نبذة عن تاريخ أبرشية حلب الأرثوذكسية

نبذة عن تاريخ أبرشية حلب الأرثوذكسية

نبذة عن تاريخ أبرشية حلب الأرثوذكسية

منذ تأسيسها حتى 1950

أبرشية حلب التي كانت تدعى بيرية في العهد الرومي، هي من أقدم أسقفيات البطريركيّة الأنطاكية، إذ أن المسيحيّة توطّدت فيها منذ عهد الرسل. ولمّا دخلت حلب في الحكم العربيّ عام 637م، ظلّ مسيحيوها الروم يصلّون في الكاتدرائيّة التي بُنيت في العهد الرومي (والتي لا تزال آثارها قائمة اليوم، في المدرسة الحلويّة). وإثر غزوات المغول والتتر، لاسيّما اجتياح تيمورلنك (عام 1400)، تشتّت المسيحيّون فيها ونزح عنها كثيرون، لكنهم عادوا إليها مجددًا بعد دخول العثمانيّين (1516) وكثر تعدادهم في المدينة، فأصبحوا في مطلع القرن السابع عشر، أكبر كتلة مسيحية في سورية، مشكّلين لوحدهم نصف عدد أبناء البطريركيّة الأنطاكية. وعدّة بطاركة جعلوا من حلب مقرًا لهم.
من مطارنتها المعروفين قديماً القديس أفستاثيوس المعترف (تحتفل به الكنيسة في 21 شباط) الذي أصبح بطريركاً لأنطاكية (324-337)، وبهذه الصفة لعب دوراً هاماً في المجمع المسكوني الأول (النيقاويّ عام 325)، وكان من أقوى المدافعين عنه. وأيضاً أكاكيوس المعاصر للقديس يوحنا الذهبيّ الفم، والذي لعب دورًا هامًا في حياة الشرق والكنيسة طيلة نصف قرن (379-433). وكان يزوره فيها مراراً المؤرخ ثاوذوريتوس أسقف قورش، معرّجاً في طريقه على منسك القديس سمعان العاموديّ (ولاحقاً الدير الشهير هناك، ولا تزال أطلاله ماثلة في قلعة سمعان). وبعد انتقال مركز البطريركية إلى دمشق (القرن 13)، تزايدت أهمية أبرشية حلب في شمالي سورية وجنوبي تركيا، حيث لاتزال تضمّ مدينة الاسكندرون، التي كانت بأكثرية سكانية مسيحية يونانيي العرق (أروام). من أبرز مطارنة حلب  ملاتيوس كرمة الذي تبؤا السدة الانطاكية فقط حوالي ثمانية اشهر وتوفي 1635، ثم مكاريوس بن الزعيم، الذي صار بطريركاً (1635-1647)، وبانتقاله إلى دمشق انتخب مطراناً عليها تلميذه الخوري العلّامة مكاريوس الزعيم من بلدة كفربهم – حماة، الذي خلفه على الكرسي البطريركي أيضاً (1647-1672) وترك إرثاً فكرياً هاماً بتعريبه العديد من الكتب عن اليونانية.
لقد اعترف مسيحيو حلب الأرثوذكس بالبطريرك الأنطاكي المنتخب في مجمع القسطنطينيّة سلفستروس (1724- 1766)، إلاّ أنّهم ثاروا عليه  بحجة تشدّده من ناحية الصوم بينما كان الرهبان البابويين قد اشاروا عليهم ان يولموا له ووضعوا السمك على المائدة في الصوم الكبير المقدس وهو مخالف للتعليم الارثوذكسي،  فاستشاط غضبا وقلب المائدة وانسحب  ونظرا لمحاولاتهم حبسه بقوة الوالي هرب من حلب وعاد الى القسطنطينية ومن هناك نقل تبعية حلب الى القسطنطينية فارتبطوا مباشرةً بالبطريرك المسكونيّ. واستمر الوضع على هذا الحال حتى انتخاب البطريرك الأنطاكي  جراسيموس (1885-1891)، الذي نجح في استعادة أبرشية حلب (بيرية) إلى حضن البطريركيّة الأنطاكية وسعى لتنصيب الأرشمندريت اللاذقاني العلّامة جراسيموس مسرة مطراناً عليها. لكنه لم يتمكن من ذلك لانتقاله إلى الكرسي الأورشليمي من جهة ولأن المرشح اعتذر بداعي ان مناخ حلب البارد لايوافق صحته اذ يحتاج الى مناخ البحر وكان هو معتمدا بطريركيا في الاسكندرية. وبانتخاب اسبيريدون بطريركاً لأنطاكية في نفس السنة (1891)، حضر معه إلى دمشق مرافقه الشماس نكتاريوس يورذانيذيس، فرسمه مطراناً على حلب، ولبث كذلك حتى استعفاء البطريرك اسبيريدون (1898).
وكان أحد أبناء أبرشية حلب قد أصبح مطراناً في الكرسي الأنطاكي، هو مطران سلفكية نيوفيطوس، ثم صار أول رئيس للأمطوش الأنطاكي (المعتمدية الكنسية) في موسكو (1848-1852)، فاعتنى عنايةً خاصة بأبرشيته الأم وأنشأ في حلب مدرسة كبرى وكنيسة، كما شيد فيها أيضاً داراً للمطرانية. فعكف المطران نكتاريوس على العمل الدؤوب في أبرشيته حتى حصول الأزمة البطريركية وإقصائه عن مركز أبرشية حلب بأمر والي سوريا ناظم باشا لمدة عامين (1900-1902)، واضطراره بعدها إلى مغادرة حلب إلى الأستانة دون تقديم الاستعفاء من الأبرشية، التي اعتبرت شاغرة. (انتقل عام 1904 إلى مصر ودخل في خدمة البطريركية الإسكندرية، حيث تم تعيينه مطراناً لممفيس التي رعاها من 1909 حتى وفاته في القاهرة عام 1924). انتخب لحلب اثنان من تلامذة المتروبوليت أثناسيوس على التوالي: الدمشقيان رئيس دير القديس جاورجيوس الحميراء أبيفانيوس السمرا (1903) ثم رئيس دير سيدة البلمند استيفانوس مقبعة (1903-1910).
أما المطران نكتاريوس يورذانيذيس فهو من مواليد 1862 في أسيا الصغرى بتركيا الحالية لكنه من عائلة قبرصية الأصل. في سن العاشرة انتقل إلى القدس، حيث أتم علومه المدنية واللاهوتية في كلية الصليب المقدس التابعة للبطريركية الأورشليمية، وتخرج منها (1888) متقناً العربية إلى جانب اليونانية لغته الأم، وتدرج في الكهنوت، شماساً (1884) فكاهناً (1891) ومطراناً على حلب (1892). خلفه المطران أبيفانيوس السمرا الذي بعد رسامته أصيب بمرض عضال ألزمه الفراش برعاية أخته الحاجة الراهبة مريم في دير سيدة صيدنايا، حيث أدركته المنية مأسوفاً على شبابه قبل حفل تسلمه أبرشية حلب. وكان من عداد تلامذة المتروبوليت أثناسيوس عطا الله حين كان رئيساً لدير مار الياس شويا (1883)، فلما انتخب أثناسيوس مطراناً على حمص (1886) اصطحبه معه إليها، حيث خدم فيها لعدة سنوات كشماس، وكذلك الأمر الشماس استيفانوس مقبعة، الذي تم تنصيبه خلفاً لأبيفانيوس السمرا في أبرشية حلب حتى عام 1910.
المطران استفانوس مقبعة
المطران استفانوس مقبعة
في تلك السنة اندلع خلاف مع بعض وجهاء الطائفة، فشخص إليها معلمه المتروبوليت أثناسيوس بتكليف من المجمع المقدس لمعالجة المسألة. تمّ الاتفاق على استعفاء المطران استيفانوس من الأبرشية ونقله إلى دمشق، حيث امتثل للقرار مواظباً على مهماته كنائب بطريركي حتى وفاته عام 1920. وتم كذلك الاتفاق على انتخاب مطران جديد للأبرشية، وقد تمت عمليات الترشيح برعاية المتروبوليت أثناسيوس، ونتج عنها حصول أحد تلامذته كمرشح بارز، وهو الأرشمندريت الحمصي العلّامة أنطونيوس مبيض. لكنّ أغلب أصوات المطارنة، في المجمع المنعقد عام 1912، وقعت على الأرشمندريت روفائيل نمر من زحلة ليكون مطراناً عليها، فرعاها بأمانة حتى رقاده بالرب عام 1950، ليخلفه فيها المطران الياس معوض (البطريرك لاحقاً).