملحوظ وتزايدت الأعداد المنضّمة إلى الكنيسة الأرثوذكسية. في السنوات الأخيرة بدأت بعض الكنائس الأرثوذكسية الأخرى في أميركا أيضاً تشهد إقبال أعداد من العائدين الذين يُسَمَّون بالمهتدين. لكن ما يلفت النظر في السنوات الأخيرة هو أنّ عدداً ملحوظاً من المهتدين الجدد هم من فئة الشبيبة.
إلى ذلك، كردّة فعل على الحركة الليبرالية المتسارعة، ظهرت في بعض الأبرشيات الأرثوذكسية حركات عودة إلى التراث والتمسك بكلّ تفاصيله، إلى درجة عدم التمييز بين الجوهري والعارض فيه أحياناً. تُفهم هذه الظاهرة على ضوء التحديث الذي تكلّمنا عنه والذي وصل إلى درجة إثارة التساؤل حول بعض “الكنائس” عمّا إذا كانت كنيسة المسيح أم شيء آخر.
بدأ يخبو بريق شعار “كنيسة من أجل عالمنا” الذي ساد في الأوساط المسيحية الغربية في سبعينيات القرن الماضي، وسعى أنصاره لجعل الكنيسة على صورة عالمنا، ناسين أنّ رسالة الكنيسة هي أن تجعل العالم على صورة الملكوت السماوي.
اليوم بعد التيارات التي قلبت المفاهيم، وبعد هيمنة عصر ما بعد الحداثة، قد تكون المجتمعات الغربية بخاصّة، بدأت تشهد ولادة صحوة روحية هنا وثمّة، تبدو في أوساط الشبيبة. هذه الصحوة تدلّ على ملء روحي يسعى الشباب إليه ولم يجده في حركات التحرر المعاصرة.
نقلت لنا وسائل الإعلام مؤخراً، صور ألوف من شبيبة الجامعات الأميركية يصلّون ويهلّلون للمسيح في ساحات جامعاتهم. وفي فرنسا بضعة آلاف يمشون سيراً على الأقدام طوال ثلاثة أيّام من باريس إلى كاتدرائية شارتر ليحتفلوا بالقدّاس اللاتيني التقليدي.
ظاهرة ارتداد الشبيبة إلى الإيمان، وبروز الرغبة في الكنائس التقليدية، ما تزال في بدايتها. من المبكر تحليلها والبناء عليها. لكن من المهم متابعتها وتفعيل التواصل واللقاءات مع الشبيبة وتقديم اختباراتهم الروحيّة ومناقشتها. سيهتّم علماء الاجتماع بهذه الظاهرة بالتأكيد، لكن كيف ستهتم الكنائس بهذه الظاهرة، و ما المطلوب منها تقديمه في هذا المجال؟
في أبرشيّتنا لحظنا هذا الفصح وجود عدد ملحوظ من الشبيبة بين المهتدين الجدد. لذلك أطلب من كهنة الكنائس التي اقتبلت هؤلاء الشباب أن يجروا معهم مقابلات يشرحون فيها خبرة اهتدائهم إلى الكنيسة الأرثوذكسية ويرسلونها مكتوبة إلى مكتب المطرانية (سكرتاريا) ليصار إلى دراستها لاحقاً.
رسالة الكنيسة المسيحية اليوم أن تشهد للمسيح المخلّص في قلب هذا المجتمع الدهري دونما خوف منه، ودونما انبهار به أيضاً. يقول أوليفييه كليمان (+2009)، وهو لاهوتي أرثوذكسي فرنسي: “يتأرجح المسيحيون بين اللعنة والالتحاق بالقافلة بلا وعي”، وينّبه إلى أنّ “نواة الطاقة الروحية، التي أدّى تفجيرها إلى بروز الحداثة، هي في طريقها إلى النفاذ. ويبدو، في الأفق، “موت الإنسان” بعد “موت الله”… فالوقت مناسب كي يثير المسيحيّون، بقّوة متواضعة، شيئاً من معنى الوجود، شيئاً من توهج النار والنور. إنّهم إذا لم يفعلوا، إذا لم يفلحوا في إيجاد دور لهم في مجتمع الدهرية، يكونون قد أفسحوا في المجال للديانات الأخرى التي تقتحم الغرب الآن”.
إنّه زمن الشهادة بامتياز.
المتروبوليت سابا اسبر
راعي ابرشية نيويورك وسائر ابرشية اميركا الشمالية

 

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *