مطبعة رومانيا الارثوذكسية العربية الانطاكية
تمهيد في الطباعة
ما ان انتشرت الطباعة في اوربة على أثر اختراع يوحنا غوتنبرغ السنة ١٤٦٨م لمطبعته الأولى في التاريخ، حتى تأسست المطابع العربية، ومن اقدم المطابع الأرثوذكسية غير العربية كانت مطبعة موسكو في روسيا، التي طُبعت بها الرسائل سنة ١٥٦٤م، وذلك بعد ان طبع غوتنبرغ توراته بمائة وتسع سنين. وفي سنة ١٦٦٣ م طبع الملك اكسيوس بن ميخائيل والد بطرس الأكبر الشهير ملك روسيا اول توراة كاملة في موسكو باللغة الروسية بعناية البطريرك الروسي نيكون. ومن مطابع اوربة الشهيرة الارثوذكسية مطابع رومانية باللغة الرومانية، وبعض اللغات الأخرى، وفيها أُنشئتْ اول مطبعة عربية للبطريركية الأنطاكية.
رومانيا لمحة موجزة
تقع في الجنوب الشرقي من اوربة على تخوم المجر وبلغاريا وصربيا والبحر الأسود وكانت تُعرفْ قبلاً باسم الفلاخ او مولدافيا والبغدان (١) رومانيا (بالرومانية: România) عاصمتها بوخارست، ويمر نهر الدانوب في جنوب البلاد، وتعد رومانيا من دول البلقان حيث تقع في شماله.
عرفت رومانيا قديماً باسم “داتشيا” القديمة وهي الدولة التي قام الجيت – أحد شعوب المنطقة الواقعة شمال اليونان – بتأسيسها خلال القرن الثاني قبل الميلاد، وأصبحت داتشيا إقليم روماني تحت حكم الإمبراطور تراجان، شهدت المنطقة العديد من الغزوات المتتالية من قبل كل من الغوث، الهونس البلغار والمغول وغيرهم.
خضعت عدد من المقاطعات الرومانية لهيمنة الدولة العثمانية، ففي عام 1420م بسط العثمانيون نفوذهم على ما كان يعرف (بلاد الرومان) وفي عام 1538 أصبحت مقاطعة مولدافيا خاضعة أيضاً لنفوذ العثمانيين الذين بسطوا سيطرتهم عام 1541م على ترانسيلفانيا, حيث شهدت تلك الحقبة صراعاً مسلحاً للتخلص من الهيمنة العثمانية تولاه عدد من القادة الرومان من أشهرهم “شتيفان تشل ماري”.
اتخذت هذا الاسم عام 1862م بعد إنشاء الدولة القومية باتحاد كل من مولدوفا وما كان يسمى آنذاك (بلاد الرومان) في عام 1859م واستقلت عن الامبراطورية العثمانية عام 1881م وأصبحت جمهورية في 30 ايلول 1947م. وفي ايلول 1989 سقط النظام الشيوعي في رومانيا.
وهي التاسعة من حيث المساحة (238,391 كم مربع)، والسابعة من حيث عدد السكان (20,121 مليون نسمة) بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي. عاصمة البلاد هي بوخارست وهي أكبر مدن رومانيا، وتحتل المرتبة السادسة من حيث عدد السكان (2 مليون نسمة) بين مدن الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2007 تم اختيار مدينة سيبيو الرومانية عاصمة الثقافة الأوروبية.

اللغة والثقافة الرومانية
اللغة الرسمية هي اللغة الرومانية، التي هي من العائلة اللاتينية ضمن اللغات الهندوأوروبية. هناك حوالي 26 مليون شخص في العالم يتكلمون الرومانية، معظمهم يعيش في رومانيا ومولدافيا والأقليات العرقية الأخرى خاصة الألمان والمجر يتكلمون لغتهم الأصلية. حوالي 5 مليون روماني يتكلمون اللغة الإنجليزية، 4-5 مليون يتكلمون الفرنسية و 32,000 يتكلمون اللغة التركية الأغلبية في مدينة كونستانتسا و 45,000 من المتكلمين باللغة الألمانية.
الديانة
رومانيا اليوم دولة علمانية، وبذلك لا يوجد دين للدولة، المكانة الاولى التي عادت اليها بعد سقوط الشيوعية، هي البطريركية الأرثوذكسية الرومانية، اتباعها يشكلون 86،7٪ من السكان وفقا لتعداد عام 2011 حيث بلغ تعداد السكان 20,121. مليون نسمة, وباقي الطوائف المسيحية الكاثوليكية الرومانية تشمل (4.7 ٪)، البروتستانتية (3.7 ٪)، الخمسينية (1.5 ٪) الرومانية اليونانية (0.9 ٪).
يعيش في رومانيا أقلية مسلمة تتركز في دبروجة، ومعظمهم من الأتراك والتتار اضافة الى العرب والمسلمين الاخرين الوافدين ويبلغ عددهم حوالي 67,500 نسمة.
بطريركية رومانيا الارثوذكسية
تستمد الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية مسيحيتها رسميًّا من القدّيس أندراوس الرسول الذي بشر المنطقة الممتدة بين نهر الدانوب والبحر الأسود
وقد عرفت المنطقة – Dacia – أناسًا اعتنقت المسيحية قدموا إليها أبان وقوعها تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية بعد السيطرة عليها من قبل الإمبراطور تراجان عام ١٠٦م. وكانوا من الجنود المتقاعدين وعبيد وتجّار.
كذلك عرفت منطقة شمال الدانوب في القرن الثالث معتقلين مسيحيين آسيويين ومشرقيين تم نفيهم إليها من أساقفة وكهنة وشمامسة…
ولمعت في المنطقة أبان الإضطهاد الكبير ضد المسيحيين أسماء شهداء مسيحيين مثل القدّيس نيقيطا (٣٧٢م) Saint Nicetas the Goth (died 372) وقدّيسون آخرون عدا عن استشهاد الكثير من الكهنة والمؤمنين.
تتكلّم المصادر التاريخية عن وجود هيكلية كنسية كانت موجودة في ما يعرف برومانيا اليوم. تعود هذه الهيكلية إلى القرن الرابع مسيحي.
وقد أثبتت المصادر التاريخية أنه منذ بداية القرن ٤ م ومع صدور مرسوم ميلان للامبراطور قسطنطين الكبير في عام ٣١٣م الذي فيه رفع الاضطهادات المريعة بحق المسيحيين، وان من حقهم اعتناق المسيحية، تم ذكر حوالي ال١٥ أسقفية في مختلف المدن على الضفة اليمنى لنهر الدانوب، وعن مشاركة أساقفة المنطقة في أعمال مجامع مسكونية ومحليّة.
في القرن ٦م، أصبحت منطقة سيثيا الصغرى مقرًّا رئيساً وتبعت لها ١٤ أبرشية، وكانت جميعها مرتبطة بالقسطنطينيّة – روما الجديدة من ناحية اللغة والإيمان كما جاء في المجمع المسكوني الرابع – مجمع خلقيدونية- عام في العام ٤٥١م
يعتبر القدّيس يوحنا كاسيان (٣٤٥-٣٦٠م) من أشهر القديسين الرومان في تلك البلاد، إشتهر بحياته النسكيّة وكتاباته عن الرهبنة وتنظيمها وقد اطلق حياة الرهبنة في الغرب، عرف بلاد مصر وفلسطين، وأسس ديرين في مارسيليا واحد للرجال وأخر للنساء ورعاهم روحيًّا، كما كان تلميذًا للقدّيس يوحنا الذهبي الفم الذي رسمه شماسًا أبان وجوده في القسطنطينية، وكان من المدافعين الكبار عنه عندما تعرّض للنفي.
وقد يكون من أجمل ما يشهد على الوجود المسيحي في هذه البقعة اكتشاف ما يقارب ال ٣٥ كنيسة كبيرة ( بازيليك) ما بين نهر الدانوب والبحر الأسود والتي يعود تاريخها إلى القرنين الرابع والسادس المسيحيين، بالإضافة إلى النقوش المسيحية المنتشرة والتي توثق لهذا الوجود النشط.
وفي الحقبات المتتالية، وبالرغم من عوامل كثيرة مختلفة، سياسية ودينية، استمرّت الحياة المسيحية الأرثوذكسية في هذه المنطقة ولو بشكل متفاوت، وقد برز مدافعون قدّيسون عن إيمانهم وكان لهم الفضل الكبير، إلى جانب تمسّك الشعب بإيمانه، من الحفاظ على اﻷرثوذكسية.
وقد عرفت المنطقة على مر التاريخ، تدمير وحرق لأديار وكنائس كثيرة، عدا عن إضطهاد شنيع، وفي سنة ١٨٤٨ حدثت ثورة عظيمة من الرومانيين والمجريين ثم ضمت الولايتان الى امارة واحدة على اثر انتهاء حرب القرم فساعدتها الدول على ذلك وصارت حكومة شبه مستقلة تسمى حكومة الامارات المتحدة يدير شؤونها امير واحد ومجلس نواب تحت حماية جميع الدول وتأيَّدَ ذلك باتفاق وُقِّعَ في ١٩ آب سنة ١٨٥٨، وفي السنة التالية عرفت الحكومة العثمانية أميرها إسكندر يوحنا الأول من اسرة كوزا الذي أٌكْرِهَ على الاستقالة سنة ١٨٦٦ وخلفه البرنس شارل ثم غيره.وفي سنة ١٨٦١ اعلن اتحادهما باسم رومانية تحت التبعية العثمانية ثم تم الاستقلال عن الدولة العثمانية السنة ١٨٦٧م.
ومع إعلان استقلال رومانيا في عام ١٨٧٧م، بدأت الكنيسة الأرثوذكسية هناك تعرف الحكم الذاتي، وتكوّنت متروبوليات، إلى أن أصبحت بطريركية في 4 شباط ١٩٢٥م

حقبة الحكم الشيوعي
مع بداية الحكم الشيوعي في عام ١٩٥٠م، تم حذف الكنيسة الأرثوذكسية في رومانيا من الحياة العامة رسميًا…!
فمُنع التعليم الديني، وأوقفت الخدم الكنسية في المستشفيات، وأغلقت الأبرشيات والكنائس، ومعاهد اللاهوت، ودمّر وأحرق بعضها، وأوقف الكثير من رجال الدين وفرّغت الأديرةمن الرهبان، منهم من أرسل للعمل في المعامل ومنهم وضعوا في السجون وأرسلوا للعمل في الأشغال الشاقة في سيبيريا، حيث مات الكثير منهم هناك. ويضاف إلى كلّ هذا الحكم بالإعدام بحق كثيرين.
وفي فترة الستينات أصبح الحصول على إذن لأي عمل كنسي من سابع المستحيلات وتحت المراقبة الشديدة، وشكلت من قبل الدولة ما يسمّى (بشرطة المراقبة الدينية) التي كانت تحضر الإجتماعات الكنسية وتتواجد في مؤسساتها الباقية أو التي سمح بإعادة ترميمها، وكان وضع البطاركة المتعاقبين شديد الصعوبة، ومع ذلك فقد أعيد ترميم الكثير من الكنائس كأبنية تاريخية ومعالم فنية ودينية.
الكنيسة الرومانيةبعد سقوط الشيوعية
برزت تحدّيات جديدة في الكنيسة والمجتمع مع انهيار الدولة الشيوعية، و وبدأت، ولا تزال، تعمل الكنيسة الأرثوذكسيّة في رومانيا لترسيخ الإيمان المسيحي القويم في الجيل الناشىء والجديد واحداث معاهد لاهوتيّة. فهي باتت تملك تلفزيونًا وإذاعة وتصدر منشورات عدة…
الإحصاء في عام ١٩٩٢م أعطى الأرقام التالية: مقابل حوالي ٢٠ مليون مواطن ونيف ٨٦.٨% هم أرثوذكس، ٥% روم كاثوليك، ٣.٩% إصلاحيون، ١% متحدّون كاثوليك، ١% عنصرانيون، ٠.٥% معمدانيون، و٠.٥% مختلف، و٠.٢% ملحدون
في رومانيا ١٥٠٠٠ راهبًا ورراهبة ونسبة الراهبات أعلى من الرهبان.
رومانيا عاصمتها بوخارست وهي أكبر المدن وتضم حوالي ٨٠% من السكّان
وبالعودة الى منتصف العقد الثاني من القرن العشرين فكانت كنيسة رومانيا من الكنائس الارثوذكسية المستقلة في ادارتها الداخلية بواسطة المجمع المقدس المؤسس سنة ١٨٧٣ بعد انفصالها عن البطريركية المسكونية، فالمجمع الروماني المقدس كان يجتمع مرتين في السنة في أيار وتشرين الثاني في عاصمتهما بخارست برئاسة رئيس الأساقفة وكان فيها ثمانية كراسي اسقفية ونحو عشرة آلاف كاهن. ومن الكاثوليك كان فيها اسقفان في بخارست وياسي وكهنة ورهبان وراهبات، وفيها يهود عددهم مقبول وكلهم من الأغنياء.
وكان فيها مطبعة في بخارست ومكتبة عامة ومطابع ومكتبات أخرى وجرائد ومجلات واشهرها مجلة ( الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية) أنشئت في تشرين الأول سنة ١٨٧٤ م وغيرها.
وكانت فيها قديماً اديار واوقاف البطاركة أربعة يديرها رهبان يونانيون وكان لأنطاكية اديار وافرة الريع لاسباب لا محل لتفصيلها الآن استولت حكومة رومانية عليها فطردت اولاً وكيل اوقاف اورشليم سنة ١٨٦٤ ثم باقي وكلاء الكراسي الثلاثة وآخر رئيس لأديار واوقاف انطاكية فيها كان الأرشمندريت ايروثاوس ابن اخت بطريرك انطاكية ايروثاوس فطرد مثل غيره بعد ذلك بقليل وصار رئيس دير البلمند الى ان توفي سنة ١٨٨٦م فانقطع دخل هذه الأوقاف عن انطاكية وغيرها منذ ذلك العهد.
وبقيت تلك البلاد مدة طويلة ملجأ للارثوذكسية وملاذاً لبطاركتها واساقفتها وكهنتها ورهبانها يستدرون من سكانها الحسنات وملكها الحالي كيرلس الأول واسقفها ورئيس مجمعها المقدس اثناسيوس وعلاقتها مع بطريركية انطاكية وثيقة العرى…

العلاقات التاريخية بين الكرسي الانطاكي ورومانية
كان الوصول الأول الموثِّقْ للسوريين الى الأراضي الرومانية في العام ١٠٦ مسيحية، اذ شارك المحاربون السوريون، وخاصة من تدمر في جيش القائد الروماني تراجان الامبراطور في الحربين اللتين شنهما على الرومانيين في داشيا السنة ١٠٢م ولكنه وقتها لم يستطع عبور نهر الدانوب للوصول الى داشيا، وفي عام ١٠٦م عبر نهر الدانوب وغزا داشيا(٢)
كان هؤلاء المحاربون السوريون مغلوبين على امرهم، كون بلادهم في ذلك الوقت، وبالتحديد تدمر، كانت خاضعة للاحتلال الروماني، ومن الطبيعي ان يُسّخِّرْ المحتل من هم تحت سلطته لتحقيق طموحاته بالإضافة الى ذلك، فإن الشخص الذي بنى اول جسر واطوله فوق نهر الدانوب السفلي (جسرتراجان) الذي عبر عليه جيش تراجان النهر للوصول الى داشيا هو المهندس المعمار السوري ابولودور الدمشقي، المولود في دمشق، والذي عاش فيها حتى شبابه، ثم انتقل الى روما وهناك ترك اوابد معمارية خلدت ذكره ومنها جسر تراجان، وقد شكّل هذا الجسر شرياناً مهماً ربط داشيا بالعالم الخارجي لمدة ١٦٥ عاماً تالية لعام إنشائه.
بعد ذلك بدأ التجار السوريون رحلاتهم الى داشيا وترانسلفانيا وكانوا يحملون معهم تماثيل برونزية تمثل الألهة التي يعبدونها، التي هي تماثيل مصغرة عن تمثال معبد جوبيتر في تدمر، تأثر الرومانيون بهذه الآلهة والطقوس، وقاموا ببناء معبد جوبيتر ضخم مشابه لتماثيل التجار البرونزية، مما ساعد على انتشار عبادة بعض الآلهة في داشيا التي كانوا يعبدونها في تدمر مثل جوبيتر دولشينوس. يعتقد العديد من المؤرخين ان هؤلاء الأشخاص من سورية ساهموا في نشر فكرة الايمان ومن ثم التحضير لاحقاً لانتشار المسيحية في داشيا.
وفقاً للأكاديمي الروماني الشهير فيرجيل كاندا، فإن الرومانيين الذين عاشوا شمال نهر الدانوب عرفوا المسيحية مبكراً. وعرفوا طقوسهم من خلال المبشرين القادمين اليهم من سورية ومقدونيا مما ساهم في انتشار المسيحية بسرعة، خاصة بعد براءة ميلانو التي اطلقها قسطنطين الكبير بحرية المسيحيين في دينهم ووقف الاضطهادات بحقهم…
كان رهبان فلسطين هم اول من قصد اوربة بهدف جمع التبرعات الخيرية، وتيسيراً لحجاج القدس والمقدسات، بنى الاوربيون لهم المستشفيات والاديرة والخانات على طول الطريق لايوائهم. وفي عهد الخلفاء العباسيين (٧٥٠ – ١٢٥٨م) اعتاد الحجاج القادمون من المقاطعات الرومانية زيارة الأماكن المقدسة والأديرة والمزارات في فلسطين مثل جبل صهيون وجبل الزيتون والقيامة وبيت لحم وجبل ثابور ويتبركون بنهر الاردن وسورية، وكانت اهم الأماكن المقدسة التي يجب عليهم زيارتها والحج اليها في سورية هي دير سيدة صيدنايا… وكانوا دائماً يحملون في رحلات الحج المسيحي سعف النخيل، لذلك اطلق عليهم لقب “النخليين”. وكانوا يعاملون بلطف في سورية، واستمروا طويلاً في التمتع بالحرية والسلام في هذه الرحلات حتى في عهد الأتراك السلاجقة في العصر العباسي عام ١٠٧٦م، إذ حدثت حالات اعتداءات كثيرة على الحجاج القادمين من اوربة الشرقية ومن الغرب خلال فترة السلاجقة، واضطرب حبل الامن فسبب ذلك حروب الفرنجة، وقد زادت هذه الهجمات ايضاً في القرنين الثاني عشر والثالث عشر.
ولما اشتهرت روسيا بملوكها المسيحيين ومعهم شعبها الغيور على ايمانهم المسيحي الأرثوذكسي صار الرهبان يقصدونها كما يقصدون بلاد الكرج (جيورجيا) واوربة الشرقية الارثوذكسية لجمع الاحسان، وربما كان اول بطريرك انطاكي زار المقاطعات الرومانية كان البطريرك يواكيم بن ضو عام ١٥٨٤م في طريقه الى روسيا(٤) ورافقه في سفره المطران عيسى وذلك سنة ١٥٨٤ ثم جرت العادة لبعض البطاركة ان يسيروا على خطته بالسفر الى رومانيا وروسيا او ارسال احد من قبلهم.، بهدف تعزيز العلاقات بين كرسي انطاكية والكنائس الرومانية الارثوذكسية في مقاطعات رومانيا، وجمع التبرعات الخيرية للكرسي الانطاكي…
وفي منتصف القرن السابع عشر طاف فيها البطريرك مكاريوس بن الزعيم وولده رئيس الشمامسة بولس، الذي افاض بالعربية في كتاب رحلة والده بوصفها وذكر كنائسها واديارها وسكانها، ومما ذكره “انه قرأ الانجيل المقدس بالرومية فتعجب الرومانيون منه، ولم يسبقه احد قبله الى وصف تلك البلاد الا المطران عيسى المذكور الذي ترك قصيدة كان بولس ابن الزعيم يحفظها ويرددها.(٥)
وقد شهد الارشيدياكون بولس مع والده موت اميرها متى ويسميه (بيك الفلاخ) سنة ١٦٥٠ يوم احد النسوة، بعد ان تولى الحكم ثلاثاً وعشرين سنة، وانتخب خلفه قسطنطين افنديكوبولو (أي من نسل الافندية البكوات) وهو ابن شرابان الذي كان سابقاً امير (فويفوضا) الفلاخ. وكانت بخارست عاصمة البغدان الصيفية وطرغشتا عاصمتها الشتوية، ووصف حرب باسيلي ملكها وذكر انه خرج مع والده من البغدان الى الفلاخ يوم الاثنين في ٢٣ تشرين الثاني سنة ١٦٥٤م وقال ان اسقف الفلاخ تحت يده اسقفان اسقف بوتزا واسقف رمنيكو الكبرى وفيها اربعمائة دير حجر عظيمة. وان في بلاد البغدان اسقفاً تحت يده ثلاثة أساقفة اسقف رومانوس واسقف بلاد الهوش واسقف اورهاني وبلادها وتحت يده اسقفان آخران في بلاد الأنكروس (المجر) وتحت يدهما ثمانية كهنة وفيها دير لطور سيناء ودير غلطه لأورشليم ودير مار سابا الأنطاكية (٦)”

ولوالده البطريرك مكاريوس “مختصر تواريخ الفلاخ وامرائها من سنة ١٢٩٢م الى عهده”.
وكان قبل ابن الزعيم وولده قد قصد رومانيا من قبل الرهبنة الارثوذكسية الخوري سابا بن الاعرج (٧) وقد اجتمعا به في بلاد الفلاخ ورافقهما في بعض رحلتهما.
وكان البطريرك افتيموس الصاقزي خلف البطريرك افتيموس كرمه ان ارسل من قبله الى رومانيا موفدا مطران عكار ارميا الحلبي وتوفي هناك في مدينة بوتفليا على حدود روسيا، ودفن في دير الغطاس وقد زار قبره ابن الزعيم كما في رحلته بقلم ولده الارشيدياكون بولس وهكذا كانت العلاقات الانطاكية الرومانية وكانت رومانيا تساعد الكرسي الانطاكي في ازماته المالية.
مطبعتا بخارست وياسي
ومن المطابع العربية المشهورة في اوربه مطبعتا رومانيا، وكان وجودهما بفضل البطريرك انطاكي اثناسيوس ابن الدباس.
نبذة في البطريرك اثناسيوس ابن الدباس (نقلا عن سيرته في موقعنا)
السيرة الذاتية
هو بولس ابن الخوري فضل الله بن بولس دباس الدمشقي الأصل. ولد في عام 1647 في حارة بولاد في باب توما بدمشق من والدين ارثوذكسيين، نشأ البطريرك وترعرع في مدينة دمشق، وفي عائلة أغلى ما لديها إيمان راسخ بالله، احترام وحب للكنيسة الارثوذكسية الأنطاكية وفي مدينة القديس بولس منطلق المسيحية الى العالم، وكان والده الخوري فضل الله من عداد الكهنة الدمشقيين المتميزين وقتها في المعرفة اللاهوتية والعلوم الزمنية، وكان حاضراً مع بقية الكهنة في الاحتفال الذي أقيم لمناسبة ارتقاء مكاريوس بن الزعيم العرش البطريركي الأنطاكي في 12تشرين الثاني 1647. لذلك كانت الحياة الروحية تملأ قلب الطفل بولس من خلال والده الخوري وعائلته المؤمنة جدا والممارسة لايمانها الارثوذكسي في كنيسة مريم وكنيسة القديس نيقولاوس وكنيسة القديسين كبريانوس ويوستينا في الصرح البطريركي الدمشقي.
تلقى العلم على والده طفلاً وفي كتَّاب دار البطريركية في دمشق، فتميز بولس علمنا بحدة ذكائه منذ طفوليته وباجتهاده، وكانت إرسالية رهبنة الآباء اليسوعيين اللاتينية قد فتحت مدرسة للصغار بدمشق، فأدخله والده فيها وكانت هي اول مدرسة مسيحية نظامية في دمشق وتم الترخيص لها بمساعي سفيري فرنسا والنمسا، وكان الى جانب دراسته في مدرسة الآباء اليسوعيين يعمل في الخياطة كبقية اقرانه ليتعلم مهنة يكتسب منها ايرادا مالياً وبالذات هي مهنة العائلة. وكان جميل الصورة جداً
رهبنته
في النصف الثاني من القرن السابع عشر انتقل مع والده وبعض افراد اسرته من دمشق الى القدس. وهناك تعرف على الحياة الرهبانية عن كثب.
في القدس تعرف على الحياة الرهبانية عن كثب، ولم يلبث أن اعتنق الرهبنة ولبس الاسكيم الرهباني الكبير.
في دير القديس سابا للروم الارثوذكس التابع لبطريركية اورشليم والواقع جنوب شرق أورشليم على بعد ستة كيلومترات وهذا الدير يُعد معقلاً للارثوذكسية في فلسطين وسائر سورية الكبرى، وهو المركز الذي تفتقت فيه عبقرية المسيحيين العرب، عند ذلك دُعي بروكبيوس وقيل بائيسيوس. وشهد نبوغ القديس يوحنا الدمشقي.
اتقن اللغة اليونانية القديمة والحديثة مع اطلاع واسع على ثقافتها وهي لغة الاناجيل ولغة المجامع المسكونية ولغة آباء الكنيسة الشرقية، غدت لغة الأرثوذكس قاطبةً، بحيث أصبح بالامكان مقارنتها ايجابيا باللاتينية والعربية، وهما لغتا الثقافتين الكبيرتين في ذلك العصر.
كما اتقن اللغة اللاتينية بطريقة مميزة وتعلم نحَوها وصَرفها بعد ان كان قد درس مبادءها عند الآباء اليسوعيين في دمشق، وتعلم الايطالية عند الرهبان الفرنسيسكان في أورشليم، وعرف الرومانية والسريانية والعثمانية والعبرانية باجتهاده الشخصي، بالاضافة الى تمكنه من اللغة العربية وقد اكتسبها على والده الخوري فضل الله وفي كتَّاب البطريركية بدمشق، ومن ثم تثقفه الذاتي بالعربية وصار من اكبر متضلعي عصره بها، ودرس في الدير الدراسات العالية للعلوم اللاهوتية والدينية واليتورجية.
تخصص في الترجمة والتعريب كما كان خطيباً مفوها. ثم رُسمَ قساً. وبعد فترة من الزمن أصبح رئيساً للدير. وكان الدير بالنسبة له مركزاً دائماً ونقطة انطلاق في تجوله حول المدينة المقدسة. وصار علامة عصره
رسمه بطريرك اورشليم دوزيئس الثاني (1669-1707) اسقفاً سنة 1685 وارسله الى دمشق.)

بطريركيته
اختاره الشعب الدمشقي الارثوذكسي ومطارنة المجمع الانطاكي المقدس بطريركاً خلفاً للبطريرك نيوفيطوس الاول (1674-1684) واحتفل في تنصيبه يوم الاربعاء في 25 حزيران 1685 في كنيسة مريم (الكاتدرائية المريمية) في الشارع المستقيم وهي كاتدرائية البطريركية وتقع في حرمها. وتولى السدة البطريركية في 25 آب من عام 1685في دمشق.
وكان قد تم الاجماع في الوقت ذاته من فريق من الدمشقيين واعضاء من المجمع المقدس على اختيار كيرلس ابن بولس ابن مكاريوس بن الزعيم بطريركاً لأنطاكية تقديراً لجهاد جده البطريرك العظيم مكاريوس بن الزعيم لأجل الكرسي الانطاكي.
وقعت الازمة البطريركية واستعر الخلاف بين البطريركين واستمر النزاع بينهما حتى العام 1694 حين تصالحا بصيغة اتفاق بينهما على ان يتنازل البطريرك دباس عن الكرسي البطريركي في دمشق مقابل رئاسة ابرشية حلب وتوابعها وكانت ابرشية كبيرة لها اهميتها في الكرسي الانطاكي ورعيتها كبيرة، وان يوقع “أثناسيوس البطريرك الانطاكي سابقاً” وعندما يموت ايهما يتولى الآخر السدة البطريركية دون منازع.
وهذا ما تم اذ عند وفاة كيرلس بن الزعيم في العام 1720 عاد اثناسيوس الرابع ابن دباس بطريركا على انطاكية وسائر المشرق من دون منازع حتى وفاته عام 1724، وفي هذه الايام قويت مداخلة طغمة الرهبان اللاتينيين التي دخلت كرسينا الانطاكي في عصر البطاركة السابقين بدون تظاهر منها بما ظهر بعدئذ من المجافاة واجتذاب الناس الى آرائها.
وقد هب هذا الراعي الجليل البطريرك اثناسيوس دباس الى الدفاع عن رعيته ومعتقدها الارثوذكسي القويم والوقوف في وجه التبشير والتغلغل الكاثوليكي المنتظم المدعوم بالمال والاطباء وكبار اللاهوتيين والممول بشكل غير موصوف من اجل لتننة الشرق الارثوذكسي، فألف ونشر جملة كتب بالطبيع في بلاد رومانية كما سنرى وفي مدينة حلب بثقلها الثقافي والروحي الارثوذكسي وبالجبهة العريضة بمواجهة الرهبان الغربيين وابرزهم اليسوعيين جيش روما.
اثناسيوس كتب ونشر كتب الفروض، والانجيل الطاهر، وكتاب قضاء الحق لنكتاريوس، وكتاب في الخمير لأرجنتي الطبيب، وعندما شعر بدنو الأجل أشار على الشعب أن ينتخب خلفاً له شماساً كان عنده قبلا وهو إذ ذاك منقطع للعبادة في آثوس في الجبل المقدس اسمه سلبسترس يوناني الأصل من قبرص وهو ابن شقيقته فوتين، فخلف خاله البطريرك اثناسيوس الرابع علمنا على الكرسي الانطاكي.)
واثناء رئاسته على ابرشية حلب الانطاكية الارثوذكسية انتُخب من مجمع كنيسة قبرص رئيساً لأساقفة قبرص في العام 1705 بعد موت رئيس اساقفتها جرمانوس (1690-1705) وبقي محتفظا برئاسته على ابرشية حلب، وصار يتنقل بين حلب وقبرص، وبقي في هذا المنصب الى حين عودته بطريركاً انطاكياً مجدداً عام 1720 محولا من مقره في مطرانية حلب مركزاً بطريركياً لادارة الكرسي الانطاكي.
كان البطريرك اثناسيوس الرابع دباس الدمشقي رجل انفتاح وعلم وقداسة. جعل الكتاب المقدس والكتب اللاهوتية المختلفة خبزه اليومي استقى منها بشغف، فكَّونَ ثقافة لاهوتية مميزة، مما جعله قدوة للمؤمنين في ثباته على استقامة الرأي والعقيدة الارثوذكسية.
تكمن اهمية هذا العَلَمْ الارثوذكسي الانطاكي الكبير من جمعه لصفات كثيرة في شخص واحد، قداسة السيرة، اللاهوت، الاطلاع على علوم العصر، الجرأة في مواجهة البدع والانحرافات ودفاعه عن الارثوذكسية في مواجهة الغزو التبشيري الكاثوليكي، الموسيقى الرومية والتأليف الطقوسي، وتعريب وتأليف الكتب الدينية والعقائدية، واهتمامه بفن كتابة الايقونات الرومية، والحوار مع غير المسيحيين بجرأة قل نظيرها في زمن الانحطاط.

قصة المطبعتين
قام البطريرك اثناسيوس الى القسطنطينية على اثر الخلاف في الكرسي الانطاكي على البطريركية، ومنها سار الى رومانيا، وبعد ان استتب له فيها الامر ونفذت كلمته عند اميرها الأرثوذكسي الغيور قسطنطين برينكوفانو (٧) ذكر له افتقار الكرسي الانطاكي والاكليروس والرعايا الى الكتب الليتورجية والروحية الارثوذكسية المطبوعة، إضافة الى ندرة وجود المخطوطات فيها لقلة الرغبة اذ ذاك بصناعة الخط واتقانه فضلاً عما وقع من التحريف والتصحيف في الكتب الكنسية مما يفضي احياناً الى انقلاب المعنى والتواء القصد، ولا سيما غلاء المخطوطات حتى لقد يكون ذلك حجر عثرة في سبيل إتمام الشعائر الارثوذكسية وتطبيقها على الرعايا في الكرسي الانطاكي…وبعد المداولات المستفيضة بين البطريرك اثناسيوس والأمير قسطنطين، اظهر له غبطته رغبته في انشاء مطبعة عربية في مدينة بخارست (٨) تطبع ما يحتاجه الكرسي الانطاكي من مطبوعات طقسية وليتورجية بالعربية واليونانية، فوجد عند الأمير تجاوباً الى تنفيذ هذا المشروع الجليل ووعده بتقديم وتخصيص ما يلزم لإنجازه وترافق ذلك مع امتنان البطريرك.
وهكذا كان الشروع في هذا العمل فأخذ البطريرك يستعد لاستقدام المخطوطات ومراجعتها قدر الإمكان في بلاد غريبة ليس فيها معاجم ونحوها، بل ليس فيها نسخ كثيرة من الكتاب الواحد لمقابلتها ومعارضتها واعدادها للطبع، ولكن سلفه البطريرك افتيموس كرمة كان قد سد حاجات الكرسي ببعض معرباته الكنسية عن اليونانية فاعتنى علمنا البطريرك اثناسيوس الدباس بطباعتها.
اما الأمير قسطنطين الغيور الأرثوذكسي فأوعز الى الاب الحاذق في الصناعة انثيموس الكرجي (٩) رئيس دير سيناغو (١٠) ان يشرع في عمل الحروف العربية ويسرع بطباعة الكتب الدينية للكهنة الانطاكيين، فبذل هذا الاب ما في وسعه لاتمام ما اوكل اليه، وكان البطريرك اثناسيوس يتعهده دائما ويساعده لعدم معرفة الصناع ومنضدي الحروف وقتها بلغتنا العربية. وبعد الاجتهاد الكثير والسعي المتواصل وبذل النفقات تمت طباعة الكتب التالية في هذه المطبعة:
١- القنداق أي خدمة القداس الإلهي وبعض اللوات وحروفه عليها مسحة من الجمال وفي كل صفحة منه عمودان الأول لليونانية والثاني للعربية طبع سنة ١٧٠١م وفي اول رسالة من البطريرك اثناسيوس يشكر بها للأمير قسطنطين عنايته بطبعه ومما جاء فيه (ان العادة ان افاشين القداس يقرأها الكهنة سرا بالعربية والاعلانات والكرازات تقال في الأكثر باليونانية، ومع ذلك فقد امر بطبع القنداق مترجما كله بالعربية ويقابله اليوناني صفحة فصفحة وامر بتوزيعه لكهنة أبناء العرب مجاناً). وبعد هذه الرسالة منشور بطريركي يحث فيه المسيحيين على إتمام فروضهم ويذكر سفره الى القسطنطينية فرومانية ومفاوضته اميرها وعمل انثيموس الكرجي الحروف العربية ومواظبة البطريرك على مراقبتهم عند الطبع لجهلهم العربية وختمه بوجوب ذكر الأمير في صلواتهم هم والكهنة.
فهذا كان اول كتاب طُبع بهذه المطبعة، ولايزال منه بعض النسخ في مكتبات الاديرة والبطريركية الانطاكية بدمشق في نحو ٥٥٠ صفحة وفي مكتبة الاكاديمية في كييف الروسية ومكتبة اكاديمية بخارست …
٢- كتاب السواعي وكذلك صفحاته ذات عمودين للعربية واليونانية طبع سنة ١٧٠٢ ومنه بعض النسخ حتى الان، وهذان الكتابان الاوليان من عمل هذه المطبعة قدمهما الأمير للبطريرك وكتب عليهما (هدية الأمير قسطنطين برينكوفانو الى الكهنة الانطاكيين).

ولما عاد البطريرك اثناسيوس الى حلب احضر معه المطبعة وطبع بها بعض الكتب وجاء دمشق بطريركا عام ١٧٢٠ بعد وفاة البطريرك كيرلس ابن الزعيم ووفقاً للاتفاق وبقي ٤ سنوات بطريركاً بدمشق الى وفاته عام ١٧٢٤ وتوفي في دمشق،( وكان قد نقل المطبعة من حلب الى دير البلمند ومعها شماسه عبد الله زاخر الذي كان يساعده في الطباعة عليها في حلب، مع مجموعة من الرهبان الحلبيين، لتختفي المطبعة من البلمند بعد وفاة البطريرك اثناسيوس مع حروفها وكل تجهيزاتها ولتظهر لاحقاً مطبعة في دير الشير الكاثوليكي الناشيء وقتئذ، حيث كان زاخر الذي اعتنق الكثلكة مع الرهبان الحلبيين ويدعي المدعون انها مطبعة صنعها زاخر!!! اذن اين مطبعة البلمند ولم اختفت وقت اعلان زاخر كثلكته عام ١٧٢٤ ومعه جماعته من الرهبان الحلبيين.) فخلفه على السدة البطريركية في دمشق البطريرك سلبسترس القبرصي، وبلغت مدة اقامته بطريركا بما فيها المنازعات مع كيرلس والبالغة ٨ سنوات، وسلبسترس هو ابن شقيقته وكان شماسه لكنه كان قد استأذن معلمه وخاله اثناسيوس لما كان معه في القسطنطينية ودخل رهبنة الجبل المقدس، وبقي فيها الى انتخابه بطريركا بتوصية من خاله وتم تنصيبه في ٢٧ أيلول ١٧٢٤، وجدير ذكره انه حين وفاة معلمه وخاله حصل انشقاق الروم الكاثوليك بتحريض من رهبان الافرنج واقاموا السيد كيرلس طاناس بعد احتلالهم دار البطريركية، وقام مطارنة الكرسي واراخنة الملة الدمشقيين بالطلب من البطريرك المسكوني برسامة سلبسترس تنفيذا لوصية معلمه البطريرك المرحوم اثناسيوس، عندها وعلى عجل حين اقتراب وصول سلبسترس غادر طاناس المقر البطريركي واستلب كل موجودات الدار البطريركية والمريمية من الانية الكنسية وثياب البطاركة السابقين الذين احضروها معهم من روسيا ورومانية…، واصطحبها معه الى دير المخلص في صيدا الذي كان خاله افتيموس الصيفي مطرانها وقد اعلن الكثلكة وخضوعه لبابا رومية عام ١٧١٠.
وقد توفي البطريرك سلبسترس نهار الاثنين الثاني من الصوم الكبير في ١٣ آذار سنة ١٧٦٦م، وكان قد زار رومانيا سنة ١٧٤٥م وبقي فيها نحو عشر سنوات وشيد دير القديس اسبريدون ووقفه للكرسي الانطاكي، وأعاد تجديد المطبعة العربية التي انشأها معلمه وسلفه اثناسيوس وذلك في مدينتي ياسي وبخارست فطبع فيها الكتب التالية:
١-القنداق وفيه مقدمة ان البطريرك سلبسترس أصلح عربيته وأغلاطه التي وقعت في نسخة سلفه أثناسيوس وذلك بنفقة الأمير يواني بك بن المرحوم نقولا بك والي البغدان طبع بمدينة ياشي مقر حكومة البغدان في دير القديس سابا في ١٩ تموز سنة ١٧٤٥م وهو بالحبرين الأسود والأحمر وصفحاته بلا ارقام وحروفه هي نفس حروف المطبعة الأولى الموصوفة أنفا.(١١)
٢-المزامير طُبعَتْ في (بكرش) بوخارست سنة ١٧٤٧ وفيها مقدمة تدل على ان قد طبع بها كتب كثيرة. ومنها نسخة في مكتبة دير النبي الياس شويا البطريركي في ضهور الشوير.
٣-مجموعة كتابات المجمعين المنعقدين في القسطنطينية بشأن الكثلكة في سورية أحدهما في أواخر سنة ١٧٢٣ برئاسة البطريرك القسطنطيني ارميا والثاني سنة ١٧٢٧ برئاسة البطريرك المسكوني بائيسيوس. وطبع مع هذه المجموعة خمس مقالات عربية تتضمن الرد على القضايا الخمس المستحدثة عند اللاتين وطبع دستورا في حدود أوامر كنيسة الله الرسولية الشرقية وذلك سنة ١٧٤٧م وكلها بمجلد واحد.
٤-العشاء الرباني تأليف (افستراتي) ارجنتي الطبيب من جزيرة صاقز (خيو) عرَّبه البطريرك سلبسترس عن اليونانية ووقف على طبعه في ياشي بعناية يواني بك الموما اليه امير رومانية وفي زمن رئاسة كهوت المطران نيكوفورس بلوبو وذلك بيد الشماس جرجس الحلبي ومخايل الراهب من الكورة (طرابلس) من اتباع البطريرك. وفيه منشور عن دخول البطريرك الموما اليه سنة ١٧٤٥ الى تلك البلاد وطبعه الكتب الكنسية ومعاكسة اللاتين إياه وأنه بالجهد تمكن من طبع كتاب نكتاريوس.
وهذا الكتاب يقع في بعض مجلدات كان منها الجزء الثالث في مكتبة المريمية بدمشق انجز طبعه في ٢٥ شباط سنة ١٧٤٧ وموضوعه الرد على اللاتين ومنه نسخ في بعض المكتبات.
٥-“قضاء الحق ونقل الصدق” تأليف نكتاريوس بطريرك اورشليم في الرد على اللاتين طبع في ياشي سنة ١٧٤٦ بيد الشماس جرجي الحلبي ومخايل الراهب المذكورين آنفاً ومنه نسخة في المكتبة البطريركية الارثوذكسية في دمشق الشام..
ملاحظة هامة
للاستزادة راجع تدوينتنا ” البطريرك اثناسيوس الدباس الدمشقي”
حواشي البحث
١)مولدافيا هي اسم الجبال التي احتلتها قبائل داق سكان البلاد القديمة، وعرفَّها مؤرخو العرب مثل ابي الفداء والقلقشندي وغيرهما باسم اولاق، ومن ذلك كلمة فلاخ، اما البغدان فسميت باسم احد زعماء قبائلها القديمة ومعناه بلغتهم (هبة الله). كذلك ) اشتق اسم رُومانِيا من كلمة “رُومن” من الرومان أي من الإمبراطورية الرومانية.
٢)كاندا، فرجيل، قسطنطين شيمونسكي. الثقافة الرومانية في الخارج: إسطنبول، القدس، باروس، سيناء، حلب، بخارست: سبورت -توريزم ١٩٨٢، ص ١٣.
٣)وفي كتاب النحلة لوالده البطريرك مكاريوس ابن الزعيم في الرأس الحادي والعشرين ما حرفيته (الكراسي المستقلة مطران البغضان يعمل ثلاثة أساقفة في ابرشيته واسقفاً في بلاد الأنكروس ( المجر) ومطران الفلاخ يعمل ثلاثة أساقفة في بلده واسقفاً في بلد الأنكروس).
٤)هو ابن القس اسحق ضم من صافيتا ، أقيم مطرانا على ابرشية طرابلس، ولما اختلف الدمشقيون والبطريرك ميخائيل الحموي انتدب ثاودورس هذا كما كان اسمه اسقفاً الى البطريركية نحو السنة ١٥٨٢م وسمي بيواكيم ، وكان انستاسيوس المرمنيتي (نسبة الى مرمريتا) مطران صور مشايعاً له فهدأت بزمنه الفتن التي ثارت في الرعية وسببت كثرة الديون على المقر البطريركي، فذهب هذا البطريرك الى القسطنطينية ثم الى الفلاخ والبغدان سنة ١٥٨٤ ، ومنها ذهب الى روسية وطلب من ملكها ثيودور بن يوحنا الهائل تأسيس بطريركية خامسة في روسيا، فاستقدم الملك لذلك ارمياء البطريرك القسطنطيني، وعقد مجمعاً في موسكو للأساقفة الروس فانتخبوا أيوب بطريركاً على موسكو كل الروسية في ٢٥ كانون الثاني السنة ١٥٨٩ وكانت إدارة كنيسة روسيا قبل ذلك بيد مطران موسكو ومرجعه في ذلك البطريرك المسكوني، فرسم البطريرك أيوب في كنيسة سيدة النياح في موسكو، وعلى إثر ذلك عاد البطريرك الانطاكي يواكيم الى دمشق، ووفى ديون الكرسي الانطاكي واصلح ادارته ورعى خرافه بغيرة ابوية واعتنى باسقفية حوران خاصةً، وبينما هو يتفقد شؤونها استأثرت به رحمة الله في احدى قراها في السابع من تشرين الأول سنة ١٥٩٢م. وروى الارشيدياكون بولس بن البطريرك مكاريوس ابن الزعيم في رحلة والده الى روسية أنه رأى صورة البطريرك يواكيم هذا في بلاد المسيحيين أي في اوربه ورسية. وهكذا صرف هذا البطريرك البار حياته عاملاً مجتهداً غيوراً وقد رسم بيده بعض الأساقفة مثل يواكيم بن زيادة مطران حمص الذي خلفه بالبطريركية وجرمانوس البعلبكي مطران بعلبك وميخائيل مطران عكار وغيرهم.
٥) كان هذا المطران تلميذ البطريرك يواكيم ابن ضو، وهو عيسى الهزار السرياني الأصل وقد اعتنق الارثوذكسية وصار مطراناً وله اشعار زجلية كثيرة. اما قصيدته الزجلية في وصف رحلة البطريرك معلمه ورفيقه فنادرة ضّمَّنها وصف ما شاهده من الكنائس والاديار والشؤون ومطلعها:
” نبدا باسم اله واحد بالذات………رب تعالى بملكه رافع السماوات”
ومنها وصف كنيسة القديس ميخائيل في روسية:
” يا بيعة بالروس ما مثلها بيعات………فيها قبور ملوك الروس بأجمعهم
من حين صاروا مسيحيين وابتنوا لهم بيعات”
٦) ذكر الارشيدياكون بولس في رحلة والده الى رومانيا وروسيا: ان باسيليون ملك البغدان شيد كنيسة القديس ديمتريوس واهداها الى رهبان الجبل المقدس. وكان ديرا الضومنا ومار ميخائيل في رومانية من اوقاف الجبل المقدس. ورئيساهما ورهبانهما منهم وكذلك دير مجمع الملائكة المعروف بدير هوطاراني وكان في اسقفية الفلاخ صورة اورشليم واديارها وطورسيناء والجبل المقدس.
٧)هو الخوري سابا بن يوسف ابن الشماس يعقوب بن الحاج مخايل من اسرة بيت الاعرج من قرية عفصديق من كورة طرابلس، وقد اثبت نسبته هذه في بعض مخطوطاته وفي حاشيته على التوراة السبعينية في د\ير البلمند وذكر انه كان رئيسا عليه سنة ١٦٤٢ وهي بخطه الجميل وله منسوخات كثيرة منها قنداق في احد اديار الكورة نسخه سنة ١٦٤٧ في بلاد الفلاخ وذلك يدل على انه ذهب اليها بعد رئاسته على البلمند لجمع الاحسان للدير، وبعد عودته اعيدت له الرئاسة عليه خلفا للخوري ارميا ، وله منسوخ آخر في مكتبة الآباء اليسوعيين في بيروت (مشرق ٧ : ٦٨٠) يتضمن بعض أعمال الآباء نسخة سنة ١٦٧٦م وآخر ماعرفه عنه المنار (٥ : ١٤٤) وقفه بكتاب سنة ١٦٩٠ ممايدل على انه توفي في أواخر ذلك القرن.
٧)هو قسطنطين بن داود برينكو فانو ابن اخت الأمير شربانو سلفه، انتخب لهذه الامارة في ٢٠ تشرين الأول ١٦٨٨، ونال الفرمان السلطاني العثماني المثبت في الثاني من تشرين الثاني ١٦٨٨، له تاريخ مطول في ما له من الايادي البيضاء على امارته، ونظراً لفضائله فان الرومانيين يذكرونه حتى الان بالاحترام، وكذلك فان المسيحيين ابناء الكرسي الانطاكي بقوا يذكرونه بالاحترام لانه نشر في بلادهم الكتب الارثوذكسية الليتورجية، وتعهدهم بالاحسان، فكانت تقام له الادعية في الكنائس الى القرن ٢٠ .
٨) بخارست عاصمة رومانيا من اديار انطاكية التي شيدت فيها وأوقفت لمصلحة الكرسي الانطاكي دير اسبريدون ودير القديس نيقولاوس بوبوزاني وانشأهما البطريرك كيرلس الى غير ذلك. لكن صادرتهما رومانيا الشيوعية ونزعت وقفيتهما عن الكرسي الانطاكي.
٩) هو اندراوس بن يوحنا افريانول ولد في منتصف القرن ١٧ في جيورجية وكانت تابعة للكرسي الانطاكي دخلت في تبعيتها زمن البطريرك الانطاكي افسطاثيوس الذي ذهب في القرن الرابع المسيحي الى البلاد الكرجية وهدى سكانها للمسيحية الارثوذكسية واقام لهم أساقفة وكهنة وشمامسة وبنى لهم كنائس فكانوا نحو الف قرية وكان له فيها نائب خاص لادارة شؤونهم ( كاثوليكوس وبالعربية جاثليق وهو رئيس روحي مزود بصلاحيات البطريرك وذلك نظرا لبعد بلاد الكرج عن مقر الكرسي في انطاكية ثم دمشق)، وقد فصل في ذلك البطريرك الانطاكي مكاريوس ابن الزعيم في كتابه النحلة في الرأس السادس عشر، وله رحلة خاصة الى بلاد الكرج طبعت في روسيا. وفي سنة ١٧٩٢ كان اندراوس الكرجي طباعاً في المطبعة الأسقفية برومانية اذ استقدمه اليها من القسطنطينية الأمير قسطنطين المذكورثم صار مدير المطبعة، وكانت له خبرات مطبعية مميزة وقد تفوق بها وطبع الكثير من الكتب المفيدة المتقنة فمكافأة له على اجتهاده في خدمة الكنيسة الارثوذكسية رسمه ثاودوسيوس متروبوليت بخارست كاهناً واسماه انثيموس ثم رقاه الى رئاسة ديرسيناغو فبقي فيه سبع سنوات، وكان متقناً للغات العربية والتركية والسلافية وضليعا بالرومانية واليونانية ولغات أخرى، فلما اوعز اليه الأمير قسطنطين ان يعد مطبعة عربية للبطريرك الانطاكي اثناسيوس ابن ادباس لبى الطلب بطيبة خاطر وشرع يحفر الحروف العربية في ذلك الدير واصلاً الليل بالنهار فأنشأ فيه مطبعة عربية طبعت بعض الكتب ثم نُقلت الى حلب كما سنرى.
سعى البطريرك اثناسيوس له بالاسقفية فسقف على ريمونك في ٣١ اذار ١٧٠٥ ونقل اليها المطبعة وحروفها. وعندما توفي متروبوليت بخارست ثاودوسيوس فتحت وصيته بحضرة الأمير قسطنطين والبطريركين الاسكندري والاورشليمي اللذين استقدما لجنازه ودفنه فقرأوا فيها انه يرتأي ان يكون خليفته الاسقف انثيموس الكرجي، فنقل من مطرانيته الى متروبوليتية بخارست وسلم عصا الرعاية على الشعب الروماني الأرثوذكسي في ٢٨ كانون الثاني ١٧٠٨م ومن مآثره طباعة الكثير من الكتب الارثوذكسية باللغات التي اتقنها، إضافة الى ترقية الطباعة والرعاية الحقة وتوفي سنة ١٧١٦. أوقفَه الأتراك سنة ١٧١٦م، وحكموا عليه بالنّفي إلى دير القدّيسة كاترين في سينا، ولكنّه لم يبلغ إلى منفاه قطّ. ففي ٢٧ أيلول ١٧١٦م، قتله الجنود مرافقوه، وقطّعوا جسده، ورموه في نهر “تونغا” جنوب الدانوب، وهكذا نال إكليل الشهادة….
اعلن المجمع الروماني المقدس في عام 2016 تم اعلان قداسة القديس انثيموس الكرجي في رومانيا حيث رئس غبطة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر الخدمة الالهية واعلان القداسة في29 ايلول 2016، في إطار زيارته الأخوية البطريركية الى رومانيا وفي إطار احتفالية القديس انثيموس الايفيري، رئس قداسا في دير القديس انثيموس الايفيري في رمنيكو فلتشا، حيث تمت خدمة تكريس كنيسة الدير على اسم القديس أنثيموس وينبوع الحياة. شاركه في الخدمة البطريرك الروماني دانيال.
١٠)هو دير السيدة المعروف ايضاً باسم سيناغوفو وهو قرب بخارست في وسط جزيرة.
١١) وكان منه نسخة في دير القديسة تقلا البطريركي في معلولا كتب عليها انها وُقفَتْ بأيام رئاسة المطران غريغوريوس قوبا مطران حوران سنة ١٧٦٢م بأيام سلبسترس البطريرك الانطاكي، ونسخة ثانية فيه ايضاًبخط الكاهن يوانيكيوس اب وهي النسخة التي اعدت للطبع ن الخوري نعمة الله سنة ١٧٨٣ وفيها مقدمة للبطريرك سلبسترس تدل على إصلاحه اغلاطها وإعادة ترجمتها سنة ١٧٤٤ وهي النسخة التي اعدت للطبع فتم اخذ هذه عنها. ومنه نسخة ثالثة فيها هذه الحاشية:”كاتب الاسطر ايروثاوس مطران صيدنايا واوقفه القسيس صفرونيوس في ١٤ تشرين الثاني سنة ١٧٥١م”.
