مختارات لشيخ المعربين في الكرسي الانطاكي الشماس عبد الله بن الفضل الانطاكي
اولاً كتاب المصابيح
١-المحبة
المحبة نجح الصلاح، وملح الفلاح، بالمحبة يكمل الصفا، وترتجى الزلفى، ويدوم الوفا، وتطول الالفة، المحبة تثبت الايمان، وتنفي ترجح الارتياب، وتؤكد أسباب التقى، وتبين سبل الصواب، المحبة اذا خلصت من النفاق والردى، ادامت مودة السلم وازالت سطوة العدى، المحبة تطيِّب العيش وتورِّث الدعة، وتجزل الانس وتؤمن الفزعة، المحبة الصافية، امان وعافية، المحبة التامة، تكون لله وللناس عامة، المحبة الكاملة، نعمة شاملة، المحبة الصادقة، بخلوص الايمان ناطقة، المحبة خلاصة الآيات المنزلة على موسى النبي والشعب، وافضل وصايا الانجيل الداعية الى إطاعة الرب، وقيل الطوبى لمن اختار المحبة الصالحة الخالصة، الطوبى لمن اكمل المحبة وثابر عليها، الطوبى لمن شملته المحبة بحقيقتها، الطوبى لمن يفني أيامه في محاب خالقه، فمحب الله لا يخالف امره والذين يحبونه يتعمدون رضاه، ويحفظون سننه ونواميسه ووصاياه، وما محبته تعالى الا فاتحة كل فضيلة، وما مودة الناس الا خاتمة كل منقبة جليلة، وهكذا فان من اختار الحظوة بشرف المحبة، واراد بلوغ الغاية في علو الرتبة، اخلص الايمان بالله، وتعمد رضاه، واحب المسيح وتمسك بوصاياه، وابعد من قلبه الكبر والفخر، والحقد والحسد، والكذب والغضب، والرياء والمراء، والعناد والفساد، واعتضد الصفاء والوفاء، والصلح والصفح، والشكر والصبر، والحق والرفق والرحمة والسلامة، وواظب على الخصلة الجليلة، الواضح نبلها، اللائح نفعها، الصالح فعلها.
ان المحب في الايمان لا شبه له، والمحبون لله يخلصون له المودة، واذا كملت المحبة تفرع منها ود الأحباء وولدت الرغبة، في ابتداء الخير واكمال المرام والطلبة، وأوجبت مؤاساة أهل الجوهر، والوفاء والمصافاة فيما خفي وظهر، واقتضت المشاركة احتمال المكروه فيهم ومنهم، وبذل الموجود المستطاع عندهم ولهم، ومن فرَّق محل صديقه وعدوه في قلبه وسائر تقلبه، ولم يقضِ ما يجب عليه من دينه وحقائق مذهبه، وسن سيدنا يسوع المسيح هذه السنة، قولاً وفعلاً وقال، اسلمت نفسي لأجل رعيتي، وبذلتها لأجل فدية غنمي، وهكذا يفعل الراعي الصالح الذي يملك غنمه ويشفق عليها.
٢- من كتاب المصابيح
من بذل راحته لأجل الله واخلص القول الرضي وأدمنه، عادل الروحانيين في مرضاة الله باليقظة والنشاط وقصد الاقتراب، واستحق بسهر الليل رتبة العلى وحياة الزلفى ومضاعفة الثواب. قرر الرسل الأصفياء في كل يوم وليلة سبع صلوات بالهام الروح القدس وايثار طاعة الله على سنّة شيت بن آدم معين البركات، ورسم داود بن يسى معدن الخيرات، وجعلوا اوقاتها الغروب وعند النوم وانتصاف الليل والساعات واوجبوها على من تحلى بالكهنوت، واحبوها لمن رغب في عالم الملكوت، وفسحوا لمن قصر عن القيام في احايينها، ان يصلي الليل والفجر والهاجرة والمغيب في اوانها، ويضيف كل صلاة من الثلاث ولو بمزمور واحد من مزامير النبي داود، اذا علم منه التناهي في المجهود، بعد ان يبدأ بالكلمات المفروضات، ويختم بها من نية خالصة فان كل صلاة تخلو منها في الابتداء والابتداء فهي ناقصة.
ومما لا يعسر تعلمه ولا يتعذر قوله بعد الافتتاح بالفرض، ثلاث كلمات في اول الصلاة وثلاث في آخرها ينال بها بعض الغرض.
الأولى، المسموعة من الاتقياء المبعوثين من قبورهم يوم الصلبوت بأورشليم، لك يا رب الكل نقر ولك يا يسوع المسيح نسبح انت باعث اجسادنا، وانت مخلص انفسنا. تعاد ثلاث مرات.
والأخرى، الثلاث الكلمات المسموعة في هيكل البيعة الكبرى بالقسطنطينية من ملاك الرب عند اتصال الزلازل بها أربعين يوما وسكونها عند ارتفاع الأصوات بها وهي، قدوس الله قدوس القوي قدوس الذي لا يموت ارحمنا – والأجر على قدر العمل، والمدخور يوجد كثر او قل.
وعلمَّ سيدنا تلاميذه الصلاة الجليلة الجامعة لكل خير وفضيلة وهي اثنتا عشر كلمة مقصورة على كل برّ ونعمة تفسيرها في العربي، “ابانا الذي في السموات تقدس اسمك ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض خبزنا الجوهري اعطنا اليوم، واترك لنا ما علينا، كما نترك نحن لمن لنا عليه، ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنّا من الشرير. لأن لك الملك والقدرة والمجد الى الابد آمين.”
ليس قول أجلّ من ذلك اذا صدر عن نية زكية وصار عنه اعمال صالحة من نفس زكية لأن من ناجى الله الرب المعبود بالأبوة، ونزل نفسه بالروح منزلة البنوة، لزمه ان يطيع مولاه الذي قربه واجتباه وان يحرص كل استطاعته على العمل بما ارضاه، ليستحق هذا الاسم بالصحة، ويقوم بالواجب عليه فيما منحه.
يقال ابانا الذي في السموات، لأنه غير الآباء الذين ولدونا على الأرض، وغير رؤسائنا الذين بتقدمهم علينا تصير طاعتهم كالفرض، وغير ابوة الارباب الموالي الذين يتخذوننا اولاداً بالإحسان، وليس كتولد النور من الشمس والنار من الحجر والكلام من الانسان، ولا كالثمار والفروع والغروس التي تتولد من الأشجار، ولا أبوة الرئاسة والتعليم والكهنوت وتقدم الأحبار، ومن سأل الله ان تكون مشيئته على الأرض كما هي في السماء، وجب عليه التشبه بالروحانيين في الطاعة والعصمة والرضى، ومن رغب الى الله ان يعطيع يوماً بيوم خبزاً لقوته، لزمه ان لا يبخل بفاضل ما يعطيه الله على المحتاجين من اخوته، فانه متى احتاج الكثير، وطلب من الله اليسير، انتصب بين يدي الرب كاذباً، وانقلب من صلاته خائباً، ومن سأل الله ان يغفر خطاياه وزلله، وشرط على نفسه طوعاً ان يغفر كما يُغفرْ له، وجب عليه الصفح عن المسيء اليه، والسعي للصلح مع الجاني عليه، فان عاود القول في قلبه حقداً او دغل نقض الوعد، ونافق في البدل وعاد يجزي البهت وذلة الرد، وخاسر الصفقة في القلوب والمرتد، ومن اشتعال بلوى الامتحان، واستكفى شر عواد الطغيان، لزمه سلوك طريق الاستقامة، والتمسك بالتقوى واختيار السلامة، ليستوجب العون على حميد المطالب، والعون على محنة التجارب، ومن اقر الله جلَّ ثناؤه بالملك والقوة والمجد، وجب عليه من من الإخلاص والاجتهاد ما يلزم العبد المعتد، من محض نفسه النصيحة، وقصد إرادة الله بطوية صحيحة…
الصلاة
كما وصفها الشماس عبد الله بن الفضل الانطاكي
الصلاة محجة القصد. ومطية الرشد. موقعها جليل. ونفعها جزيل. يالأعمال نظراً. واكثر الدواعي صلاحاً. وأوفر المساعي أرباحاً.
بقولها تزكو مطالب العباد. وبفعلها تعلو مراتب الزهاد. الصلاة الصادقة من يصليها مستمعة. توجب الزلفى وتجلب المنفعة. والصلاة والصوم. امرهما مفترض محتوم. والانسان بهما وعلى تركهما معاقب . وسواهما يُعمل بحسب الرغبة في الثواب. او الرهبة من العقاب. والصلاة أشرف الفضيلتين لأنها بذاتها حسنة. وحقها لازم في كل يوم وقبل كل سنة. والصلاة عن غيرها مستغنية. والصالحات بلا صلاة غير زاكية. لأن الصلاة وحدها حسنة مقبولة. والاعمال بلا صلاة الايمان مرذولة. ومن داوم الصلاة وترك باقي الفروض عدَّ خيراً. ومن جانب الصلاة وان أدى الفروض دعي كافراً. الصلاة تساوي بين الانسان والملائكة. وتنجيه من الخطايا والبلايا المهلكة. فيها يخاطب العبد خالقه. وبها يرضيه ويوافقه. هي ناطقة بالضمير وجامعة للفكر. ومنبهة للخاطر ومحركة للذكر. الصلاة بحرقة القلب. ابلغ الوسائل الى الرب. الدموع تغسل الخطايا. والخشوع يبعد الرزايا. اجلّ القرابين رقة القلب. والسجود الخفي بين يدي الرب. الصلاة ترضي الرب. والتواضع يخلص من سقطة العجب. ومن استهوته ردايا الأفكار. فليدمن الصلاة. ودلّ على ان بها الحياة” الى ان قال: ” وقال يعقوب قوة الصلاة التي يصليها التقي عظيمة. وكل من سأل الله بإيمان صحيح لا ينقسم يعطى طلبته. والمضطرب الايمان لا ينال من الله خيراً. والصلاة مناجاة الله تقدس اسمه. ويجب ان تكون خالصة زكية. تصدر عن طوية نقية. ولا يمازجها رياءٌ ولا نفاق. ولا يشوبها كدر ولا انشقاق. وان يساوي اظهار المؤمن ذلَّه. ويوازي قول المصلي فعله. ويعادل قلبه لسانه. ويشاكل ظاهره باطنه. فان الله جل ثناؤه لا يخفى عليه لفظة. ولا لحظة. ولا سرّ. ولا فكر. ولا عزم. ولا وهم. وتكون صلاته في مناجاة إلهه سليمة من كل ريب وكريهة. ويتوجه الى الله صحيح الايمان. حسن اليقين ثابت الجنان. لا يميل به نظر. ولا يعدل به فكر. ولا يلحقه ملل. ولا يطرقه كسل. ويكون في طلباته واثقاً. ولإدراك مراد التقي محققاً. فان الله عليم قدير قريب. وجواد رحيم مستجيب. والمصلي لله بإخلاص. الطالب عنده حظوة الاختصاص. لا يسأل شهوات العالم الفاني. ولذات النفس واعراض الزمان. ولا يطلب من الله الحياة ليتمتع بالأهل والحال. ويستكثر من الأولاد ويستوفر من المال. وان يتمكن من اتحاد الأصدقاء. ومصاحبة الاولياء والافضال عليهم. ويقدر على قهر الأعداء. ومقاومة الأضداد والإساءة اليهم. ولا يلتمس صحة الجسد ليتقلب في ملاذ الأكل والشرب. والبناء والاقتناء والبغضة والحب. ولا يرغب في تمليكه الذهب والفضة ليحوي ويجمع. ولا تقويته بالعبيد والخوَل ليضر وينفع. ويباهي ويكاثر. ويضاهي ويفاخر. بل يصلي ويتضرع الى الله في إعانته وارشاده. وإحماده عاقبة سعيه ونفعه بثمرة اجتهاده. وان يعصمه بالتوبة. ويقيه العثرات. ويفيض له القربة. ويكفيه وساوس الخطرات. وان يعطيه من القوت الكفاف. ويحييه في صونٍ وعفاف. ويصرف عنه السوء ولا يدخله الامتحان. ويخوله قوة على دفع الشهوات ومغالبة الشيطان. ويرزقه الصبر على البلوى. والشكر على النعمى. والاعتراف لله بالعز والجبروت. والحمد والقوة والمجد والملكوت. ويسأل الله بالإحسان الى سائر البشر. ويوفقهم لعمل الخير وابعاد الشر. ويجعل السلامة في اقطار الأرض كلها. برها وبحرها. وسهلها وجبالها. وان يصلح الملوك والمسلطين. والحكام المتبوعين والرؤساء المتسلطين. وان يعمر بهم وعلى يدهم البلاد. ويثبت الالفة والمحبة في قلوب العباد. وان يرخص الأسعار. ويزكي النبات والاثمار. ويبارك في الزرع والضرع. وكل عائد بصلاح ونفع. ويشرك في طلباته الحسنى. واستصرافه الأذى عن جميع المخلوقين. ويدعو لكل المضطربين والغرباء والمكروبين. والفقراء والمهوقين بالإغاثة والمعونة. والغنى والسلامة والاوبة. والتوفيق للشكر والصبر والطاعة والزلفى والمثوبة. ويبتهل الى الله ان يغفر له ولسائر الخاطئين. ويعينه وكل المستجيرين الطالبين. وان يعضد الشيوخ. ويؤيد الكهول. ويعصم الشباب. ويجبر الصبيان. ويغذي الأطفال. ويستر الأرامل. وينمي الايتام. ويسلي الاحزان. فان هذه الصلاة اذا صدرت عن ايمان ويقين وطوية صافية. اوجبت اشتمال الخير والدعة والاستقامة والنعمة والعافية”.
ترتيب الصلاة…
للشماس عبد الله بن الفضل الانطاكي
“… وترتيب الصلاة في سائر الأوقات ثلاثة اقسام، أولها الايمان بالله رب السموات والأرض، مالك الأمر والإتمام، والنقض والابرام، المتفرد بالأبدية والسلطان والعظمة، المتعطف في اقضيته بالإحسان والرحمة، تقدست اسماؤه الحسنى، والتسليم لأمره في الآخرة والأولى، واوسطها الرغبة الى الله جل وعلا في الانعام لحميد المطالب، والاسعاف بنيل المآرب، وصالحات المواهب، والهام الرضى والقناعة بما اعطى، والتوفيق والشكر فيما أولى وابتلى، والعصمة من الهوى ووسواس الخطرات، ومقفرة الذنوب وإقالة العثرات، وصرف الشر والاسواء وبلايا الامتحان، والعون على التقوى والحلم والإحسان، وآخرها الإقرار لله مالك المشيئة والحكم بالبقاء والجبروت، والحمد والقوة والمجد ودوام الملكوت.
وقد رتبت للمؤمنين صلوات معلومة في ساعات من النهار والليل مقسومة ، لضعف المشغول بالدنيا عن مداومتها، وكثرة العوائق المانعة من مواصلتها، وليجد الممنوع من جميعها فسحة في الاخلال ببعضها اذا حجزته العلل عن أداء فروضها، وان كان الله غنياً عن صلوات العباد، فانه الزمهم إياها على سبيل الاستعباد، وتدبيراً لهم، ورأفة بهم، وتحنناً عليهم ليستوجبوا بالإذعان والشكر الزيادة في الاحسان اليهم، ويعلموا انهم مخلوقون، فيتوفروا على طاعة خالقهم، ويتحققوا انهم مرزوقون، فيثابروا على خدمة رازقهم، ويصدوا عن وساوس الشيطان، ويبعدوا من هواجس الطغيان، ويطلبوا ملكوت الله بالعلم والعمل، فيخطئ من عمل، ويخيب من اهمل…
وبعد ان يستشهد لكلامه من اقوال داود النبي والملك، ومن كلام الرسل يقول، وبالليل يصفو الفكر وتستقر الروية ويهدأ الذهن، ويستريح البدن، فمن بذل راحته لأجل الله واخلص القول الرضي وأدمنه، عادل الروحانيين في مرضاة الله باليقظة والنشاط وقصد الاقتراب، واستحق بسهر الليل رتبة العلى وحياة الزلفى ومضافة الثواب.
قرر الرسل الأصفياء في كل يوم وليلة سبع صلوات بالهام الروح القدس وايثار طاعة الله على سنّة شيت بن آدم معين البركات، ورسم داود بن يسى معدن الخيرات، وجعلوا اوقاتها الغروب وعند النوم وانتصاف الليل والساعات واوجبوها على من تحلى بالكهنوت، واحبوها لمن رغب في عالم الملكوت، وفسحوا لمن قصر عن القيام في احايينها، ان يصلي الليل والفجر والهاجرة والمغيب في اوانها، وأشاروا على من يمكنه القيام بموجبها ان يصلي جميعها في ساعات وجوبها فيرضي ربه ويمتثل أمره، ويقضي أربه، ويحصل أجره.”

ثانياً كتاب المنفعة
كتاب “المنفعة” هو مؤلف مطول يقع في خمسة وسبعين باباً. وجميعها تدور في المسيحية في الخالق له المجد واسمه وجوهره ووحدة طبيعته وتثليث اقانيمه، ثم أبحاث مطولة في المنطق واللاهوت والفلسفة والجدل والفقه والنفس والحواس واللغة والفلك والعلوم الطبيعية وغيره، وكلها تدل على تضلع الشماس عبد الله بن الفضل الانطاكي المطران في اللاهوت والعقيدة المسيحية وقد اخترنا هنا في تدوينتنا عن هذا العلم المسيحي الرائد واساساً في التعريب هذا الفصل في ( الحدود).
في “الحدود”
” ان قيل ما الحفظ، فقل، هو انطباع صور المحسوسات والمعقولات في النفس الناطقة، وان قيل ما الذكر، فقل، هو تصور ما انطبع في النفس الناطقة من المعاني المحسوسة والمعقولة، وان قيل ما الذهن، فقل، سرعة الحفظ وبدار الفكر، وان قيل ما الفكر، فقل، هو تمييز حقائق الأشياء بعضها من بعض، وان قيل ما الذكاء، فقل، هو المبادرة الى تلخيص حقائق الاشياء بالفكر، وان قيل ما الرأي، فقل، هو نهاية الفكر، وان قيل ما الوهم، فقل، هو محل التصور العقلي، وان قيل ما التصور العقلي، فقل، هو اتباع الصور الحقيقية لأشياء مفردة من هيولاها، وان قيل، ما الفهم، فقل، هو حصول المعاني في الفكر على ما الخبر به عنها يعني بغير توسط خبير، ان قيل ما العلم فقل، هو حصول حقائق المعاني المحسوسة والمعقولة في الفكر اولاً وبتوسط البرهان، ان قيل، ما اليقين، فقل، هو سكون النفس الناطقة على ما يحصل لها بالعلم، وهذه القوى ذاتية للنفس الناطقة، والذاتي هو الذي اذا عدم الشيء لم يكن ذلك الشيء بعينه كالحلاوة في العسل اذا فارقته لم يكن عسلاً والقوى العرضية التخيل وهو انطباع صور المحسوسات في قوة الحفظ مجرداً من المادة اما على وجه الحقيقة واما على نقيضه، والتوهم هو تخيل ما على انه حقيقي وان لم يكن كذلك، والشك هو تجاذب الرأيين، والظن هو نهاية الشك، والروح هو جسم لطيف في بدن الانسان ينبت من القلب في الشريانات بذاته فيفعل الحياة والنفس، وينبت من الدماغ في الاعصاب فيفعل الحس والحركة، والهيولى انما هي قوة موضوعة تحمل الصور المنفعلة، والابداع هو اظهار الشيء من العدم الى الوجود، والقياس، هو مقايسة النظير بالنظير فيما هو له نظير، وقال افلاطون ، القياس هو توصيل الفروع بالأصل الذي متى طويت تلك الفروع وجدتها في ذلك الأصل. والبرهان هو قضيتان تنتجان قضية ثالثة، والصدق هو الاخبار على ما هو عليه، والمعرفة، هو رأي غير زائل. والوفاء هو قوة من قوى النفس تقابل بها فعل من احسن اليها. والتمام هو الذي ليست فوقه حال فاضلة ينتقل اليها والنقصان ضده، والتركيب هو جمع أشياء او نظمها او خلطها، والحركة هي تبدل الحال من مرتبة الى غيرها. والاقدام هو افراط القوة الغضبية.والحرد هو ثوران الدم المحيط بالقلب طلباً للانتقام. وسوء الحذق هو قلق النفس من تزيد الطبيعة عليها. والسرور هو اغتباط النفس بحال وقد صارت اليها. والحزن هو الم نفساني لا يعرض لواحد من الحيوان الا الناطق. والوصف هو الأثر الواقع في المتأثر. والحزم هو العمل بما تؤمن عواقبه. والهوى هو شيء يقع عند العمل بغير تمييز ولا تخييل. والفهم هو ترك استعمال النفس للحواس. والبحران هو الحاكم على الطبيعة وهو الدليل. والريح هو سيران الهواء واضطرابه. والعدد هو جماعة الوحدانيات. والحمى هي حرارة خارجة عن الطبيعة تنبت من القلب جارية في الشريانات الى سائر البدن تنعم بأفعال الطبيعة. والصحة هي حالة للبدن تبقى بها الأفعال جارية المجرى الطبيعي. والحاسة هي قوة من قوى النفس.
والضرب هو تضعيف احد العددين بقدر ما في الآخر من الأحاد. والقسمة هي قسمة احد العددين بقدر مافي الآخر من الاحاد. والمكان هي النهاية الظاهرة المحيطة بالجسم. والضحك هو غليان دم القلب. وان قيل ما الفرق بين المادة والموضوع فقل، ان المادة تقبل صوراً مختلفة والموضوع لا يقبل الا صورة واحدة كالفلك…وان قيل ما العقل، فقل، هو جوهر بسيط من شأنه تصور ذات كل صورة غير هيولانية، وتصور كل صورة هيولانية ، بتجريدها من هيولاها وتخليصها من الاعراض الموجودة معها، وتركيب صورة لايوجد بعضها مركباً مع بعض، فأما ان العقل جوهر فيتبين من قبل قبوله للصور كلها. ومن الصور صور هي جوهر، ومن البين ان الأغراض لايمكن ان تكون موضوعاً قابلاً. للجواهر، بل الأمر بالضد لأن الجواهر هي الموضوع القابل للاعراض.
واما انه بسيط فلأنه لو كان مركباً من موضوع وصورة تخصه لما امكن ان يتصور صورة مقابلة لها. ولا ان يكون من شأنه ان يتصور ذات كل صورة غير هيولانية. وكل صورة هيولانية من هيولاها. وتخليصها من الاعراض الموجودة معها، واما ان من شأنه ان يركب صوراً لا يمكن ان يوجد بعضها مركباً مع بعض فمثل ان يعقل انساناً طائراً او ان يعقل (عنز ايل)، ومعناه حيوان مركب من عنز وايل، وهذه صورة لا يمكن ان توجد مركبة من هذين الحيوانين.
ثالثاً من كتاب بستان الرهبان
عربه الشماس عبد الله بن الفضل الانطاكي
ان مؤلف هذا البستان هو بلا خلاف القديس صفرونيوس بطريرك اورشليم الدمشقي المولد في سنة ٥٥٨مسيحية، ثم سافر بعد ان تلقى علومه اللاهوتية والفلسفية الى فلسطين ورأى هناك نساكها ورهبانها فأحب معيشة الرهبان والاعتزال عن العالم، فاتخذ له مهذبا ومرشدا للرهبنة يوحنا موسكوس احد الرهبان العلماء ورافقه في براري الأردن ومغاور مصر، ولاسيما في تيباس (طيبة) وبلاد اليونان والقسطنطينية، والفا بالاشتراك كتاب البستان هذا وفيه وصف للحياة الرهبانية واماكنها وقصص رهبانها وفضلائها الى غيرذلك من معايشتهما للرهبان وخبراتهما الرهبانية الشخصية، وعادا الى الإسكندرية فخدم بطريركها القديس يوحنا الرحوم وكانا يعظان في كنيستها، ولما غزا الفرس مصر هربا بحراً الى رومية مع بعض رهبان مصر، وبعد سنتين من وصولهما مات يوحنا موسكوس مهذبه فحزن صفرونيوس لفقد معلمه هذا وعاد بجثمانه مع الرهبان رفاقه الى فلسطين، وهناك تنسك ، وفي عام ٦٣٣ نصب بطريركاً لأورشليم واشتهر بغيرته وفضله، ومن المعلوم انه لما اقتحم المسلمون سورية واستولى عمر بن الخطاب على فلسطين السنة ٦٣٧مسيحية ودخل اورشليم استقبله صفرونيوس مع جمهور الكهنة وسلمه مفاتيح اورشليم سر به الخليفة واعطاه العهدة العمرية بتقدم طائفته على جميع الأمم المسيحية الموجودة اذ ذاك في اورشليم.
اما كتاب “بستان الرهبان” موضوعنا فقد غربه علمنا الشماس عبد الله بن الفضل الانطاكي، وهو كتاب نفيس فيه من كل فاكهة زوجان، ومن أقواله الحكيمة، ونصائحه التعبدية قوله للرهبان، سأل احدهم الانبا بيمن، أي شيء هي حياة الراهب، فقال، فم صادق، وجسد قديس، وقلب نقي…
وقال الانبا دانيال، مادام الجسد ينمو فالنفس تضعف وكلما ضعف الجسد نمت النفس.
وقال الانبا يوحنا، ان الاتضاع ومخافة الله اجل كل الفضائل…
وسأل الانبا نستير صديق القديس انطونيوس احدهم، ماذا اعمل ؟ فقال، امض واجعل بطنك صغيراً وعمل يديك كثيراً ولا تضطرب في قلايتك.
الى غير ذلك من الحكم فلذلك ذاع هذا الكتاب بين الرهبان واتخذوه دستوراً لحياتهم.
