الشماسات في العصور الأولى

الشماسات في العصور الأولى

تمهيد

قد ينصرف الفكر عند سماع هذا اللقب الى زوجة الشماس، كما ينصرف الى الخورية زوجة الخوري… ولكن مهمة الشماسة كانت غير ذلك وان توجب الكنيسة حالياً على زوجات الشمامسة والكهنة ان يقمن بواجباتهن معينات لرجالهن الشمامسة والكهنة في الرعاية والخدمة.

في الكنيسة الأولى

يظن البعض ان الشماسات في الكنيسة في عصورها الأولى نشأن منذ عهد الرسل، وان القديس بولس يشير اليهن في رسالته الى روميه (16 : 1 )إذ يذكر (فيبي) كأنها شماسة في كنيسة كنكريه،بولس الرسول يخبرنا أيضا عن فيبي في رسالته إلى أهل رومية: “أوصي إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا لكي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين وتقدموا لها أي شيء احتاجته منكم لأنها صارت مساعدة لكثيرين ولي أيضاً.”

واجهة الكاتدرائية المريمية بدمشق واسمها كنيسة مريم
واجهة الكاتدرائية المريمية بدمشق واسمها كنيسة مريم

وقد زعم هذا أن الأرامل المشار اليهن في (ا تيمو 5: 9) قد يكن الشماسات المقصودات… وهذا ليس بعيداً عن الاحتمال لأن السن المعين لقبول النساء في الخدمة كان ستين سنة على ما قال (ترتليانوس)، ولكن مجمع (خلقيدونية) خفض السن بعد قرنين الى الاربعين سنة، ويظهر ان الأرامل اللواتي يذكرهم (القديس بولس) كن مع اللواتي نذرن العفة إذ قيل عنهن بصراحة اذا تزوجن: ” فالقضاء عليهن لأنهن نقضن العهد الأول” (ا تيمو5: 12).

ومما يميز الشماسات عن فئة أخرى من النساء المحتاجات، انهن كن ينذرن العفة الدائمة، ف “الدستور الرسولي” يقول: ” ان الشماسة يجب ان تكون عذراء طاهرة أو ارملة…” وقال كاتب المقالة عن الشماسات في (قاموس المسيحية القديمة):” انه من الأمور الواضحة ان سيامة الشماسة كانت تتضمن نذر العزوبة” وقانون (مجمع خلقيدونية(15)) هو صدى لما جاء في اقوال بولس الرسول:” لايجوز ان تنال امرأة وضع اليد لتصير شماسة وهي دون الاربعين من عمرها، وقبل اجراء فحص دقيق، واذا احتقرت نعمة الله بعد وضع اليد عليها، وخدمتها كشماسة، فسلمت نفسها للزواج فلتبسل مع الرجل الذي تزوجها” وقد نصت (الشريعة المدنية) الى أبعد من ذلك فإن شرائع يوستنيانوس تعاقب المخالفين والمخالفات بمصادرة الأموال والاعدام. وفي صلاة الخدمة القديمة، في وضع اليد على الشمامسة طِلبة يسأل فيها العون لها لتتمكن من المحافظة على الامساك والعفة.

وكان أهم اعمال الشماسات مساعدة الاناث المرشحات للمعمودية، ففي الأزمنة الأولى كان سر العماد يتم بالتغطيس للاناث الا في حالة مرض شديد ولا تزال الكنيسة الأرثوذكسية تجري العماد بالتغطيس ثلاثاً.

لذلك كان هناك واجبات كثيرة يمكن ان تقوم الشماسات بها، فانهن كن احياناً يقمن بتعليم الموعوظات التعليم المسيحي المطلوب، وقد انحصر عملهن في هذه الحالة بين النساء في الكنيسة الأولى بسبب الخصوصية، ولم يكن لائقاً او جائزاً ان تقوم امرأة بتعليم رجل او تمريضه…

وواجبات الشماسات ذُكرت في عدة كتابات قديمة نذكر منها هنا (القانون الثاني عشر من مجمع قرطاجة الرابع الذي التأم في السنة 398 مسيحية).

” إن الأرامل والنساء المكرسات اللواتي انتُخبن للمساعدة في معمودية النساء يجب أن يُعتني بتدريبهن في هذه الوظيفة ليقمن بتعليم النساء الساذجات بدقة وحذق الأجوبة على الأسئلة التي تُطرح عليهن في وقت المعمودية وكيف يجب ان يستسرن سيرة صالحة بعد المعمودية.”

وقد كتب في هذا الموضوع بأجلى بيان القديس ابيفانيوس الذي يتكلم عن الشماسات كمجموعة اكليريكية فيؤكد انهن لم يكن إلا نساء متقدمات في السن فلا صفة كهنوتية لهن على الاطلاق ، ولم يكن يُسمح لهن على الاطلاق، ولم يكن يُسمح لهن في تأدية واجباتهن، بأن يشتركن في أي خدمة كهنوتية بل كن يقمن على بسيط الحال ببعض واجبات العناية بالنساء .” فالظاهر من هذا كله ان يخطىء كل الخطأ من يتوهم ان وضع اليد في رسامة الشماسات هو من نوع وضع اليد في رسامة الشماس او القس والأسقف…

فما خدمة الصلاة على رؤسهن الا علامة خارجية لحلول نعمة روحية خاصة عليهن.

– لم يطل العهد على وجود الشماسات في الكنيسة ف (مجمع اللاذقية في القرن الرابع ( 343 – 381مسيحية)) منع تعيين بعض الفئات من الشماسات، والمجمع الأول في اورانج (414 مسيحية) منع في قانونه ال26 تعيين الشماسات على الاطلاق والمجمع الثاني في اورانج ( في قانونه ال 17 و18) يأمر بقطع الشماسة اذا تزوجت ان لم تنقطع عن مساكنة الرجل الذي اتخذته، وأمر أيضاً بوجوب الإمتناع عن رسامة أي امرأة في المستقبل بسبب ضعف الجنس البشري …

ويعتقد توماسينوس ان سلك الشماسات قد أُلغي ولم يبق له أثر في القرن العاشراو القرن الثاني عشر، أما في القسطنطينية فقد بقي مدة أطول ولكنه انحصر في الأديرة.

هل يمكن ان تخدم النساء كشماسات في الكنيسة؟

 إن الكتاب المقدس ليس واضحاً تماماً حول إمكانية أن تكون المرأة شماسة…

والدة الاله
والدة الاله

في الكنيسة الأولى:” إن عبارة أن الشمامسة يجب أن يكونوا “رجال ذوي وقار” (تيموثاوس الأولى 3: 12) والشرط بأن “يكون بعل إمرأة واحدة” قد يبدو أنها تستبعد النساء من الخمة كشماسات. ولكن يفسر البعض تيموثاوس الأولى 3: 11 كإشارة إلى النساء كشماسات لأن الكلمة اليونانية المترجمة “زوجات” في الإنجليزية تعني أيضاً “نساء”. من المرجح أن بولس هنا يشير ليس إلى زوجات الشمامسة ولكن إلى النساء اللواتي يخدمن كشماسات. إن إستخدام كلمة “كذلك” في أول الآية 8 تشير إلى وجود مجموعة ثالثة من القادة في الكنيسة بجانب الشيوخ والشمامسة. أيضاً لم يضع بولس شروط لزوجات الشيوخ عندما حدد شروط خدمة الشيوخ. لماذا إذاً يذكر زوجات الشمامسة؟ إذا كان من المهم أن تسلك زوجات القادة بشكل معين، فمن المنطقي أن نفترض أنه كان ليكون أكثر إهتماماً بزوجات الشيوخ – أو على الأقل بنفس القدر – حيث أن الشيوخ لهم مكانة أكبر في الكنيسة. ولكنه لا يضع أي شروط لزوجات الشيوخ.
تشير رسالة بولس الرسول(رومية 16: 1 ) إلى فيبي بنفس الكلمة التي يستخدمها بولس في (تيمو 1 3: 12). ولكن من غير الواضح ما إذا كان القديس بولس يقول أن فيبي شماسة أم مجرد خادمة بالكنيسة. في الكنيسة الأولى كانت النساء الخادمات يخدمن المرضى والفقراء والغرباء والمساجين. كن يعلمن النساء والأطفال (تيطس 2: 3-5). ربما لم تكن فيبي معينة رسمياً “كشماسة” ولكن بولس إعترف بقدرها حتى أنه سلمها رسالة لتوصيلها إلى الكنيسة في رومه (رومية 16: 1-2). من الواضح أنه لم ينظر إليها على أنها أقل مكانة أو مقدرة، ولكن رآها كعضو جدير بالثقة وله قيمة في جسد المسيح.

لا يقدم الكتاب المقدس الكثير لمساندة فكرة خدمة النساء كشماسات، ولكنه أيضاً لا يستبعدهن. لقد أنشأت بعض الكنائس منصب الشماسات، ولكن أغلب هذه الكنائس تميز بين منصب الشماسة الأنثى، وبين منصب الشماس الرجل. فإذا إعتمدت كنيسة منصب الشماسات فيجب ان يتأكد قادة هذه الكنيسة من أنهن خاضعات للقيود التي وضعها بولس على خدمة النساء في مقاطع أخرى ( مثل تيموثاوس الأولى 2: 11-12) تماماً كما تخضع القيادة كلها لسلطان الكنيسة وبالتالي للمسيح الذي له كل السلطان.

هل هناك أي ذكر لخدمة الشماسة في العهد الجديد؟
دارسوا الكتاب المقدس يولون أهمية كبيرة لنصوص العهد الجديد فيما يتعلق بالمراة وهذا لأن العهد الجديد كان قد كتب في بيئة لا تولي المرأة الكثير من الاهتمام أو الحرية. فهكذا نقرأ في بشارة القديس لوقا:” بعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين ويونا امرأة خوزي وكيل هيرودس وسوسنة وأخر كثيرات كن يخدمنة من أموالهن…”

ان هذا يدل على أن لوقا الانجيلي فهم خدمة المرأة كشيء ضروري لا بل كعنصر أساس لبناء ملكوت الله ونمو الكنيسة المقدسة.
بولس الرسول بدوره يخبرنا أيضا عن فيبي في رسالته إلى أهل رومية: “أوصي إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا لي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين وتقوموا لها في أي شيئ احتاجته منكم لأنها صارت مساعدة لكثيرين ولي أيضا.”
مايعني أن فيبي كانت خادمة أو شماسة هذا مما يدل على أن نعت النساء اللواتي كن مع السيد المسيح بالشماسات يعود إلى أولى ترجمات العهد الجديد. يبدو أن الشماسة فيبي كانت من الأول اللواتي وفرن عونا وضيافة للرسل في كنخريا منذ الأيام الأولى لآنتشار المسيحية.
في رسائله يخبرنا القديس إغناطيوس الأنطاكي ثالث بطاركة الكرسي الأنطاكي المقدس وأحد أهم آباء الكنيسة الأولى والمعروف برسائله الرسولية وقت استشهاده عن النظام الإداري في الكنيسة، أي الأسقف فالكاهن فالشماس. غير أن رسائله لا تخبرنا عن أي خدمة للنساء. فرسالته إلى أهل سميرنا لا تذكر للأرامل والعذارى أي خدمة تميزهن عن باقي الشعب: سلام أيضا إلى عوائل أخوتي الذين لهم نساء وأطفال وللعذارى المدعوات أرامل.والقديس بوليكاربوس أسقف سميرنا الذي كتب في نفس الحقبة الزمنية لم يتوان عن ذكر ما معنى أن تكون المرأة أرملة، “على الأرامل أن تكن متحفظات حينما يمارسن إيمانهن بالرب. عليهن أن يتشفعن باستمرار للكل وليتجنبن نشر الإشاعات واللغو والاتهامات الباطلة والسعي لامتلاك المال وسوء السلوك أيا كان.”
مع تعليم الرسل أصبحت الشماسات جزءً اساسياً من الكنيسة. إننا نعرف عن هذه منذ عام 1854 غير أن النص الأصلي لما كتب في وقت ما أي قبل النصف الأول من القرن الثالث ويحدثنا أيضا عن الأسقف والشمامسة والشماسة والكهنة والأرامل واليتامى قائلا: “اعتبروا الأسقف لكم في مقام الله العلي, وأما الشماس الذي هو في مقام المسيح فيجب عليكم محبته، والشماسة التي هي في مقام الروح القدس يجب عليكم تقديرها. وليكن الكاهن لكم على مثال الرسل وأما اليتامى والأرامل فليعتبروا على شبه المذبح.” 
في الكنيسة السريانية

أخبر(يوحنا ابن العبري) في كتابه (منارة الأقداس) أن الشماسات كن موجودات في الكنيسة على مثال الأرامل كما كتب كامندس الإسكندري:” أنه في وقت تقديم الذبيحة الإلهية كانت الشماسات تقف في المذبح وراء الأفيذياقونيين (الايبوذياكون)” وقال يعقوب الرهاوي:” أن ليس للشماسات أي عمل قط داخل المذبح، بل أن تكنس المذبح وتنير الشموع خارجه متى ما أُمرت بعمل هذا.وكان لها الحق أيضا أن تأخذ الأسرار من الكوة (المذبح) في حال عدم وجود أي كاهن أو شماس وأن تعطيها للنساء والأطفال…”

في الكنيسة القبطية 
اختفت خدمة الشماسات المكرسات في الكنيسة القبطية منذ القرن ال13 وقد اعادها مرة اخرى البطريرك شنودة الثالث. 
والجدير بالذكر ان الشماسة ليست رتبة كهنوتية لانه معروف ومستقر في كنيستنا الارثوذكسية انه لا كهنوت للمراة فالشماسة لاتوضع عليها الايدي لكنها تقام من الاسقف في القداس فتقف امام الهيكل ويتلو عليها صلاة وردت في قوانين الرسل
ومن اعمال الشماسات
معاونة الكاهن في عماد السيدات
حفظ النظام في امكن جلوس السيدات بالكنيسة
افتقاد الشابات والسيدات
خدمة مدارس الاحد وحضانة الكنيسة

ختاماً 

مهما تعددت الآراء وتنوعت النظريات الا انها في وجه الاجمال اعطت المسيحية المراة في كل شيء مكانة راقية ومميزةفهي معادلة للرجل بكل شيء وذلك من خلال الآيات الكثيرة التي تحفل بها صفحات الانجيل المقدس واعمال الرسل والرسائل الجامعة ثم في عصر الرسل… ولعل خير دليل عملي على ذلك هو تَّمثُّل المرأة المسيحية بالعذراء الطاهرة واحتلالها المكانة المتميزة التي لوالدة الاله العذراء ” فها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال…”

.