مقبرة القديس جاورجيوس الارثوذكسية

مقابر المسيحيين في دمشق

مقابر المسيحيين في دمشق

مدخل تاريخي

الشهيد جاورجيوس البواب

ضريح الشهيد القديس جاورجيوس ( هنري جوزيف سوفير ـ Henri Joseph Sauvaire ) حين كان مستشار للقنصلية الفرنسية وتصادف وجودة بدمشق أيام مجزرة ١٨٦٠ الطائفية والتقط صورا للحي المسيحي وهذه الصورة النادرة للقبر في عام 1861 بموجب رابط الصورة أدناه .
ضريح الشهيد القديس جاورجيوس ( هنري جوزيف سوفير ـ Henri Joseph Sauvaire ) حين كان مستشار للقنصلية الفرنسية وتصادف وجودة بدمشق أيام مجزرة ١٨٦٠ الطائفية والتقط صورا للحي المسيحي وهذه الصورة النادرة للقبر في عام 1861

قام المسيحيون الدمشقيون بتهريب بولس الرسول بمساعدة من البواب جاورجيوس حارس وبواب الباب (وهو جندي دمشقي يهودي) الكائن في شرق سور دمشق الذي حمل اسمه لاحقاً (باب بولس) خوفاً عليه من انتقام اليهود الدمشقيين، وساعد القديس بولس في الهرب عبر نافذة البرج الكبير ، فحمله عند وصوله الى الأرض ولهذا فهو يدعى أيضا بالحّمال ، وأرشده الى الإختباء ضمن الصدع الموجود في الصخرة الواقعة جنوب السور .
فعلم رؤساؤه الرومان أن ( الحارس جاورجيوس ) قد ساهم في تهريب بولس الرسول فأمروا بقتله، فكان جزاؤه الاستشهاد رجماً بحجارتهم وفق شهادة معلمنا الاب المؤرخ ومثلث الرحمات ايوب سميا مؤرخ دمشق، بينما البعض قالوا بأنه تم قطع رأسه، ونحن نميل الى ماذهب اليه معلمنا المؤرخ وهو الثبت اليقين في التأريخ، لأن جاورجيوس قتل بغوغائية هوجاء من اليهود الدمشقيين بطريقة قتل معتمدة حينها وهي الرجم بالحجارة حتى الموت انتقاماً منه كعادتهم في قتل الخونة والمرتدين والزواني…
فقام المسيحيون الدمشقييون عندها بدفن جثمانه سراً في مكان رجمه، واقاموا قبراً له وكان ذلك في العام ٣٥ مسيحية، فيما هرب بولس الى العربية (حوران ومحيطها) وقام بالتبشير بالمسيح هناك قبل عودته بعد سنتين الى دمشق ومنها انطلق باتجاه سورية الساحلية حيث اقام كنيسة في طرطوس هي كاتدرائية السيدة الشهيدة في طرطوس ( متحف طرطوس حاليا) وصلى فيها.

تنزيل بولس الرسول بزنبيل من فوق الباب
تنزيل بولس الرسول بزنبيل من فوق الباب

كان الشهيد القديس جاورجيوس البواب اول شهيد للمسيح في دمشق، وخارج فلسطين وكان اول شهيد  للمسيح في فلسطين هو الشماس استفانوس، ودمشق كانت الموطن الاول بعد اورشليم حيث كان حنانيا الرسول قد اقام اول جماعة مسيحية في العالم بعد اورشليم وكان الرب يسوع لايزال على الارض، وقد سمع بمعجزاته فآمن دون ان يرى الرب ومعجزاته. ولكن ليتعرف اكثر على المسيح ودعوته سافر الى اورشليم ليتابع الرب عن كثب، وشاهد معجزات الرب في آخر ايامه كما حضر العذاب والآلام والصلب والدفن والقيامة والصعود وكان من عداد السبعين الذين حل عليهم الروح القدس في العلية يوم العنصرة والرب خاطب هؤلاء الرسل بقوله:” اذهبوا وتلمذوا كل الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” اي ان الرب اطلق كنيسته، لذا عاد حنانيا بهذا النفس البشاري ونظم جماعته المسيحية التي اسسها قبلاً، لذا لم يكن غريباً امام دور حنانيا وقد اصبح اول اسقف خارج اورشليم ان يطلب منه ملاك الرب عماد شاول المنكسر والاعمى، بالرغم من الخوف من سطوة المذكور، واقتاده اعمى كسيراً الى بيت يهوذا الدمشقي وعمده فانفتحت عيناه وانقلب من طاغية بحق المسيحيين والشهيد الاول استفانوس الى الرسول المبشر بالمسيح، لذا اعتبره اليهود الدمشقيون خائناً فقرروا قتله، وانتقاماً من جاورجيوس الذي ساعده على الهرب قاموا برجمه، فأصبح الشهيد الثاني في المسيحية بعد الاول الشماس استفانوس،  واول شهيد  في دمشق المسيحية…).

قام المسيحيون الدمشقيون من ذاك التاريخ  بدفن موتاهم في محيط قبر  الشهيد ( وقد درجت عادة المسيحيين الاوائل بدفن امواتهم في محيط قبور الشهداء والقديسين واتخاذ هذه المواقع وخاصة الدياميس مكاناً للاجتماع للصلاة وكسر الخبز واقامة سر الشكر) لذا كان هذا القبر مصلى الى مابعد ان اصبح مزاراً وحتى وقتنا الحالي(وتمت اقامة كنيسة بسماح من ابراهيم باشا المصري في حملته على بلاد الشام ١٨٣١-١٨٤٠ على اسم القديس جاورجيوس اللابس الظفر شفيع الشهداء)  في هذه الارض الزراعية شرقي دمشق اول الغوطة الشرقيةر. ومع تمادي الايام اصبحت مقبرة للمسيحيين وخاصة بعد تنصر الدولة الرومانية مع قسطنطين الكبير وبراءته الشهيرة، وضمت هذه المقبرة الراقدين المسيحيين، وكانت المنطقة تعرف عقارياً باسم بساتين شاغور دمشق منذ العهد العثماني وماتلاه وحتى الآن.

تابع المسيحيون الدفن جميعا في هذه المقبرة الكبرى بالرغم من التشرذم المسيحي، ونشوء الطوائف المسيحية بدءا من مطلع القرن السادس المسيحي. وكان ذلك العهد هو الامبراطورية الرومية، وحتى العقد الأخير من القرن ١٩ وقد استمروا بدفن امواتهم جميعاً في هذه الارض الواسعة التي عرفت  وقتها بمقبرة القديس جاورجيوس. وكان المقصود اساساً جاورجيوس البواب وتم اقامة ضريح كبير واحيط بسور خشبي ( الصورة) ، وبداخله قبر الشهيد جاورجيوس ـ أو جريس البواب بلغة الشوام كما كان يعرف، وصار يتم دفن كل رجال الاكليروس في المغارة التي اقيمت تحت المقام الذي اعيد تجديده بالرخام والحجر الابيض والايقونات في داخله. ونظراً لأهمية القديس جاورجيوس العظيم اللابس الظفر فقد طغى اسمه على اسم جاورجيوس البواب الشهيد، وتسمت المقبرة باسم القديس جاورجيوس ولاسيما وان الكنيسة التي اقيمت مابعد ١٨٣١ كما مر، على اسم القديس جاورجيوس اللابس الظفر، وقد  تدمرت واحترقت في مجزرة ١٨٦٠ واعيد بناؤها لاحقا على اسم القديس جاورجيوس الكبير واعيد ترميم المزار بالخشب ( الصورة) وترميم القبور التي عُبث بها واضيفت اليها شواهدها المبعثرة، واحدثت جمعية لدفن الموتى باسم جمعية القديس جاورجيوس الارثوذكسية لدفن الاموات التي قامت بهذه التحديثات في العقد التاسع من القرن ١٩.

تقسيم المقبرة بين الطوائف

مقبرة القديس جاورجيوس للروم الارثوذكس
مقبرة القديس جاورجيوس للروم الارثوذكس

طالبت الطوائف المسيحية والي دمشق ناظم باشا المعروف بسياسته الحكيمة تجاه المسيحيين بتخصيص كل منها بقطعة ارض مستقلة لتكون مدفناً لطائفته، حتى ان الارمن الارثوذكس طلبوا منحهم قطعة ارض ليبنوا كنيسة لهم في نفس العام في دمشق القديمة بعد ازدياد عددهم في دمشق، وكانوا يصلون في كنيسة السريان الارثوذكس الكائنة بجانب الباب الشرقي مع الرعية السريانية لوحدة العقيدة بينهما، ونظرا لعدم وجود اراض فارغة في دمشق القديمة لبناء كنيسة ارمنية، وبالمقابل لاحظ ندرة عدد عائلات وافراد الطائفة السريانية (سريان عتيق) بدمشق، وكان لهم ايضا مصلى صغير اول حارة حنانيا الرسول يمين الباب الشرقي من الداخل عندها منح الكنيسة السريانية الكبرى الواقعة يسار الباب الشرقي من الداخل ومحيطها للأرمن الذين اضافوا اليها مدرسة تاركمانتشاتس لاولاد الارمن في حرم الكنيسة والمطرانية).

وبالعودة الى التخصيص بمقابر، وكان الروم الكاثوليك الذين نشأوا من الروم الارثوذكس عام ١٧٢٤، ولم تعترف بهم الدولة العثمانية كطائفة مستقلة عن بطريركية الروم الارثوذكس الا في عام ١٨٣٥ واقام السيد مكسيموس مظلوم بطريركهم دار البطريركية الحالية في حارة الزيتون مع كاتدرائية بعدما اشترى وقفاً لطائفة اليهود القرائين المندثرة من دمشق من وكيلها في اسطنبول…وثم اقام خليفته المدرسة البطريركية في حرمها وكان الى ذلك الحين يقوم الكهنة الارثوذكس باتمام اسرارهم بالرغم من وجود كهنة لهم، كذا استمر الدفن طيلة هذه الفترة في مدفن القديس جاورجيوس موضوع بحثنا، وحتى بعد الاعتراف بهم طائفة مستقلة ببطريركيتها وكهنتها ومدرستها ورهبناتها  ولكن استمر الدفن لابناء الطائفة الكاثوليكية في ارض مقبرة القديس جاورجيوس الى عام ١٨٩٢.
وجه الوالي ناظم باشا تلك الطوائف الى تقديم لوائح اسمية بعائلات طوائفهم وشكل لجنة من الولاية ضمت ممثلين عن كل الطوائف المسيحية لاجراء قسمة مقبرة القديس جاورجيوس بينهم ومن الطبيعي ان تكون الحصة الاكبر هي الروم الارثوذكس فهم الكنيسة الاكبر وكان الكاثوليك يشكلون وفق الاحصاءات الرسمية حتى ٣٥ بالمائة من نسبة الروم الارثوذكسومع ذلك وبضغوط كالعادة عند اية قسمة والاستئثار بالكنائس كان يبادر سفيرا فرنسا والنمسا والقنصلين التابعين في دمشق وسواها الى الضغط على الباب العالي في الاستانة والوالي في دمشق وسواها لمنحهم اوسع مايمكن من الامتيازات لذا قاربت نسبة الارض الممنوحة للكاثوليك الارض المخصصة للروم الارثوذكس ( الحالية) وبالرغم من احتجاج الروم الارثوذكس وجمعية القديس جاورجيوس لم يفلح الامر الاجزئياً والسبب كان وجود خلافات شديدة داخل بطريركية الروم الارثوذكس بمواجهة البطريرك اليوناني اسبريدون (١٨٩١-١٨٩٨)،  وكان نصيب الروم الكاثوليك هذه الحصة الكبيرة بما يفوق نسبتهم فنسبتهم كما اسلفنا كانت تقارب ثلث الارثوذكس وقتئذ ( وفق الوثائق البطريركية الارثوذكسية). لذلك من البديهي ان نلاحظ هذا الاتساع في مقبرة الكاثوليك مقابل ضيق المقبرة الارثوذكسية والقطع المزوربة (زواريب) هنا وهناك، بينما نلاحظ ان كل ضريح في مقبرة الكاثوليك انشئ ذاك الوقت تعادل مساحته مساحة بيت سكني مع شوارع فسيحة وحارات عريضة في المقبرة وكنيسة كبيرة… (ومقام على اسم القديس بولس اقيم كمكافئ لمزار القديس الشهيد جاورجيوس البواب للاقناع بالتجذر!!!) مقابل الاكتظاظ الكبير في المقبرة الاساس للروم الارثوذكس وزواريب الدفن المتداخلة.
ومن الجدير ذكره وللتاريخ المثبت بدقة ان  المطران افتيموس الصيفي الدمشقي مطران صور وصيدا الذي اعلن الكثلكة وهو المنشيء الاساس للروم الكاثوليك عام ١٧٠٠ وهو خال اول من صار بطريركا عليهم السيد كيرلس طاناس ١٧٢٥ قد دفن في مقبرة القديس جاورجيوس في العقد الثالث من القرن ١٨ وان شاهدة قبره كانت محفوظة في مقام القديس جاورجيوس، ولكنها في عام ١٩٢٤ فقدت من مكانها نتيجة فعل فاعل فاشتكت جمعية القديس جاورجيوس مدعومة من البطريركية الارثوذكسية بدمشق بأن شاهدة قبر المطران المذكور قد سرقت خلسة من مقام القديس جاورجيوس عام ١٩٢٤ وقد ادت التحقيقات التي قام بها مخفر شرطة الشاغور / “فريق الفرسان” الى انه تم سرقتها بالتواطئ مع ناطور مقبرة القديس جاورجيوس الارثوذكسية وبرشوة جزيلة مُنحت له كما اعترف بافادته هو وبتوقيعه ومن رشاه وفق محضر ضبط شرطة قسم الشاغور وقد نقلت ليلاً الى مقبرة الروم الكاثوليك، وقد وجه البطريرك الارثوذكسي غريغوريوس بطي الشكوى حرصا على كرامة المسيحيين، ورئاسة الطائفة الكاثوليكية امام السلطات الحكومية السورية، وعلل قراره الحكيم هذا بقوله: “ان هذا المطران كان منهم ومن حقهم ان يعود اليهم”( استناداً الى وثائق دمشق التاريخية البطريركية/ الوثائق البطريركية).

اما بقية الطوائف المسيحية ( سريان ارثوذكس، سريان كاثوليك، موارنة، ارمن ارثوذكس، وارمن كاثوليك، وكلدان، وبروتستانت) فقد منحوا قطع اراضٍي خاصة بكل طائفة من ارض المقبرة المسيحية العامة ( مقبرة الشهيد جاورجيوس) بما يناسب نسبهم العددية بعد ان قامت ولاية دمشق بتقسيمها عقاريا واوجدت بها شوارع وازقة فاصلة بين مقابر الطوائف وهي الحالية، وشاع اسم الطْبالة بتسكين الطاء على المنطقة وهي كلمة عبرانية تعني المقابر، سيما وان مقبرة اليهود الواسعة جداً تقع في آخر محلة الطبالة وتطل اليوم على الشارع العائد من مطار دمشق الدولي.

اما سكن الناس وكلهم مسيحيون كانوا من الوافدين من حوران وجبل العرب في محيط المقابر مع مناطق صناعية واصلاح السيارات، وامتد ليشمل منطقة جديدة ( الدويلعة) ثم كشكول واخيرا تم تشميل بلدة جرمانا واراضيها الزراعية كضواحي سكنية متتابعة.

مقبرة القديس جاورجيوس الارثوذكسية
مقبرة القديس جاورجيوس الارثوذكسية

اما الروم الارثوذكس في محلة الميدان فكان لهم مدفن خاص بهم باسم مدفن جمعية القديس حنانيا الرسول  يقع مستقلاً  في اخر حي الطبالة، وعندهم جمعية دفن خاصة بهم ومسجل وقفاً باسم جمعيتهم،، وعندما أُلحقت رعية الميدان الارثوذكسية برعايا دمشق الارثوذكسية عام ١٩٣٥ بعهد البطريرك الكسندروس طحان، من بعد ان كانت  الى مابعد استعفاء المطران زخريا زخريا راعي ابرشية بصرى حوران وجبل العرب من رعايا ابرشيته، وفي عهد خليفته المطران اثناسيوس كليلة عندها صار يتم دفن الراقدين الميادنة في مدفن القديس جاورجيوس  ونقلت المدافن الميدانية الى مقبرة القديس جاورجيوس وبيعت ارض المدفن حسب الاصول في بيع الاوقاف برعاية البطريركية بدمشق.

خريطة للحي المسيحي بعد مجزرة ١٨٦٠ الطائفية
خريطة للحي المسيحي بعد مجزرة ١٨٦٠ الطائفية