في حضرة المسيح

في حضرة المسيح

في حضرة المسيح

على لسان احدهم…! وبتصرف كبير…

سيدي المسيح!

عندما دخلت الجامعة لأتخصص باللاهوت، استهدفت التجند لخدمة كنيستك عملياً، ولكن ما ان انهيت دروسي حتى انحرفت عن هذه الغاية…

ولست ادري ان كنت قد أنكرتك بعملي هذا، فأنت عارف ما في القلوب وعارف اني ما زلت أحبك وأحب كنيستك، لكن على طريقتي الخاصة، لأن حالة الكنيسة الحاضرة تدعو الى الأسف والألم لا سيما الذين يشعرون بأنهم لا يستطيعون أن يقدموا اية خدمة لها.

اما وأنا واثق بأنك كريم وحليم ورحيم، فأستميحك عذراً لأقول كلمتي في محبتك الكاملة ومحبتي الناقصة، كما اني أسألك أن تهبني القوة لأبرهن عن شعوري وأدلل على تأثري من الحالة التي وصلت اليها الكنيسة اليوم.

أيها السيد المسيح!

في حضرة المسيح
في حضرة المسيح

اني أعود بالذكرى متخيلاً حالة المسيحية الأولى عندما كان المؤمنون بك كلهم إخوة وأعضاء في جسدك الواحد، وعندما كانت حياتهم وأمورهم وعباداتهم بسيطة خالية من كل غموض وإبهام، وبعيدة عن الألغاز والأحاجي، وكانت روائح عطور المحبة وأريج طيوب التساهل باسمك تعبق في كل مكان.

لقد وجدت كنائس متعددة كانت منتشرة في جميع الأصقاع المعروفة آنذاك وهي تحمل أسماء مكانية مثل: كنيسة اورشليم وأنطاكية وقبرص وكورنثوس وروما الخ…

غير ان تلك الأسماء لم تكن في يوم مدعاة للخلاف والشقاق ولا سبباً للتباغض والتناحر، لأنها كلها كانت تؤلف كنيسة واحدة هي كنيسة السيد المسيح، وتعمل لهدف واحد هو انتصار الكنيسة، وتسعى الى غاية واحدة هي انتصار وانتشار المسيحية، وبعبارة أخرى انها كانت كلها تقصد مجدك انت، انت هو يسوع المسيح أمس واليوم وغداً والى الأبد…

فاتحاد كنائسك المحلية حينذاك، وحرارة صلوات اتباعك وصلابة ايمانهم وطهارة حياتهم ومحبتهم العملية الظاهرة للملأ في كل مكان وزمان، هو الذي أعطى للعالم صبغة جديدة وغيَّرَ معالمه وجعل اتباعك الأولين القلائل يجتذبون جيوشاً جرارة من المؤمنين بك ليقيموا معهم ملكوتك على الأرض كما هو في السماء…

ثم ماذا بعد ذلك

اه بعد ذلك…

يا سيدي

عندما كنت عائشاً على الأرض لم تكن آلات الرسم والتصوير قد أ اخترعت بعد، ولذا فليس لدينا منك أية صورة رسمية، غير أن التقليد المسيحي الأول قد نقل بعض خطوط عن هيأتك وملامح وجهك وشكلك، فكانت لك صورة واحدة أساسية في ذلك الزمان، اما نحن اليوم فقد غيّرنا وتصرّفنا برسمك وجعلناه ضروباً مختلفة فكان هذا بداية السيئات… ذلك أنك غدوت، بعد هذا، موضوع دروس وآراء فنية عالمية تختلف باختلاف العصور والبيئات والمدارس الفنية، وتباين آراء المصورين وكاتبي الايقونات والرسامين. فنحن الأرثوذكسيين مثلاً اردناك رومياً، بينما أصرَّ الغربيون على جعلك جرمانياً أو فرنسياً أو ايطالياً طبقاً لفنون النهضة… وما كان لهذا الاختلاف الفني من أهمية تُذكر لو لم يكن حاملاً في ثناياه اختلافات وانشقاقات وانقسامات واسعة في كنيستك الواحدة التي أسست وكنت في وسطها كما ظهر فيما بعد وشتتنا شيعا وطوائف…!

اجل يا سيدي الرب يسوع! اننا لم نقف عند حدود الاختلاف على صورتك فحسب، بل تعديناه الى تبديل وتحوير في روح تعاليمك، وخططك لكنيستك أي لنا نحن أبناء كنيستك…!

أيها لسيد المسيح الفائق الجلال

انت علّمتَ في كل فرصة وسانحة، سواء أكان ذلك بواسطة رسلك الأطهار، أن في المسيح ” ليس يهودي ولا يوناني…” لأنك للجميع على السواء، ولكننا نحن الارثوذكس، مع كل هذا، اردنا الامتياز على سوانا وطالبنا بمقام خاص عندك كون كتابك المقد في عهديه كتب باليونانية والتبشير في كل العالم تم باليونانية وأن الاباطرة الروم بدءاً من قسطنطين وامه هيلانة وثيودوسيوس الكبير ويوستنيانوس الأول… بنوا القيامة والمهد وسيناء وصيدنايا وآجيا صوفيا و…والفنون من ترتيل وتصوير و… كله رومي…، وكذلك فعل اللاتين بجعلهم لغتهم المقدسة وحدها وان باب رومة هو الصخرة في حين انه كان الصخرة عندما أسس وبولس وبرنابا كرسي انطاكية قبل أي مكان في العالم وقبل رومة بعشرين سنة، وكذلك السريان قالوا ان الكنيسة لهم وحدهم لأنهم أبناء الآراميين المنتشرين في سورية الذين تحدثت بلغتهم الآرامية في فلسطين، وكانت سورية الطبيعية ملأى بكل الاقوام واساسا لغتها يونانية مع الاغريق ثم لاتينية مع روما وعادت لتكون يونانية في الإمبراطورية الرومية…، والاقباط في مصر احفاد الفراعنة العماليق ولكونك أيها الرب لجأت طفلا الى مصر هرباً من اضطهاد هيرودس الطاغية، وكذلك الأرمن الذين قالوا بأنهم كانوا اول دولة اعتنقت المسيحية رسمياً وان كنيستهم رسولية!!!…ّ

وما كل ما ذكرتُه يا يسوعي الحبيب المتواضع الشامل في محبتك لكنيستك العالمية بمظلتها الإلهية من لدنك فأنت في وسطها، ولكن نحن البشرى انانيو الطبع حتى في تبعيتنا لك وقد آثرنا حب الزعماء البشريين في قيادة الكنيسة على حبك بينما دحض بولس رسول الجهاد الأمين ” انا لبولس… وانا لأبولوس…وانا لصفا… وهو للمسيح يسوع…” لك يارب الأكوان.

وما كان لهذا الواقع من أهمية وخطورة لو لم يخفِ بيم طياته بذور التمييز العنصري، الذي هو أبعد ما يكون عن روح تعاليمك الخلاصية…

وتلك الحملات الافرنجية المستعمرة والإستيلائية على خرافك من بقية الكنائس لجذبها تحت طاعة روما وما نتج عنها من تغيير في كراسي القسطنطينية وانطاكية واورشليم تحت تاج البابا، ثم حملات تبشيرية بالدرهم الرنان من جحافل المبشرين بلغت فرقهم حوالي المائة من رهبنات ثم ارساليات تبشيرية بروتستانتية لشعب قاوم حتى الدم من اجل اسمك القدوس، لقد حمل الاولون الصليب كراية عسكرية والصليب علامة المحبة والفداء وليس للقتل…الم يسخر صليبك المحي يارب من هذه الحملات العسكرية وتاليها الاقتناصية التبشيرية، والصليب – أكرر- رمز الحب والتضحية وشارة السلام والاطمئنان…! عندما وُضِعَ فوت رايات الحروب وأدوات القتل والغزوات البربرية التي سارت من الغرب الى الشرق وكانت سبباً في كثير من الويلات والبلايا التي قلما عرفها التاريخ؟ الم يكن من نتائجها تناحر كنائسك المختلفة الأسماء واللغات وتقاتلها وتطاحنها في حروب ضروس قاربت القرنين وازهقت أرواح البسطاء من الغرب اللاتيني والشرق المسيحي…؟!

يا يسوعي الوديع المتواضع

في حضرة المسيح
في حضرة المسيح

ماذا أقول عن هذه الأيام؟ ان بعض الكنائس التي تحمل اسمك سعت لتجعل من نفسها دولة من بين الدول الزمنية في هذه الأرض، وراحت تقلدها في السياسة والديبلوماسية، فأوجدت لها حكومة وجيشاً وحساً وسفارات وذلك بدلاً من ان تهتم في نشر وتثبيت دولتك- وملكوت السماوات على الأرض- في هذا العالم المتداعي والمخضب بدماء الشعوب البريئة المستضعفة…؟

وعلى هذا الأساس فقد أمسيت يا مسيحي المحب البشر، ارثوذكسياً في الشرق، (الا ان ارثوذكسيتك مبتلاة بالانشقاقات الكاثوليكية والبروتستانتية وبالطوائف التي تدّعي بفوقيتها الجنسية والاثنية مع العلم انه ليس من عرق صافٍ وليس من جنس واحد نقي الدم والاصل!… وتحمل اسم ارثوذكسية والكل يقول عن ايمانه انه القويم…! وانه الأصل والبقية دخلاء الى درجة الهرطقة) وكاثوليكياً  وبروتستانتيا وشيعا متهودة ومهرطقة وما اكثرها في الغرب تبيع كنائسها لتحول لمعابد لأديان أخرى وتنادي بالمثلية والشذوذ وكل الموبقات بزعم حقوق الانسان…، وارمنياً في أرمينيا، وقبطياً في مصر والحبشة، وسريانياً في سورية والعراق والهند، وانكليكانياً في إنجلترا، وانجيليا بطوائف تحمل اسم كنائس في اقسام واسعة من اوربة وأميركا الشمالية… بلغ تعداده الالف بكل الانشقاقات والاساءات الى ايمان كنيستك يا رب!

واغرب من كل هذا يا يسوع يا رب المحبة، ان اتباعك تحولوا من إخوة الى أعداء ألداء فيما بينهم، وصارت كل كنيسة تنظر الى الأخرى كحية رقطاء…

وراحت كل منها تسعى بجميع الوسائل المشروعة لتخطف اتباع الأخرى ولتضمهم الى احضانها، زاعمة انها انما تفعل ذلك من اجل خلاص نفوسهم، كأن الخلاص وقف عليها وحدها…

– وماذا بعد ذلك كله؟ آه! بعد ذلك التجديف على اسمك القدوس، ووضع العراقيل في طريق رسالتك السلامية السامية وعملك الفدائي، وتباعد الناس عن الدخول في ملكوتك السماوي. حتى ان تضحيتك ذاتك على الصليب أخذت تفقد معناها الحقيقي، وبذور تعاليمك امست في خوف من ان تعطي ثمارها وخميرة انجيلك اضاعت قوتها ومفعولها في تخمير العجين كله…!

يا سيدي

في حضرة المسيح
في حضرة المسيح

أن نقرأ من أصحاب النيات الصالحة والقلوب المؤمنة النقية والنفوس الخيّرة يحلمون ويفكرون، من وقت الى آخر، باتحاد كنائسك ويبذلون في هذا السبيل جهوداً جبارة مخلصة. غير أنهم – مع الأسف الشديد- لا يلبثون ان يصطدموا ببعض الفوارق العقائدية والليتورجية والتقليدية البسيطة، وبما ان كل كنيسة اليوم متمسكة بوجهة نظرها بعناد وصلابة، بسبب أو بدون سبب، تكون النتيجة على الغالب تباطؤ الخطوات ثم توقف السير في هذه الطريق… وهكذا تبقى الأمور على ما كانت عليه.

فهل لهذا الليل من آخر يا مسيحي؟ وهل لهذا المأزق من مخرج؟ وهل من طريقة أو وسيلة لإرجاع صورتك الحلوة الى حالتها الأولى، وإعطاء المجد لاسمك المقدس وحده؟

ايظن اتباعك ورؤساؤهم الروحيون المعاصرون ان ليس من واجبات سوى درس القضايا العقائدية وبحث الرموز الليتورجية؟.

آه لو علموا يا سيدي ان هناك الكثير – والكثير جداً – من القضايا الحيوية والمعضلات الجوهرية التي تهم جميع الكنائس على السواء، وذات أهمية رئيسية لجميع الناس.

فهناك قضية السلام العام الحقيقي وتحريم الحروب وتجريم مسببيها، ووجوب رفع مستوى القيم الأخلاقية، وتوثيق صلات التفاهم والتعايش الودي والتآخي بين الأمم والأفراد، وتثقيف الشعوب المتأخرة ومساعدتها ادبياً ومادياً، وحماية حقوق الأفراد والجماعات، والدفاع عن المظلومين الخ… وكل هذه الأمور لا تحتاج الا الى نسمة من روحك الطاهرة وقبس من محبتك الصادقة ونور من انجيلك الشريف تتغلغل في قلوب البشر وتسيَّر إراداتهم في الأعمال الصالحة والمنهاج الرسولي…

يا مسيحي

اسمح لي أخيراً أن ألفت أنظار رؤساء وزعماء كنائسك الحاضرة الى ما يجب عليهم عمله الآن مما يرضيك – على ما اعتقد – ويعود بالخير على الكنائس كلها، عفواً يا سيدي بل على كنيستك الواحدة…

١-اتحاد الكنائس الموجودة اليوم يجب ان يتم على طراز اتحاد الأمم في الجمعية العامة للأمم المتحدة مع الفارق الروحي.

٢- نشر تعاليمك بين سائر البشر يجب ان يكون بالتعاون مع الأمم المتحدة، وكذلك مع جمعية الصليب الأحمر الدولية، ومع بقية المنظمات الإنسانية الدولية…

على هذا النحو يمكن تحقيق اتحاد الكنائس، على أسس مسيحية سليمة ثابتة، بدون اللجوء الى المؤتمرات الكنسية والمجامع التي تجمع ممثلين عن الكنائس المختلفة، والتي تتطلب استعدادات طويلة ودروس معقدة وبحوث عويصة لا تستطيع الحوارات بين اهل الاختصاص من كل كنيسة وطائفة حل ابسطها لأن الكل متمسك بطائفته وعقيدته ويعتبر ها الأساس وكنيسته هي الأصح… كذلك ما تقوم به مجالس الكنائس الإقليمية كمجلس كنائس الشرق الأوسط، او العالمية كمجلس الكنائس العالمي وجميعها لا سلطة قيادية لها على الكنائس، وخاصة لإقامة أسابيع الصلاة من اجل وحدة الكنائس، اكثر من أسبوع صلاة صار كالمهرجان السنوي ويخرج المؤمنون المحبون لك بعد كل صلاة حضروها في دور كنائس الطوائف  ليقولوا بلسان واحد: “وحدوا لنا عيد الفصح”!  وحتى وحدة العيد تخيف بعض قادة الكنائس لأنهم يخافون على كياناتهم التي انشقت يوماً وتجاهد لتبقى كيانات مستقلة.. تالياً وكأن العيد هو يقيم الكنيسة الواحدة…!!!

و- اتأسف ياسيدي يسوع ان أقول لك- ان أسبوع الصلاة من اجل وحدة الكنائس، بات مهرجاناً روتينياً  مظهرياً فقط لا يعطينا النتيجة المرجوة في وحدتنا بجسدك المقدس، ونحن لا نستطيع ان نتناول من الكأس الواحدة لجسدك ودمك الطاهرين…! لعدم وجود الشركة الكنائسية كما انت مع ابيك وروحك القدوس اله واحد.

اعود الى انموذج اتحاد الأمم ونشر تعاليك يا ربي بين سائر البشر بدون تعقيدات مررت عليها، وبهذا يتيسر لكل الكنائس – وبكل اسف – متخالفة فيما بينها، يتيسر لها ان تسير كلها بروح الانجيل المقدس دستورك يا ربي يسوع، وتساير في ذات الوقت روح الزمن بحركة منسجمة نحو مُثُلها العليا التي حددتها لها انت يا يسوعي الرب…

عندها ترى الكنائس – التي كانت منقسمة- نفسها في آخر الطريق قد اتحدت عقائدياً ايضاً.

فليبدأوا، منذ الآن، يعملون على تطبيق الاتحاد الإداري وليتركوا الكلام على الوحدة العقائدية، لأن الوحدة ساعتئذٍ ستكون النتيجة المحتومة للاتحاد.


Posted

in

,

by