مقابر المسيحيين في دمشق
مدخل تاريخي
الشهيد جاورجيوس البواب

قام المسيحيون الدمشقيون بتهريب بولس الرسول بمساعدة من البواب جاورجيوس حارس وبواب الباب (وهو جندي دمشقي) الكائن في شرق سور دمشق الذي حمل اسمه لاحقاً (باب بولس) خوفاً عليه من انتقام اليهود الدمشقيين، وساعد القديس بولس في الهرب عبر نافذه البرج الكبير ، فحمله عند وصوله الى الأرض ولهذا فهو يدعى أيضا بالحّمال ، وأرشده الى الإختباء ضمن الصدع الموجود في الصخرة الواقعة جنوب السور .
فعلم رؤساؤه الرومان أن ( الحارس جاورجيوس ) قد ساهم في تهريب بولس الرسول فأمروا بقتله، فكان جزاؤه الاستشهاد رجماً بحجارتهم وفق شهادة معلمنا الاب المؤرخ ومثلث الرحمات ايوب سميا مؤرخ دمشق، بينما البعض قالوا بأنه تم قطع رأسه، ونحن نميل الى ماذهب اليه معلمنا المؤرخ وهو الثبت اليقين في التأريخ، لأن جاورجيوس قتل بغوغائية هوجاء من اليهود الدمشقيين بطريقة قتل معتمدة حينها وهي الرجم بالحجارة حتى الموت انتقاماً منه كعادتهم في قتل الخونة والمرتدين والزواني…
فقام المسيحيون الدمشقييون عندها بدفن جثمانه سراً في مكان رجمه واقاموا قبراً له وكان ذلك في العام ٣٥ مسيحية، فيما هرب بولس الى العربية (حوران ومحيطها) وقام بالتبشير بالمسيح هناك قبل عودته بعد سنتين الى دمشق ومنها انطلق باتجاه سورية الساحلية حيث اقام كنيسة في طرطوس هي كاتدرائية السيدة الشهيدة في طرطوس ( متحف طرطوس حاليا).

في محيط قبر القديس جاورجيوس البواب اول شهيد للمسيح في دمشق بدفن موتاهم في محيط القبر. ومع تمادي الايام اصبحت مقبرة للمسيحيين منذ فجر المسيحية وضمت الراقدين المسيحيين وكانت المنطقة تعرف عقارياً باسم بساتين شاغور دمشق في العهد العثماني وماتلاه، وعند نشوء الطوائف المسيحية بدءا من مطلع القرن السادس المسيحي وفي العهد الرومي وحتى العقد الأخير من القرن ١٩ استمروا بدفن امواتهم جميعاً في هذه الارض الواسعة التي عرفت بمقبرة القديس جاورجيوس. وكان المقصود اساساً جاورجيوس البواب وتم اقامة ضريح كبير محاط بسور خشبي ، وبداخله قبر الشهيد جاورجيوس ـ أو جريس البواب وصار يتم دفن كل رجال الاكليروس في المغارة التي اقيمت تحت المقام. ونظراً لأهمية القديس جاورجيوس العظيم اللابس الظفر فقد طغى اسمه على اسم جاورجيوس البواب الشهيد، وتسمت المقبرة باسم القديس جاورجيوس وكان في المقبرة كنيسة على اسم القديس جاورجيوس تدمرت واحترقت في مجزرة ١٨٦٠ واعيد بناؤها لاحقا على اسم القديس جاورجيوس الكبير واعيد ترميم القبور التي عُبث بها واضيفت اليها شواهدها المبعثرة، واحدثت جمعية لدفن الموتى باسم جمعية القديس جاورجيوس الارثوذكسية لدفن الاموات.
تقسيم المقبرة بين الطوائف

طالبت الطوائف المسيحية والي دمشق ناظم باشا المعروف بسياسته الحكيمة تجاه المسيحيين بتخصيصهم بقطع ارض تكون مدافن لطوائفهم وكان الروم الكاثوليك قد اعترفت بهم الدولة العثمانية طائفة مستقلة عن بطريركية الروم الارثوذكس عام ١٨٣٥ واقام السيد مكسيموس مظلوم بطريركهم دار البطريركية الحالية في حارة الزيتون مع كاتدرائية بعدما اشترى وقفاً لطائفة اليهود القرائين المندثرة من دمشق من وكيلها في اسطنبول… ولكن استمر الدفن لطائفته في ارض مقبرة القديس جاورجيوس.
وجه الوالي ناظم باشا تلك الطوائف الى تقديم لوائح اسمية بعائلات طوائفهم فقام الوالي بتشكيل لجنة من الولاية لاجراء قسمة المقبرة ومن الطبيعي ان تكون الطائفة الاكبر هي الروم الارثوذكس لكن نصيب الروم الكاثوليك اكبر بكثير من نسبتهم وقاربت نصيب الروم الارثوذكس وبالرغم من احتجاجهم ولوجود خلافات شديدة داخل بطريركية الروم الارثوذكس بمواجهة البطريرك اسبريدون ، اضافة الى دعم سفيري فرنسا والنمسا في اسطنبول للروم الكاثوليك ومساعي القنصلين الفرنسي والنمسوي في دمشق فان الولاية العثمانية لم تعر اهتماماً لطلب الجانب الارثوذكسي، وكانت هذه الحصة الكبيرة للروم الكاثوليك ونسبتهم كانت تقارب ثلث الارثوذكس. لذلك من البديهي ان نلاحظ هذا الاتساع في مقبرة الكاثوليك وكل ضريح يعود الى فترة انشاء المقبرة يشكل في مساحته مساحة بيت سكني مع شوارع فسيحة وحارات عريضة في المقبرة وكنيسة كبيرة…مقابل الاكتظاظ الكبير في المقبرة الاساس للروم الارثوذكس.
ومن الجدير ذكره ان شاهدة قبر المطران افتيموس الصيفي الدمشقي مطران صور وصيدا الذي اعلن الكثلكة وهو المنشيء الاساس للروم الكاثوليك عام ١٧٠٠ وهو خال اول من صار بطريركا عليهم السيد كيرلس طاناس ١٧٢٥ شاهدة قبره قد سرقت خلسة من مقبرة القديس جاورجيوس عام ١٩٢٤ بالتواطئ مع ناطور المقبرة وبرشوة جزيلة كما افاد ضبط شرطة قسم الشاغور وقد نقلت ليلاً الى مقبرة الروم الكاثوليك، وقد وجه البطريرك الارثوذكسي غريغوريوس بطي الشكوى حرصا على كرامة المسيحيين ورئاسة الطائفة الكاثوليكية وعلل قراره بقوله: “ان هذا المطران كان منهم ومن حقهم ان يعود اليهم”( استناداً الى وثائق دمشق التاريخية البطريركية/ الوثائق البطريركية).

اما الروم الارثوذكس في الميدان فكان لهم مدفن خاص بهم باسم مدفن جمعية القديس حنانيا الرسول في اخر حي الطبالة، وعندهم جمعية دفن خاصة بهم، وعندما صارت رعية الميدان من رعايا دمشق عام ١٩٣٥ بعهد البطريرك الكسندروس طحان، بعد ان كانت في عهد المطران زخريا زخريا راعي ابرشية بصرى حوران وجبل العرب من رعايا ابرشيته، عندها بيعت ارض المدفن ونقلت المدافن الميدانية الى مقبرة القديس جاورجيوس وصار يتم الدفن فيها.

