كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية صورة تعود الى زمن التأسيس

كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية

كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية

اول واهم المعاهد اللاهوتية الارثوذكسية في العالم

تأسست كلية خالكي اللاهوتية عام 1844 وتخرجت أول دفعة منها في العام 1848. والهدف من تأسيسها هو تثقيف الإكليروس الأرثوذكسي في العالم على مستوى جامعي رفيع وإعداده لقيادة الكنيسة، فأصبح أكثر خرّيجيها كهنة وأساقفة ومطارنة، ومنهم من اعتلى عرش البطريركية المسكونية في القسطنطينية ورئاسة أسقفية اليونان في أثينا والبطريركية الأنطاكية في دمشق والبطريركية الاورشليمية في اورشليم وفي رهبنة القبر المقدس اليونانية الاورشليمية..

كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية
كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية

كانت السنوات الثلاث الأولى تتضمن منهاج مرحلة الدراسة الثانوية بفرعيها الأدبي والعلمي، والسنوات الأخيرة الأربع تشكّل منهاج الإجازة في اللاهوت. ومن بين مواد المنهاج باليونانية كلغة رسمية للتدريس كان: مدخل إلى العهدين القديم والجديد، تفسير الكتاب المقدس، علم الآباء، العقيدة، الفلسفة، الأخلاق المسيحية، الحق القانوني، فلسفة الدين، الرعائيات، الوعظ، تاريخ الكنيسة العام، تاريخ الكنائس الأرثوذكسية المستقلة، علم الآثار المسيحية، تاريخ الفلسفة، تاريخ الأديان، الموسيقى الرومية، إضافة إلى اللغة العثمانية وآدابها ( هذه المادة كانت تعطى حصراً للتلاميذ ذوي التابعية العثمانية، ومنهم التلاميذ السوريون الخمسة).

كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية
كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية
وكانت دراسة علم اللاهوت في كلّية خالكي بغاية التنظيم والمنهجية، للتصدّي الفكري وبالحجج المنطقية والدينية الدامغة للإيديولوجيات والنظريات الاجتماعية الغربية والأنظمة الفلسفية ذات المواقف المعادية للمسيحية، التي كانت منتشرة بكثافة في أوربا آنذاك، بل وأيضاً لمواجهة نزعة الاقتناص الديني لدى مبشّري ذاك العصر في صفوف الطوائف المسيحية التقليدية وخاصة الأرثوذكسية.
السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي الراعي للتلميذين جراسيموس مسرة وروفائيل هواويني في خالكي
السيد ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي الراعي للتلميذين جراسيموس مسرة وروفائيل هواويني في خالكي
كان العام الدراسي يتشكل من فصلين، ينتهي كل منهما بامتحانات خطية وشفاهية، وكذلك إعداد وكتابة بحث، يُلقى في قاعة الدروس بحضور عميد الكلّية نفسه، ما كان يتطلب الرجوع إلى المصادر في مكتبة خالكي، والتي تعتبر بحقّ من كبريات المكتبات العالمية وأغناها من حيث وفرة عدد الكتب بمختلف اللغات. وعند النجاح في كل فصول الدراسة، يجري في الأحد الأول من شهر تموز/يوليو حفل تخريجٍ لتلاميذ الأمس ومعلّمي المستقبل، حيث أن كلّ خرّيج منهم ينال مع شهادته اللقب: “أستاذ في اللاهوت المسيحي الأرثوذكسي”.

وفي العصر الحميدي (1876 – 1908)، كان يعسر على غير اليوناني الدخول فيها، بسبب تشديد السلطات العثمانية حينها على عدم قبول غير اليونانيين فيها. فاضطر تلاميذ المتروبوليت أثناسيوس الثلاثة وهم من دمشق إلى استبدال كنيتهم العربية، رفائيل هواويني وألكسندروس طحان، حملا نفس الكنية “ميخائيليذيس” المشتقّة من اسم أبويهما ميخائيل، في حين أن بولس أبو عضل حمل كنية “أغابيوس” نسبةً لأبيه حبيب. وإليكم قائمة بأسماء خريجيها من السوريين في نهاية القرن 19 بالتسلسل الزمني، مع سنة التخرج وموضوع الأطروحة إن وُجدت:

القديس روفائيل هواويني الدمشقي
القديس روفائيل هواويني الدمشقي
1- جراسيموس مسرة 1882 ((سر الشكر الإلهي-الإفخارستيا)). مطران بيروت 1902-1936.
2- رفائيل هواويني 1886 ((التقليد الشريف وسلطته)). أسقف بروكلين 1904-1915.
3- باسيليوس جبارة 1887 ((في أن تكريم الأيقونات الشريفة لا يناقض الكتاب المقدس)).
4- بولس أبو عضل 1889 ((في أن أولوية البابا منافية لآلية عمل الكنيسة)). مطران جبل لبنان 1902-1929.
هؤلاء التلاميذ كانوا بحماية ورعاية ودعم المحسن الكبير والانطاكي القديس المنسي ديمتري نقولا شحادة الصباغ الدمشقي ( انظر سيرته هنا في موقعنا: أعلام ارثوذكسيون”) وحتى الانفاق عليهم عندما يعسر على معلميهم  المطارنة ارسال المخصصات المالية لكل منهم، ونشير الى ان الثلاثة الاوائل كانوا بنفقة مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني، وكان السيد ديمتري التاجر الارثوذكسي العالمي يعيش في القسطنطينية منذ عام 1845 الى عام 1890 هو من يقوم باجراءات تسجيلهم في خالكي مذللا العقبات ان وجدت لدى البطريرك المسكوني والسلطات العثمانية بفضل وجاهته ونفوذه وكرم يده، ويتابع شؤونهم ويزورهم في خالكي باستمرار ويحضر امتحاناتهم ولذلك تفيدنا الوثائق البطريركية ان العلامة جراسيموس مسرة كان يفتتح رسائله المستمرة الى ديمتري بعد ان صار بدمشق بعبارة:” بعد التشرف بلثم يمينكم” وكان شماساً لاهوتياً

5- ألكسندروس طحان 1894. مطران مرسين 1903-1908، متروبوليت طرابلس 1908-1931، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق 1931-1958. (ترأس احتفال المئوية لتأسيسها كونه أقدم تلامذتها الأحياء).

المتروبوليت جراسيموس مسرة اللاذقي مطران بيروت
المتروبوليت جراسيموس مسرة اللاذقي مطران بيروت
اندلع حريق ضخم عام 1894 فتضررت الكلية وأعيد إعمارها عام 1895-96. لم يدرس فيها من البطريركية الأنطاكية في عهدها هذا حتى إغلاقها عام 1970 سوى نفر قليل ممن أرسلهم البطريرك ألكسندروس، كان من أهمهم تلميذه الخاصّ خريج الغسانية في حمص البطريرك الياس الرابع معوض (+ 1979)، ومطرانا حماة أثناسيوس سكاف وإيليا صليبا، وكذلك مطران تشيلي المتروبوليت سرجيوس عبد. (في الفترة 1912-1914، درس فيها دون أن يتخرجا منها لإغلاقها المؤقت بسبب اندلاع الحرب الكبرى كلّ من إغناطيوس حريكة مطران حماة وثيوذوسيوس أبو رجيلي البطريرك الأنطاكي.)
البطريرك الكسندروس طحان الدمشقي
البطريرك الكسندروس طحان الدمشقي

في عام 1953 اقامت بطريركية القسطنطينية احتفالاً عالميا بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس معهد خالكي ووجهت الدعوة لمن بقي من الخريجين الأحياء من معهد خالكي، ووجهت الدعوة  للبطريرك الانطاكي الكسندروس طحان كأقدم الخريجين الأحياء، حيث زار البطريرك المسكوني اثينا غوراس  ورئسا معاً احتفالات خالكي.

كلية خالكي اللاهوتية الارثوذكسية في القسطنطينية

العودة مجدداً ومساعي اعادة افتتاحها

بعد أكثر من خمسةٍ وخمسين عامًا على إغلاقها عام ١٩٧١، يعود الملف اليوم إلى الواجهة بزخم غير مسبوق، ليبدو وكأنّ صفحة أُغلِقت قسرًا قبل نصف قرن تستعد لإعادة فتحها من جديد. فالتحركات الدبلوماسية الأميركية، والتصريحات الصادرة عن بطريركية القسطنطينية، والمناخ التركي الأكثر انفتاحًا، أعادت الحياة إلى قضية كادت تتحوّل إلى رمز دائم للخيبة.
لطالما اعتُبر معهد خالكي القلب التربوي واللاهوتي لبطريركية القسطنطينية؛ فمنه تخرّج أساقفة وبطاركة ولاهوتيون لعبوا دورًا مركزيًا في تشكيل الوعي الأرثوذكسي الحديث. إغلاقه لم يكن قرارًا إداريًا بقدر ما كان ضربة لهوية الكنيسة وقدرتها على إعداد قياداتها الروحية. لذلك بقي البطريرك القسطنطيني برثلماوس متمسكًا بالدفاع عنه على مدى عقود، معتبرًا أن عودة المعهد ليست مجرد إعادة فتح مبنى، بل استعادة لطاقة روحية وثقافية للأرثوذكسية كلها.
الجديد اليوم جاء من واشنطن. ففي تصريح لافت، أعلن السفير الأميركي في أنقرة، توم باراك، أن بلاده تعمل على تحقيق إعادة افتتاح المعهد في أيلول ٢٠٢٦، مؤكدًا أن الملف طُرح مباشرة بين الرئيسين الأميركي والتركي خلال زيارة البطريرك  برثلماوس الأخيرة للولايات المتحدة. هذا الإعلان لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة جهود طويلة مارستها الجالية اليونانية–الأميركية التي لعبت دورًا بارزًا في الدفع نحو هذا الهدف، مستندةً إلى ثقلها السياسي والانتخابي في الولايات المتحدة.
هذا الضغط الأميركي المتعدد الأبعاد يعكس رغبة واضحة في تعزيز مكانة القسطنطينية كمرجعية أرثوذكسية عالمية مستقلة، وفي الوقت نفسه استخدام ملف الحريات الدينية لتحسين العلاقات المتوترة مع أنقرة. من جهته، عبّر البطريرك برثلماوس عن تفاؤله، مشيرًا إلى أن أعمال الترميم شارفت على نهايتها، وأنّ إعادة فتح المعهد ستكون «لحظة تاريخية» ليس للأرثوذكس وحدهم، بل لتركيا أيضًا.
لكن التفاؤل لا يلغي حقيقة أنّ القرار النهائي ما زال بيد الدولة التركية، وأن بعض الحساسيات الداخلية المتعلقة بوضع البطريركية القانوني، وبتوازنات الحراك الديني والسياسي، لا تزال تشكل عقبات صامتة. ومع ذلك، يبدو أن أنقرة أكثر استعدادًا لبحث الموضوع، في ضوء رغبتها بتحسين صورتها الدولية وفتح صفحة جديدة مع واشنطن.
ورغم هذه التعقيدات، فإن إمكانية إعادة فتح المعهد لم تعد حلمًا بعيدًا. فهناك إرادة دولية، ورغبة كنسية واضحة، ودور ناشط للجالية اليونانية قي أميركا، وتقاطعات سياسية قد تسمح بتحقيق هذا الهدف.
أما الخلاصة البسيطة التي يمكن الخروج بها، فهي أن معهد خالكي قد يعود إلى الحياة قريبًا بعد أن أغلقت أبوابه عقودًا. وإذا جاءت اللحظة في أيلول ٢٠٢٦، فستكون الأرثوذكسية كلها بموعد مع الفرح والاحتفال بانتصار الإرادة على الاستسلام للواقع.”