وفي ملء الزمان…
وبعد سقوط الآلهة وإخفاق الفلاسفة
طهر الله مريم وهيأها لتجسد الكلمة من الروح القدس ومنها
سقوط الآلهة عند اليونان والرومان وظهور الفلاسفة

آلهة هوميروس
ولم يكن عند اليونانيين القدماء والاغريق كتب مقدسة، ولكنهم كانوا يعودون الى أغاني هوميروس ليتعرفوا الى الآلهة فأمسى هوميروس شاعراً ومعلماً دينياً في آن واحد.
وتراءت قوى الطبيعة لهوميروس ومن سبقه أشخاصاً يسيطرون على ظواهر الطبيعة ويقيمون في بهاء محجوب عن الآبصار بين السحب ولاسيما فوق قمة أولمبيوس. فكان زفس إله الجو وبيده عنان البرق. وكان ابولون الإله الشمس رامياً عن القوس قّتالاً، إلا انه كان يحمي قطعان الرعاة وحقول الفلاحين. وتراءى لليونانيين القدماء ان أثينة حاملة الأسلحة البراقة كانت حامية المدن وانها في أوقات السلم كانت تبسط يديها فوق الرؤوس فترعى بعنايتها الخزاف والحداد والنحاس والصائغ والنساء وهن يغزلن الصوف.
كان هنالك جماعة أخرى من كبار الآلهة كل منهم يسيطر على ظاهرة من ظواهر الطبيعة. الاله بوسيدون أقام في قصر من نحاس في أعماق الماء وملك على البحر وجميع السوائل. والأرض ديميتر أم الجميع أخرجت نتاج الأرض. وديونيسيوس إله الخمر سيطر على الخصب كله. وتراءى هرمس روح الثمر القديم، مجنح الرجلين رسول الآلهة ورب المعاملات بين الناس وإله الصناعة والتجارة. وعاين اليونانيون القمر بازغاً سابحاً في عرض السماء فقالوا انه زوجة زفس المدعوة هيرة ظهيرة الزواج وعماده.
وصوَّر اليونانيون آلهتهم بهيئات بشرية وحبوها ذات صفات إنسانية صالحة ورديئة، تأكل وتشرب وتنام وتشتهي وتضل سواء السبيل. فشخَّصَ هوميروس الخصام العائلي بين زفس وزوجته هيرة كالخصام الذي كان يقع في العيال اليونانية. فلم تكن آلهة كهذه لتتوقع من تصرف البشر ما هو أحسن من تصرفها. وهكذا فإن ديانة اليونانيين ظلت بعيدة عن تحسين السلوك وتعليم الأخلاق السامية. وقال الرومانيون قول اليونانيين ولكن آلهتهتم كانت أوقر وأكثر اعتدالاً من ألهة هؤلاء.
طاليس والخسوف

(٥٨٥ ق.م) وأدى اتصال اليونانيين بمصر وفينيقية ومابين النهرين الى تقدم في العلم في شتى الميادين. وكان المنجمون في بابل قد تقدموا في ارصادهم تقدماً محسوساً. فلما زار طاليس ميليتس مدينة بابل تعلم كيف يحسب للخسوف والكسوف. وعاد الى مسقط رأسه ميليتس سيدة المدائن اليونانيين في آسية وآنبأ عن زمن وقوع الكسوف التالي. فلما وقع في الوقت الذي سماه هز اليونانيين هزاً وجعل المفكرين منهم يقولون معه ان لا علاقة للأحداث الجوية بغضب الآلهة. وزار طاليس مصر ورأى مبانيها الفخمة ومنها الأهرام وعلم فيها انه كان قد مر على بنائها أكثر من ألفي سنة. فأدرك حالاً أن آلهة قومه لم تكن قبل زمانه ببضعة أجيال تجول في الأرض. فنفت هذه الحقيقة الآلهة من الزمان الماضي كما أبعدتهم عن بدء العالم.
وقام من هؤلاء اليونانيين الآسيويين من قال ان الأرض كرة متحركة ومن استدل بالنباتات والأسماك المتحجرة ان البحر كان في عصر من العصور مغطياً الأرض او ان الصخور تكونت في قلبه.
السفسطائيون

وانتقلت الثورة الفكرية من عقل طاليس الى عقول عدد غفير من اليونانيين، وقام من هؤلاء بعد السنة ٤٥٠ ق.م جماعة من اهل الرزانة يطوفون في البلاد متنقلين من مكان الى آخر لنشر تعاليمهم الجديدة لقاء أجر معين. فعرفوا بالسفسطائيين فكان الحدث اليوناني اذا ما اتم تعلم الموسيقى والقراءة والكتابة في المدارس القديمة يعنف اباه بالإلحاح عليه ان يقدم له المال اللازم لحضور محاضرات المعلمين الجدد وسماع تعاليمهم الجديدة. ولم يستطع الآباء ان يجاروا أولادهم في مضمار الأفكار الجديدة فنشأ تفاوت في الآراء الدينية مزعج دفع ثمنه المعلم السفسطائي في كثير من الأحيان اذ جل ما كان بوسع الآباء ان يفعلوه انتقاماً هو ان يستدعوا نفي المعلم واحراق كتبه.
أفريبيدس

(٤٨٥ -٤٠٦ ق.م) واثرت الأفكار الجديدة في نفس افريبيذس الروائي الشهير. وكان هذا ابن مزارع من جزيرة سلاميس وصديقاً وعشيراً للسفسطيين. ومن طالع رواياته الجديدة رأى في خلال سطورها شبح الشكوك في الآلهة ماثلاً أمام عينيه يدفعه الى التساؤل عن أشياء كثيرة والى الارتياب في أمور ألِفها وهو لا يجد مهرباً من ذلك ولا وسيلة لاقصاء الشكوك عن دائرة عقله. وكان الأثيني يعروه شيء كثير من قلق الفكر اذا تحقق لديه ان ابنه واترابه معجبون بأ فريبيذس.
سقراط

(٤٦٩-٣٩٩ ق.م) وحينما كان الشاب الأثيني المتجدد يمر بالشارع في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد كان يرى ما يذكره بمصدر آخر للشك. كان يرى صورة رجل أثيني فقير الحال اسمه سقراط وكانت هذه الصورة مشهورة لدى جميع سكان أثينا بقبح منظر صاحبها ورثاثة ثيابه. كان سقراط يقف في السوق طول النهار يحادث كل من يمر به ويسأله مسائل جمة تغادر المسؤول في حالة اضطراب عقلي لأنه كان يلقي، فيما يظهر، في عقول الناس بذار الشك في كل ما كانوا يحسبونه حقائق مقررة. ولكن كانت صورة هذا الرجل الدميم الخلقة تمثل افضل واسمى ما في النبوغ اليوناني. وكان سقراط شغفاً بالحكومة مع انه لم يرغب في نيل منصب فيها. ولم يجنح الى السياسة. ولكنه كان يعتقد ان تحسين الحكومة واصلاحها يبدأ بإصلاح الأفراد العاملين فيها وأن ذلك لا يستتب الا بتهذيب عقولهم ليعرفوا ما هو الحق وماهي الفضيلة.
وهنا تجلى أسمى ما جاءت به حكمة سقراط وهو اعتقاده الذي لم يتزعزع في وقت من الأوقات أن العقل البشري قادر أن يميز ويعين بالدقة التامة ماهي الفضيلة وما هو الصواب والحق والجمال والأمانة. وكان يعتقد أن الإنسان الذي يعرف هذه الفضائل ولو مرة واحدة، يقدر أن يكيف كل عمل يأتيه بموجبها وكان سقراط يبين قوة الفضيلة بقوة البرهان والمنطق. ولم يشر في تعاليمه الى أن الديانة هي من الذرائع المؤدية الى حسن السلوك والسيرة. ولكنه كان في الوقت نفسه، رجلاً ديناً مؤمناً بإله واحد وبحياة ثانية ويشعر بصوت الهي داخلي يدعوه الى عمله الشريف.
ولم يفق الجمهور كنه مقاصده ومساعيه الشريفة من نحو الحكومة فرأى من خلال المسائل الدقيقة التي كان يسألها أنه مرتاب في جميع المعتقدات القديمة. واستدعى الأثنينيون سقراط للمحاكمة واتهموه بأنه يفسد عقول الشبان متذرعاً بجميع ضروب الشكوك والتعاليم الكفرية. وكان في استطاعته أن يفر من أثينا حالما علم بإقامة الدعوى عليه ولكنه لم يفعل بل حضر الى المحكمة ودافع عن نفسه دفاعاً مجيداً. ولما صدر عليه الحكم بالإعدام قضى أيامه الأخيرة في المحادثات الرصينة مع خلانه وتلاميذه وشرب بمرأى منهم كأس السم القتال بكل صفاء ورباطة جأش (٣٩٩ ق.م).
أفلاطون

(٤٢٧ -٣٤٧ ق.م) ولد في أثينا في الأرجح من اسرة عريقة في الشرف والوجاهة. قرأ شعراء اليونان ولاسيما هوميروس ونظم الشعر التمثيلي. واقبل على العلوم ولاسيما الرياضيات واطلع على كتب الفلاسفة.
في العشرين من عمره، او بعيد ذلك، تعرف الى سقراط فأعجب به ولزمه. وايقن بفضل معلمه أن الحكومة الفاضلة لا ترتجل ارتجالاً وانما يجب التمهيد لها بالتربية والتعليم. فقضى حياته يمهد الفلسفة، وحزن لوفاة معلمه، فغادر اثينا الى ميغاري ثم سافر الى مصر وانتهز فرصة وجوده فيها، فزار القيروان، واتصل بمعلمها تيودوروس الرياضي، وعاد الى مصر الى عين شمس فتعرف الى مدرستها الدينية ودَّرَسَ علم الفلك. ولدى نشوب حرب كورنثوس سنة ٣٩٥ قبل الميلاد، عاد الى أثينا وانكب على الدرس والتأليف. ولما انتهت الحرب رحل الى جنوب إيطالية للوقوف على المذهب الفيثاغوري فصادق أرخيتا سيد ترنتوم الفيثاغوري الشهير. وسمع به ديونيسيوس ملك سرقوسة فاستقدمه، ولكنه لم يلبث أن غضب لآرائه في السياسة فوضعه على متن سفينة اسبارطية نقلته الى جزيرة اجينا فعرض في سوق الرقيق فيها، فافتداه رجل من القيروان كان قد عرفه في بلده. ثم رجع الى أثينا وأنشأ مدرسة في السنة ٣٨٧ ق.م عند أحد مداخل المدينة في بناء يطل على بستان أكاديموس فعرفت بالأكاديمية.
ووجد أفلاطون في تعاليم معلمه سقراط واسطة تمكنه من إرجاع النظام الى حياة بلاده المضطربة. فقال معه بإله واحد وبحياة ثانية لأنه وجد في هذا شفاء من القلق ونجاة من الشك وصيانة من الظلم وروحاً تعيد الى الشبان الأثينيين ما افقدهم إياه الشك من قوة الإيمان وأمان الفضيلة. فالخير عنده مبدأ كل نظام والكون في نظره مهندس هندسة والصانع مهندس ومن لا يفقه الهندسة لا يحق له أن يدخل هيكل الفلسفة. ولا يتوصل الانسان الى ادراك هذا النظام با لاحساس لأن الإحساس متغير متبدل ولأنه يصعب على النفس أن تعلم شيئاً اذا كانت الحوادث لا تبقى على حالها ثابتة. وهكذا فإن إدراك النظام لا يبنى على الإحساس وحده بل ينشأ عن التأمل والتذكر. لأنه اذا رجع الانسان الى نفسه وجد فيها مبادئ المعرفة. فالا حساس يوقظ النفس من نومها. ولكن هنالك معقولات كالوجود والمشابهة والتباين والهوية والتغير والجمال والقبح والخير والشر لا تدركها النفس عن طريق الحواس بل تدركها عن طريق المقايسة بين الحاضر والماضي والمستقبل.
فهي لا تتطلع على المعرفة بواسطة الإحساس بل تتذكر” عملها الأبدي” الذي كان لها قبل ان تتصل بالجسد. واذا قيل كيف تتمكن النفس من هذا التذكر وهي سجينة بالزمان والمكان أجاب أفلاطون ان النفس تتذكر عملها الأبدي الذي كان لها قبل ان تتصل بالجسد حين كانت في السماء في العالم العقلي في وطنها الحقيقي. فلما أعرضت عن تأمل المعقولات، لسبب ما، أضاعت أجنحتها وهبطت الى الأرض ونسيت ما كانت تعلمه من حقائق الأشياء، والعلم هو تذكر ما نسي من الحقائق او هو صعود من عالم المحسوس الى عالم المعقول. فلا يستطيع المرء أن ينقذ من الحوادث الى عللها او من الإحساس الى الصورة الا اذا كان مؤيد النفس بشدة الصفاء.
والحقائق الخالدة والصور المجردة في عالم الإله هي المثل عند افلاطون لا تدثر ولا تفسد بل انها أزلية ابدية. والذي يفسد ويدثر انما هو هذا الكائن المحسوس. وهكذا فإن أفلاطون قال بعالم آخر فوق هذا العالم المحسوس هو عالم الصور المجردة. فالإنسانية مثلاً هي إحدى هذه الصور وهي خالدة لا تتبدل ولا تتغير. أما الانسان الذي نراه ونشير اليه فهو في كل يومعلى حال.
والمثل هي مبدأ المعرفة ومصدر إشراقها لأن العلم لا يقوم على الإحساس بل على التأمل والكشف والتذكر. والفطر لا يرتقي من الرأي الى العلم عن طريق الاستقراء والاستنتاج بل عن طريق الحدس. وفوق هذه المثل مثال أعلى هو مبدأ المثل كلها وغايتها التي توحد بينها وتنظمها. وهذا المثال الأعلى هو الخير الأعلى او الإله. والخير الأعلى لا يتعدد لأنه لو تعدد لما كان خيراً أعلى. وذاته تحتوي على جميع الصفات لا على صفة واحدة. وهو كامل لا يتغير. وهو قديم أزلي مفارق للزمان لأن الزمان صورة من صور الوجود الفاني. والخير الأعلى ليس معقولاً فحسب وانما هو معشوق أيضاً لأننا بالحب ندرك الجمال كما ندرك بالعلم أنوار الحقيقة. وكان أفلاطون يقول:” ان الذي يجعل للحياة قيمة في عيني هو تأمل الجمال الأبدي. ما أحسن مصير الانسان الذي يستطيع أن يتأمل الجمال الإلهي هو الخير المطلق وهو رمز الحياة والحركة. فالإله ليس ذاتاً مجردة عن سائر الصفات وانما هو حركة وحياة ونفس وعقل. ولكن هذه الصفات لا تحدث كثرة في ذاته لأنه ” وحدة في كثرة”.
والإله عند أفلاطون هو الصانع الذي أبدع نظام هذا الكون. فقد كانت المادة تتحرك حركة مشوهة مضطربة على غير نظام فنظمها الصانع ورتبها وابدع العالم من لا نظام الى نظام. والمادة قديمة ولكنها مجردة عن كل حقيقة لا بل هي مقر الإمكان والعدم.
ولهذا المبدأ الأول عناية بالعالم. فقد صنعه على مثاله مفعماً بالخير. والشر نسبي فيه ولا وجود للشر المطلق. وعلى العاقل أن ينظر الى الكل لا الى الجزء فإذا نظر الى مجموع الأشياء وجد الخير فيها غالباً على الشر.
وقال أفلاطون بخلود النفس. فالنفوس الكريمة تنال ثواباً والخسيسة تهبط بعد الموت الى عالم الظلمات. و “رادمنت” يحاكم النفوس في الحياة الثانية فيرسل الشريرة الى ” تانار” أي الى أعماق الجحيم ويرسل أرواح الفلاسفة الى الجزر السعيدة. فهناك اذن حياة ثانية وبقاء فردي. هذه خلاصة عن الإله عند أفلاطون أعدها الدكتةر جميل صليبا في كتابه عن افلاطون الى ابن سينا.
ارسطو

(٣٨٤ – ٣٢٢ ق.م) ولد في اسطاغيره في خلقيذيقية في بيت اشتهر بالطب والتطبيب. وتوفي والده نيقوماخوس طبيب الملك امينتاس الثاني المقدوني، وهو لايزال حدثاً. ولما بلغ الثامنة عشرة رحل الى أثينا والتحق بالاكاديمية. فامتاز بين أقرانه وتعبد افلاطون “بالعقل” لشدة ذكائه “وبالقراء” لاطلاعه الواسع. وظل ارسطو في الاكاديمية عشرين سنة حتى وفاة صاحبها افلاطون. وكان على حد قوله، يحب افلاطون معلمه ويحب الحق ايضاً ولكنه كان ” يوثر الحق على افلاطون”. فنقد نظرية “المثل” وقال ان الحواس هي مصدر الأفكار. واستدل على ذلك بأن الأكمه لا يفرق بين الألوان والأصم لا يفرق بين الأصوات.
وقال أرسطو كل ما هو متحرك فهو متحرك بشيء آخر. وهذا يعني حركة مباشرة من المحرك الى المتحرك أو حركة غير مباشرة بتوسط متحرك محرك أو أكثر مثل الحجر المتحرك بالعصا والعصا باليد واليد بالإدارة. وفي هذه الحالة تكون المحركات المتوسطة متناهية العدد بالضرورة فنصل الى محرك اول، ولايمكن ان يكون المحرك الأول متحركاً بذاته لأن شيئاً واحداً بعينه لا يتحرك بنفس الحركة التي يحرك بها. وهكذا وجه بين إله افلاطون وإله أرسطو. فإله ارسطو يحرك العالم من غير ان يتحرك. ولما كانت الحركة أزلية كان المحرك الأول ازلياً ايضاً لانهاية لبدايته. وهو ليس جسمياً لأنه ان كان جسماً متناهياً لأن لا يمكن ان يكون المتناهي محركاً حركة لا متناهية. والله يحرك كمعقول ومعشوق. وهو التعقل القائم بذاته فإذا عقل غيره فقد عقل أقل من ذاته وانحطت قيمة فعله. فان من الأشياء ماعدم رؤيته خير من رؤيته. وهكذا فانه إله ارسطو أمسى عقلاً لا يعقل الا نفسه ومحركاً لا يتحرك كأنه نقطة مجردة لا حياة فيها ولا عاطفة.
ولايخفى ان ارسطو غادر أثينا بعد وفاة معلمه في السنة ٣٤٧ قبل الميلاد لأن موقفه فيها كان قد تحرج بقيام حزب فيها يقاوم فيليبوس أبا الاسكندر. وكانت علاقة اسرة ارسطو بالبلاط المقدوني معلومة عند الجميع. فرحل الى آسيا الصغرى ومكث فيها وتزوج . ثم استقدمه فيليبوس ليثقف ابنه الاسكندر واستمر ارسطو يثقف ابنه الاسكندر، واستمر ارسطو يثقف ولي العهد اربع سنوات متتالية. ثم عاد الى أثينا في السنة ٣٢٥ ق.م وكانت قد خضعت لفيليبوس. فأنشأ مدرسة في الليكيون والقى دروسه وهو يتمشى وتلاميذه من حوله فلقب هو واتباعه بالمشائين. وبعد اثنتي عشرة سنة اضطر ان يبرح أثينا لأنه بعد وفاة الاسكندر عادت المقاومة لحكم المقدونيين. واتهم هؤلاء ارسطو بالالحاد فغادر أثينا وهو يقول: ” لا حاجة لأن اهيء فرصة يسيء الأثينيون بها الى الفلسقة مرتين”
وقصد خلقيس في جزيرة أوبة فأصيب بريح السداد وتوفي فيها بعد وفاة الاسكندر بسنتين.
زينون الفينيقي

فينيقي الأصل (٢٣٦ -٢٦٤ ق.م) أبصر النور في كتيوم بقبرص. وكان ابوه منسى يذهب الى أثينا للتجارة، فيحمل عنها كتب السقراطيين ، فقرأها زينون، ورغب في الاتصال بأصحابها. واشتغل كأبيه في التجارة وذهب الى أثينا وأصغى الى فلاسفتها في السنة ٣١٣ ق. م في الرواق، المصور مدرسة، وقد عُرفت بالمدرسة الرواقية نسبة الى هذا الرواق.
قال زينون بالنار الحية. فالحرارة أو النار هي المبدأ الفاعل والمادة المبدأ المنفعل.
كانت النار في الخلاء اللامتناهي ولم يكن سواها شيء، وتوترت فتحولت هواء، وتوتر الهواء فتحول ماء. وتوتر الماء فتحول تراباً. وانتشر في الماء نفسٌ حارٌ ولَّدَ فيه بذرة مركزية هي اللوغوس، العقل قانون العالم، هذه البذرة تحوي جميع بذور هذه الأحياء كامنة بعضها في بعض. فانتظم العالم بجميع أجزائه دفعة واحدة، وأخذت الموجودات تخرج من كمونها شيئاً فشيئاً. وماتزال تخرج بقانون ضروري ليس فيه مجال للصدفة.
ويدل لسان الطبيعة على أنها ليست وليدة الصدفة بل الضرورة العاقلة.
والعالم ألهي بالنار التي هي العلة الأولى بما فيها من عقل وقانون. وقال زينون وخلفاؤه بالعناية الإلهية، وارادوا بذلك تلك الضرورة العاقلة. واعتبروها بريئة من الشر مؤكدين أن لكل شيء ضده ، وان الشر ضروري للعالم كضد للخير. والله خير طبعاً ولكن تحقيق الخير قد يستلزم وسائل لا تكون خيراً من كل وجه. والشر الخلقي أو الخطيئة ناجم عن حرية الانسان.
وقال الرواقيون في الأخلاق ان الطبيعةتتجه عفواً الى غاياتها في الجماد والنبات وبالغريزة،مع تصور وشعور، في الحيوان وتتخذ في الانسان طريقاً آخر هو العقل، أكمل الطرق لتحقيق أسمى الغايات. وعلى الانسان والحال هذه ان يستكشف في نفسه العقل الطبيعي وان يحيا وفق الطبيعة والعقل. والانسان الكامل هو الذي يعلم ان كل شيء في الطبيعة انما يقع بالعقل الكلي او بالإرادة الإلهية أو بالقدر فيعتبر ميوله وظائف لتحقيق هذه الإرادة الإلهية أو بالقدر فيعتبر ميوله وظائف لتحقيق هذه الإرادة الكلية ويقبل مفاعيل القدر طوعاً. فإذا ابتُليَ بمرض أو أصابته مصيبة آثرَ ذلك لعلمه أنه مقدر عليه فيتوفر له الخير الحقيقي في كل حال. واذا نزلت به فوادح لا تطاق فله حينئذ أن ينتحر ويتخلص من حياة لم يعد فيها شيء مطابق للطبيعة. وفي ما خلا هذه الشدائد فإنه يصمدللدهر، لا يخاف ولا يرجو ولا يأسف ولا يندم، بل يرتفع بنفسه فوق كل شيء ويحتفظ بحريته وينعم بفضيلته.
وكَّرَّمَ الأثينيون زينون الفينيقي في حياته ومنحوه تاجاً ذهبياً. وأقاموا له مأتماً حافلاً عند وفاته، ونصبوا له تمثالاً تذكارياً. وجاء على ضريحه مايلي:
” أما كفاك فخراً أن فينيقية موطنك. ألم تنجب فينيقية قدموس الذي جاء بلاد اليونان ليعلم الناس الحرف”.
أبيقوروس

(٣٤١ – ٢٧٠ ق. م)، وأُعجبَ الأثينيون بسمو أخلاق زينون، فتهافتوا على سماعه، وراجت فلسفته رواجاً كبيراً في الأوساط المثقفة، وقال بها عدد من أعاظم الرجال. ولكنها ظلت فلسفة النجدة. ولم يبذل رجالها أي مجهود لتخليص الجهلاء من شقائهم بل كانوا يتعالون عليهم ويتركونهم وشأنهم.
ولم رق مباحث أفلاطون العلمية جمهور اليونانيين ولا راقتهم مدرسته الأكاديمية، ولم تعجبهم حكمة ارسطو ومدرسته أو اخلاق زينون السامية بل صَبَتْ عقولهم الى نوع من الفلسفة يكسبهم هناء المعيشة وراحة البال والنجاح في الأعمال. فجاء ابيقوروس يشيد سقراط والسقراطيين في الرغبة عن كل علم لا يتصل بالأخلاق ولا يعود بفائدة من هذه الجهة. وعرَّفَ الفلسفة في أنها الحكمة العملية التي توفرالسعادة بالأدلة والأفكار. وقال انها ميسورة لكل انسان في كل سن. ووثق ابيقوروس بالإحساس واتهم إضافات العقل لأن خطأ الحواس لايقع الا في الحكم الذي يضيفه العقل الى الإحساس. ومتى تكرر الإحساس أحدث في الذهن معنى كلياً نثبته باللفظ. أما الحدس الفكري فإنه مجرد استدلال.
وهكذا فإن ابيقوروس لم يعترف بغير المادة فأمست السعادة عنده لذة جسدية. ولكنه عالج اللذة بحذق فجعلها نوعاً من السعادة النفسية. وابقى على الفضائل واستبعد الرذائل. واعترف بأن للذة عواقب وان هذه العواقب قد لا تكون جميعها خيراً فيجب تعديل اللذة بالألم وتقبل الألم الذي يجر لذة أعظم. وتفاوتت اللذات وتنوعت . فكان هنالك لذات ضرورية صادرة عن نزعات طبيعية كالطعام عند الجوع ولذات غير ضرورية صادرة ايضاً عن نزعات طبيعية كالأغذية المترفة ولذات غير ضرورية كلذة المال والكرامات الاجتماعية. والحكيم من يصغي الى الطائفة الأولى ويرفض الثالثة وينظر في الثانية. والنفس تتلذذ بلذة حاضرة وبذكرى الماضية ورجاء المستقبلة. وبذلك تصبح لذة اللذة مستقلة عن الظروف الخارجية مستطاعة دائماً. وخوف الموت من فعل المخيلة:تتخيل جسم الميت ذا حساسية فيأخذنا الرعب من ظلام القبر. والحكيم يعلم ان الموت فناء لذلك يبطل خوفه منه. وهو يعلم ان الخلود مستحيل فلا يفكر فيه. والمهم في السعادة قوة اللذة لا مدتها.
آلهة روما
وتراءى للرومان أيضاً أن ظواهر الطبيعة أشخاص آلهة لا بد من استرضائها. فالمشتري (جوبيتير) كان إله الجلد العظيم وملك جميع الآلهة، والمريخ (مارس) ولي أبطال الحرب، والزهرة (فينوس) ملكة الحب، ويونو (جونو) إلهة الجلد وحامية النساء في الزواج والولادة، ووستة حارسة الحياة العائلية، وتولت كيريس خصب الأرض وانتاجها، ولا سيما الحنطة. وكان عطارد رسول الألهة ورب المواصلات والتجارة. وأثرت التكهنات التي كانت تنطق بها السيبلات نبيات ابولون في دلفي فوقعت موقعاً سامياً دى الرومانيين. واعتبر هؤلاء الكتب السيبلية مدهشة عن أحوال المستقبل.
وعادل الرومانيون بين آلهتهم وآلهة اليونان فاعتبروا جوبيتر ابولون وونيسة افروديت وهكذا دواليك. لكن آلهتهم ظلت أوقر وأكثر اعتدالاً من آلهة اليونان. وحسبوا الديانة مجرد عقد او اتفاق بين الآلهة والبشر. فاذا قام هؤلاء بشروط العقد وجب على الآلهة ان تُسبغ عليهم النعم والبركات.

الرومان والفلسفة
وبعد انتصار روما على اليونان ازداد امتزاج اليونانيين بالرومانيين، ونشأ الأخيرين ميل شديد الى الآداب اليونانية، فأكثروا من الامتزاج بالجماعات اليونانية الراقية المهذبة، وتمادوا في عشرتهم فمالوا الى تحديهم والنسج على منوالهم، ولا سيما وأن الآداب اليونانية كانت الوحيدة المعروفة عندهم.
وأول حادث هام لفت نظر الرومانيين الى الفلسفة اليونانية وصول وفد أثيني مفاوض في السنة ١٥٥ ق.م مؤلف من رؤساء المدارس الفلسفية الثلاث في أثينا من كرنياذس القيروني رئيس الأكاديمية الثالثة او الجديدة وذيوغينيس البابلي رئيس المدرسة الرواقية وكريتولاوس رئيس المدرسة المشاءة.
فإنهم أقاموا في روما مدة غير قصيرة يفاوضون أعيانها. والقى كرنياذيس محاضرة هز بها الحضور هزاً عندما قال ان العدالة في نظره هي مجرد اتفاق وإصطلاح. فاندفع امفينيوس وكتب باللاتينية، بعد ذلك بقليل عرضاً للفلسفة الأبيقورية. ثم اهتم سكيبيو اميليانوس لزيارة الفيلسوف الرودوسي الرواقي بنائيتيوس (١٨٥ -١٠٩ ق.م).
وفي أوائل القرن الأول قبل الميلاد تولى بوسيدونيوس الابائي السوري الرواقي (١٣٥ – ٥١ ق.م) تهذيب اوارو وبومبايوس وشيشرون.
وآثر المثقفون الرومان الرواقية والابيقورية على سائر المذاهب الفلسفية الرائجة واقبلوا على الأولى أكثر من الثانية. وسعى شيشرون سعياً حثيثاً لنشر الفلسفة اليونانية بين مواطنيه. ومع انه كان انتقائياً يقول بجمع الأفضل من جميع الفلسفات فإنه مال الى تعاليم الاكاديمية الجديدة والرواقية.
لوكيوس سنكه

واشهر الرواقيين الرومان كان لوكيوس سنكه (٤ق.م – ٦٥م) وهو معلم نيرون ومدير شؤون الدولة في أوائل عهده. ومع انه لم يطبق بعض مبادئ مذهبه فسكت عن بعض الإجراءات الشاذة وجمع اموالاً طائلةفإنه ظل في الصميم رواقياً انسانياً. شفوقاً مؤمناًبتدبير الهي شامل كامل. كتب في الأخلاق والطبيعيات وصنف عدداً من المآسي. ولعل محاوراته أجدر من غيرها باهتمامنا لعلاقتها الوثيقةبمبادئه وفلسفته. ومنها رسائله الثلاث الى سيرينوس رئيس حرس الليل في عهد نيرون . فكان ملخص الحوار الأول ان الرجل الحكيم لا يلحق به أذى أو إهانة. وبحث في الحوار الثاني هدوء النفس في الملمات. وأبان في الثالث فائدة أوقات الفراغ لترويح النفس في التأمل وللتأمل.
اما الرسائل المائة والاربع والعشرون التي وجهها سنكه الى صديقه لوكيليوس بحثت في السعادة والخير الأعظم ومخاوف الموت وجمع الأموال وما شاكل ذلك. وقد رجع اليها المسيحيون الأوائل واستشهدوا ببعض ماجاء فيها وتراءى لبعضهم ان صاحبها كان مسيحياً وانه راسل القديس بولس الرسول.
سقوط الآلهة
وحلت الرواقية والأبيقورية عند الفئة المهذبة من الرومان محل الديانة القديمة. وكان افهيمروس المسيني (٣١١-٢٩٨ ق.م) قد ألف قصة جميلة اسماها الرحلة المقدسة جال فيها جولة خيالية في المحيط الهندي حتى وصل الى جزيرة بنخيا فزار هيكل زفس فيها، ورأى في وسطه عموداً من ذهب نُقشت عليه أعمال اورانوس وكرونوس وزفس الجبابرة. فاكتشف انهم كانوا بشراً ملوكاً عظماء قاموا بأعمال باهرة فاستحقوا التأليه. ونقلت رحلة افهيمروس الى اللاتينية فانتشرت في الأوساط الرومانية وبذرت بذور الشك في الآلهة في حوض البحر الأبيض المتوسط. فأمست الآلهة كأنها لم تكن. واذا اعترف المهذبون بوجودها عدوها كائنات بشرية ممجدة لاغير.
بيرون وشكه
وكان السفسطيون قد أثاروا الشك في عصرهم، وكان بارمينيذس أيضاً قد اتهم المعرفة الحسية. ولكن الشك الذي نبحث عنه الآن كان جديداً. فإنه نشأ عن ازدياد عدد المذاهب الفلسفية وتعارضها وتبلبل الأفكار وفساد الأخلاق. كان شك من غلب على أمره فانعكف على نفسه وأعرض عن متاع الدنيا قائد “لا ادري” لايوجب ولا ينفي ولكنه يرى في التقاليد والعقائد الشعبية راحة واطمئناناً.
وبيرون (٣٦٥ – ٢٥٧ ق.م) أبو اللاادريين نشأ مصوراً في ايليس. ومال الى الفلسفة فأخذها عن انكسارخوس تلميذ ديمو قريطس والتحق وإاه بجيش الاسكندر فرأى ” فقراء ” الهنود فأعجب بعدم مبالاتهم بالحياة وثباتهم في الآلام. وعاد بعد وفاة الاسكندر، الى وطنه وعلم ان كل قضية تحتمل قولين متعادلين إيجاباً وسلباً، وأن الحكمة تقضي بالعدول عن الحكم والامتناع عن الجدل والوقوف عند الظواهر. فالثلج “يبدو” لنا ابيض والعسل “يبدو” لنا حلواً. والقول بالخير والشر عُرفٌ واصطلاح فقد يكون الشيء الواحد تارة خيراً وطوراً شراً. وإذا علمنا أن الأشياء زائلة والأحوال متقلبة قلَّ انزعاجنا ونعمنا بالطمأنينة.

أركيلاس والاحتمال
وتسرب الشك الى رجال الأكاديمية نفسها الى مدرسة أفلاطون . فنشأت في القرن الثالث قبل الميلاد “أكاديمية جديدة”. وأول من قال بالشك في الأكاديمية الأفلاطونية أركيلاس (٣١٦ – ٢٤١ ق.م) رئيس الأكاديمية بعد السنة ٢٦٨لاأو ٢٦٥ ق.م.
وجه أركيلاس همه الى مناقشة زينون والرواقيين وزعزعة ثقتهم باليقين. وكان هؤلاء يقولون بقسطاس أو مقياس للحقيقة بادراك بالحواس لا يقاوم ولا يرد يوصلنا الى الحقيقة. فأجاب أركيلاس الى الخطأ في الإدراك بالحواس مقنع، في بعض الظروف بقدر الصواب كما يتبين من خيالات المنام واوهام السكر والجنون. وليس لدينا والحالة هذه قسطاس نميز به بين الفكرة الحقيقة وغير الحقيقة. وبالتالي فالحكمة هي بتعليق الحكم في الشيء ذاته . ولكن اركيلاس كان يقول بالعقل ضمن هذه الحدود فكان احتمالياً مرجحاً يقول بما يبدو معقولاً من الآراء ومستقيماً من الأفعال فخالف بيرون وأتباعه الذين كانوا يخضعون للمادة.
ومن قال بالاحتمال قرنياذس وقد سبقت الإشارة الى خطبه في روما. فإنه أنكر ان يكون هناك قسطاس يدلنا على الحقيقة. فإنه نقد الحواس والعقل والعرف وقال بالاحتمال والترجيح. واشترط للاحتمال ثلاثة شروط أولها الانتباه الى الشيء ووضوحه أمامنا، والثاني عدم تناقص الادراك بالحواس، والثالث امتحان ما يبدو أمامنا فإذا ظننا الحبل حية ضربناه بالعصا. فنطمئن الى ادراك الحواس “ونرجح” الوصول الى الحقيقة ترجيحاً.
الغنوصيون رجال المعرفة
وانتصر الاسكندر على داريوس فدالت دولة الفرس، ودانت للاسكندر وخلفائه، فاطلع هؤلاء اليونان على ثقافات لم يعرفوها الا لماماً، وبالمقابل نشروا ثقافة اليونان في بلدان ظلت بمعزل عنها عصوراً طوالاً. وحاولوا تهلين الشرق فاضطروا الى فهمه فهماً شاملاً، وتبين لهم أن الدين في الشرق أهم من الفلسفة، فعكف فلاسفتهم على الأديان الشرقية يدرسونها ويمحصونها. ومن هنا في الأرجح إقدام بعض الجالية اليونانية في الإسكندرية على ترجمة التوراة الى اليونانية في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد في ماعرف بالترجمة السبعينية. ومن هنا أيضاً جمعوا أكثر من مليوني سطر على زرداشت وتعاليمه في مكتبة الإسكندرية.

ومن هنا ايضاً الاعتناء بالسحر الفارسي والبابلي وما امتزج به من آراء دينية ولاهوتية.
وكانت مسألة الشر قد امست شغل رجال الدين الشاغل في الشرق منذ عهد زرداشت (١٢٠٠-١٠٠٠ ق.م). وكان هذا قد قال في الزنداوستا بثنائية بإلهين واحد خيّرْ، والآخر شرير بغيضين من زروانا بهرموزذ الكلمة الخالد الصادر من الأب وباهريمان أخيه الأصغر، وبنزاع بينهما أدى الى الغيض مرة ثانية. فخلق هرمزد العالم النقي اولاً، ثم أفاض الأمشيبندات الستة وظل هو سابعها. وظهرت هذه ذكراً وانثى فنشأ عنهما ثمانية وعشرون يزدا. ونشأعن هؤلاء عدد لا يحصى من الفراريش أو الأفكار.
وحسد أهريمان أخاه هرمزد وتكبّر، فحكم عليه الكائن الأعلىزروان بالتيه في الظلام الفاً ومائتي سنة. فأفاض اهريمان ثلاث سلاسل من الديوان أي من الأرواح الشريرة ليقاوم بها مناظريه، فتاهت هذه فاسقة تحارب كلمة هرمزد من الأجزاء المتناثرة الانسان ذكراً وانثى ووضعهم في عالم كان قد صنعه مع الأرواحالصالحة، ففتن اهريمان المرأة بلبن وأثمار فغوت وملأت العالم شراً وضراً. وجاء في الزنداوستا ان انبياء ثلاثة سيظهرون في ابان الطغيان وان احدهم سوشيانت سيعيد الأمور الى نقائها الأول.
وانطلق الفرس يقتحمون فأنشأوا امبراطورية (٥٥٠-٣٣٠ ق.م) واسعة الأطراف، وانتشرت جالياتهم في شرق آسيا الصغرى ومابين النهرين وسورية ومصر وانتشر دينهم فعرفه العالم الشرقي القديم. وأخضع سرجون اليهودفي سنة ٧٢٢ ق.م وسبى ونقل جماعات منهم الى آشور ومابين النهرين، وكذلك فعل نبوخذ نصرفي السنة ٥٨٦ ق.مفنقل بدوره جماعات كبيرة بالسبي المعروف بالبابلي الى بابل ومابين النهرين، ومع أن كورش الفارسي سمح بعودتهم الى فلسطين وهي ارض الكنعانيين اساساً، فإن كثيرين من اليهود آثروا البقاء في مابين النهرين، وتسربت آراء الفرس الى أوساطهم، فاضطروا ان ينظروا فيها، فكثر الكلام في الأسفار المتأخرةعن الملائكة والشياطين. وبدت الحكمة في كتاب أخنوخ الثاني شخصاً يخاطبه الله حين يقول: “لنصنع الانسان على صورتنا ومثالنا”. وجاء في يهوديت(١٧١١٦) ” لأنك انت قلت فكانوا وأرسلت ” روحك” فخلقوا.
وأثرُ الزرداشتية في طائفة القبالة اليهودية واضح جلي. فالله عندهم كزروانا عند الزرداشتيين هو الزمان الذي لاحد له. وقد صدر عنه عشرة فيوض التي تؤلف بمجموعها آدم القديم. فالحكمة والتاج والادراك رأسه والرحمة والجمال والعدل جسمه والثبات والركن والعظمة في قدميه. وصدر عن هذه عوالم أربعة، عالم المادة، وعالم الخلق، وعالم الابداع وعالم الشياطين.
والانسان مصنوع على صورة آدم القديم له نسمة وروح ونفس مأخوذة واحدة واحدة من هذه العوالم. والناموس كان في البدء كالانسان روحياً كاملاً ثم ظهر بمظهر القصة. فلابد في هذه الحالة من معرفة قيم الحروف بالأرقام ليظهر لنا معنى النص الحقيقي.
وكان اكسينوقراطس تلميذ افلاطون ورئيس الأكاديمية قد عالج مشكلة الشر فأّوَّلَ مذهب افلاطون تأويلاً ثنائياً فقال بمبدأين اولين أحدهما خيِّرْ اسمه ” الواحد” والآخر شرير أطلق عليه اسم ” الاثنين”. لكن الغنوصيين رجال المعرفة رفضوا ان يعتبروا الشر ماهية أولى مقابلة لماهية الخير معادلة لها.
وكان افلاطون نفسه قد عزا الشر الى خطيئة ارتكبتها النفس في حياتها الأولى.. فرأى الغنوصيون أن هذا القول يفسر شر كل نفس بمفردها ولكنه لا يفسر الشر كله. فوضعوا الخطيئة في إله أدنى وجعلوا منه صانع العالم المادي ونزهوا الله عن الدنس بماسة المادة ووضعوه في مكان قصي لا يدركه الفكر، وإنما تبلغ اليه النفس بالجدب او باشراف فجائي. ثم رأوا الفراغ عظيماً بين الله والعالم، فقالوا بأيونات تصدر عن الله فتصبح وسطاء بين النفس والله.
شاع هذا القول بالوسطاء فعرفهم البعض مثلاً آخذاً عن أفلاطون. ودعاهم آخرون كلمات كما فعل الرواقيون او ملائكة كما عبر عنهم فيلون اليهودي الاسكندري وقالوا ان المعرفة في أصلها وحي أنزله الله منذ البدء، وتناقلها المريدون سراً. وكان العهد الذي شاعت فيه هذه الآراء وانتشرت عهد اختلاط بين الشعوب وتعارف وتوفيق، فغزت الغنوصية جميع الأديان والمذاهب الرائجة لتحويلها الى معنى أعمق، وتغلغلت في جميع الأوساط.

وفي ملء الزمان
وفي ملء الزمان، في إبان هذا اتبلبل اصطفى الله مريم وطهرها وحصنها وارسل اليها ملاكه يبشرها، وقال ان الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، ولذلك فالقدوس المولود منك يُدعى ابن الله.فولد المسيح كلمة الله من الروح القدس ومن مريم البتول وتأنس.
