عيد دخول السّيد إلى الهيكل أو عيد اللّقاء المقدّس
إنجيل العيد هو قصّة دخول الرّبّ يسوع إلى الهيكل برفقة أبويه، بعد أربعين يومًا من ولادته، ليقدّما ما كانت تقتضيه الشّريعة الموسويّة، وهناك كان بانتظار لقائه الشّيخان سمعان وحنّة النّبيّة. لهذا العيد معانٍ عديدة، منها: تطهير مريم حسب عادة النّاموس، وتقديم المولود الجديد إلى الرّبّ، ولقاء سمعان وحنّة بالطّفل الإله، وهذا العيد يُسمّى أيضًا”عيد اللقاء المقدّس”.
التّطهير:لقد تمّمت مريم النّاموس بقدومها إلى الهيكل مع يوسف خطيبها، حاملة معها تقدمةً فرخَي حمام كما تقول الشّريعة. لم تكن والدة الإله بحاجة إلى تطهير ولا إلى تكفير، فطهارتها وقداستها الفائقتان حصلت عليهما باتّحادها بابن الله منذ تجسّد الرّبّ في أحشائها. لذا، دُعيت العذراءُ مريم والدةَ الإله الفائقة القداسة والكلّيّة الطّهارة. وكما أدخلت المسيح إلى عالمنا بقبولها فعل التّجسّد في داخلها، فهي باستطاعتها، من خلال شفاعتها المقتدرة، أن تُدخل المسيح إلى هيكل جسدنا، إلى نفوسنا التّائقة إلى الاتّحاد بالخالق، وبنعمته غير المخلوقة. لم تعد الذّبائح والتّقدمات تقدِّم لنا الطّهارةَ الحقيقيّة، بل دم السّيّد الّذي سال من جنبه على الصّليب يطهّرنا جميعًا إن ارتضينا.
اللقاء: كان سمعان الشّيخ قد تلقّى إعلانًا من الرّوح القدس بأنّه لن يرى الموت قبل أن يؤهَّل لمعاينة المسيّا المنتظر. والآن أعلمه الله أنّ هذا الطّفل هو ابن الله المتجسّد، المخلّص الّذي كان آباؤه ينتظرونه بحرارة منذ أجيال، فاستقبله في الهيكل بفرح كبير، وأخذه في أحضانه بتأثّر وقال:”الآن أطلق عبدك أيّها السّيّد حسب قولك بسلام لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصكَ الّذي أعددتَه أمام وجه كلّ الشّعوب، نور إعلانٍ للأمم ومجدًا لشعبكَ إسرائيل”.
سمعان يختصر انتظار أبرار العهد القديم، أنبياء إسرائيل كلّهم الّذين، على طول الدّهور، كانوا ينتظرون فداء إسرائيل. يستقبل الشّيخ سمعان الطّفل، ومعه العالم القديم يستقبل العالم الجديد. العهد القديم يستقبل العهد الجديد. عهد إسرائيل أُلغِيَ بحضور المسيح، والنّاموس القديم كان يطلب عبر الشّيخ سمعان أن ينسحب (أن يُطلَقَ) الآن أمام نور نعمة يسوع المسيح، الّذي بدأ يشرق. إلى جانبه نجد الشّيخة حنة النّبيّة، وهي مستنيرة بالرّوح القدس تخبر الشّعب الّذي يدخل إلى الهيكل، أنّ هذا الطّفل ليس ككلّ الأطفال، ولكنّه ذاك الّذي ثبّت الأرض والسّماء. هكذا مع هذين الشّيخين تستقبل الأرض المخلّص كطفل في أحضان أمّه يأتي، ويتكرّس للآب السّماويّ كما حدّد النّاموس. وكأنّه يقول: “أتيتُ لأعمل مشيئتك!”

عيد اللقاء المقدّس يعبّر إذًا عن لقاء شعب العهد القديم بالرّبّ، وأيضًا عن لقائنا الشّخصيّ بالربّ. واللقاء يسبقه انتظار، وخلال هذا الانتظار نهيّئ ذواتنا، على مثال القدّيسَين سمعان الشّيخ وحنّة النبية. فمن خلال تطهير ذواتنا، نحصل على إيحاءات الرّبّ.
يظهر جليًّا في نشيد سمعان الشّيّخ أنّ مجيء المسيح سيكون”علامة تمييز”، “علامة مقاومة”، لأنّه سيكون هناك هؤلاء الّذين يقبلونه وهؤلاء الّذين يرفضونه. يسوع هو “سبب قيام” للذين يقبلونه سيّدًا على حياتهم، و”سبب سقوط” للذين يرفضونه. وسيبقى إلى منتهى الدّهر أناس يقبلون حضور المسيح في حياتهم، وأناس يرفضونه، وأناس لا يكتفون برفضه فحسب، بل يحاربونه أيضًا. والمسيح نفسه يريدنا أحرارًا في قبوله أو في رفضه.
لقد تمّ اللقاء المقدّس أوّلاً بتجسّد المسيح نفسه، ففيه اتّحدت الألوهة بالطّبيعة البشريّة. وبالمعموديّة المقدّسة، أصبح بإمكان التّألّه الكامن للبشريّة في المسيح أن يتحقّق فعليًّا في كلّ واحد منّا. لقد مُنحنا عطيّة الرّوح القدس في المعموديّة، ويبقى علينا أن ننمّيها بحرّيّة، وهي تفترض من قبلنا جهادًا روحيًّا نسلكه، بمعونة النّعمة الإلهيّة. لذلك يقول:”من يحبّني يحفظ وصاياي”، وفي كلّ مرّة نطبّق وصيّة الله، نؤهّل لنقتبل المسيح في قلوبنا.
ألمسيح يقرع على أبواب قلوبنا باستمرار. إنّه يريد أن يأتي ليزور هذا الهيكل الّذي هو جسدنا وقلبنا، ويسود عليهما، ونحن إن شرّعنا الأبواب له فإنّه يدخل ويتعشّى معنا وتصبح حياتنا عيدًا مقيمًا.
يأتي المسيح نحونا بطرق متعدّدة: عبر قريبنا؛ إنّه هو الّذي نستقبله في كلّ مرّة نستقبل قريبنا ونُظهر له محبّتنا، وإنّه هو من نرفض في كلّ مرّة نقصي قلبنا عن قريبنا. يأتي المسيح ليزورنا أيضًا عبر محننا، وتعبنا، وأمراضنا، وفي كلّ مرّة نغتاظ، أو نتصرّف بطريقة سلبيّة تجاه هذه المحن، يكون المسيح مَن نرفضه. وعلى العكس، إن استقبلنا المحن الّتي يسمح بها الربّ بصبرٍ وفعل شكر، يكن هو نفسه من نستقبله.
نحن مدعوّون في هذا العيد إلى بناء هيكل روحيّ بالصّلاة وبالصّوم، بالدّموع وبالجهاد وبالنّقاوة وبإفراغ الذّات وبالتّوبة، عندئذٍ تأتي طاقة الرّوح القدس وتنسكب في قلوبنا وفي كياننا، كما انسكبت في قلب سمعان وفي كيانه كلّه، وتجعلنا، كما جعلته، حاملين الإله، فنقول مع الرسول بولس:”لست أنا بعد أحيا، بل المسيح يحيا فيّ”. نحمل المسيح فينا، نستنير بنوره على الدوام ونُقاد داخليًّا منه، فنشع كأنوار في وسط العالم..
كلّ ليتورجيّا هي لقاء مقدّس، فيها يكون حاضرًا سرّ خلاصنا كلّه، سرّ المسيح كلّه. نحن نأتي إلى الكنيسة لنعبد الله، لا لإتمام واجب. نأتي إلى الكنيسة فنتحوّل، نتجلّى، ونخرج من الكنيسة مختلفين عمّا كنّا عليه عندما دخلناها، لأنّنا التقينا فيها بمن له القدرة على تحويلنا. “الآن تطلق عبدك بسلام” لا تعني فقط أنّ الّذي أبصر يسوع وحمله بين ذراعيه يمكن له الآن أن يترك هذه الحياة ويموت بسلام، بل أيضًا أنّنا، إذا ما رأينا الرّبّ ولمسناه، تحرّرنا من عبوديّتنا للخطيئة، وصار بإمكاننا أن نبتعد بسلام عن مملكة الشّرّ.
لنتوسل اليوم إلى الله أن يؤهّلنا أن نقبل المسيح في أحشاء قلوبنا، لكي تدخل هذه المسحة، الّتي هي المسيح، فعلاً إلى قلبنا، لتذيب أنانا، ولتنيرنا، مثل الشّموع الّتي نحملها في ليلة العيد، (خلال زياح الليتين)، والّتي تدعونا أن نحمل نحن أيضًا هذا النّور، ليس فقط في أيدينا، ولكن في قلوبنا. كي تنيرنا كلّيًّا، في مجد الآب والابن والرّوح القدس إلى دهر الدّهور. آمين.
دراسة كتابية عن عيد دخول السيد الى الهيكل
تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية في اليوم الثاني من شهر شباط بعيد تقدمة الرب إلى الهيكل ومتذكرين سمعان الشيخ البار الذي حمله على ذراعيه وأدخله الهيكل.
” الآن اطلق عبدك ايها السيد…”
لماذا نُعيد هذا العيد في كنيستنا، أو ما هي المنفعة الروحية من هذا العيد؟
رتب أباء الكنيسة الأرثوذكسية هذا العيد في الكنسية ليكون في عداد الأعياد السيدية أي الأعياد المخصصة بالرب يسوع المسيح والروح القدس والصليب.
ثم إن كل هذه الأعياد لها مهمة واحدة وهي إعلان خلاص الرب لبني البشر، ننظر إلى خلاص نفوسنا من عدّة نوافذ، نتذكر من خلالها عمل الله الخلاصي لبني البشر، أما في عيد تقدمة الرب إلى الهيكل له نافذة خاصة من خلالها نتأكد عن إلوهية يسوع الإله المتجسد لخلاصنا،
ومن خلال هذه النافذة نرى السيد المسيح الطفل الإله المتجسد من العذراء مريم، وشاهد قديم الأيام مار سمعان الشيخ يشهد على إلوهيته، وكيفية تجسده، فالشاهد والمشهود له يجب أن يكونان في الصورة ليكمل المنظر الواضح لهوية يسوع الإلهية، والهوية البشرية المنحدرة من السلالة الملوكية الداؤدية حسب النبوة، ثم قبل أن ننظر إلى هوية يسوع الإلهية والبشرية، علينا أن نبدأ في تثبيت كفاءة الشاهد البشري سمعان الشيخ للشهادة على إلوهية الطفل يسوع.

1- سمعان الشيخ
جاء في كتاب شرح الأناجيل الأربعة المقدسة لـ يعقوب ابن الصليبي، يذكر أكثر من قصة تقليدية عن سمعان الشيخ، وإن سمعان هو أحد مترجمي العهد القديم بما تسمى الترجمة السبعينية، ويدور الموضوع حول النبوة التي قالها اشعيا النبي لآحاز ملك يهوذا (ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل) اشعيا 7: 14 ففي اللغة العبرية هي على الشكل التالي
לָכֵן יִתֵּן אֲדֹנָי הוּא, לָכֶם–אוֹת: הִנֵּה הָעַלְמָה, הָרָה וְיֹלֶדֶת בֵּן, וְקָרָאת שְׁמוֹ עִמָּנוּ אֵל
قال اشعيا النبي: ها علَيمه أي الشابة فأراد سمعان الشيخ أن تترجم كما هي المرأة الشابة بدل العذراء وإذ كان محتاراً في الترجمة أوعز إليه الروح القدس بأنه لن يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب.
ولكن نعود إلى كلمة ها عليمه الشابة:
علماء الديانة الموسوية لا يرون ما اقتبسه متى الانجيلي من الترجمة السبعينية (هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل) في إنجيله عن ولادة الرب هي ترجمة صحيحة لكلمة ها عليمه بمعنى عذراء، حيث إن المعنى الصحيح هو الشابة.
لكي نتفهم الموضوع جيدا يجب أن نبدأ من عند اشعيا النبي قبل أن يملك آحاز على يهوذا، أخذ رصين ملك أرام يجهز لنفسه جيشا لمحاربة مملكة يهوذا، ثم ليس بعد جلوس آحاز على العرش بكثير يصعد عليه رصين بالاتفاق مع ملك إسرائيل فقح بن رمليا، فوقع خوفا عظيما على آحاز، حاصروه طويلاً دون أن يقتحموه،
ولكن آحاز يرسل رسلاً إلى تغلث فلاسر ملك آشور يطلب النجدة بعد أن قدم له ذهباً من الهيكل، فصعد تغلث فلاسر إلى دمشق وسباها وقتل رصين ملكها وهكذا تنتهي مضايقة رصين ملك آرام لآحاز ملك يهوذا.2: ملوك إصحاح 15- 16
أما اشعيا النبي يُرسله الرب إلى آحاز لأنه خاف خوفاً عظيماً من هذه المحاصرة فكان كلام الرب لآحاز كلام تشجيع، بأن الله سوف ينصره على أعدائه، ثم يعود الرب ويكلمه ثانية قائلاً له.
“اطلب لنفسك آية من الرب الهك. عمق طلبك أو رفعّه إلى فوق. فقال آحاز: لا أطلب ولا أجرب الرب. فقال اشعيا: اسمعوا يا بيت داود! هل هو قليل عليكم أن تضجروا الناس حتى تضجروا الهي أيضاً، ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل” اشعيا 7: 11- 14.
1- هل يمكن أن تكون هذه العلامة ولادة طفل من فتاة، سند واطمئنان للانتصار على رصين ملك أرام؟
آ- أي علامة هي هذه؟ أليس كل الفتيات يتزوجن ويجبلن ويلدن!
ب- آحاز يلزمه عوناً في الحال وليس في المستقبل القريب أو البعيد.
ج- إلى أي فتاة من بنات الملك أشار الرب، لأن ابن الملك آحاز كان مولودا آنذاك.
د- وإذا كانت هذه الفتاة واحدة من بنات الملك آحاز لماذا لم يقل تسميه أنت أيها الملك إكراماً له، ولما كان هذا المولود ليس أبن الملك أو أحفاد الملك، قال الرب بفم اشعيا تسميه أي الأم تسميه، ونفهم أيضا بأن لا دور للأب الجسدي في هذه الحالة، ليعطيه اسماً وينسبه لنسبه كما هو الحال في التقليد اليهودي، كما لم يسجل العهد القديم بان إحدى بنات السلالة الملكية الداؤدية أنجبت ابناً وأسمته عمانوئل.
ه- نفهم من التقليد اليهودي إن كلمة فتاة تدّل أيضا على عذراء كما جاء في سفر التكوين عندما ذهب خادم إبراهيم ليأخذ زوجة لإسحاق وهو واقف على العين إن الفتاة عليمه التي تخرج لتستقي هي تكون زوجة. تكوين 24: 43 أخت موسى النبي دُعيت فتاة عليمه لأنها صغيرة وغير متزوجة عندما كانت تراقب ابنة فرعون وهي تنشل أخيها من النيل. خروج 2: 8 وضاربات الدفوف في الهيكل هنّ فتيات عذارى ولسن متزوجات كما لسن معنسات عذارى.
2 – يتحججون حاخامات اليهود بأن العلامة التي تكلم عنها اشعيا إن عنت ولادة المسيح من العذراء مريم فيكون آحاز وكل قومه ماتوا وانحلت أجسادهم لأن الفترة مابين آحاز ومجيء المسيح الرب أكثر من سبعمائة سنة، فهل من المنطق أن يجمد الزمان إلى أن يأتي المسيح ليخلص آحاز من أعدائه؟ طبعاً لا! وقال آخرون: إن هذا الصبي كان ابن اشعيا كما جاء في الإصحاح الثامن 3-4 (فاقتربت إلى النبية فحبلت وولدت ابناً. فقال لي الرب ادعو اسمه مهير شلال حاش بز لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو يا أبي ويا أمي تُحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك آشور.) نلاحظ الأم ليست فتاة لكنها سيدة متزوجة، واسم الصبي ليس عمانوئيل، ومن قراءتنا لسفر الملوك الثاني الإصحاح السادس عشر إن الذي ساعد آحاز على أعدائه كان تغلث فلاسر ملك أشور. الأمر الذي يعود بنا من حيث انطلقنا.
إن هذه النبوة لا تشير إلى علامة خلاص إلا من جهة واحدة وهي
أولا: وعد الله لإبراهيم (وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطي نسلك جميع هذه البلاد وتتبارك في نسلك جميع أمم الارض) تكوين 26:4.
ويتنبأ يعقوب على ابنه يهوذا: فيقول يهوذا إياك يحمد اخوتك. يدك على قفا أعدائك يسجد لك بنو أبيك يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد وكلبوة. من ينهضه لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون “صاحب السلطة” وله يكون خضوع شعوب) تكوين 49:8-10.
ثم ينتقل هذا الانحدار ليتخصص بنسل الملك داود حيث يعده الرب قائلاً: “يأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد”. 1صموئيل7: 16. وفُهم من هذه الوعد بأن المسيّا سوف يأتي من صلب الملك داود، فاشعيا النبي أراد أن يؤكد لآحاز بأن بيت داود هو محصن من قبل الرب إلى مجيء المسيح، فلماذا لا تؤمنون بوعد الله وتضجرون الناس والله له المجد، وبهذا الشكل تظهر النبوة علامة الثقة بحماية الله لبيت داود ولكن اشعيا يزيد على الثقة بالرب بكيفية مجيء المسايا الموعود به، الملك الأبدي هو من نسل الفتاة مريم بنت داود الملك.

2- شهادة سمعان الشيخ على إلوهية الطفل يسوع المسيح
أوعز الروح القدس للبار سمعان الشيخ بقدوم المسايا المنتظر إلى الهيكل، لقد ميّز سمعان الطفل يسوع من بين باقي الأطفال بشكل إعجازي فحمله على ذراعيه وقال: “الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عينيّ قد أبصرتا خلاصك، الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب نور اعلان للأمم ومجداً لشعبك اسرائيل”. (لوقا 2: 30- 32).
يعقوب “إسرائيل” وهو يتنبأ على أولاده فجأة يقول: “لخلاصك انتظرت يا رب” تكوين 49: 18. واشعيا النبي يقول: “قد شمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم فترى كل أطراف الأرض خلاص الهنا” اشعيا 52: 10.
لقد ُلقب المسيّا المنتظر بالخلاص، من كل آباء العهد القديم الذين كانوا ينتظرون الخلاص في شخص المسيّا، وإن الله هو الخلاص.
أراد الشعب اليهودي فهم الخلاص بالمسيح يسوع أو المسيّا، خلاصاً من أعداء محاصرين له فيكون بهذا الشكل عمل المسيّا عمل محصور في جغرافية محددة وأيضاً زمن محدد، أو شعب معين من بين شعوب كثيرة، وإذا كانت نظرة اليهود لله أو المسيّا نظرة محدودة بهذا الشكل، فما هو الفرق اذن بينهم وعبدة الأوثان،
لأنه في معتقدهم هذا يكون الله إلها محدوداً في شعب معين وليس إلها مطلقاً اي إلهاً لهم وحدهم مخلصاً وقائداً حربياً يحررهم من الاستعباد، أو الشعب اليهودي يعرفه كإله يدافع عنهم، والرب يعرفهم ويجب يدافع عنهم لكي يحافظ على منصبه الإلهي بينهم، وكأنه صراع آلهة مع بعضها البعض على تعظيم نفسها بين أكبر عدد ممكن من الشعوب لتعبدهم،
ولكن هذا لا يتفق مع الله خالق الكل له المجد، الله لا يمّيز بين خليقته، والخلاص الإلهي ليس عملاً محصوراً في زمن ولا في منطقة جغرافية محدودة، ولا في شعب معين لأن الله ليس محدوداً بل مطلقاً، ففي بدء عمله الخلاصي أكد لكل الأمم مدى محبته لهم وليس كقائد عسكري يحرر شعب واحد ضد شعوب،
ففي العهد القديم كم من مرة نصرهم الرب أو خلصهم الرب من أعدائهم ولكن كانوا يرجعون ويخونون العهد، فإذا كان المسيّا يأتي ليخلصهم من مضايقيهم نرى بأن هذا الأمر كان ساري المفعول الرب يقوم به وقد قام به مراراً وتكراراً، ولكن مع كل هذا الرب وعدهم بالمسيّا فما هو عمل المسيّا؟
لا بد من أن ننظر إلى عمل الخلاص المنتظر من النظرة الإلهية لنفهم معنى الخلاص، إن كان الله يخلص شعب واحد من بين شعوب فهذا يعني أحد الأمرين.
أ– يخلص شعب من شعوب شريرة، ولكن ماذا عن الشعوب المبتلية بالشر؟ ألا تستحق الخلاص من الشر؟
ب– تفضيل شعب على شعوب هو خلق كراهية بين الشعوب، كما فعل يعقوب أحب يوسف فكرهه إخوته.
ختاماً
عمل الخلاص هو إعتاق الإنسان من أسر الشر وإبليس الذي أظلم عيون بني البشر كي لا يرون النور الإلهي ويتجهون إليه كما جاء في رسالة القديس بولس الرسول
“الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة انجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله”. ( 2كور 4:4). بل يبقيهم منغمسين في تحصيل ملذات جسدية ميتة من عمل الشر بكافة أنواعه المؤدي إلى الموت الجسدي والروحي معا، إذا صراع المسيح ليس مع بني البشر بل مع إبليس كما عبر عنه القديس بولس الرسول بقوله
“فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة هذا العالم، على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات”. (افسس 6: 12).
سفك الرب دمه من أجل كل من قَبله وآمن به ليعتقه من الظلام وعبودية إبليس التي هي فعل الشر لإغاظة الرب، إلى النور إلى المحبة وحنان الآب القدوس الأبدي.
إن الذي رآه سمعان الشيخ في المسيّا هو الخلاص الروحي المرتب من قِبل الرب مباشرة بعد سقوط الإنسان في شبكة إبليس عندما قال الرب نسل المرأة يسحق رأس الحية أي إبليس، وليس رؤوس شعوب، بل النور أو الخلاص الذي أعده الرب أمام وجه كل الشعوب والأمم.
إلى من وجّه سمعان الشيخ كلامه؟
لقد أجمع الذين ينكرون إلوهية الرب يسوع بأن سمعان الشيخ لم يوجّه كلامه للطفل بل بالأحرى إلى الرب.
آ– إن مصدر الخلاص هو الله كما سبق الكلام.
ب – الخلاص تم من خلال المسيح يسوع.
الأمر الذي يجعلنا أن نفهم مع القديس بولس الرسول ان الرب قام بعمل الخلاص من خلال الجسد البشري، أي الله ظهر بالجسد لعمل الخلاص ليرى بنو البشر خلاص نفوسهم بشكل ملموس ويدحضوا قوة إبليس روحياً، إذا لا بُدَّ من أن يظهر الله في الجسد لعمل فعل الخلاص الروحي والجسدي معاً في وقت واحد، أما قول القديس بولس الرسول فهو التالي
“بالاجماع عظيم هو سرّ التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد”( 1تيموثاوس 3 : 16)
